إسلام ويب

تفسير سورة المدثر (4)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن كل إنسان مرتهن بعمله يوم القيامة، فأهل الكفر والعناد يحملهم استكبارهم على رفض الدين، وتعطيل شرائعه، والسخرية من أهله، فإذا بغتتهم الساعة، وقامت عليهم القيامة، لم يجدوا من ينصرهم من دون الله، أو يدرأ عنهم العذاب النازل بهم، أما أصحاب اليمين، فإنهم في جنات يحبرون، فرحين بما آتاهم ربهم، فهو سبحانه أهل التقوى وأهل المغفرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كل نفس بما كسبت رهينة)

    الحمد لله, نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه, ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: ها نحن ما زلنا مع سورة المدثر المكية.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ * فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ * بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً * كَلَّا بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ * كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ [المدثر:38-56].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ [المدثر:38-39], فكل نفس صاحبها عاقل بالغ ليس طفلاً ولا مجنوناً وأذنب أو أجرم، أو كفر أو أشرك، أو فسق أو فجر، فنفسه في يوم القيامة رهينة, بمعنى: مرهونة محبوسة في جهنم. ولا يطلقها أو يفك رهانها أحد وهي خبيثة منتنة، وما زكت ولا طابت ولا طهرت.

    فقوله: كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ [المدثر:38], أي: بكسبها الذي هو الشرك والكفر والفسوق والفجور والذنوب والآثام رَهِينَةٌ [المدثر:38], أي: مرهونة بكسبها في جهنم وفي سقر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إلا أصحاب اليمين ...)

    قال تعالى: إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ [المدثر:39]. اللهم اجعلنا منهم, فنحن آمنا بالله ولقائه، وآمنا بالله ورسوله، وآمنا بالله وكتابه.

    وأصحاب اليمين هم المؤمنون، وليسوا بالشماليين. وسبحان الله! فهم أصحاب اليمين.

    وفي العالم اليوم حزبان: الحزب اليساري الشمالي والحزب اليميني. وأصحاب اليمين هم الذين من جهة الإيمان مؤمنون صادقون، وأصحاب الشمال -والعياذ بالله- هم الهالكون والخاسرون، والمنغمسون في أنواع الكفر والشرك والباطل.

    وقوله: إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ [المدثر:39], فهم ليسوا مرهونين بأعمالهم، بل هم فِي جَنَّاتٍ [المدثر:40] جمع جنة، وهي البساتين، وظل الشجرة فيه مائة سنة. وهم في هذه الجنات يَتَسَاءَلُونَ [المدثر:40], أي: يسأل بعضهم بعضاً عَنِ الْمُجْرِمِينَ [المدثر:41], وكيف حالهم وواقعهم في النار في سقر في جهنم.

    وقد كان المؤمنون يؤمنون بما أخبر الله تعالى به. ثم إن أهل الجنة في الجنة يتصلون بأهل النار, ويشاهدونهم في جهنم. والآن أصبح لا يوجد في هذا صعوبة, بل يكون الإنسان في أمريكا ويتكلم مع آخر في الصين أو في غيرها, ويرى وجهه أمامه. وقد سبقنا حقاً أهل الإيمان فآمنوا بهذا، وأما الآن فالإيمان ضعيف, وليس له قيمة، ونحن الآن نؤمن بما هو الواقع.

    إذاً: المؤمنون يوم القيامة فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ [المدثر:40-41], ويقولون لهم: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ [المدثر:42]؟ أي: ما الذي ربطكم بهذا الحديد في جهنم؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا لم نك من المصلين)

    قال تعالى مخبراً أن المجرمين يجيبون على سؤال المؤمنين: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ [المدثر:42]؟ فيجيبونهم: قَالُوا [المدثر:43]: أولاً: لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ [المدثر:43]. فقد كانوا تاركين للصلاة, ولا يصلون أبداً. ومن ترك الصلاة فقد كفر، والرسول صلى الله عليه وسلم يقرر هذا ويقول: ( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر ). ومن ثَمَّ ما كان يوجد تارك صلاة في المدينة ولا في مكة, ولا في دمشق ولا في القاهرة أيام أصحاب رسول الله وأولادهم وأحفادهم؛ لأنه يقتل. ونحن الآن نسمح له أن يأكل ويشرب وينكح في بيوتنا، ووالله إنه لا يحل له البقاء أكثر من أربع وعشرين ساعة، بل يقال له: صلِ فإن لم يصل يقطع رأسه. وهذا مجمع عليه, ولا خلاف بين المسلمين فيه. فُيدعى إلى المحكمة ويُسأل لم ما يصلي فإن قال: لن أصلي فيترك حتى يقوم القاضي ومن معه يصلون، ثم إذا جاء العصر قالوا له: قم صل فإذا قال: لن أصلي يترك, فإذا لم يبق من الزمن قدر ما يتوضأ ويصلي ركعة قبل غروب الشمس يقطع رأسه، فإن كان جاحداً للصلاة ولوجوبها -والعياذ بالله- فهو كافر, فلا يغسل ولا يكفن, ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، بل يرمى مع الكافرين، وإن كان غير جاحد لها وإنما هو معترف بها ولكن ما يصلي فيغسل ويكفن, ويورث أيضاً ويدفن في مقابر المسلمين.

    فالذنب الأول الذي استحق به المجرمون أن يدخلوا سقر هو: أنهم لم يكونوا من المصلين, ولذلك قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ [المدثر:43].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولم نك نطعم المسكين * وكنا نخوض مع الخائضين)

    قال تعالى مخبراً أن المجرمين يقولون أن من أسباب دخولهم سقر: وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ [المدثر:44]. وما كانوا يزكون ولا يخرجون الزكاة؛ لأن إطعام المسكين يكون بالزكاة بالمال. فهم تركوا الصلاة ومنعوا الزكاة, والعياذ بالله. وهذا الصنف يوجد بين الناس اليوم, فتجد شخصاً لا يصلي ولا يزكي وينتسب إلى الإسلام.

    ثم قالوا: وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ [المدثر:45] بالسب والشتم, والتكفير واللعن، وهذا كذا، وهذا باطل، وهذا خرافة، وهذا ليس ديناً. وهؤلاء أيضاً موجودون والله الآن في العالم، فهم لا يجتمعون إلا على هذه الأباطيل, ويتخوضون فيها, كما قال تعالى أنهم يقولون: وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ [المدثر:45]. فهذا يسب الرسول، وهذا يشتم أصحابه، وهذا كذا, وهذا يقول كذا وكذا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكنا نكذب بيوم الدين * حتى أتانا اليقين)

    قال تعالى مخبراً أن المجرمين يقولون أن من أسباب دخولهم سقر: وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ [المدثر:46], أي: ما كنا نؤمن بالبعث والجزاء, والدار الآخرة وما يتم فيها, وما يجري من الحساب والجزاء، بل كانوا منكرين البعث, ولا يؤمنون به، كالملايين مئات الملايين الموجودة الآن، فهم لا يؤمنون بالبعث والدار الآخرة، والعياذ بالله.

    والحقيقة التي ما ننساها هي: أن كل من لم يؤمن باليوم الآخر يجب ألا يوثق فيه, ولا يعول عليه، وهو شر الخلق، ولا يمكن أن ينشأ منه صلاح أو خير أبداً، والذي يكون مؤمناً أو ضعيف الإيمان وليس قوياً فيه فإنه يفسق ويفجر، ومن قوي إيمانه بلقاء الله ما يستطيع أن يعصي الله, ولا يخرج عن طاعته، ولا يقدر أبداً.

    هكذا ذكروا ذنوبهم، وهي: أولاً: قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ [المدثر:43]. وثانياً: وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ [المدثر:44]. وثالثاً: وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ [المدثر:45]. ورابعاً: وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ [المدثر:46], الذي هو يوم الجزاء بعد الحساب على الأعمال في الدنيا، والله إنهم قالوا هكذا كما تسمعون. وقالوا وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ [المدثر:46-47]. واليقين: الموت والله، فهو العتبة للدار الآخرة، وما إن يموت المرء حتى يدخل الدار الآخرة.

    اليقين هو أنه لما يموت الكافر .. اليهودي .. المجوسي .. الخبيث .. المشرك ويجيئه ملك الموت يعرف كل شيء، فيؤمن ويعرف أنه كان على باطل وضلال, ولكن لا يجزيه ذلك ولا ينفعه؛ لأن الإيمان لا يكون إلا بالغيب, وليس بالمشاهدة, ولهذا سمي الموت باليقين، فإذا جاء ملك الموت وشاهده المريض عرف، والعياذ بالله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فما تنفعهم شفاعة الشافعين)

    قال تعالى: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر:48]. وليس هناك من يشفع لهم من الملائكة ولا من الأنبياء، ولا من العلماء ولا من الصالحين أبداً؛ لأن الشفاعة تكون لأهل التوحيد، ولأهل لا إله إلا الله محمد رسول الله, ولأهل اليقين بالدار الآخرة. فهؤلاء إن زلت أقدامهم وساءت أعمالهم فقد يشفع لهم، وأما هؤلاء فلا شفاعة، كما قال تعالى: فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ [المدثر:48].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فما لهم عن التذكرة معرضين)

    قال تعالى متكلماً مع الأحياء في مكة: فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ [المدثر:49]؟ فما لـأبي جهل وعقبة بن أبي معيط وفلان وفلان عن هذه التذكرة التي يسمعونها وهذه الآيات معرضين عنها؟ فهم لا يريدون أن يسمعوا ولا يقبلون أبداً، بل يعرضون عنها, ويعطونها ظهورهم ويمشون, ولا يريدون أن يسمعوا رسول الله ولا عمر ولا فلاناً يقول كلمة. فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ [المدثر:49]؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كأنهم حمر مستنفرة * فرت من قسورة)

    قال تعالى في بيان واقعهم: كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ [المدثر:50-51]. فإذا قرأ أبو بكر قرأ الرسول ينفرون, ويتشبهون بالحمير، فالحمر في الصحراء إذا جاء الأسد شردت، وهؤلاء بمجرد ما يسمعون الرسول يقرأ ينفرون ويشردون، وما يجلسون ولا يسمعون. فهم كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ [المدثر:50-51]. والقسورة: الأسد. هذا واقعهم قبل أن يدخلوا في الإسلام، فقد كانوا كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ [المدثر:50-51].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفاً منشرة)

    قال تعالى: بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً [المدثر:52]. فقد قالوا: يا محمد! إذا كنت تريد أن نؤمن بك ونتبعك فاطلب من الله وادعه أن يبعث لنا كتاباً, وينزل عليك كتاب باسمنا, فيه: من رب العالمين إلى عبده فلان -أبي جهل أو أبي الأشدين أو كذا- أنا أمرناه ليؤمن بمحمد ويتبعه, وهنا إن جاء هذا الكتاب نؤمن بك، وأما إن لم يأتنا كتاب من الله فلن نؤمن.

    وهذا الطلب والله يطلبه اليوم الملاحدة والعلمانيون، فلو طُولبوا بالإيمان فإنهم يطالبون بهذا ولا يخجلون. وهذه هي ظلمة النفس، وظلمة الكفر والشرك، وظلمة الفسوق والفجور. فهم قالوا: لن نؤمن لك إلا إذا جاءنا كتاب, كما قال تعالى: بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً [المدثر:52], أي: كتاباً مفتوحاً فيه اسمه، وأن الله أمره أن يؤمن بمحمد. ومع أن القرآن بين أيديهم فإنهم يرفضونه ويعرضون عنه، ولا يسمعون ولا يستجيبون أبداً, بل هم كالحمر المستنفرة، ويطالبون بكتب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كلا بل لا يريدون الآخرة)

    قال تعالى: كَلَّا [المدثر:53], أي: لن يجاب طلب المشركين بأن ينزل الله عليهم كتباً؛ ليؤمنوا بمحمد, ولن يتم هذا أبداً. ولعنة الله عليهم. بل يكفي أن الله أنزل كتابه القرآن الكريم, وهم يطلبون كتاباً بأسمائهم أفراداًً.

    ثم قال تعالى: بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ [المدثر:53]. فالقضية سببها أنهم لا يؤمنون بالآخرة، ولو كانوا يخافون ما يجري لهم من العذاب بعد الموت وطول الحياة ما فعلوا هذا, ولا وقفوا هذا الموقف. ولكن العلة: أنهم ما يؤمنون بالآخرة. والآن بلايين البشر ما يؤمنون بالدار الآخرة أبداً، ولو آمن إنسان عاقل بالدار الآخرة لذهب إلى الشرق والغرب يسأل عن كيفية النجاة في الدار الآخرة, ولكنهم لا يؤمنون.

    بَلْ لا يَخَافُونَ الآخِرَةَ [المدثر:53] لأنهم ما آمنوا بها، ولا عرفوا ما يجري فيها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كلا إنه تذكرة ...)

    قال تعالى: كَلَّا إِنَّهُ [المدثر:54], أي: القرآن الكريم, تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ [المدثر:54-55], وتفكر وعبد الله عز وجل. وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [المدثر:56]. وهذا صحيح, فمن شاء أن يذكره ذكره, ولكنك والله ما تشاء ذكر الله حتى يشاء الله ذلك، فأنت عبده وبين يديه, ولا دولة لك ولا سلطان على الله، فلا بد لك من الافتقار إلى الله, وطلب الحاجة منه؛ لأنه مالك ذلك، ولا تعتز وتقول: أنا اهتديت وآمنت؛ حتى يكون الله قد أمرك بذلك, وأذن لك وأعانك ووفقك, وقد قال تعالى: وَمَا يَذْكُرُونَ [المدثر:56] أيضاً إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ [المدثر:56]. ومعنى هذا: ليس هناك من له سلطان على الله, أو قدرة فوق قدرة الله، بحيث إنه إن شاء آمن وإن شاء كفر، وإن شاء أعطى وإن شاء منع أبداً، بل أنتم خاضعون لله, وأنتم تحت سلطانه وسيطرته. إذاً: فما علينا إلا الطاعة لله والاستجابة لنداه، والإيمان بما أمرنا أن نؤمن به.

    ثم قال تعالى: هُوَ [المدثر:56], أي: الله جل جلاله وعظم سلطانه أَهْلُ التَّقْوَى [المدثر:56]. فهو الذي بيده كل شيء، فهو الذي خلق النار وعذابها، والذي خلق الموت ورسله، هذا الذي يجب أن يطاع، ويجب أن يؤمن به، وأن يذكر ولا ينسى؛ وذلك لأن الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة. فليس هناك من يغفر الذنب سوى الله أبداً, وليس هناك من يُتقى غير الله. فكل المخلوقات مربوبة مملوكة لا قيمة لها، وإنما الذي يتقى هو الله عز وجل؛ لأن بيده كل شيء, وهو على كل شيء قدير.

    1.   

    مكر الأعداء بالمسلمين في صرفهم عن القرآن الكريم

    سبحان الله! هذا كلام الله القرآن الكريم، وقد صرف عنه المسلمون بمكرة الثالوث الأسود المجوس واليهود والنصارى، فقد صرفوا المسلمين أكثر من ألف سنة عن القرآن، فأصبحوا لا يجتمعون عليه ولا يتدبرونه، وإنما يقرءونه على الموتى فقط. وهذا حالهم من إندونيسيا شرقاً إلى موريتانيا غرباً، ومنها المدينة النبوية، فهم لا يجتمعون على آية يتدارسونها أبداً, ولذلك حولوا قراءة القرآن على الموتى، حتى أصبحوا والله ما يحفظون القرآن إلا لأجل القراءة على الموتى, وهذا حالهم من أكثر من ألف سنة أو حوالي ألف سنة؛ لأن الثالوث الأسود المكون من المجوسية واليهودية والصليبية مكروا بالإسلام. فقد أرادوا أن يطفئوا هذا النور، ويوقفوا انتشار الإسلام، وعرفوا أن هذه الأمة كانت ميتة, وأحياها الله بالقرآن، وأن القرآن هو سر الحياة، وهو والله لكذلك. فقد كان العرب أمواتاً فأحياهم الله بالقرآن، وقد قال تعالى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا [الشورى:52]. فالقرآن روح. فقالوا: هيا نبعدهم عن القرآن. ثم عرفوا أن هذا مستحيل؛ لأن القرآن محفوظ في صدورهم، قالوا: نصرفه عنهم, ونضعه على الموتى. ومن جملة ما حفظناه في كتبنا أنهم قالوا: تفسير القرآن صوابه خطأ, وخطؤه كفر, أي: إذا فسرت القرآن وأصبت فأنت مخطئ، وليس لك حق في أن تفسر كلام الله، وإن أخطأت كفرت. ومن ثَمَّ كمموا أفواه المسلمين، فأصبح القرآن يُقرأ فقط على الموتى، ومن ثَمَّ انتشر الشرك، وعبدت القبور والأشجار, والأصنام والشهوات والأهواء. فلا إله إلا الله! ونحن نبرأ إلى الله من صنيع هؤلاء. وندعو المسلمين إلى أن يجتمعوا بعد كل صلاة مغرب في مسجدهم بنسائهم وأطفالهم، ويتعلمون ليلة آية من كتاب الله, وليلة حديثاً من أحاديث رسول الله. ووالله ما نستقيم ولا نطهر إلا على هذا المنهج الذي نهجه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات ] الآن مع هداية الآيات:

    [ من هداية ] هذه [ الآيات:

    أولاً: فكاك كل نفس مرهونة بكسبها, وهو الإيمان والتقوى ] فإن كان خيراً فخير، وإن كان شراً فشر. فكل نفس مرهونة بما كسبت, فإن كان كسبها ذنوباً فهي محبوسة في جهنم، اللهم إلا أهل الإيمان وصالح الأعمال.

    [ ثانياً: بيان أكبر الجرائم ] والذنوب والمعاصي ] وهي: ترك الصلاة، ومنع الزكاة، والخوض في ] الكلام [ الباطل ] والخرافات والشرك [ وعدم التصديق بالحساب والجزاء ].

    [ ثالثاً: لا شفاعة يوم القيامة لمن مات وهو يشرك بالله شيئاً ] والله العظيم. فلا يشفع له ملك ولا نبي ولا عالم ولا ولي أبداً، ولا تكون الشفاعة إلا لأهل التوحيد وأهل الإيمان، وأما من أشركوا بربهم وعبدوا غيره معه فهؤلاء حسبنا فيهم قول الله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ [المائدة:72]، وقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].

    ومن هنا نصيح دائماً: يا معشر المستمعين! علموا إخوانكم وأبناءكم أن دعاء الموتى والاستغاثة بهم والذبح لهم والنذر لهم والله شرك، وأقسم بالله إنه لشرك، وأهله في جهنم خالدون. وقد انتشرت الدعوة الإصلاحية, وطهر كثير من المسلمين.

    [ رابعاً: مرد الانحراف في الإنسان إلى ضعف إيمانه بالبعث والجزاء ] فمرد فسق الإنسان وفجوره وظلمه وكفره واعتدائه إلى ضعف إيمانه بيوم القيامة. وقد قلت لكم: إذا كان الشخص لا يؤمن بيوم القيامة ولا ما يتم فيه من جزاء فهذا لا يوثق فيه, ولا يعول عليه، وهو شر الخلق، بل حتى الذي يؤمن بيوم القيامة ولكنه ضعيف الإيمان فإنه ما يستقيم أبداً، ولا يفعل الواجبات ولا يترك المحرمات؛ لضعفه.

    [ خامساً ] وأخيراً: [ الله جل جلاله هو ذو الأهلية الحقة لأمرين عظيمين: التقوى ] فهو أهل التقوى [ فلا يتقى على الحقيقة إلا هو، والمغفرة ] فهو أهل المغفرة [ فلا يغفر الذنوب إلا هو ] بطاعته وطاعة رسوله، وبترك الشرك والمعاصي, والذنوب والآثام، ولا يغفر الذنوب ولا يقوى على محوها إلا هو، فهو أهل التقوى وأهل المغفرة [ اللهم اغفر ذنوبنا؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ] اللهم اغفر لنا وارحمنا.

    وصلى الله على نبينا محمد, وآله وصحبه وسلم.