إسلام ويب

تفسير سورة المدثر (1)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أول ما أنزل الله عز وجل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم (اقرأ)، ثم انقطع الوحي زمناً فإذا بالملك الذي جاءه في المرة الأولى ينزل عليه بسورة المدثر، والتي يأمره الله عز وجل فيها بتكبيره سبحانه، وتطهير ثيابه من النجاسات الحسية، وتطهير قلبه من النجاسات المعنوية المتمثلة في مظاهر الشرك، ثم القيام بتكاليف الدعوة مع الصبر على المدعوين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها المدثر)

    الحمد لله, نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه, ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: ها نحن الليلة مع سورة المدثر المكية، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    بسم الله الرحمن الرحيم: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ * وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ * وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ * وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ * فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ [المدثر:1-10].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [المدثر:1]! المنادي هو الله، منزل هذا الكتاب، ومرسل هذا الرسول، وخالقنا وخالق العالم كله، وهو الله رب العالمين, فهو الذي ينادي: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [المدثر:1]! والمدثر هو محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومعنى المدثر: الملتف في قطيفة من القطائف.

    وقد علمنا بالأمس سبب نزول هذه الآية لما درسنا قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ [المزمل:1]! فقد علمنا أنه لما انقطع الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ظهر له جبريل في السماء وبشره بأنه نبي الله جاء إلى خديجة ترتعد فرائصه, وهو يقول: ( زملوني دثروني، زملوني دثروني )، أي: غطوني. فمن ثَمَّ ناداه ربه بـ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ [المزمل:1]! و يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ [المدثر:1]!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قم فأنذر)

    نادى تعالى رسوله ليأمره بقوله: قُمْ فَأَنذِرْ [المدثر:2]. فقم من فراشك ومن جلوسك فأنذر قومك عذاب الدنيا وعذاب الآخرة إن أصروا على الشرك والكفر والفسق والفجور. قم أنذر قومك من العذاب أن ينزل بهم, أي: عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فأنذرهم؛ ليتوبوا إلى الله، وليسلموا قلوبهم ووجوههم لله، وليعبدوا الله وحده, ويؤمنوا بلقائه وبرسالة نبيه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وربك فكبر)

    قال تعالى: وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ [المدثر:3]. فأمره أن يعظم ربه بتوحيده .. بإجلاله .. بإكماله .. بفضائله .. بكل خير وكمال، فكبره وعظمه، وغيرك يعظمون الأصنام والأحجار ويعبدونه، وأنت عظم ربك وكبره واعبده, ولا تعبد معه غيره، وادع الخليقة كلها إلى عبادته وتعظيمه, وإجلاله وإكباره.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وثيابك فطهر)

    قال تعالى: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر:4]. فثيابك التي تلبسها طهرها من النجاسات كالبول وما إلى ذلك، إذ كان قومه نجسين، لا يبالون بالبول أبداً، وكان أحدهم يتغوط وما يتجرد ولا يفعل شيئاً.

    والتطهر من البول سنة أبي القاسم، فهو أول من فعلها, وبقيت الأمة كلها إلى يوم القيامة تفعلها، فلا تصح أبداً صلاة ببول ولا بغائط, ولا بدم ولا بنجاسة؛ لقوله تعالى: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر:4].

    فيا من يلاقي ربه ويناديه ويقف بين يديه ويتقرب إليه! يجب أن تكون طاهراً، وإذا كان مشروعاً طهارة الثياب فالجسم من باب أولى. ومن هنا شرع الله الغسل من الجنابة، فمن أجنب يجب أن يغتسل، سواء كانت جنابته باحتلام أو بجماع. والغسل تطهير، فطهر جسمك، وطهر ثيابك؛ لأنك رسول الله المرسل من قبل الله؛ لتنذر قومك عذاب الدنيا والآخرة؛ من أجل أن ينتهوا من عبادة الأصنام والشرك والكفر, والعياذ بالله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والرجز فاهجر)

    قال تعالى: وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [المدثر:5]. الرجز: العذاب في لغة العرب. والرَّجَز نوع من الشعر، ولكن المراد هنا: العذاب المترتب على عبادة غير الله. فقال تعالى: وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [المدثر:5], أي: اهجر الأصنام والأوثان وما يعبد من دون الله؛ لتنجو وتسلم ولا تعذب. فاهجر العذاب المترتب على عبادة غير الله من عبادة الأصنام والأحجار, كما كانت قريش تفعل ذلك. فأمره أن يهجر الرجز, ويبتعد عنه, ولا يقترب منه أبداً، ولا يقول به، بل يندد به, ويحذر منه, فقال له: وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ [المدثر:5].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا تمنن تستكثر)

    قال تعالى: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [المدثر:6]. فلا تمن على ربك بدعوتك وتستكثر ما فعلته أبداً، بل اعتبر أنك مقصر، لست بموفٍ، ولا تمنن على ربك وتستكثر ما تقوم به من عبادات، فكل ذلك ما هو بكثير بالنسبة إلى جناب الله رب العالمين.

    وهناك لطيفة علمية أخرى, وهي: أن قوله: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [المدثر:6] أي: لا تعط من تعطيه وأنت تريد أن يرد عليك بأكثر مما أعطاك. وهذا يسمى الربا الحلال، فالربا الحلال أن تهديه مشلحاً وترجو أن يعطيك ألفي ريال, والمشلح بمائتي ألف ريال، هذا الربا الحلال. ولكن الله عصم منه رسوله وحفظه، وقال: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [المدثر:6], لا مع الله ولا مع عباده أبداً. فكان صلى الله عليه وسلم يهدي الهدايا ويعطي العطايا ولا يرجو أن يرد إليه شيء في ذلك, ولا يقبله. وأما غيره صلى الله عليه وسلم فيجوز له أن يقدم هدية لشخص ويرد عليه بأكثر مما أهداه، فهذا جائز، ويسمى بالربا الحلال، أو أن تعطيه ألفاً فيرجع لك ألفاً وعشرة. هذا الربا الحلال.

    وقوله: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [المدثر:6], أي: تطلب الكثرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولربك فاصبر)

    قال تعالى: وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ [المدثر:7], أي: ولربك لا لغيره اصبر على دعوتك، ولا تمل ولا تفتر أبداً، بل ابق يا رسول الله! داعياً موجهاً مرشداً للإنس والجن، فأنت رسول الله ونبيه, فاصبر لدعوة ربك مهما آذوك، ومهما سبوك وشتموك وقالوا فيك, أو حاولوا قتلك، ولو فعلوا العجب اصبر لدعوة ربك, كما قال تعالى: وَلِرَبِّكَ [المدثر:7] لا لغيره فَاصْبِرْ [المدثر:7]. فالصبر لوجه الله. هكذا يرشد الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم ويعلمه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فإذا نقر في الناقور)

    قال تعالى: فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ [المدثر:8]. الناقور: البوق، والملك المكلف بذلك هو إسرافيل، وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ( منحني الرأس, وفمه على البوق, ينتظر أمر الله ). فإذا أُمر نفخ.

    وهذه النفخة المذكورة هنا هي الثانية, وهي نفخة القيام من القبور أحياء؛ لأجل الحساب والجزاء. والنفخة الأولى هي نفخة الفناء وانتهاء الوجود هذا، فلا يبقى إنسان ولا جان ولا حيوان, بل ولا جبل ولا سماء، بل الكل يذوب ويتحلل. وهذه المذكورة هنا هي النفخة الثانية, وهذه النفخة الصور هي نفخة القيام من القبور.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فذلك يومئذ يوم عسير)

    قال تعالى مخبراً أنه إذا نفخ في الصور: فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ [المدثر:9]. وهذا صحيح والله. فهو عسير شديد صعب، فنحن نخرج من قبورنا حفاة عراة، ولا ندري أين يذهب بنا، وبالأمس عرفتم قول الله تعالى: ( يا آدم! أخرج بعث النار، فيأخذ -من ذريته- من كل ألف واحداً إلى الجنة, وتسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار ). وقد قلت لكم: طأطئوا رءوسكم وفكروا في نسبة المسلمين إلى الكفار من أمريكا إلى الصين واليابان, فهي لا شيء. والمسلمون هم الصالحون الناجون أولياء الله، وأكثر الناس يدخلهم النار إلا من رحم الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (على الكافرين غير يسير)

    قال تعالى: فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ [المدثر:8], وهو البوق, فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ [المدثر:9], أي: صعب شديد لا يطاق, عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ [المدثر:10] أبداً. والكافرون هم الذين لم يشهدوا أن لا إله إلا الله, وأن محمداً رسول الله، بيضاً كانوا أو سوداً .. حمراً أو صفراً .. في الأولين أو الآخرين. فالكافر هو: الذي لم يؤمن بلا إله إلا الله, وعبد غير الله مع الله، ولم يؤمن برسالة رسول الله, ولم يقل: أشهد أن لا إله إلا الله, وأشهد أن محمداً رسول الله. ذلكم والله هو الكافر. فمن لم يؤمن بالله ولقائه، ولا بالله ورسوله، ولا بالله وكتابه فهو والله كافر, حتى لو لم يعبد الصنم أو الأحجار أو الشياطين.

    هكذا يقول تعالى: فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ [المدثر:8-10]. فهو عسير على كل الكافرين عسراً لا نظير له، وكذلك المؤمنون هو عسير عليهم؛ لأنهم حفاة عراة ينتظرون حكم الله. فهو يوم عسير قطعاً، ولكنه على الكافرين غير سهل ولا ميسر ولا يسير. ومفهوم هذا: أنه على المؤمنين الصالحين يسير.

    هكذا يخبرنا تعالى في كتابه العزيز القرآن الكريم، الذي يجب أن نجتمع عليه في بيوت ربنا كل ليلة وطول العمر، لا أن نحوله إلى الموتى, ونقرأه في القبور وفي بيوت الموتى. فيجب علينا أن نعود إلى كتاب الله.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات ] الآن مع هداية الآيات:

    [ من هداية ] هذه [ الآيات:

    أولاً: الجد طابع المسلم، فلا كسل ولا خمول, ولا لهو ولا لعب، ومن فارق هذه فليتهم نفسه في إسلامه ] والجد ضد الهزل، فالجد طبع المؤمن، فهو دائماً جاد، والله يقول: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا [المزمل:1-2]، ويقول: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ [المدثر:1-2]. وأتباع محمد مثله صلى الله عليه وسلم، فهم في الجد لا الهزل، وفي العمل لا النوم والعبث, واللهو والباطل, وإنما هم في عبادة الله بما شرع أن يعبد بها, ويدعون الخليقة إلى ذلك.

    [ ثانياً: وجوب تعظيم أسمائه وصفاته، وتعظيم كلامه وكتابه, وتعظيم شعائره, وتعظيم ما عظم ] فيجب تعظيم الله، وتعظيم كتابه ورسله, وأوليائه وآياته؛ لأن الله قال: وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ [المدثر:3], أي: عظم، أي: عظم آلاءه ونعمه، وعظم عباده وأولياءه وأنبياءه، فالكل يجب أن نعظمهم, ولا نهمل واحداً منهم.

    [ ثالثاً: وجوب الطهارة للمؤمن ] والمؤمنة [ بدناً وثوباً ومسجداً، أكلاً وشرباً وفراشاً, ونفساً وروحاً ] فدائماً المؤمن طاهر في كل شيء؛ أخذاً بقول الله تعالى: وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ [المدثر:4]. ونحن أتباعه, فعلينا أن نكون مثله. فالطهارة واجبة على كل مؤمن، حتى في الطعام والشراب يكون طيباً طاهراً.

    [ رابعاً: حرمة العجب، فلا يعجب المؤمن بعمله، ولا يزكي به نفسه, ولو صام الدهر, وأنفق الصخرة, وجاهد الدهر ] وذلك لقوله تعالى: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [المدثر:6]. فعلى المؤمن ألا يستعظم عبادته ولا عمله الصالح، ولا رباطه ولا جهاده أبداً، بل دائماً يرى أنه مقصر، وأنه ما أكمل ما يجب عليه، ولا يشعر بأنه أكملها وأنه أتمها أبداً، بل دائماً يعرف بأنه عاجز وضعيف, وأنه ما أكمل، والله يقول لرسوله: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [المدثر:6].

    [ خامساً: وجوب الصبر ] على المؤمن [ على الطاعات ] والعبادات [ فعلاً ] وألا يفرط فيها [ وعلى المعاصي تركاً ] فلا يقربها [ وعلى البلاء تسليماً ورضاً ] ولا يجزع ولا يغضب إذا ابتلاه ربه بمرض أو بعلة من العلل، بل يجب عليه الصبر؛ لقوله تعالى: وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ [المدثر:7].

    فعلى كل مؤمن أن يصبر في ثلاثة مواطن: أولاً: الصبر على العبادة، فلا يفرط فيها ولا يقصر.

    ثانياً: الصبر عن المعصية، فلا يقربها ولا يفعلها أبداً.

    ثالثاً: الصبر على البلاء, فإذا ابتلاه ربه وامتحنه ما يسخط ولا يجزع، بل يثبت ويبصر.

    قال في النهر: [ روى أحمد عن ابن عباس في قوله تعالى: فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ [المدثر:8] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن، وحتى جبهته ينتظر متى يؤمر فينفخ؟ فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: فما تأمرنا يا رسول الله؟! قال: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا ) ] فقد بكى صلى الله عليه وسلم، فتألم أصحابه قالوا: ( ماذا نصنع؟ قال: قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا ). فهذا الذي ينفعنا, وهو قول: حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكلنا. هكذا أرشدهم صلى الله عليه وسلم.