إسلام ويب

التوكل على اللهللشيخ : عبد الرحمن صالح المحمود

  •  التفريغ النصي الكامل
  • التوكل على الله عز وجل من أعظم العبادات، ومن أجل الطاعات، دلت على فضله آيات وأحاديث كثيرة، وقد كان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أئمة الناس وساداتهم في التوكل على الله، ومن توكل على الله في جميع أموره وفوض أمره إليه سبحانه حماه الله ووقاه، ورزقه وكفاه. وللتوكل ثمار وآثار محمودة في الدنيا والآخرة لا يفقهها إلا من سلم أمره لله سبحانه، وقد ضل في جانب التوكل بعض الطوائف والفرق، فحادوا عن الطريق وجانبوا الصواب، وهكذا حال كل من لم يسلم للنصوص عقله، ويخضع للدين قلبه.

    1.   

    تنبيهات مهمة بين يدي الموضوع

    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أمر بالتوكل عليه وحده فقال: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ [الفرقان:58]. وأصلي وأسلم على البشير النذير محمد بن عبد الله، أفضل من توكل على ربه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى من سار على نهجهم واقتفى أثرهم واهتدى بهداهم إلى يوم الدين. أما بعد: فإن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها تبارك وتعالى كيف يشاء، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر- كان كثيراً ما يدعو ويقول: (يا مقلب القلوب والأبصار! ثبت قلبي على دينك). وحينما تشتد الشدائد على المسلمين وتنزل بهم البلايا والمحن فليس لهم من معين، وليس لهم من سبب يتمسكون به إلا الله الواحد القهار، جبار السموات والأرض، بيده الأمر كله، وإليه يرجع الأمر كله سبحانه وتعالى. أيها الأخ المسلم! لا شك أن موضوع التوكل على الله موضوع مهم؛ لأنه يتعلق بأعمال القلوب، ولأنه أيضاً يتعلق بحياة الناس كلها، في ذهابهم ومجيئهم، ليلاً ونهاراً، وفي أمورهم كلها، لذلك فسنتعرض لهذا الموضوع من عدة نواحٍ، وقبل أن أتحدث عن هذا الموضوع بفقراته المختلفة أود في هذه المقدمة القصيرة أن أعرض لبعض المسائل المهمة. أولاً: أنه يجب التفريق في مسائل أعمال القلوب -من التوكل والمحبة والرجاء والخوف والإنابة والاستعانة وغيرها- بين العلم النظري وبين العمل القلبي، فإنسان قد تكون عنده معرفة، وربما يحفظ الآيات والأحاديث الواردة في هذا الباب، أو في باب الخوف أو الرجاء أو المحبة أو نحوها، ولكنك تجده في داخل قلبه وفي أعماله ربما يخالف ما في علمه، وهذه قضية مهمة جداً، ومن ثم فعلى العبد أن يربي نفسه، وأن يهيئ قلبه لئلا يخاف إلا الله، وأن لا يرجو إلا الله، وأن يحب المحبة الخالصة لذاته إلا الله سبحانه وتعالى، وأن لا يتوكل إلا على الله وحده لا شريك له، وهكذا، حتى تتربى في النفوس معاني العبادة ولا تبقى نظرية. الأمر الثاني: أنه يجب على كل مؤمن ومؤمنة وعلى كل مسلم ومسلمة أن يتدبرا كتاب الله سبحانه وتعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ليتعرفا على أسماء الله الحسنى وصفاته العليا، وليعرفا معانيها ودلالتها، ويعرفا آثارها في القلوب والنفوس. ونحن نعلم جميعاً أننا نقرأ في كتاب الله تبارك وتعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:20]، عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ [الأنعام:73]، هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ [الحشر:23] إلى آخر الآيات التي فيها ذكر لأسماء الله وصفاته، لكن ما معاني هذه الأسماء؟ ما هي دلالاتها؟ وما هي آثارها على النفوس والقلوب؟ هذه المسألة ينبغي أن نعنى بها، وأن نربي عليها أنفسنا وأسرنا، حتى يعلم الإنسان أن العبد إذا عرف معاني أسماء الله سبحانه وتعالى وصفاته امتلأ قلبه تعظيماً لله، وامتلأ قلبه خوفاً من الله ومهابة له، فأثر ذلك على سلوكه وأخلاقه وعلى فعله للأوامر واجتنابه للنواهي. ولا شك أن من تدبر كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم سيجد فيهما ما يغنيه ويكفيه، والله تبارك وتعالى أمرنا بطاعته وطاعة رسوله واتباع شرعه واتباع ما أوحاه إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن ومن السنة التي سماها الله سبحانه وتعالى وحياً.

    1.   

    حقيقة التوكل ومعناه عند السلف

    التوكل على الله معناه باختصار: أن يعتمد العبد على الله وحده في جميع أمور فيما يرغب فيه من الحاجات، وفيما يحذره مما يخافه، وفيما يفعله تقرباً إلى الله سبحانه وتعالى، فنعتمد على الله سبحانه وتعالى في هذه الأمور كلها مع فعل الأسباب التي أذن الله سبحانه وتعالى بها، فمثلاً: في الصلاة يتوكل على الله في أن يعينه على القيام بهذه الصلوات الخمس بأركانها وشروطها وأوقاتها، وهو مع ذلك يفعل السبب، فلا يجلس في بيته ويقول: توكلت على الله في الصلاة وإنما يذهب ليتوضأ، ويذهب ليبحث عن الجماعة ليصلي معهم، ويبحث عما يوقظه لصلاة الفجر، فيفعل الأسباب ويتوكل على الله سبحانه وتعالى في أموره كلها، ومن ثم فلا بد في باب التوكل على الله سبحانه وتعالى من أمرين، ولا بد أن يجتمع هذان الأمران: أحدهما: الاعتماد على الله اعتماداً حقيقياً خالصاً، فتعتمد على الله وحده في أمورك كلها. الأمر الثاني: أن تفعل الأسباب التي أذن الله سبحانه وتعالى بها. ومن اعتمد على أمر واحد من هذين دون الآخر فقد وقع إما في الانحراف وإما في نقص العقل، فلو أن إنساناً توكل على الله دون أن يفعل سبباً لقيل: هذا ناقص العقل. لأنه لا يمكن أن يتم ما يريده الإنسان إلا بفعل الأسباب التي أمر الله سبحانه وتعالى بها. وكذلك -أيضاً- لو أن إنساناً اعتمد على الأسباب وحدها دون أن يتوكل على الله وحده لربما كان ممن دخل في الشرك والعياذ بالله؛ لأنه اعتمد على الأسباب وحدها، والتوكل على الله سبحانه وتعالى فسره بعض العلماء بعدة تفاسير تدل على بعض معانيه: فالإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى يقول: التوكل عمل القلب. فعمل القلب هو التوكل، ولا شك أنه من أعظم أعمال القلوب، وبعض العلماء فسر التوكل على الله بالرضا، أن يرضى الإنسان بأمر الله سبحانه وتعالى ويسلم لله تبارك وتعالى أموره كلها، وإذا سلم أموره كلها اعتمد على الله سبحانه وتعالى سواء جاءت الأسباب بما يحبه أو بما لا يحبه، فيرضى بما قدر الله سبحانه وتعالى له، ولذلك سئل يحيى بن معاذ فقيل له: متى يكون الرجل متوكلاً؟ فقال: إذا رضي بالله وكيلاً. وبعضهم قال: إن التوكل هو التعلق بالله في كل حال. وهذه مسألة مهمة، فيتعلق بربه تبارك وتعالى في كل أحواله، إن جاء ه المال والشرف لا يقطعه ذلك عن التوكل على الله. إن ابتلي بالصبر والمرض لا يقطعه ذلك عن التوكل على الله، وهكذا في أحواله وأموره كلها، حتى إن بعضهم قال: إن التوكل معناه: أن يستوي عندك الإقلال والإكثار. أن يستوي عندك الغنى والفقر، وكيف يستويان؟ يستويان حينما تعلم أن الله هو المدبر الرازق، وحينما تعلم أن الله سبحانه وتعالى هو الذي بيده الأمر كله، وهو الله سبحانه وتعالى المتصرف بعباده كما يشاء، فإذا ما صرت غنياً أو فقيراً لا تتغير أحوالك ومعاملتك لربك تبارك وتعالى.

    1.   

    الأدلة الواردة في فضل التوكل على الله

    نجد أن الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز في غير ما آية أمر بالتوكل وجعله أحياناً شرطاً للإيمان، وبين بعض ثمراته، فتدبر كتاب الله سبحانه وتعالى فستجد فيه ما يرضي النفس ويشرح الصدر ويزيل غمه، ويجعل الإنسان في حياته وكل أحواله مستريحاً مطمئناً.

    قوله تعالى: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم)

    يقول الله تبارك وتعالى في صفات المؤمنين: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال:2]، هذه هي الصفة الأولى: الخوف من الله. وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا [الأنفال:2]، هذه الصفة الثانية، إذا قرؤوا القرآن يخشعون، وإذا تلي عليهم القرآن يزداد الإيمان عندهم، وهنا في الآية دلالة على أن الإنسان قد يخشع حينما يتلى عليه القرآن، والرسول صلى الله عليه وسلم أمر بعض الصحابة أن يقرأ عليه القرآن، وقال: (إني أحب أن أسمعه من غيري)، وبكى عليه الصلاة والسلام لما قرئ عليه القرآن: وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا [الأنفال:2]. الصفة الثالثة: وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال:2]. فقوله: (عَلَى رَبِّهِمْ) الجار والمجرور هنا يدل على الحصر، أي: يتوكلون على الله لا على غيره، ثم ذكر الصفة الرابعة، الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ [الأنفال:3] والصفة الخامسة: وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ [الأنفال:3].

    قوله تعالى: (وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين)

    ويقول الله سبحانه وتعالى في آية أخرى: وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة:23]، وهذه جرت في قصة موسى مع قومه من بني إسرائيل كما نعلم جميعاً في سورة المائدة، فإن الله سبحانه وتعالى لما نجى بني إسرائيل من فرعون وقومه ذهب بهم إلى ديار فلسطين، ثم إنهم لما أقبلوا على الأرض المقدسة كان يحكمها أناس يقال لهم: (العماليق الجبابرة)، فقال موسى لقومه -كما أخبرنا الله تبارك وتعالى-: يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ [المائدة:21]، إذاً: موسى يأمرهم، وأمر الرسول واجب الطاعة، ويبشرهم بأن الله كتبها لهم، ويقول: وَلا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ [المائدة:21]، لكن اليهود أبوا، وقالوا: يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ [المائدة:22]، لكن لم يكن قوم موسى كلهم على هذه الحال، بل كان فيهم من عباد الله المؤمنين. قََالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ [المائدة:23]، لكنهم لم يسمعوا لكلام موسى ولا لكلام الرجلين، وقالوا -كما أخبرنا الله-: يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ [المائدة:24]، نعوذ بالله من الجبن! وكيف نقارن حال هؤلاء مع حال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لما واجهوا المشركين في بدر، ولم يكونوا خرجوا للجهاد والقتال وإنما خرجوا لطلب العير؟! أولئك الصحابة لما استشارهم النبي صلى الله عليه وسلم في الدخول في المعركة تكلم أبو بكر وتكلم عمر فقالا خيراً، ثم تكلم الأنصار، وقال سعد : (والله لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد). وقال المقداد رضي الله عنه وأرضاه: (امض -يا رسول الله- لما أمرك الله به)، ثم ذكر أنهم صبر عند اللقاء صدق في الحرب، ثم قال: (والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون. ولكننا نقول لك: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون)، هذا هو صدق الإيمان وصدق التوكل على الله سبحانه وتعالى والاعتصام به، والله تعالى يقول: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ [آل عمران:122]، أي: على الله وحده لا على غيره.

    قوله تعالى: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه..)

    ويقول سبحانه وتعالى: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:3]، أي: كافيه، والحسب: هو الكافي، ولا يجوز أن يكون أحد من الخلق حسباً لأحد، بل الحسب وحده، والكافي وحده هو الله سبحانه وتعالى، وهذه الآية ذكرها الله في سورة الطلاق: وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:3]؛ لأن الطلاق نتيجة ما يقع في البيوت من نزاع وخلاف.. إلى آخره، فعقب الله بتلك التعقيبات في سورة الطلاق، وهي تعقيبات عجيبة لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا [الطلاق:1]، وََمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا [الطلاق:3] إلى آخر الآيات التي ذكرها الله في هذه السورة؛ لتطمئن النفوس والقلوب حتى في حال الخلاف والشقاق.

    قوله تعالى: (ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا...)

    المؤمنون يتوكلون على الله سبحانه وتعالى، يقول الله تبارك وتعالى: قُُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا [الملك:29]، ويقول سبحانه وتعالى: رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [الممتحنة:4]، وتأمل هذه الثلاثة الأمور: توكل: وهو الاستعانة، وإنابة وهي العبادة، وإليك المصير: أي المرجع إلى الله سبحانه وحده والمآب إليه تبارك وتعالى، وهنا نرى أن الله سبحانه وتعالى كثيراً ما يأمر رسوله صلى الله عليه وسلم -ويقصد به أمته أيضاً- بالتوكل عليه، فيقول الله سبحانه وتعالى: فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ [النمل:79] يا محمد! إنك على الحق المبين، إنك على الصراط المستقيم، فتوكل على الله وحده لا شريك له، وأنعم بالله وكيلاً سبحانه وتعالى.

    قوله تعالى: (وتوكل على الحي الذي لا يموت)

    يقول سبحانه وتعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا [النساء:81]. ويقول تبارك وتعالى: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ [الفرقان:58]، حتى تنقطع الآمال في العباد، وحتى لا يبقى للمسلم تعلق بغير الله سبحانه وتعالى؛ لأن العباد يموتون، الملوك، الرؤساء، قواد العروش والجيوش يموتون، إذا جاء أمر الله سبحانه وتعالى لا يغنيهم مالهم ولا قوتهم؛ لأنهم يموتون، لكن على من يتوكل العبد؟ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ [الفرقان:58] سبحانه وتعالى، له صفة الحياة أزلاً وأبداً، لكن العباد يموتون، ويمرضون، ولو عاشوا دهراً فلا بد أن ينتهوا إلى الفناء، فكيف يتوكل الإنسان على مخلوق لا يملك من أمره شيئاً فضلاً عن أمر غيره؟! ولذلك يروى عن إبراهيم الخواص أنه لما قرأ هذه الآية: وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ [الفرقان:58] قال: ما ينبغي للعبد بعد هذه الآية أن يلجأ إلى أحد غير الله تعالى. وصدق؛ لأن من تيقن أن الله هو الباقي وهو مالك الملك وهو الحي الذي لا يموت فإنه يرجئ توكله واعتصامه بالله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له.

    قوله تعالى: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم...)

    ويقول الله سبحانه وتعالى: الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ [آل عمران:173]، وهذا في غزوة أحد لما وقع للمسلمين ما وقع، وأصابهم القرح، واستشهد من المسلمين سبعون، وجرح رسول الهدى صلى الله عليه وسلم وناله من الأذى ما ناله، فخرج المشركون بعد نهاية المعركة، وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إنهم خرجوا يريدون المدينة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم وهو في جراحاته والمسلمون في جراحاتهم -وعددهم يقل عن عدد المشركين، عددهم أقل من ألف، ووقع لهم ما وقع وجرى لهم ما جرى- قال النبي صلى الله عليه وسلم بعزم الصادق المتوكل على الله: (والله لئن ذهبوا إلى المدينة لأناجزنهم فيها)، ولحق بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهب إلى مكان يسمى (حمراء الأسد)، ولكن المشركين رضوا من الغنيمة بما نالوه وخشوا من الهزيمة ففروا، فلقيهم في الطريق وفد من عبد القيس، فسألوهم فقالوا: اذهبوا إلى محمد، وقولوا له: إن قد جمعنا له وجمعنا له. فأتى هذا الوفد ومر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إن أبا سفيان -وكان مشركاً آنذاك- وقريشاً قالوا ما قالوا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: ((( حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ))[آل عمران:173]، (( حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ))[آل عمران:173]). الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ [آل عمران:173-174]، من توكل على الله كفاه، وهذه هي الكلمة التي قالها إبراهيم عليه الصلاة والسلام، كما روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم حين ألقي في النار)، لما ألقي في النار حين وجمع له الحطب وأرادوا أن يلقوه فيها، قال إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم: حسبنا الله ونعم الوكيل، فقال الله: قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ [الأنبياء:69-70]، ونجا إبراهيم عليه الصلاة والسلام كما نجا محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

    النبي صلى الله عليه وسلم سيد المتوكلين

    والنبي صلى الله عليه وسلم أمر بالتوكل عليه، وهذا هديه صلى الله عليه وسلم، من تدبر سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وجد أنه كان في جميع أحواله أفضل المتوكلين، وانظر إليه في مكة، وفي المدينة، وفي الهجرة، وفي غزواته كيف كان توكله على الله والتجاؤه إليه، مع أنه عليه الصلاة والسلام كان يبذل الأسباب، ظاهر بين درعين عليه الصلاة والسلام، لبس درعين واحداً فوق الآخر، وكان يدرب أصحابه ويأمرهم بالتدريب والرمي، وكان صلى الله عليه وسلم ينظم صفوفه ويجمع السلاح امتثالاً لأمر الله تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ [الأنفال:60]. إذا صدقنا في التوكل على الله فلن تخافنا الجيوش التي أمامنا من جيوش الأعداء، وإنما ترعب الجيوش التي بيننا وبينها مئات الكيلو مترات، وهذا الذي نصر به النبي صلى الله عليه وسلم، ونصر به أصحابه، الرعب لكن متى يتحقق الرعب للأمة الإسلامية؟ عندما تصدق في إيمانها وتحكيم قرآنها وتوكلها على ربها واعتصامها به، وإلا فلا كرامة وإن تسموا بالإسلام وإن تظاهروا به، لا كرامة إلا لمن اعتمد على الله وتوكل عليه وأناب إليه وحكم شرعه. هذه موازين لا تتغير أبداً باختلاف الزمان والمكان، موازين ثابتة، والنبي صلى الله عليه وسلم في أحواله كلها كان أفضل من توكل على ربه، وكان قدوة لنا في ذلك، ولن ندخل في تفاصيل سيرته؛ لأن هذا معلوم للجميع، وأدعو إلى تدبر سيرته صلى الله عليه وسلم لنخلص منها إلى مثل هذه المعاني الإيمانية. ولما وصف النبي صلى الله عليه وسلم أن هناك سبعين ألفاً من أمته يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب قال في وصفهم: (هم الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون)، فإذا ما توكل الإنسان على غير الله سبحانه وتعالى نقص إيمانه، وربما زال إيمانه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وأدعية النبي صلى الله عليه وسلم شاهدة على توكله صلى الله عليه وسلم، كان الرسول عليه الصلاة والسلام يدعو ويقول: (اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت)، وكان عليه الصلاة والسلام يقول إذا خرج من بيته: (باسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله)، فيقال له: هديت ووقيت وكفيت. ويقول: (إذا خرج الإنسان من بيته فقال: باسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله يقول له الملك: هديت وكفيت ووقيت).

    1.   

    المسائل التي بها يتحقق التوكل على الله

    بعد أن عرضنا معنى التوكل وبعض النصوص الواردة فيه من الكتاب والسنة نعرض المسألة الثالثة، وهي أن التوكل على الله سبحانه وتعالى لا يتم إلا بأن يتحقق في الإنسان عدة أمور:

    معرفة الله بأسمائه وصفاته

    الأمر الأول: معرفة الله بأسمائه وصفاته، فمن لم يعرف الله بأسمائه وصفاته لا يكمل ثوابه، من لم يعلم أن الله هو الحي القادر علام الغيوب جبار السموات والأرض المتكبر بيده الأمر كله... إلى آخر أسمائه وصفاته لا يستقر في قلبه أن الله المتصف بهذه الصفات هو الذي يستحق التوكل، فينقص توكله على الله سبحانه وتعالى.

    إخلاص التوحيد لله تبارك وتعالى

    الأمر الثاني: إخلاص التوحيد لله تبارك وتعالى والبعد عن الشرك، فمن تعلق قلبه بغير الله فقد نقص توكله على الله سبحانه وتعالى، من تعلق قلبه بمخلوق مهما كان هذا المخلوق، ولياً، أو صالحاً، أو غنياً، أو ملكاً، أو غير ذلك، فمن تعلق قلبه بأحد من الخلق نقص إيمانه وتوكله على الله سبحانه وتعالى، ولكن إخلاص التوحيد لله تبارك وتعالى شرط أساسي لإخلاص التوكل، وصدقه باعتماد العبد وتوكله على الله وحده لا شريك له.

    فعل الأسباب دون الاعتماد عليها

    الأمر الثالث: أن الإنسان وهو يعتمد على الله سبحانه وتعالى يفعل الأسباب، لكنه لا يعتمد على الأسباب نفسها، وإنما يعلم أنها أسباب، وأن الله أمرنا بها، فلا يقع في قلبه أن هذه الأسباب التي جعلها الله سبحانه وتعالى في خلقه أنها هي التي تنفع وتضر، وهي وحدها المتصرفة، لا، وإنما يفعل السبب ويصدق في توكله على الله سبحانه وتعالى، وأنه تبارك وتعالى هو الذي بيده الأمر كله.

    حسن الظن بالله سبحانه وتعالى

    الأمر الربع: حسن الظن بالله سبحانه وتعالى، فمن ساء ظنه بربه تبارك وتعالى نقص توكله أو عدم توكله. فعلى الإنسان أن يحسن ظنه بالله. كما ورد في الحديث: (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله سبحانه وتعالى).

    1.   

    أنواع التوكل

    التوكل على الله في أمور لا يقدر عليها سواه

    المسألة الرابعة: ينبغي أن نعلم أن التوكل أنواع: النوع الأول: التوكل في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله سبحانه وتعالى، من جلب النفع ودفع الضر، والنصر، والشفاء، وغير ذلك من الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله سبحانه وتعالى، فيجب على العبد أن يتوكل على الله وحده في هذه الأمور كلها، ومن توكل على غيره فيها فقد نقص توحيده، وربما وقع في الشرك الأكبر. من اعتقد أن ولياً من الأولياء ينفع ويضر أو يشفي مريضاً، كما يفعل القبوريون وغيرهم الذين يعتقدون في الأولياء من أهل القبور -وأحياناً من غيرهم- يعتقدون أن هؤلاء ينفعون أو يضرون، فإذا مرض قريبه أو زوجته، وإذا قل ماله أو ركبه الدين، وإذا أصابه المرض تجد هذا الإنسان يقول: يا فلان! اشف مريضي يا شيخ! ارزقني. فيدعو غير الله سبحانه وتعالى، فهذا توكل تام على غير الله، وهو من الشرك الأكبر الذي يخرج الإنسان من الملة، وينبغي أن نعلم أن الإنسان لا يتوكل على غير الله في هذا الأمر إلا وقد وقر في قلبه أن ذلك الشيء فيه نفع وضر، وأن عند هذا الشخص الذي توكل عليه سبب خفي لأجله اعتمد وتوكل عليه، وهذه مسألة ينبغي أن ننتبه لها، وأن ننبه إخواننا المسلمين في كل مكان عليها؛ لأن تعلق القلب بغير الله سبحانه وتعالى في هذه الأمور معناه أن الإنسان اعتقد فيها وعبدها من دون الله سبحانه وتعالى، فتوكل العبادة لا يصرف إلا لله، فإن صرف لغير الله كان شركاً.

    التوكل في الأسباب الظاهرة المادية

    النوع الثاني من التوكل: التوكل في الأسباب الظاهرة المادية، مثل أن يتوكل الإنسان على غني أو أمير في رزقه، ويشبه كثيراً ما نشاهده من بعض الناس في اعتمادهم في رواتبهم على الدولة، ويستقر في قلب الإنسان أحياناً أنه إن انقطع الراتب مات، أو بالأحرى إن انقطع هذا الراتب ساءت حاله وضاع مستقبله، وهذا في الحقيقة من الأمور الخطيرة التي نشاهدها ونسمعها، خاصة من شبابنا الذين قد تخرجوا أو قد قرب تخرجهم، يظن أنه لا يمكن أن يضمن مستقبله -كما يعبرون- إلا بأن يكون له راتب في الوزارة الفلانية، أو في الشركة الفلانية، فهذا سماه العلماء شركاً أصغر، وقالوا: إنه شرك خفي ومعنى أنه شرك أصغر أنه لا يخرج الإنسان من الملة، لكنه من الكبائر التي ينقص فيها إيمان العبد ويضعف إيمانه بالله سبحانه وتعالى.

    الوكالة في الأمور العادية

    النوع الثالث من أنواع التوكل: ما يسمى بالوكالة في الأمور العادية، يوكل شخصاً آخر في أمر من أموره فيما يقدر عليه هذا الشخص، فهذا من الأمور الجائزة، ولا يكون في ذهن الإنسان إذا وكل فلاناً في هذا الأمر أنه مستقل بالأمر، فإن خطر بباله أنه مستقل بالأمر وأنه توكل على فلان في القضية الفلانية لينجزها له واعتمد عليه نقص توكله على الله ووقع في الشرك الأصغر، وربما وقع في الشرك الأكبر، لكن توكيل الإنسان غيره في الأمور العادية كشراء شيء أو بيعه، أو إنابته عنه أو غير ذلك، بل -كما هو معلوم- إن غالب التوكيل إنما يكون من الأقوى إلى الأضعف، فتجد الإنسان يوكل ابنه الأصغر، أو يوكل أخاه الأصغر، أو يوكل فلاناً من الناس في مبلغ من المال أن يفعله له، فهذا توكيل لا من الأدنى إلى الأعلى، وإنما من الأعلى إلى الأدنى، فهذا دليل على أن توكيله -والحالة هذه- إنما هو توكيل في أمر عادي لا شيء فيه.

    1.   

    درجات الناس في توكلهم على الله

    وينبغي أن نعلم أن الناس في توكلهم على الله سبحانه وتعالى على درجات: فأعظم الناس منزلة الأنبياء وأتباع الأنبياء جعلنا الله وإياكم من أتباع الأنبياء، فهم الذين يتوكلون على الله سبحانه وتعالى في أمورهم كلها، في إيمانهم بالله، في عباداتهم لله، في دعوتهم إلى الله، في جهادهم في سبيل الله ونصرتهم له ومجاهدة أعدائه، في أمورهم كلها يتوكلون على الله سبحانه وتعالى وحده. ودونهم درجة من يتوكل على الله في استقامة نفسه، وصلته بربه فقط، لكن لا يهمه أمر المسلمين أو أمر الآخرين، فهذا إنسان توكل على الله في أن الله يحميه ويحمي دينه فقط، لكنه أقل درجة من النوع الأول المجاهدين الداعين إلى الله سبحانه وتعالى. وأدنى من هؤلاء درجة من يتوكل على الله في أمور دنياه فقط، في رزق يناله، أو عافية، أو زوجة يريدها، أو نصر على عدو، أو حصول شيء ما. وأشر من هؤلاء جميعاً من يتوكل على الله في المعاصي، نعوذ بالله من أحوال هؤلاء، تجده وهو يحجز للسفر إلى الفساد يقول: بإذن الله تبارك وتعالى نسافر، بإذن الله تقابلني فلانة فيتوكل على الله في أمور المعاصي، نعوذ بالله من أحوال هؤلاء!

    1.   

    أصناف الذين ضلوا في باب التوكل على الله

    التوكل على الله سبحانه وتعالى -كما سبق- لا يتم إلا لمن أخلص لله التوحيد واستقام على منهج أهل السنة والجماعة، ومن ثم فإننا نجد أن الذين ضلوا في باب التوكل على الله عدة أصناف: الصنف الأول: المعطلة، الذين نفوا أسماء الله وصفاته، فهؤلاء على من يتوكلون إذا كانوا لا يقرون في أن الله سبحانه وتعالى خلاق رزاق محي مميت عالم قادر.. إلى آخر أسمائه وصفاته؟! يضعف إيمانهم ويسوء توكلهم على الله سبحانه وتعالى. الصنف الثاني من الذين ضلوا: القدرية والمعتزلة، الذين قالوا: إن الإنسان له إرادة مستقلة عن الله. وقالوا: إن العبد هو الذي يخلق أفعاله، وإن الله لا يخلق أفعال العباد. فهؤلاء لا يتوكلون على الله في أمورهم، وإنما يتوكلون على أنفسهم، فيظنون أنهم هم أنفسهم الذين يفعلون أفعالهم، فلا حاجة فيهم إلى التوكل على الله. الصنف الثالث من الذين ضلوا في هذا الباب: الأشعرية والصوفية، فإن الأشعرية أنكروا الأسباب، وقالوا: الله هو الفاعل والأسباب لا قيمة لها، وإنما يأتي الفعل عند السبب، لا بالسبب، والصوفية أيضاً -كما تعلم وكما تسمع- من أحوالهم -قالوا: حقيقة التوكل ترك الأسباب، فلا تطلب الرزق، ولا تسعى في الأرض. ومن ثم تجد أن كثيراً من هؤلاء يذهب إلى البراري لا يحمل معه شيئاً، ويقول: أنا متوكل على الله. وهذا لا شك أنه خطأ كبير وضعف في العقول؛ لأن العقول المستقيمة هي التي تعلم أن الأمر إنما يتم بسببه. فلو أن إنساناً قال: أنا سأتوكل على الله ويأتيني أكلي وأشبع فلا يمكن حصول هذا إلا بفعل السبب. ولو قال رجل: أنا أتوكل على الله، وإن شاء الله سيأتيني الولد. ولا يتزوج، فلا يمكن هذا. وهكذا في بقية أمور الحياة، فمن ترك الأسباب، أو زعم أن الأسباب لا قيمة لها إطلاقاً فقد انحرف في فهمه بتوكله على الله سبحانه وتعالى.

    1.   

    آثار التوكل على الله سبحانه وتعالى

    إمداد المتوكل بالقوة

    المسألة السادسة: التوكل على الله سبحانه وتعالى له آثار عظيمة في حياة الفرد والمجتمع، وفي حياة الأمم، وسنشير إلى بعض هذه الآثار، ومنها: أولاً: أن التوكل على الله سبحانه وتعالى يعطي الإنسان القوة والعزة بالله وحده لا شريك له، ومن ثم فإن بعض السلف رحمهم الله تعالى قالوا: من سره أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله. لأن الإنسان إذا توكل على الله وحده لا يخاف أحداً مهما كان، لو اجتمعت الدنيا كلها بعروشها وجيوشها على أن يكيدوك -أيها الإنسان- لا يملكون، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لـابن عباس وهو غلام صغير: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف). إذاً التوكل على الله سبحانه وتعالى يجعل الإنسان قوياً في إيمانه، قوياً في حياته، قوياً في صبره على البلاء، قوياً في مواجهته للمحن والابتلاء، قوياً حينما تدلهم الفتن وتضطرب الأمور ويحيص الناس. ويحار الحليم، يقف قوياً لأنه يتوكل على الله وحده لا شريك له، ويعتصم به، ويعتمد عليه وحده لا شريك له. وقد ورد في الصحيحين -صحيح البخاري ومسلم - عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صفته في التوراة: إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً، وحرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخاب في الأسواق..) إلى آخر الحديث. (سميتك المتوكل) فرسول الله صلى الله عليه وسلم من أسمائه (المتوكل)، كما أن له أسماء أخرى معروفة (محمد)، و(أحمد)، و(الحاشر)... إلى آخره. وقد روي في بعض الآثار أن حملة العرش إنما يقوون على حمله لقولهم: (لا حول ولا قوة إلا بالله)، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عن هذه الكلمة: (لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة).

    التوكل على الله يكسب الإنسان الرضا بما قسم الله له

    ومن ثمراته الرضا أن يرضى الإنسان بما قسم الله له، فإذا توكل على الله في أموره كلها رضي بالله سبحانه وتعالى وبما قسم له؛ لأن كل أمر قدره الله سبحانه وتعالى على العبد فلا بد له فيه من أمرين: الأمر الأول: التوكل على الله قبل وقوعه. وأثناء سيره. ثم إن صدق الإنسان بهذا يأتي الأمر الثاني، وهو الرضا بالله على أي حال وقع المقدور، وهذا الذي علمنا إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم في باب الاستخارة، والاستخارة إنما تكون في الأمور الدنيوية، أما الأمور الشرعية المطلوبة فلا يستخير الإنسان فيها، إذا أراد الإنسان أن يصلي، أو يقوم الليل، أو يصوم، أو يحج، أو يعتمر، أو يتصدق لا يقول: أستخير. وإنما يقدم عليها؛ لأنها طاعة لا يتردد فيها، ولكنه يستخير في أموره الدنيوية التي لا يدري هل يكون له فيها خير أم يكون له فيها شر، فإذا تردد في الأمر ولم يترجح له أوصاه النبي صلى الله عليه وسلم بدعاء الاستخارة، الذي فيه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين، ثم يقول: اللهم! إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم؛ فإنك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر..)ثم في آخر هذا الحديث يوصي النبي صلى الله عليه وسلم أن الإنسان بعد ما يسمي حاجته يقول: (وإلا فاصرفه عني) يعني: إن لم يكن خيراً لي (واقدر لي الخير حيث كان ثم رضني به)، فيرضى الإنسان بما قسم الله سبحانه وتعالى له، ولا شك أن الإنسان إذا توكل على الله وأحسن الظن بالله سبحانه وتعالى لا يغضب من أي أمر قد قدره الله سبحانه وتعالى عليه.

    التوكل على الله يزيل عن النفس الخوف والرعب

    والتوكل على الله سبحانه وتعالى من أعظم ثمراته أنه يزيل عن النفس الخوف والرعب، ومن توكل على غير الله أصابه الله بالخوف والرعب، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فالقلب لا يتوكل إلا على من يرجوه، فمن رجا قوته أو عمله أو علمه أو حاجة أو صديقاً أو قرابته أو شيخه أو ملكه أو ماله غير ناظر إلى الله كان فيه نوع من التوكل على ذلك السبب، وما رجا أحد مخلوقاً أو توكل عليه إلا خاب ظنه فيه. فقف عند هذه الكلمة أيها الأخ المسلم! ما رجا أحد مخلوقاً وتوكل عليه إلا كانت النتيجة عكسية، خاب ظنه فيه فينقلب عليه. قال: إلا خاب ظنه فيه، فإنه مشرك والحالة هذه، والله سبحانه وتعالى يقول- هكذا يقول شيخ الإسلام -: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج:31]، وكذلك المشرك يخاف المخلوقين ويرجوهم فيحصل له رعب، كما قال تعالى: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا [آل عمران:151]، ومن أخلص قلبه من الشرك هو الذي يحصل له الأمن، كما قال تبارك وتعالى في كتابه العزيز: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام:82]، والظلم هنا فسره النبي صلى الله عليه وسلم لما شكا إليه الصحابة وقالوا: (يا رسول الله! أينا لم يلبس إيمانه بظلم؟! فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنما ذلك الشرك، ألم تسمعوا إلى العبد الصالح -يعني: لقمان- حينما قال: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13])، فالذي لم يلبس إيمانه بظلم -أي: بشرك- له الأمن، وعكسه له الرعب والخوف، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

    التوكل على الله سبب في عون الإنسان على فعل الأوامر واجتناب النواهي

    ومن ثمرات التوكل أن التوكل على الله سبحانه وتعالى يكون سبباً لأن يقوم الإنسان بما أمر الله به من فعل الأوامر واجتناب النواهي، فالإنسان ضعيف تحيط به الوساوس والشياطين، ويضعف عن الصلاة، ويضعف عن الإتيان بها في أوقاتها، ويضعف عن فعل ما أمر الله، ويضعف عن ترك ما نهى الله سبحانه وتعالى من المعاصي، ولكن التوكل على الله سبحانه وتعالى يبني في قلب العبد المؤمن ما يجعله يقوم بما أمره الله به ويجتنب ما نهى الله سبحانه وتعالى عنه على الوجه الأكمل. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: إن النفس لا بد لها من جلب المنفعة ودفع المضرة، فإن لم تكن متوكلة على الله في ذلك واثقة به لا يمكن أن تنصرف عن ذلك فتمتثل الأمر مطلقاً، بل لا بد أن تعصي الأمر في جلب المنفعة ودفع المضرة، فلا تصح العبادة لله وطاعة أمره بدون التوكل عليه، كما أن التوكل عليه لا يصح بدون عبادته وطاعته، قال تعالى: فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود:123]، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5]. فالعبادة لا تتحقق إلا بالاستعانة، فأنت تريد أن تعبد الله على الوجه الحق، لكن كيف تعبده وأنت غير مستعين بالله؟! لا يمكن، فلا بد من الاستعانة بالله وحده لا شريك له، قال تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق:2-3]، وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا * رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا [المزمل:8-9]. (تبتل إليه) اعبده، ومتى؟ إذا علمت أنه رب المشرق والمغرب واتخذته سبحانه وتعالى وكيلاً، وكفى بالله وكيلاً. يقول شيخ الإسلام بعد ذلك: والمقصود أن امتثال الأمر على الإطلاق لا يصح بدون التوكل والاستعانة، ومن كان واثقاً بالله أن يجلب له ما ينفعه ويدفع عنه ما يضره أمكن أن يدع هواه ويطيع أمره، وإلا فنفسه لا تدعه أن يترك ما يقول: إنه محتاج فيه إلى غيره. وهنا يلاحظ على أحوال الناس عندما تأتيهم المحن ويخافون على أنفسهم، يلاحظ عليهم أمران على ضوء هذه الثمرة من ثمرات التوكل: الأمر الأول: أن الإنسان الذي كان يحرص على الصلاة في أول أوقاتها يتابع الإذاعة والتلفاز، وينظر ماذا جرى، خوف ورعب في نفسه، بينما الإنسان في حال المحنة والخوف يلجأ إلى الله ويفعل الأسباب، لكن الناس انصرفوا، حتى إن الإنسان ليجد أحياناً المرأة في بيتها التي كانت تستمع الشريط الإسلامي وكانت تستمع إلى إذاعة القرآن وقراءة القرآن وفتاويه يجدها قد انصرفت وانشغلت بغير ذلك، تتابع الأخبار، وتتحدث في الهاتف عما جرى وعما سيجري وما هو متوقع، وصار الناس كلهم يحللون الأحداث حتى العوام والصبيان، ولا يعني ذلك أن الإنسان لا يتابع الأحداث، الإنسان من لحم ودم، وعاطفة وقلب وروح، لكن أن يكون حال الناس وقت المحنة أضعف من حالهم قبلها فهذا خطر، بل يجب أن يكون حال الإنسان عندما يشتد به الأمر أن يكون قربه من الله وتوكله على الله، وقراءته للقرآن، واعتصامه بالله، وتدبره لآيات الله، ودراسته لسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحرصه على العلم وطلبه، وعلى تربية أسرته وبنائها، وعلى توجيه الناس، وعلى الدعوة إلى الله، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي غيرها من الأمور أن يكون حرصه عليها أكثر مما سبق؛ لأنه أحوج إلى الله سبحانه وتعالى. وفي حديث عبد الله بن عباس الذي ذكرناه قبل قليل يقول له النبي صلى الله عليه وسلم فيه: (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة)، فإذا عرفك الله في الشدة أعانك على عبادته وطاعته والاعتصام به، وأزال عنك الخوف والرعب. الأمر الثاني الملاحظ على الناس في وقت المحن: أن بعض الذين بيدهم الأمر إذا فعلوا بعض الأسباب قد يخطر في قلوبهم أن هذه الأسباب كافية لوحدها لمنع الشر والفتنة، فيتوكلون عليها، ويظنون أنها هي التي نفعتهم وهي التي أبعدت الشر عنهم، ويستقر هذا الأمر في نفوسهم، ومن ثم فتجد الواحد من هؤلاء يقطع أو تضعف صلته بالله سبحانه وتعالى وما ينبغي أن يكون عليه به من الثقة في زمن المحنة حتى يمنع الله عنه الشر والفساد، تجد هؤلاء يظن الواحد منهم أنه ما دمنا اتكلنا على هؤلاء في هذا الأمر كفى. إذاً ينبغي أن نغير أحوالنا، وأن نتدبر حالنا والمعاصي المنتشرة فينا فنمنعها. ونوثق صلتنا بالله وبالعلماء، حتى نغير تغييراً حقيقياً، هل نحن نفعل شيئاً من هذا الآن؟ لا. هذا الأمر الآن أمر ثانوي، وهذا الأمر الذي استقر في بعض النفوس خطير جداً؛ لأن الله تبارك وتعالى يبتلي عباده ويمتحنهم، فإذا جاءتهم الآيات ولم يعتبروا بها فإن الأمر مؤذن بخطر ربما يأتي من طريق لا يحسب الإنسان حسابه، وهذه مشكلة، أن يستقر في النفوس أن هذه الأمور المتعلقة بإسلامنا وديننا وتحكيم شرعنا يكفي فيها ما نحن فيه ولا داعي للتغيير.

    التوكل ينجي الإنسان مما يخافه من الفقر

    من ثمرات التوكل أن التوكل على الله سبحانه وتعالى ينجي الإنسان مما يخافه من الفقر. وقد ورد في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: (أصابتنا فاقة -فقر- فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسأله، فوجدته يخطب الناس وهو يقول: أيها الناس! والله مهما يكن عندنا من خير فلن ندخره عنك) هكذا يقول المصطفى صلى الله عليه وسلم، (وإنه من يستغن يغنه الله، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يتصبر يصبره الله، وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر) هكذا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم. معنى قوله: (من يستغن)، الاستغناء: هو أن لا يرجو الإنسان أحداً إلا الله، فيستشرف ما عنده والاستعفاف: أن لا يسأل أحداً. ولهذا سئل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى عن التوكل قال: قطع الاستشراف إلى الخلق -أي: لا يكون في قلبك أن أحداً يأتيك بشيء- فقيل له: الحجة في ذلك؟ فقال: قول الخليل لما قال له جبريل: ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، وقال: حسبنا الله ونعم الوكيل. فاعتمد على الله فنجاه الله. فمن يستغن بالله يغنه الله، لكن من يعلق قلبه بالناس وفلان وعلان والرزق الفلاني والراتب الفلاني يكله الله سبحانه وتعالى إليه، كما ورد في الأثر: (من تعلق شيءٍ وكل إليه). قال بعض العلماء: لا يشغلك المضمون لك من الرزق عن المفروض عليك من العمل، فتضيع أمر آخرتك، ولا تنال من الدنيا إلا ما قد كتب الله لك. وكلنا نعلم الحديث الذي رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه، وهو حديث صحيح رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن المبارك والحاكم وابن حبان وابن أبي الدنيا في التوكل على الله سبحانه وتعالى، وهو حديث صحيح، يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً)، وهنا في هذا الحديث بعض العلماء قال: قوله: (تغدو خماصاً وتروح بطاناً) لا يعني أنها تفعل السبب، وإنما هي بطبعها تتحرك في الهواء وفقط، وهذا من جنس حركة المرتعش بالنسبة لها، فمن توكل على الله حق توكله رزقه الله كما يرزق الطير. ولكن المعنى الصحيح للحديث: هو أن قوله عليه الصلاة والسلام: (لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً، وتروح بطاناً) أن الطير فعلت السبب، والله هو الذي هداها لتفعل السبب، فتغدو في الصباح (خماصاً) جائعة ضامرة البطون، وترجع في المساء (بطاناً) قد رزقها الله سبحانه وتعالى. وإذا كان الأمر كذلك فإن كل الناس يذهب ويغدو، فما معنى (حق توكله)؟ كيف يشبهه الرسول صلى الله عليه وسلم بالطير؟ الذي يظهر -والله أعلم- أن الرسول صلى الله عليه وسلم شبه من توكل على الله حق توكله بالطير -مع أن الإنسان يفعل السبب- أن الطير يبيت لا يحمل هم رزقه، فلا يقول: أين التجارة الفلانية والربح الفلاني والخسارة الفلانية والمال الفلاني والفلوس الفلانية؟ بل يبيت مطمئناً مرتاحاً، هذا هو الطير، فمن توكل على الله سبحانه وتعالى جعل الله له الاطمئنان، ويسر له الأسباب دون أن يحزن، فيصير مثل الطير، يفعل السبب ويرزقه الله سبحانه وتعالى ويأتيه رزقه، وهذا هو معنى التوكل على الله سبحانه وتعالى ولذلك يروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه لما كان في عهد خلافته جاءه رجل من الأعراب ممن يطلب الرزق فجلس عند بابه، وصار عمر يعطيه لأنه خليفة المسلمين وأمير المؤمنين، فمكث عند بابه لينال رزقه، فجاء إليه رجل وقال له: يا هذا! أنت هاجرت إلى عمر أو إلى رب عمر ؟ قال: وما ذاك؟ قال: اذهب فاقرأ القرآن، فإن الله يغنيك عن عمر فاستيقظ الرجل وذهب لقراءة القرآن وعبادة الله وطلب العلم فأغناه الله، ولكن عمر الذي كان يرعى رعيته سأل عن الرجل؛ لأنه انقطع عنه أياماً، فبحث عنه في المدينة حتى لقيه، فقال له: يا فلان! كنت عندنا فإلى أين ذهبت؟ فقال: يا أمير المؤمنين! جاءني رجل فقال لي هذا الكلام: اقرأ القرآن واعتمد على الله لا على عمر فقرأت القرآن فأغناني الله سبحانه وتعالى فقال له عمر : يا أخي! وماذا وجدت في القرآن -يعني: ما الذي لفت انتباهك في القرآن-؟ قال: قول الله تبارك وتعالى: وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ [الذاريات:22]، فالتوكل على الله سبحانه وتعالى يجعل العبد راضياً مطمئناً، فالإنسان الذي يبيت ليله مطمئناً وليس عنده مال، والإنسان الآخر الذي يبيت ليله قلقاً وعنده الملايين أيهما أكثر راحة وسعادة؟ تلك موازين نعرفها جميعاً، لكن نحن بحاجة إلى نتفاعل معها عملياً في حياتنا، فلا نغضب إذا نقصت أموالنا، ولا نحزن، وإنما نفرح لأننا على الإيمان والهدى والتقى، وهذا هو رأس مال المؤمن. أيها الأخ المسلم! وردت قصة رواها ابن أبي الدنيا في التوكل على الله، وقعت في إحدى الفتن التي وقعت في الأمة الإسلامية، والآثار في هذا الباب -في باب التوكل والكرامات- التي يذكرها الصوفية كثيرة، لكننا أعرضنا عنها صفحاً لأننا لا ندري ما صحتها، وإنما يحسنونها في كتبهم، ولكن هذه الرواية وردت بسند صحيح إلى عون بن عبد الله قال: بينا رجل في بستان بمصر في فتنة ابن الزبير مكتئباً معه شيء ينكت به في الأرض، إذ رفع رأسه فسنح له صاحب مسحاة، فجاءه هذا الرجل صاحب المسحاة فقال له: مالي أراك مكتئباً حزيناً؟ قال: فكأنه ازدراه. رأى شكله، وحاله فقال: لا شيء. فقال له صاحب المسحاة: ألدنيا؟! فإن الدنيا عرض حاضر -يعني: غير باق- يأكل منها البر والفاجر، والآخرة أجل صادق يحكم بها ملك قادر يفصل بين الحق والباطل. فلما سمع ذلك الرجل هذا الكلام كأنه أعجبه، فأخبره بما في نفسه، وقال له: إنني حزين مكتئب لما فيه المسلمون. يعني: لأحوال المسلمين. فقال له هذا الرجل: فإن الله سينجيك بشفقتك على المسلمين، ومن ذا الذي سأل الله فلم يعطه، ودعاه فلم يجبه، وتوكل عليه فلم يكفه، أو وثق به فلم ينجه؟! قال عون بن عبد الله : فتعلقت بالدعاء، اللهم! سلمني وسلم مني. فتجلت- يعني: الفتنة- ولم تصب منهم أحداً. فهذا الرجل يقول: بشفقتك على المسلمين فأين أولئك الذين يسمعون الأحداث تمر بالمسلمين من حولهم ولكنهم لا يحركون ساكناً ولا تتحرك قلوبهم، لكن المؤمن كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: (المؤمنون كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر)، وهذا الرجل يقول: إن الله سينجيك بشفقتك على المسلمين لأنك تحمل هم المحن، هم الأمة الإسلامية، يحزنك إذا أصاب المسلمين في مكان ما حوادث أو كوارث، يحزنك إذا قصر المسلمون في إيمانهم ودينهم، تحمل هم المسلمين؛ لأنك إذا حملت هم المسلمين فمعناه أنك في شغل، وهو الطاعة والعبادة، وهو التقوى والرضا بالله سبحانه وتعالى، ولقد كان قواد المسلمين رحمهم الله سبحانه وتعالى يتوكلون على الله في جميع أحوالهم، ولا أطيل بذكر الأمثلة، ولكنني سأذكر مثالاً واحداً لرجل من الرجال الذين قاوموا الصليبيين زمن الحروب الصليبية، كان له جهاد وأي جهاد! أفنى عمره وحياته في قتال الصليبيين من مكان إلى مكان، وهو نور الدين محمود زنكي ، فإن هذا الرجل ذكر عنه أنه كان يمرغ وجهه في التراب قبل المعارك، ويدعو ربه ويقول: من محمود ؟ يعني نفسه، يعني أنه لا قيمة له انتصر أو لم ينتصر، يا رب! من محمود ؟ إنما هو دينك، إنما هم عبادك، اللهم! انصرنا. لا أنانية، وإنما هو رجل عاش لله وبالله، واعتصم بالله، وصار هم المسلمين همه وشغل المسلمين شغله، فجاهد في الله، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجمعنا وإياه والمسلمين جميعاً في مستقر رحمته. روى أبو شامة في الروضتين وابن قاضي شهبة في كتابه الكواكب الدرية الذي ترجم فيه لـنور الدين هذا، روى أن القدس لما كانت بأيدي الصليبيين، وكان نور الدين يجاهدهم وينتصر عليهم -لكن تحرير القدس إنما تم بعد نور الدين محمود عندما جاء صلاح الدين، فذهب بعض الناس إلى زيارة بيت المقدس وهو تحت الاحتلال الصليبي، فماذا وجد الصليبيين يقولون عن نور الدين ؟ وجدهم يقولون عنه: إن له مع الله سراً، فإنه ما يظفر علينا بكثرة جنده وعسكره، وإنما يظفر علينا وينتصر بالدعاء وصلاة الليل. وكان مشهوراً بصلاة الليل، نور الدين محمود كان معروفاً عنه صلاة الليل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. يقول هؤلاء الكفار: إنما يظفر علينا وينتصر بالدعاء وصلاة الليل، فإنه يصلي الليل ويرفع يديه إلى الله ويدعو، والله سبحانه يستجيب دعاءه ويعطيه سؤله وما يرد يده خائبة، ويظفر علينا بهذا. فالتوكل على الله مطلوب من جميع الأمة رئيسها ومرؤوسها، من جميع الناس، فإذا توكلوا على الله فإن الله سبحانه وتعالى يوفقهم ويهديهم وينصرهم.

    1.   

    التوكل على الله لا ينافي فعل الأسباب

    بقيت مسألة يسيرة أحب أن أشير إليها، وهي أن نعلم أن التوكل على الله لا ينافي فعل الأسباب. وإنما التوكل على الله هو عينه سبب من الأسباب، مثل الدعاء تماماً، كما أن الله أمر بالدعاء وجعله عبادة، بل ورد أنه العبادة، فإن الدعاء سبب، فأنت مأمور بالدعاء لكن قد يحصل وقد لا يحصل. كذلك أيضاً التوكل على الله سبب من الأسباب، فإذا توكلت على الله في أمر من الأمور فقد يحصل ذلك الأمر وقد لا يحصل، لكنك عبدت الله وتوكلت عليه، فيكون لك الخير حيث كان، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الدعاء، في الحديث الصحيح: (ما من عبد يدعو ربه بدعاء ليس فيه إثم ولا قطيعة رحم إلا كان على الله أن يعطيه بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يستجيب دعاءه..)هذا الاحتمال الأول (أو أن الله يدفع عنه من الشر مثله) هذا الثاني (أو أن الله يدخر له يوم القيامة من الأجر مثله). إذاً الداعي لا يخيب أبداً، قال الصحابة: (يا رسول الله! إذاً نكثر)، أي: ما دمنا رابحين إذاً نكثر من الدعاء، فقال: (الله أكثر). فلا يقول القائل: أنا دعوت ولم يستجب لي. ومثله إذا توكل على الله في الأمر، فقد يكون من أمر الله أن الله يريد أن يبتليه، فلا يقول: توكلت على الله وما استجاب. لا، وإنما سيكون لك الخير لأنك عبدت الله حق عبادته، وقد يكون ذلك الأمر الذي جرى عليك من محنة أو غيرها سبباً لتمحيص ذنوبك وإيمانك ورفع درجاتك. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا جميعاً ممن توكل عليه وكفاه، وأن يجعلنا ممن اعتصم به فنجاه. كما نسأله سبحانه وتعالى أن يعيذ هذه الأمة من الفتن ما ظهر منها وما بطن، كما نسأله سبحانه وتعالى أن يهيئ لها من أمرها رشداً، يُعز أهل الطاعة، ويُذل أهل المعصية، كما نسأله تبارك وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممن ختم له بخاتمة السعادة، وأن يجعل آخر كلامنا من الدنيا (لا إله إلا الله، محمد رسول الله)، والله أعلم.

    1.   

    الأسئلة

    حكم من يقول: لولا أمريكا وقوات الدول الكبيرة لذهبت الجزيرة

    السؤال: في هذه الأيام هناك بعض الناس يقول بعد الأزمة: لولا أمريكا وقوات الدول الكبيرة لذهبت الجزيرة، ما هي نصيحتكم لهؤلاء الناس؟ الجواب: مثل هذا الكلام خطير جداً؛ لأنه لو قال الإنسان -كما ورد في كتب التوحيد-: لولا الكلب لأتانا اللصوص. لولا الباب كان قوياً لدخل اللصوص وسرقوا البيت. فهذا من الشرك الأصغر، والإنسان ربما يظن هذا الظن، لكن مثل هذه العبارة التي يقول فيها الإنسان: لولا أمريكا لذهبت الجزيرة توحي العبارة بأن قلبه كأنه ظن أن أولئك هم الذين حموا البلاد، وأنه لولاهم لذهبت، ولا شك أن هذا أمر خطير جداً، ويدل على ضعف اليقين والتوكل على الله سبحانه وتعالى، وما يدري الإنسان ماذا سيجري بعد ذلك، الأمر بيد الله، لكن الشيء الذي نقطع به أن الملاحدة والمشركين والعلمانيين ومثلهم اليهود والنصارى لا يمكن أن يريدوا خيراً للمسلمين. خذوها قاعدة وميزاناً ربانياً، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [البقرة:120]، فإذا كانت هذه الأمور جاءت لسبب فلنجعل هذا السبب في محله فقط، ولا نأتي لنزعم أو لنعتقد، كما يحدث من بعض الناس عندما يتابع الأخبار، فيحب هؤلاء النصارى ويواليهم، ويظن أنهم فيهم الخير الكثير وفيهم المحبة والشفقة.. إلى آخره، هذا خطأ، خطأ أن ينقلب هذا الأمر إلى موالاة لغير الله سبحانه وتعالى، وإنما نحصر الأمر في مكانه، نحدث ونعلم أن العصمة لنا ولبلادنا ولبلاد المسلمين إنما هي بعدة أموره منها -وعلى رأسها- عبادة الله والتوكل عليه. ومنها تحكيم شرع الله سبحانه وتعالى، والأخذ على يد السفهاء، فإذا حكمنا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، حتى ولو وصفه الواصفون بأن القطع رجعية، وأن الرجم رجعية وتأخر فالله ليهابنا الأعداء كما هو واقع، يهابنا الأعداء في كل مكان، ولكن المشكلة أننا نرى بعض الصحفيين جاؤوا ليكتبوا على إثر الأزمة وليقولوا: يجب أن نراجع أمورنا ومسلماتنا. وما هي مسلماتنا التي نراجعها؟ تحكيم القرآن نراجعه، الحكم بالشريعة الإسلامية نراجعه، الاعتماد على الله وعبادته وحده لا شريك له نراجعه، هكذا يدخل العلمانيون وأذناب القوميين وغيرهم في سلك الصحف ليقولوا: يجب أن نراجع هذه الأصول، تبين لنا أن الحكم بالشريعة لا ينفعنا وقت الأزمات. وهذا كلام خطير فعلينا أن نعتصم بالله، وأن نتوكل على الله، وأن نكون ممن يزن الأمور بميزانها القرآني الصحيح.

    طلب الدواء لا ينافي التوكل على الله

    السؤال: مرض الرجل فلم يتداو، وإذا سئل عن ذلك ذكر حديث من يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، ويقول: الحديث واضح، وظاهره يقول: (لا يسترقون) أي: لا يتداوون. فما رأيكم في ذلك؟ الجواب: أولاً: يجب أن نعلم أن هذا الحديث ورد في معرض الخبر عن هؤلاء، بأنه بلغ بهم التوكل على الله أنهم لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون. الأمر الثاني: أن هذا الحديث لا يؤخذ لوحده، وإنما تؤخذ الأحاديث الأخرى التي فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم تداوى وأوصى أصحابه بالتداوي، فإذا جمعنا هذه الأحاديث تبين لنا أن التداوي وطلب الدواء أمر مشروع، ولا يخالف سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    نقص التوكل عند الناس في حال الخطبة وطلب الزواج

    السؤال: هناك أناس إذا أتاهم الخاطب ليتزوج ابنتهم وهو حديث التخرج ولا يعمل بوظيفة حكومية لا يزوجونه، فهل التوكل عند هؤلاء الناس ناقص أم هو أخذ بالسبب؟ الجواب: الحقيقة أن هذا توكل ناقص بغير شك، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه)، وما قال: (وترضون ماله) والنبي صلى الله عليه وسلم أوصى بذلك الشباب فقال: (من استطاع منكم الباءة) أي: القدرة على الزواج (فليتزوج)، فإذا جاءكم الشاب معه المهر وعنده القدرة فزوجوه، أما أن تربطوا الموضوع بأمر غيبي فلا، الأمر بيد الله سبحانه وتعالى، والحقيقة أن هذا أمر خطير جداً، ومثله أولئك الذين يربطون الزواج بالدراسة، شخص اتصل بأحد المسئولين عن التعليم يتحدث معه عن ابنته، فيقول: إن لم تقبلوها فمعناه أنها لن تتزوج. فما هذا الكلام؟! فالأمر خطير جداً، واعلم أن العبد يعان على النكاح، كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة حق على الله عونهم -وذكر منهم-: الناكح يريد العفاف)، وأنتم تشاهدون هذا، هل وجدتم شاباً تزوج فافتقر بسبب زواجه؟ لا، وإنما الذي نشاهده أن الشاب إذا تزوج رزقه الله، وجاءه الرزق من كل مكان، وجاءته الإعانات التي ليس فيها منة، ويسر الله أمره، وإذا جاءه المولود جاء ومعه رزقه، لكن ضعف في النفوس التوكل على الله، يظن أنه ما لم يكن الشاب في وظيفة وما لم يكن الشاب عنده بيت وما لم يكن الشاب عنده كذا وكذا فلن يزوج، هذا تعلق بأمور وأسباب، فأخشى على هؤلاء أن يعاقبهم الله بنقيض قصدهم، فيزوجون من كان ظاهره المال، فيكون وبالاً على ابنتهم، فاتقوا الله في بناتكم، وامتثلوا أمر رسوله صلى الله عليه وسلم حين قال: (إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته -أو: وخلقه- فزوجوه، إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير). وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.