إسلام ويب

تفسير سورة الحديد (6)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حين يؤمن الإنسان بالقضاء والقدر، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، تطمئن نفسه ويسكن جنانه، فلا يفرح بشيء أدركه حتى ينسى شكر المنعم جل وعلا، ولا يقنط بسبب فوات محبوب ولا حلول مصيبة، وينفق ما آتاه الله من المال والجاه في وجوه الخير والإحسان، طالباً بذلك رضا الرحمن.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها ...)

    الحمد لله, نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد.

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة -ليلة الأربعاء من يوم الثلاثاء- ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال فداه أبي وأمي وصلى عليه ألفاً وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة الحديد المدنية، فهيا بنا لنصغي إلى تلاوة الآيات مجودة مرتلة، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحديد:22-25].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا [الحديد:22] يخبر تعالى وأقواله وأخباره الحق, يقول عز وجل: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ [الحديد:22] بالخير أو بالشر، بالغنى أو بالفقر، بالصحة أو بالمرض، بالعز أو بالذل، بالهون أو بالكرامة, مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ [الحديد:22], ومصائب الأرض قد تكون القحط والجدب وموت الحيوان، وقد تكون أمراضاً وأوبئة والعياذ بالله تعالى, وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ [الحديد:22] من مرض أو فقر, إِلَّا فِي كِتَابٍ [الحديد:22] وهو كتاب القضاء والقدر.

    فالآية تقرر أن ما يوجد في الكون قد كتب الله ذلك في كتاب المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرضين وما فيهما؛ إذ أول ما خلق تعالى القلم قال: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، إذاً: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ [الحديد:22] بالقحط والجدب، بالبلاء، بالحرب، بالفناء، ولا في أنفسنا مرض أو فقر أو ذل, إِلَّا فِي كِتَابٍ [الحديد:22], أي: في كتاب المقادير.

    مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا [الحديد:22] يعني: من قبل أن نخلقها.

    والصورة التي تبين هذه الحقيقة: أن الله تعالى خلق الله القلم وقال: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، وما كتبه الله هو الذي يخلقه تعالى ويوجده في وقته المعين وساعته المحددة والكمية المعدودة والكيفية كما هي، ولا يزيد شيء ولا ينقص، وسبحان الرب العظيم، سبحان الخلاق العليم!

    كتب أن فلاناً يوجد في كذا يوم كذا، له كذا وكذا, يصاب بكذا وكذا بسبب كذا وكذا، يكتب ذلك كما هو، وتمضي القرون والأعوام والدهر ويأتي الوقت المحدد، فيوجد ذلك المخلوق كما كتبه الله, يخلقه على ذلك ويوجده على ذلك، هذه هي عظمة الرب، هذا الذي رفع السماوات، هذا الذي خلقنا ويميتنا ويحيينا، هذا هو الله, لولاه ما تكلمنا ولا أبصرنا ولا سمعنا، لولاه ما وجدنا، هذا هو الله تعالى.

    مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا [الحديد:22] أي: من قبل أن نخلقها.

    ثم قال تعالى: إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحديد:22], سهل ميسر ما فيه صعوبة، هذه الشمس فوقنا أكبر من الأرض بمليون ونصف مليون مرة, من أوجدها؟ من أوجد النار فيها وأشعلها فيها؟ من جعلها تسير في فلكها ليتكون بها الليل والنهار الدهر كله؟ من رفع السماوات السبع سماء فوق سماء؟ من وضع الأرضين السبع أرضاً فوق أرض؟ هذا هو القادر على كل شيء، إذاً: فلا يعجزه شيء, إنه على كل شيء قدير, إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحديد:22] سهل ميسر, لماذا؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم ...)

    قال تعالى: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ [الحديد:23], أعلمنا هذا وأخبرنا به من أجل ألا نأسى ولا نحزن ولا نكرب على ما يفوتنا من أوساخ الدنيا وما فيها، لا موت ولد ولا فقد مال، لا نأسى ولا نيأس, لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ [الحديد:23], هذا هو سر إخبار الله تعالى لنا بهذا الخبر العظيم, وهو: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحديد:22].

    وهنا يقول عمر رضي الله عنه: لا تجد طعم الإيمان إلا إذا علمت أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك.

    عمر رضي الله عنه الصاحب الجليل يقول في هذه الآية: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ [الحديد:23], يقول: لا تذوق طعم الإيمان حقيقة إلا إذا كنت تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك.

    وهذا الذي ينبغي أن نعيش عليه, فما أصابنا من خير أو شر لم يكن ليخطئنا أبداً، وما أخطأنا ولم يصبنا وأصاب غيرنا لم يكن ليصيبنا أبداً؛ لأن الله عز وجل قدر ذلك وأوجده في كتاب المقادير، فسبحان الله العظيم!

    مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ [الحديد:22] ألا وهو كتاب القضاء والقدر، كتاب المقادير اللوح المحفوظ, مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا [الحديد:22], من قبل أن نخلق ونوجد تلك المصيبة, إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحديد:22] سهل ميسر لا صعوبة فيه، والله على كل شيء قدير، لماذا؟

    لِكَيْلا تَأْسَوْا [الحديد:23] تكربوا وتحزنوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا [الحديد:23] فرح الأشر والبطر بِمَا آتَاكُمْ [الحديد:23], أما الفرح بنعمة الله لشكر الله عليها فلا بأس به، أما البطر والأشر والفرح من أجل أوساخ الدنيا وما فيها فذاك ممقوت صاحبه، لكن إذا فرحت بنعمة الله فحمدت الله تعالى وشكرته وأثنيت عليه فذلك خير.

    لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ [الحديد:23], والفرح نوعان: فرح الأشر والبطر والكبرياء والمباهاة والمفاخرة، فهذا مذموم والعياذ بالله تعالى, وفرح ذكر النعمة وشكر الله تعالى عليها، فهذا محمود.

    معنى قوله تعالى: (والله لا يحب كل مختال فخور)

    ثم قال تعالى: وَاللَّهُ [الحديد:23] جل جلاله وعظم سلطانه لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد:23], المختال: الذي يمشي مشية الكبرياء والاختيال لغناه وعزته وسلطانه، ومشية الفخر والمباهاة, هذه يكرهها الله عز وجل؛ إذ قال تعالى: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد:23] سواء كان شريفاً أو وضيعاً، عربياً أو عجمياً، في الأولين أو في الآخرين.

    فلهذا نحذر الكبرياء والمباهاة والفخر والاختيال في المشي والقول، ولنكن متواضعين متطامنين لينين في سلوكنا، في أقوالنا، في مشيتنا، في أعمالنا؛ حتى لا نتعرض لغضب الله علينا، ومن لم يحبه الله فوالله! ما سعد ولا كمل أبداً، من لم يحبه الله فكيف يسعد؟ يشقى شقاء أبدياً.

    معشر المستمعين! اسمعوا الله يقول: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد:23], فالمباهاة والفخر والاختيال معروفة عند الأغنياء والجهلاء والتائهين, يتكبرون ويترفعون في الدنيا بأموالهم وعزهم وسلطانهم، هؤلاء -والله- لا يحبهم الله، وبينت لكم أن الفرح نوعان: فرح بنعمة الله على ما أعطاني، على ما وهبني، على ما أكرمني؛ لنذكره، لنشكره, فنقول: الحمد لله, الحمد لله, الحمد لله، هذا الفرح محمود.

    أما الفرح الذي ينتج عنه التكبر والتعالي والمباهاة والخيلاء فذاك الفرح المذموم المكروه، والله لا يحب أهله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد)

    ثم قال تعالى: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ [الحديد:24], فالله تعالى لا يحب كل مختال فخور, وهم الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل، يبخلون بالأموال فما يعطونها، لا يسدون حاجة لفقير ولا لمسكين، ولا ينفقون في الجهاد ولا في المصالح العامة للمسلمين، ويأمرون غيرهم بالشح والبخل وعدم الإنفاق.

    والآية نزلت في المدينة, وكان المنافقون لا يسمحون لإخوانهم أن ينفقوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يريدونهم أن ينفقوا، فهم لا ينفقون ويقولون لإخوانهم: لا تنفقوا، والآية عامة: وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد:23], وهم الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ [الحديد:24], يبخل فما يعطي صدقة ولا زكاة في جهاد ولا غيره، ثم يأمر غيره ممن له سلطان عليه أو صلة فيقول له: لا تنفق، والعياذ بالله تعالى.

    ثم قال تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [الحديد:24], ومن يتول فيعرض عن الله وذكره، عن الإسلام وشرائعه، عن الإيمان وما يدعو إليه من العمل الصالح، من يعرض يعرض الله عنه, وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [الحديد:24], ما هو في حاجة إلى هذا الذي يعرض عن الله وكتابه ودعوته وعبادته.

    ومن يعرض عن الله فما يؤمن به، ما يطيعه، ما يدرس كتابه، ما يتعلم دينه، مشغول بهواه بدنياه بشهواته, وهكذا على هذه الحال؛ فالله ما هو في حاجة إليه, فالله غني حميد, غني غنىً مطلقاً؛ إذ كل غنى هو بيده, ولا غنى إلا من الله عز وجل، فهو محمود على كل ما أعطى، ما من ذرة في الكون إلا وتحمد الله عز وجل, فهو خالقها، هو واهبها، هو موجدها؛ لأن المتكبرين الفخورين البخلاء يحصل لهم هذا ويكون منهم، فيعلمهم أن الله ما هو في حاجة إليهم لا في مالهم ولا في إعطائهم؛ إذ هو الغني الغنى المطلق، الحميد المحمود في كل شيء، ما من ذرة في الكون إلا وتحمد الله بوجودها.

    هكذا يقول تعالى: وَمَنْ يَتَوَلَّ [الحديد:24] أي: يعرض عن الإسلام ودعوة نبيه صلى الله عليه وسلم ويخرج عن دائرته، ويميل إلى الكفر والباطل؛ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [الحديد:24] ما هو في حاجة إلى إيمانه ولا إسلامه ولا طاعته، ولا إنفاقه، ما هو في حاجة إلى هذا, هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [الحديد:24] كما في القراءة السبعية, وفي قراءة نافع وغيره: (الغني) بدون لفظ (هو).

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ...)

    ثم قال تعالى في خبر عظيم: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ [الحديد:25] يعني صحفاً وكتباً، يرسل الرسول إلى أمة من الأمم, إلى جماعة من الجماعات، إلى بلاد من البلاد, وينزل عليه كتابه, كل هذا لماذا؟ من أجل أن يُعبد عبادة تزكي نفوس العابدين وتؤهلهم لرضا الله وجواره في الجنة دار النعيم، أما الله فهو في غنى مطلق, هو الغني الحميد.

    لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا [الحديد:25] وبالأمس علمنا أنهم ثلاثمائة وأربعة عشر رسولاً، وأنزل معهم كتبه, هذه الكتب تحمل القوانين والشرائع، تبين العبادات، تبين أنواع الطاعات، تبين طرق الخير وتحذر من طرق الشر، والقرآن الكريم بين أيدينا.

    لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [الحديد:25] أي: العدل.

    معنى قوله تعالى: (وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس)

    وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ [الحديد:25].

    يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن آدم لما نزل من السماء نزل معه ثلاثة أشياء: الحجر الأسود، وعصا موسى، والحديد، فالحديد نزل من السماء, وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ [الحديد:25], فالحديد كالملح كالماء كالنار، لولا النار فكيف نطبخ؟ لولا الماء فكيف نعيش؟ لولا الملح فكيف نأكل الطعام؟ هذه أيضاً نزلت من السماء: الماء، والملح، والنار، والحديد أيضاً، هكذا يقول عمر.

    وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ [الحديد:25] فالحروب بم تتم؟ لا بد من السيف والسكين وما إلى ذلك، والآن بالمدفع والطائرات وما إلى ذلك، فمن أنزل هذا؟ من خلق هذا؟ الله عز وجل.

    وكما قال تعالى: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ [الزمر:6], أي: خلقها وجعلها بينكم، كذلك الحديد خلقه وهدانا إلى البحث عنه وإخراجه واستعماله سلاحاً نقاتل به المشركين والكافرين.

    لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ [الحديد:25] لماذا؟ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [الحديد:25] أي: ليعيش الناس ذكوراً وإناثاً كيفما كانوا على العدل، وهذا القرآن الكريم كالتوراة كالإنجيل كالزبور ككل الكتب, ما فيها إلا كيف تعيش البشرية على العدل والخير والحق والمعروف، لكن أعرضوا عنها وحرفوها وبدلوها فهلكوا، ونحن أعرضنا عن القرآن فأصابنا الذي أصابنا.

    وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ [الحديد:25], فالرمح والسيف أليس فيهما بأس شديد؟ حتى السكين الصغير فيه بأس شديد، فمن أنزل الحديد؟ الله، من أنزل الأنعام؟ الله، من خلقنا؟ الله، فالله خالق كل شيء، هو الذي خلق الجنة والنار، هو الذي خلق آدم وخلق ذريته، هو الذي خلق الجن وخلق بينهم إبليس والعياذ بالله تعالى، فهو خالق كل شيء وهو على كل شيء قدير.

    ثم قال تعالى: وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ [الحديد:25], لولا الحديد فكيف ستبني؟ كيف تهدم؟ كيف تأكل؟ فمنافعنا متوقفة على الحديد حتى في الملعقة تأكل بها فضلاً عن السيارة والطيارة، فمن خلق الحديد؟ هل آباؤنا وأجدادنا؟ الله أنزله: وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ [الحديد:25] أبيضهم كأسودهم، كل الناس ينتفعون بالحديد, منذ أن خلق الله آدم وذريته وهم ينتفعون بالحديد.

    معنى قوله تعالى: (وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز)

    وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ [الحديد:25], وشيء آخر: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ [الحديد:25], لو لم يكن هناك آلات الحرب فكيف سنعرف أن فلاناً قاتل في سبيل الله وفلاناً ما قاتل؟ فلان نصر دين الله وفلان ما نصره؟ لكن حين تكون آلات الحرب موجودة يعرف بها ذلك، فلو لم يكن هناك حديد فكيف سيتقاتل الناس؟ كيف يقاتل المؤمنون الكافرين؟ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ [الحديد:25].

    إذاً: الحديد فيه منافع للناس في دنياهم, وحكمة أخرى هي أنه من أجل أن يعلم الله من ينصره ورسله بالغيب، وهم لا يشاهدون الله ولا يرونه، ولكن فرض عليهم الجهاد فحملوا السلاح وقاتلوا المشركين والكافرين.

    إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحديد:25], فلا تقل: إذاً: الله محتاج إلينا وإلى سلاحنا وقتالنا لأعدائه! كلا, والله! إنه لغني حميد، غني عما سواه؛ إذ كل المخلوقات خلقها وكلها أطعمها وسقاها وأوجدها, فكيف تكون هي غنية وهو الفقير؟ بل هم الفقراء والله هو الغني.

    نعم أمرنا بالزكاة، أمرنا بالصدقات، أمرنا ببذل الخير والمعروف لا من أجله هو, بل من أجل أن نزكي أنفسنا ونطهرها، فالعبادات كلها أمر بها من أجلنا نحن لا من أجله هو، ولكن إذا عبدنا الله عز وجل أهلنا لسعادة الدنيا والآخرة، وإن تركنا عبادته وكفرنا به وبدينه وبشرعه هلكنا والعياذ بالله تعالى.

    وهكذا يقول تعالى: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ [الحديد:25], فقد نصر المؤمنون رسول الله صلى الله عليه وسلم ووقفوا إلى جنبه, وجاءوا من مكة مهاجرين ومشوا معه حتى توفاه الله، ونصروا دينه، وهكذا من كانوا مع موسى، من كانوا مع عيسى، من كانوا مع إبراهيم.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: تقرير عقيدة القضاء والقدر ].

    أركان الإيمان ستة، فإن سقط منها ركن بطل الإيمان وهبط, كهذه العمارة إن سقط منها عمود سقط السقف كله، وهي: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره.

    فهذه الآية تقرر هذا الركن: القضاء والقدر، ما من شيء إلا وقد حكم الله وقضى به، وما من شيء إلا وقد قدر الله طوله وعرضه ومدته وكل ما فيه.

    فنحن -أيها الحاضرون الكرام- ما كان هناك من البشر يعرف أننا نوجد وأين نوجد، إذاً: في كتاب المقادير والله! إننا لموجودون كما نحن عليه الآن، غنينا وفقيرنا، ومريضنا وصحيحنا، أبيضنا وأسمرنا, فإذا دقت الساعة وآن الأوان يخلقنا ويتم خلقه لنا ويتم معه ذلك ما كتبه وقدره علينا من خير أو شر.

    فهذه الآيات من هدايتها: تقرير مبدأ القضاء والقدر، وهو الركن السادس من أركان الإيمان، فلو قال قائل: أنا لا أؤمن بالقضاء والقدر؛ فقد كفر وخرج من الإسلام، كمن قال: أنا لا أعترف بالصلاة, وهكذا.

    [ ثانياً: بيان الحكمة في معرفة القضاء والقدر والإيمان بهما ].

    بيان الحكمة في معرفة القضاء والقدر، أما قال تعالى في ذلك: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ [الحديد:23]؟

    وهذا عمر يقول: لا يجد أحدكم طعم الإيمان إلا إذا علم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه, فهذه هي الفائدة العظيمة.

    [ ثالثاً: حرمة الاختيال والفخر والبخل والأمر بالبخل ].

    فمن هداية الآيات: حرمة الفخر والاختيال والكبر والأشر والبطر، تلك الصفات الممقوتة أصحابها أغناهم الله وتكبروا وترفعوا، وأهانوا الضعفاء وعزوا فوقهم وسادوا, فهؤلاء لا يحبهم الله عز وجل, والله! إنه ليكرههم, وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ [الحديد:23-24] والعياذ بالله تعالى.

    فلا كبرياء ولا مباهاة ولا مفاخرة بيننا، وإنما التواضع واللين والرحمة والعطف، هذا شعارنا نحن أتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

    [ رابعاً: بيان إفضال الله وإنعامه على الناس بإرسال الرسل وإنزال الكتب والميزان، وإنزال الحديد بما فيه منافع للناس وبأس شديد ].

    من هداية هذه الآيات: بيان إفضال الله علينا بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وإنزال الحديد وما فيه من منافع للناس, فمن فعل هذا سوى الله؟ فالحمد له والشكر له, فقولوا: الحمد لله على ما أولانا، الحمد لله على ما أعطانا، الحمد لله على ما أكرمنا وزادنا، اللهم لك الحمد.. اللهم لك الحمد.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.