إسلام ويب

تفسير سورة الحديد (5)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • خالق هذه الحياة الدنيا هو الله، وقد خلقها لتكون ميداناً للامتحان والاختبار، فسخر فيها سبل اللهو والمتاع، وجعلها مكاناً للتكاثر بالمال والأولاد، لكنه برحمته سبحانه حذر عباده المتفكرين من غيها، ونبههم إلى ما يلزمهم في رحلتهم القصيرة على ظهرها، وذلك بالمسارعة في عمل الصالحات واكتساب الخيرات، ليستحقوا بذلك رضوانه ودخول الجنات.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد...)

    الحمد لله, نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد.

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة -ليلة الأربعاء من يوم الثلاثاء- ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال فداه أبي وأمي وصلى عليه ألفاً وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة الحديد المدنية، فهيا بنا لنصغي إلى تلاوة الآيات مجودة مرتلة، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ * سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الحديد:20-21].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا [الحديد:20] هذا الخطاب من الله للمؤمنين والمؤمنات من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ماذا يقول لنا؟ بم يخبرنا؟

    يقول لنا: اعلموا علماً يقينياً، وكيف لا والله هو قائله؟ اعْلَمُوا [الحديد:20] ماذا نعلم؟ أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ [الحديد:20], خمس طوام، خمس بلايا، خمس مهالك، خمسة مزالق, فلنعمل على أن نتجنبها ونبتعد عنها حتى لا نكون من أهلها فنهلك.

    أولاً: هذه الحياة الدنيا التي تنتهي عما قريب, فكما بدأت من قريب ستنتهي عن قريب أيضاً، هذه الدنيا واقعها لعب ولهو، ومعنى هذا: احذروا اللعب واللهو، ولاحظوا اللعب في الأولاد حين يلعبون ساعتين وثلاثاً هل يعودون بشيء؟ هل يعودون بدينار أو درهم؟ هل يعودون بحسنات يرحم بها آباؤهم وأمهاتهم؟ لا شيء.

    فالدنيا هذا لونها، هذا شكلها: لعب ولهو، واللهو ما يلهي ويشغل عما يجب أن نقوم به ونفعله، فالدنيا إذا أقبلنا عليها وقصدناها وأردناها سوف نلهو ونلعب ولا بد.

    وزينة كما تشاهدون، الزينة في البيوت، في المنازل، في السيارات، في جدران البيوت يزينونها، والتزين معروف, فالراغبون في الدنيا المقبلون عليها المنكرون للآخرة المكذبون بها، الذين ما يذكرون الله والدار الآخرة هذا واقعهم في حياتهم, لعب ولهو وزينة وتفاخر في الأنساب والأحساب والمال، هذه كلها صفات باطلة وهي قائمة في الدنيا موجودة, والشياطين تساعد عليها وتزينها وتدفع إليها، وكلها ممقوتة ما رضي الله عن شيء منها حتى يرضى عنا إذا فعلناها.

    وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ [الحديد:20] يتكاثرون، هذا يريد أن يكون له مليون ريال، وهذا يريد أن يكون له خمسون ولداً، هذا واقع الحياة الدنيا، هكذا وصفها خالقها وموجدها، وهي كما وصف تعالى، هذه الحياة الدنيا الوسخة نسأل الله تعالى أن يبرئنا منها وأن يبعدنا من هذه الساحات الخمس التي فيها، خمس ساحات مهلكة: لعب، لهو، زينة، تفاخر، تكاثر في الأموال والأولاد.

    المثال القرآني لحقيقة الدنيا

    ثم بين تعالى لنا حقيقتها وأنها كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ [الحديد:20], هذه الحياة بكل ما فيها من المال والولد والزينة واللهو واللعب وقل ما شئت، حقيقتها كمثل غيث, ماء من السماء, مطر, كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ [الحديد:20] الفلاحين الذين يكفرون الحبوب ويغطونها بالتراب حتى تنبت وتكون زرعاً, فالمطر من السماء من يفرح به؟ الفلاحون؛ لأنه يسقي الأرض وتنبت به, كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ [الحديد:20] الذي نبت من الزروع وأنواعها, ثُمَّ يَهِيجُ [الحديد:20] ييبس ثم يصبح حطاماً، هذه هي الحياة الدنيا، غيث ومطر من السماء نزل فنبتت النبات, وما هي إلا فترة وإذا به ييبس وإذا به يتحطم وخسروا كل شيء، ما استفادوا شيئاً.

    فالذين يقبلون على الدنيا ويعيشون على الأكل والشرب والنكاح واللباس والزينة معرضين عن ذكر الله، معرضين عن لقاء الله، معرضين عن الجنة والنار ما يفكرون فيهما هذه حالهم, فمن ضرب هذا المثل؟ الله عز وجل.

    يقول تعالى: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ [الحديد:20] الفلاحين نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا [الحديد:20] هذه هي الدنيا.

    معنى قوله تعالى: (وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان)

    أما الدار الآخرة فيقول تعالى فيها: وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ [الحديد:20], الدنيا كما وصفها: لهو ولعب وزينة وتفاخر وتكاثر في الأموال والأولاد، وتفنى وتزول وتنتهي كما تنبت الأرض النبات ثم ييبس ويتحطم، أما الآخرة فقال تعالى عنها: وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ [الحديد:20], ما في الدار الآخرة إلا هذا، عذاب شديد قوي قاس لمن كفر بالله، لمن أشرك بالله، لمن فسق عن أمر الله، لمن دسى نفسه وأخبثها ولوثها بالذنوب والآثام فأصبحت كأنفس الشياطين, هذا له العذاب الشديد، وقد وصف تعالى عذاب النار في القرآن بعشرات الصفات، عذاب شديد, من أنواع العذاب الشديد أنه يصب على رأسه الماء الحار فيحرقه، ويطعمونهم الزقوم والعياذ بالله تعالى.

    فالآخرة هي هذه: عَذَابٌ شَدِيدٌ [الحديد:20] أولاً، وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ [الحديد:20] منه تعالى، مغفرة لمن ورضوان لمن؟ مغفرة للمؤمنين بالله ورسله، المقيمين للصلاة، المؤتين للزكاة، الآمرين بالمعروف، الناهين عن المنكر، الذاكرين لله، الشاكرين لله العابدين لله، المبتعدين عما حرم الله من الأقوال والأفعال والاعتقادات, هؤلاء لهم ماذا في الآخرة؟ مغفرة لذنوبهم إن كانت لهم ذنوب، من مات وعليه ذنب وهو من أولياء الله يغفر له، ثم الرضوان, رضا الله عز وجل عنهم فيدخلهم في الجنة ويسكنهم فيها ويرضى عنهم ويكشف الحجاب عن وجهه وينظر إليهم ويسلم عليهم.

    هذه الحقيقة: هذه الدنيا والآتية، هذه الدنيا والله! ستنتهي كما بدأت، والآخرة والله! ستأتي ولا تنقضي ولا تنتهي أبداً، اسمها الدار الآخرة.

    هذه الدار الدنيا عرفتم ما فيها, وهو اللهو، واللعب، والزينة، والتفاخر، والتكاثر في الأموال والأولاد، وتنتهي عما قريب كما ينزل المطر من السماء فينبت به النبات ثم إذا به حطاماً.

    أما الآخرة فدار الخلد والبقاء، لا فناء فيها أبداً, وهي شيئان: عذاب شديد للكافرين المشركين الفاسقين الفاجرين أصحاب النفوس الخبيثة والأرواح المدنسة المنتنة العفنة، ومغفرة ورضوان من الله لأهل النفوس الزكية الطيبة الطاهرة، اللهم اجعلنا منهم.

    الذنوب وأثرها على النفس

    ولنعلم أن النفس تخبث وتنتن وتتعفن بالذنوب والآثام، بما حرم الله من الاعتقادات الباطلة، والأقوال الفاسدة، والأعمال السيئة، وهو جميع ما حرم الله وحرم الرسول صلى الله عليه وسلم من الاعتقادات والأقوال والأعمال، بل والصفات والذوات، جميع ما حرم الله فعله يخبث النفس ويدسيها ويعفنها.

    والإيمان وصالح الأعمال التي شرعها الله وبينها رسوله، بين كيفياتها, هذه العبادات هي التي تزكي النفس وتطيبها وتطهرها، ولهذا يقول تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10], أقسم بعدة أيمان على هذه الحقيقة, واقرءوا الأيمان واسمعوها: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس:1-8], أقسم تعالى بهذه الأيمان حتى تطمئن نفوس السامعين، فالله يقسم بمخلوقاته لتؤمنوا بجلاله وكماله، يقسم من أجل أن تطمئن نفوسنا وتسكن إلى هذا الخبر, وهو: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس:9] أي: نفسه، وَقَدْ خَابَ [الشمس:10] أي: خسر مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:10] أي: دسى نفسه.

    الأعمال الصالحة وأثرها على النفس

    وبم تزكو النفس، ما هي مواد التزكية؟ هي الصيام، والصلاة.. وكل عبادة شرعها الله في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، هذه العبادة متى فعلها العبد مؤمناً موقناً وأداها كما بينها الرسول صلى الله عليه وسلم إلا وتزكي نفسه وتطيبها وتطهرها، جميع العبادات التي شرعها الله لنا في كتابه وبين لنا رسوله فعلها يزكي النفس ويطيبها ويطهرها، وكل معصية لله والرسول مما حرم الله عز وجل وحرم رسوله، كل معصية تدسي النفس, أي: تخبثها وتلوثها، والواقع شاهد, فأصحاب الإيمان والعمل الصالح نفوسهم زكية طيبة طاهرة، يظهر ذلك ويتجلى في سلوكهم، في أقوالهم, في أعمالهم، أليس كذلك؟ وأصحاب النفوس الخبيثة الذين فسقوا وفجروا وكفروا وأشركوا أعمالهم تدل على ما في نفوسهم من الظلمة والعفن والنتن والعياذ بالله تعالى.

    قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10], الفلاح: دخول الجنة بعد النجاة من النار، والخسران: الخيبة وخسران كل شيء حتى نفسه يخسرها.

    إذاً: الحياة الدنيا كما بينها تعالى, فلنحذرها، فلنرهب، فلنخف ولا نقع في هذه الفتنة، ولنقبل على الدار الآخرة، بقلوبنا، بوجوهنا, أي: بصالح أعمالنا، بعقيدتنا السليمة، بإيماننا الصحيح, ومن ثم نتنزه عن أوساخ الدنيا ولا نبالي بأوساخها وما فيها.

    هكذا يقول تعالى: وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ [الحديد:20] لأهل الكفر والشرك والذنوب والآثام، وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ [الحديد:20]عن أوليائه, اللهم اجعلنا منهم.

    معنى قوله تعالى: (وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور)

    ثم قال تعالى: وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [الحديد:20].

    ما الحياة الدنيا إلا متاع يتمتع بها المغرورون المخدوعون فقط، هذه الحياة الدنيا أيام وتزول, ما هي إلا متاع الغرور والانخداع، الشياطين تزين الباطل وتحسن السوء والمنكر وتدفع إليه، ويقبل عليه الجاهلون الغافلون فيتورطون في هذه الفتن والعياذ بالله تعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ...)

    وهنا بعد هذا البيان العظيم، بعد هذه الهداية الربانية ينادينا تعالى فيقول: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [الحديد:21], فهيا نتسابق, من يسبق؟ فأنتم صائمون سبقتم المفطرين، أنتم مقيمون للصلاة سبقتم تاركي الصلاة، أنتم مؤدون للزكاة سبقتم تاركي الزكاة، أنتم مستمسكون بكتاب الله وسنة رسوله سبقتم المبتدعة والخرافيين والضلال.

    سَابِقُوا [الحديد:21] إلى أين؟ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [الحديد:21], بم تكون المغفرة؟ بالاستغفار، بالتوبة، بالندم بعد الإقلاع عن الذنب، يا من هو قائم على ذنب! أقلع عنه، ارحل واتركه واستغفر الله عز وجل يغفر ذنبك، أما الاستمرار على الذنب فما يجدي فيه الاستغفار، فالاستغفار بعد أن تقلع عن المعصية وتبتعد عنها، وتقول: أستغفر الله, فيغفر ذنبك.

    إذاً: سابقوا، فباسم الله إنا مسابقون, فقل: إن شاء الله، وإلى أين؟ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [الحديد:21] أولاً، أي: بالتوبة والإنابة والرجوع إلى الله وعمل الصالحات وترك المفسدات والسيئات، هنا المسابقة.

    وبعد ذلك إلى أين ننتهي؟ إلى الجنة، لن يدخل الجنة ذو نفس خبيثة أبداً، فقد قال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10], ما معنى: خاب؟ الخيبة: الخسران، يخسر نفسه وكل ما لديه، لا يرى أباً ولا عماً ولا أختاً ولا أخاً, في عالم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنه أنه يوضع في صندوق من حديد ويلقى في أتون الجحيم ملايين السنين لا يتكلم ولا يأكل ولا يشرب، أي خسران أعظم من هذا؟

    وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [الحديد:20], إذاً: سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [الحديد:21], لو أخذنا السماوات السبع وجعلناها واحدة إلى جنب الثانية، وأخذنا الأرضين السبع واحدة إلى جنب الثانية في رقعة واحدة فالجنة أعرض.

    فالسماوات السبع والأرضون السبع لو فصلناهن وخطنا واحدة إلى جانب الأخرى وألصقناها بها فكانت فراشاً واحداً فالجنة أوسع منها، عرضها السماوات والأرض.

    ويقول الحبيب صلى الله عليه وسلم: ( لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها ), موضع عصا في الجنة خير من الدنيا وما فيها، اللهم اجعلنا من أهل الجنة.

    صفات من أعدت لهم الجنة

    سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ [الحديد:21] أحضرت وهيئت, وهي والله موجودة الآن وقبل الآن، فآدم أما خلق فيها؟ وإبليس أما طرد منها؟

    إذاً: أعدت بمعنى: أحضرت وهيئت، لمن هيأها الله، لمن أحضرها؟ لنا إن شاء الله, فلنفرح ولا نيئس.

    أُعِدَّتْ [الحديد:21] لمن؟ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ [الحديد:21] اللهم آمنا بك رباً لا رب غيرك، وإلهاً لا إله سواك، وآمنا بكل رسلك من نوح إلى محمد صلى الله عليه وسلم، لا نكذب برسول ونكفر برسول أبداً، وويل لليهود والنصارى المكذبين لرسل الله.

    أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ [الحديد:21] وهل هو مجرد إيمان بالله ورسوله؟ يتبادر إلى أذهان بعضنا هذا, أنهم آمنوا بالله ورسله فقط، والله! لا يؤمن أحد حق الإيمان بالله ورسله ثم لا يصلي، أو يسرق ويفجر أو يكذب أو يشرك ويعمل الباطل, مستحيل، آمنوا بالله ورسله فعبدوا الله حق عبادته، ففعلوا ما أمر بفعله وتركوا ما نهى عن فعله، هذه ثمرة الإيمان.

    وكثيراً ما نقول للصالحين والصالحات: الإيمان بمثابة الروح، فالمؤمن حي والكافر ميت، ما الدليل؟

    الدليل: أن المؤمن يعبد الله ويتجنب المفاسد والشرور والخبث والفساد والشر، والكافر ميت لا يعبد الله ولا يتجنب ما حرم الله ولا ما نهى الله عنه.

    فالإيمان كالروح سواء بسواء، المؤمن حي والكافر ميت، والبرهنة على ذلك: هل نأمر كافراً بأن يصلي؟ ذلك عبث، هل نأمر كافراً بأن يصوم؟ والله! ما نأمره, لا يصوم لأنه ميت، هل نقول له: حج البيت؟ والله! ما نقول له؛ لأنه ميت، فإذا أسلم وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، فحينئذ نقول: قم فاغتسل وصل, فيقوم ويغتسل ويصلي لأنه حي.

    إذاً: هكذا يقول تعالى: أُعِدَّتْ [الحديد:21] لمن؟ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ [الحديد:21], وقد عرفنا أن الرسل ثلاثمائة وأربعة عشر رسولاً، أولهم نوح وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم، أما الأنبياء فمائة ألف وأربعة وعشرون ألف نبي.

    معنى قوله تعالى: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم)

    ثم قال تعالى: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ [الحديد:21], ذلك الذي سمعتم من المغفرة والرضوان، ذلك الذي سمعتم من الإيمان بالله ورسله يطلب من الله، اللهم ارزقنا الإيمان والعمل الصالح واليقين يا رب العالمين، هذا فضل الله يؤتيه من يشاء, فاطلبوه من الله، اللهم اجعلنا من المؤمنين الصادقين، اللهم اجعلنا من المؤمنين الصالحين، اللهم اجعلنا من أوليائك وصالح عبادك يا رب العالمين؛ إذ هذا بيده هو سبحانه, ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ [الحديد:21], من هو الذي يؤتيه؟

    الذي يطلب هذا يعطيه، اطلب الإسلام يعطك الإسلام، اطلب الهداية يهدك، اطلب الصلاح يصلحك؛ إذ بيده ذلك, ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ [الحديد:21] صاحب الفضل الْعَظِيمِ [الحديد:21].

    فحياتنا فضل الله، وهل نحن خلقنا أنفسنا؟ هل أحيينا أنفسنا؟ الكون الذي نسكنه من أوجده؟ الله، إذاً: ففضل الله علينا وعلى كل المخلوقات عظيم، ولكن المراد من هذا الفضل العظيم الجنة وما فيها من النعيم المقيم، الجنة دار الأبرار, اللهم اجعلنا من أهلها يا واحد يا قهار يا غفار، اللهم اجعلنا من أهل جنتك يا حي يا قيوم.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    والآن مع هداية الآيات.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: التحذير من الاغترار بالحياة الدنيا ].

    من هداية هذه الآيات التي تدارسناها بفضل الله: التحذير من الاغترار بالحياة الدنيا، لا تغتر يا عبد الله بالدنيا، لا بزينتها ولا بأولادك ولا مالك، ولا لباسك ولا شرفك ولا نسبك، لا تغتر بالدنيا أبداً فإنها زائلة ذاهبة؛ لأنه تعالى قال: اعلموا أن الحياة الدنيا كذا وكذا, فمعناه: احذروها، لا تنغمسوا في أوديتها أودية الباطل والشر والكفر والشرك، احذروا هذا.

    [ ثانياً: الدعوة إلى المسابقة في طلب مغفرة الذنب ودخول الجنة ].

    من هداية الآيات: دعوة الله لنا إلى المسابقة في مغفرة ذنوبنا ودخول الجنة، وذلك بتصحيح إيماننا وعملنا الصالح وبعدنا عن الشرك والكفر والذنوب والآثام، هذه هي المسابقة حتى نسبق وندخل الجنة مع الأولين.

    [ ثالثاً: بيان الجنة وبيان ما يكسبها, وهو الإيمان بالله ورسله ومستلزماته من التوحيد والعمل الصالح ].

    من هداية الآيات: بيان ما يدخل الجنة, ألا وهو الإيمان بالله ورسله المستوجب لطاعة الله وطاعة رسوله، أي: لفعل ما أمر الله بفعله وترك ما أمر الله بتركه، فاللهم اجعلنا من المتقين.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.