إسلام ويب

تفسير سورة الحديد (3)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن ما يعمله الإنسان في الدنيا من خير هو الذي ينفعه يوم القيامة، واجتياز الصراط إنما يكون على قدر الإيمان والتقوى، فحينما يضرب الصراط على متن جهنم يجوزه أبناء هذه الأمة، فيهب الله المؤمنين نوراً يكون بين أيديهم وعلى أيمانهم، وأما أهل النفاق والقلوب المريضة فلا يؤتون مثل ذلك النور، فينادون أهل الإيمان بأن يعطوهم من النور الذي معهم، فلا يمكنون من ذلك بل يضرب بين الفريقين بباب يفصل بين أهل الرحمة من المؤمنين، وبين أهل العذاب من المنافقين والكافرين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم ...)

    الحمد لله, نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد.

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة -ليلة الأربعاء من يوم الثلاثاء- ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال فداه أبي وأمي وصلى عليه ألفاً وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة الحديد المدنية، فهيا بنا لنصغي إلى تلاوة الآيات مجودة مرتلة، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ * فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الحديد:12-15].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [الحديد:12], جاء في السياق الكريم قول الله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ [الحديد:11]؟ فأيما مؤمن يقرض الله قرضاً حسناً فيدفع ماله في سبيل الله للجهاد أو الصدقة يريد بها وجه الله تعالى إلا كان له الأجر الكريم ألا وهو الجنة، الأجر الكريم عند الله الجنة دار السلام دار النعيم المقيم.

    وهنا قال تعالى: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [الحديد:12], متى يتم لهم هذا الجزاء بالجنة؟ يوم ترى المؤمنين والمؤمنات في عرصات القيامة وساحات فصل القضاء.

    يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [الحديد:12], ذكر المؤمنات لأنهم كالرجال المؤمنين لا فرق بينهما، كلهم مؤمنون موحدون، عبدوا الله فهم في الجنة ذكوراً وإناثاً، ومعنى هذا أن مستوى المؤمنين كمستوى المؤمنات، والمؤمنات كالمؤمنين اللهم إلا في أشياء خاصة ضعفن عنها وما قدرن عليها, فرحمهن الله وخفف عنهن في مسائل من الشريعة، وإلا فالمنزلة والدرجة واحدة.

    يوم ترى المؤمنين والمؤمنات نورهم المتدفق من وجوههم يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ [الحديد:12] في عرصات القيامة حيث الظلام فلا شمس ولا قمر، هؤلاء أولياء الله من المؤمنين والمؤمنات, تراهم يا عبد الله بعينيك يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، هذا النور يمشون عليه في عرصات القيامة ويمشون عليه على الصراط يتقدمهم, يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ [الحديد:12] عن يمينهم وشمالهم وأمامهم النور، فالظلام عام وهم في النور، ويجتازون الصراط بهذا النور، وأما المنافقون والكافرون فكما ستسمع.‏

    تبشير الملائكة للمؤمنين بجنات النعيم

    يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [الحديد:12] من يبشرهم؟ الملائكة وكلهم الله بذلك، كلفهم أن يعلنوا البشرى للمؤمنين والمؤمنات، والمؤمنون والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، والملائكة يبشرونهم, بشراكم اليوم بماذا؟ بجنات تجري من تحتها الأنهار, ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [الحديد:12], وهل هناك فوز أعظم من هذا؟ والله! لا فوز أعظم من هذا، النجاة من النار ودخول الجنة دار السعادة والأبرار, أي فوز أعظم من هذا الفوز؟ هذا هو الفوز العظيم: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10], ذلك هو الفوز العظيم.

    هذه البشرى تزفها إليهم الملائكة الموكلون بهذا، يسمعها كل مؤمن ومؤمنة ويتلقون هذه البشرى من الله عز وجل.

    يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [الحديد:12] من تحت قصورها وأشجارها، أنهار أربعة: نهر الماء، نهر الخمر، نهر العسل، نهر اللبن, كما قال تعالى: فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [محمد:15], هذه الأنهار تجري خلال القصور والأشجار, فذلك لا غيره هو الفوز العظيم.

    والفوز العظيم هو النجاة من النار التي يخلد فيها المشركون والكافرون والمنافقون، ودخول الجنة دار الأبرار دار المؤمنين الصالحين والمؤمنات الصالحات، الجنة دار الأبرار، فمن هم الأبرار؟ الذين آمنوا وصدقوا في إيمانهم وعملوا الصالحات فزكت نفوسهم وطابت وطهرت؛ لأنهم اجتنبوا المخبثات المدسيات للنفس من الشرك والذنوب والآثام, ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [الحديد:12].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يوم يقول المنافقون والمنافقون للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم ...)

    ثم قال تعالى: يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد:13], من هم المنافقون والمنافقات؟

    لما نزلت هذه الآيات كان في المدينة منافقون ومنافقات، أظهروا الإسلام بألسنتهم وقالوا: نحن مسلمون، ويشهدون الصلاة مع الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد ينفقون إذا دعوا إلى الإنفاق, ويخرجون للجهاد، وهم ما آمنوا بلا إله إلا الله، ولا آمنوا بمحمد رسول الله، ولا آمنوا بلقاء الله والبعث والدار الآخرة، لكن نافقوا فأظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر، وهذا هو النفاق.

    يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا [الحديد:13] أهل الإيمان والعمل الصالح أصحاب النور المتلألئ في وجوههم وفي أجسامهم يقولون لهم: انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ [الحديد:13] نأخذ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد:13] قبساً؛ لأن المنافقين لا نور لهم في وجوههم ولا في أجسامهم، فيشاهدون المؤمنين والنور يتلألأ أمامهم كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم عن مسافة هذا النور أنها كما بين المدينة وصنعاء، مسافة هذا النور ما هي بكيلو متر ولا بعشرة, بل كما بين المدينة إلى صنعاء، فيقولون للمؤمنين: انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد:13].

    معنى قوله تعالى: (قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً فضرب بينهم بسور له باب ...)

    فيقال لهم: ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا [الحديد:13], يقول المؤمنون والمؤمنات أهل النور للمنافقين والمنافقات أهل الظلمة: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً، وحين يرجعون يُضرب بينهم وبينهم بسور له باب باطنه الرحمة وظاهره من قبله العذاب.

    وقوله تعالى: ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ [الحديد:13], معناه أيضاً: إلى الدنيا, تأخذون هذا وتحصلون عليه في الدنيا لا الآن، تريدون أن تقتبسوا نوراً فارجعوا إلى دنياكم وآمنوا بالله ربكم وبرسوله نبيكم وبكتابه المنزل عليكم وبعبادة الله بفعل الأوامر وترك النواهي لتقتبسوا هذا النور، أما الآن فما هناك نور، لكن ارجعوا وراءكم, فرجعوا يلتمسون النور فضرب بينهم بسور عال لا يعرف مداه, وله باب واحد، باطن الباب الرحمة وظاهر الباب العذاب، فأغلق عليهم، فسبحان الله! والله! لكأنكم تشاهدون، ووالله! لتروُن هذا وتقفون عليه طال الزمان أو قصر.

    يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا [الحديد:13] آمنوا بالله رباً، وبمحمد رسولاً، وبالدار الآخرة حقاً، ثم بعد الإيمان أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصاموا رمضان، وحجوا بيت الله الحرام، وأنفقوا في سبيل الله، وجاهدوا في سبيل الله, هؤلاء هم المؤمنون الصادقون بحق، يقولون ذلك لأولئك المنافقين الدجالين الكذابين الذين يدعون الإسلام وهم ما هم بمؤمنين ولا في قلوبهم إيمان.

    وإن شئتم حلفت لكم أنه يوجد في العالم الإسلامي مئات الآلاف من ينتسبون إلى الإسلام وما هم من المسلمين، يدعون الإسلام وهم لا يؤمنون بالله ولا بلقائه، علمانيون، بعثيون، شيوعيون, لكن في الظاهر ما يقولون: نحن كفار، بل يقولون: نحن مسلمون، ولا يصلون ولا يزكون ولا يصومون, ويستسخرون ويهزءون بالمؤمنين إلى يوم القيامة، فما كان النفاق فقط أيام الرسول صلى الله عليه وسلم.

    فالمنافقون يقولون للمؤمنين: انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ [الحديد:13], فيقال لهم: ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ [الحديد:13], له باب باطنه من جهة المؤمنين الرحمة، وظاهره من جهة المنافقين العذاب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم ...)

    قال تعالى: يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ [الحديد:14]، فالكافرون في ظلام لا يرجون ولا يطمعون، لكن المنافقين لأنهم كانوا مظهرين للإسلام ويصلون مع المسلمين ويقولون: نحن مسلمون، أما الكافرون فلا تسأل عن وجودهم، لا طمع لهم في النور ولا في غيره.

    يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى [الحديد:14], كنتم معنا في المدينة أو في العراق أو في الشام أو في أمريكا، يقولون للمؤمنين: ألم نكن معكم؟ فيقولون لهم: كنتم معنا ولكن فتنتم أنفسكم بالشرك والكفر والتكذيب بلقاء الله والدار الآخرة والإعراض عن عبادة الله، وما فعلتموه نفاق فقط ليس لإيمان في قلوبكم وإن صليتم أمامنا وإن جاهدتم معنا.

    يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ [الحديد:14] بالكفر والشرك والنفاق والكذب وَتَرَبَّصْتُمْ [الحديد:14] بنا متى تهزموننا وتنتصرون علينا، إذ كانوا متربصين بالنبي صلى الله عليه وسلم متى يهلك, متى يموت، متى ينتهي هذا الدين وهذا الإسلام وتعود ديانتنا كما كانت، متربصين بالمؤمنين متى ينتهون، متى ينهزم الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون, وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ [الحديد:14].

    إذاً: يُنَادُونَهُمْ [الحديد:14] أي: المنافقون والمنافقات ينادون المؤمنين في عرصات القيامة، وقد حيل بينهم وبينهم بالسور الذي بابه من داخله رحمة وظاهره العذاب, ينادونهم: ألم نكن معكم؟ فيجيبونهم بقولهم: بلى كنتم معنا في المدينة أو في العراق أو في الشام، وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ [الحديد:14] بماذا فتنوها؟ بالكفر، بالشرك، بالنفاق، بالكذب، بالخداع، بعدم الإيمان, فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ [الحديد:14] متى يموت محمد صلى الله عليه وسلم، متى ينهزم هؤلاء المسلمون، متى تعود ديانتنا كما كانت! كانوا هكذا ينتظرون ويتربصون.

    وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ [الحديد:14] وارتفعت راية لا إله إلا الله, ونصر الله رسوله والمؤمنين وانتشر الإسلام في الشرق والغرب, وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [الحديد:14] الشيطان هو الغرور، غرهم فكانوا يقولون: إذا كان ما يقول حقاً فالله يرحمنا ويغفر لنا ويدخلنا الجنة، كان يقول لهم الشيطان هكذا، يقولون: إن صدقوا فيما قالوا وأن هناك حياة أخرى وأن الجنة والنار حق؛ فربنا خالقنا يغفر لنا ويرحمنا ويدخلنا الجنة، إذاً: واصلوا كفركم واستمروا على نفاقكم وشرككم حتى تموتوا، هكذا كان يزين لهم.

    يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ [الحديد:14] بمن؟ بالرسول والمؤمنين متى ينهزموا وينكسروا، متى تسقط رايتهم, وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ [الحديد:14] التي في قلوبكم حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ [الحديد:14] ونصر الله رسوله والمؤمنين وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [الحديد:14] ألا وهو الشيطان عليه لعائن الرحمن، هو الذي يخدع الناس ويضلهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير)

    ثم قال تعالى: فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا [الحديد:15], فاليوم لا يؤخذ منكم أيها المنافقون والمنافقات فدية، ما هذه الفدية، كيف تفدون أنفسكم؟ هل ستعطون المال؟ أين المال؟ هل ستعطون الذهب والفضة، أين الذهب والفضة؟ ما هي الفدية التي تفدون بها أنفسكم؟

    لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا [الحديد:15] لأن الكافرين كفرهم صراح, والمنافقين كفرهم مخفي في صدورهم، يخفونه ويسترونه ويزعمون أمام الناس أنهم مؤمنون, بل ويصلون معهم ويجاهدون، ولكن ما في قلوبهم إيمان بالله ولقائه ولا بمحمد صلى الله عليه وسلم ورسالته.

    وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [الحديد:14], إذاً فَالْيَوْمَ [الحديد:15] في عرصات القيامة فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ [الحديد:15] أبداً، لو قدمتم مليارات على أن تنجوا فوالله! لن تنجوا، فما هي الفدية يقدمونها؟ إن فرضنا أن هناك شيئاً يفدون به أنفسهم فهل يقبل منهم ويؤخذ منهم؟ هل الله في حاجة إلى مال؟

    فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ [الحديد:15] مثواكم، مأواكم، منزلكم، داركم، مستقركم النار.

    والنار -معشر الأبناء- عالم لا يعرف مداه طولاً وعرضاً وعلواً وسفلاً إلا الله، فالنار المادة الموجودة الآن نقتبسها ونشعلها ونطبخ عليها، النار موجودة في الأشجار، لكن النار التي هي سكن ودار إقامة للمنافقين والمنافقات والكافرين والكافرات؛ هذه النار كيف نعرف مداها؟ وحسبنا ما نقوله غير مرة أنه حين يكون النهار انظر إلى الشمس, كوكب أكبر من الأرض بمليون ونصف مليون مرة، لو تجتمع البشرية كلها فلن تسد زاوية من زواياها، هذا كوكب فقط، فكيف بعالم سفلي بلا نهاية؟

    وحسبك أن تعرف أن كتفي الكافر بينهما مائة وخمسة وثلاثون كيلو متر، أخبر بهذا صلى الله عليه وسلم فقال: ( ما بين كتفي الكافر كما بين مكة وقديد ), وقديد بينه وبين مكة خمسة وثلاثون كيلو متر، هذا عرضه، وضرس الكافر كجبل أحد، فكيف يكونون؟ كيف يعيشون؟ كيف تأكلهم النار؟ ماذا يأكلون، ماذا يشربون؟ ما هي بسنة ولا عشر ولا مليون والعياذ بالله تعالى.

    مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ [الحديد:15] تتولاكم وتضمكم إليها وتعيشون فيها وليس لكم إلا النار والعياذ بالله تعالى, وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الحديد:15] الذي صرتم إليه وسعيتم إليه.

    معشر المؤمنين والمؤمنات! قولوا: آمنا بالله.. آمنا بالله ورسوله، آمنا بالله ولقائه، ربنا أعنا على عبادتك، ربنا وفقنا لطاعتك، ربنا اجعلنا من عبادك المؤمنين، ربنا زك نفوسنا وطهر قلوبنا وأدخلنا في رحمتك في عبادك المؤمنين، اللهم آمين.. اللهم آمين.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: تقرير البعث بذكر أحداثه وما يجري فيه ].

    من هداية هذه الآيات التي تلوناها وتدارسناها: تقرير عقيدة البعث وما يجري فيه كأننا كنا حاضرون معهم, فقد عرفنا جزاء المنافقين والكافرين، وجزاء المؤمنين والموحدين كأننا نشاهد، فهذه الآيات تقرر البعث وتثبته وأنه حق, فلا بد من الحياة الثانية والجزاء فيها على العمل في هذه الدنيا.

    [ ثانياً: تقرير أن الفوز ليس ربح الشاة والبعير ولا الدار ولا البستان في الدنيا، وإنما هو الزحزحة عن النار ودخول الجنان يوم القيامة, هذا هو الفوز العظيم ].

    من هداية هذه الآيات: ليس الفوز ربحك شاة أو بعيراً أو عمارة أو طيارة أو باخرة أو قرية أو مملكة, ما هذا والله بالفوز العظيم، الفوز العظيم هو أن تنجو من الخلود في جهنم وتدخل الجنة تعيش فيها وتخلد فيها، هذا هو الفوز العظيم, أما قال تعالى: ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [الحديد:12]؟ ما هو بربحك شاة أو بعيراً أو ديناراً أو درهماً أو ولداً أو وظيفة أو منصباً أو دولة وتقول: فزت، ما هو -والله- بفوز، الفوز العظيم أن تبعد عن عالم الشقاء عن النار وتدخل الجنة لتخلد فيها أبداً في نعيمها وقصورها وحورها.

    [ ثالثاً: من بشائر السعادة لأهل الإيمان قبل دخولهم الجنة تلقي الملائكة لهم، وإعطاؤهم كتبهم بإيمانهم، ووجود نور عال يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يتقدمهم على الصراط إلى الجنة ].

    من هداية هذه الآيات: بشرى المؤمنين يوم القيامة بأن الملائكة تتقدمهم وتعطيهم كتبهم بأيمانهم وتنير أمامهم الطريق، دلت على ذلك هذه الآيات.

    [ رابعاً: نور يوم القيامة في وجوه المؤمنين أخذوه من الدنيا, وفي الحديث: ( بشر المشاءين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة ) ].

    من هداية الآيات: أن المؤمنين والمؤمنات نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، هذا النور من وجوههم، تصبح وجوههم كالمصابيح والنور أمامها، وقد بينت لكم ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم، فمسافة النور كما بين المدينة وصنعاء، الآن نور السيارة لكيلو، لكن ذاك النور من المدينة إلى صنعاء يمشون فيه، هذا النور من أين اكتسبوه؟ اكتسبوه من إيمانهم وصالح أعمالهم، وحرمه المنافقون والكافرون لكفرهم وشركهم وفسقهم وفجورهم، وهذا الرسول الكريم يقول: ( بشر المشاءين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة ), ولكن ما بقي ظلام إلى المساجد ولا حول ولا قوة إلا بالله، فاتت هذه الفرصة وعشناها سنين والآن فقدناها، هل الآن تمشون في الظلام؟ ما هناك ظلام، الكهرباء من مكان إلى مكان، لكن توجد قرى ومدن ما فيها هذه الكهرباء, يمشون في الظلام.

    ولهذا أقول: لو يصدر الحاكم حكمه فيقول: بعد صلاة العشاء لا يبقى نور في الشوارع ولا دكان مفتوح ولا مقهى، ارجعوا إلى بيوتكم لتعبدوا ربكم وتستريحوا، حينئذ ينتهي الفسق والفجور والظلم والشر والفساد، فالآن هذا النور جعل شبابنا وأطفالنا في الشوارع إلى نصف الليل، لو كان هناك ظلام فهل سيخرجون يمشون؟ والدكاكين مفتوحة إلى نصف الليل، لم هذا؟ نسينا الدار الآخرة، ما عرفنا هذا الإيمان ولا هذا النور، نصلي العشاء ونعود إلى بيوتنا لنستريح حتى نقوم لنتهجد آخر الليل، حتى نشهد صلاة الصبح ونخرج لها في الظلام ونصليها.

    فالذي نقوله: أن علينا أن نحمد الله على هذه النعم ونشكره عليها بأن نستقيم على منهجه الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم, نؤمن بالله ونوحده في عبادته ولا نعبد معه غيره حتى في الحلف, ما نحلف بغير الله, ونتجنب ما حرم الله من الربا والزنا، والغش والخداع، والكذب والنفاق.. وكل باطل أبطله الله وحرمه وحرمه رسوله، وبذلك تكون لنا سعادة الدنيا وسعادة الآخرة، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

    [ خامساً: بيان صفات المنافقين في الدنيا, وهي: إبطان الكفر في نفوسهم والتربص بالمؤمنين للانقضاض عليهم متى ضعفوا أو هزموا، وأمانيهم في عدم نصرة الإسلام، وشكهم الملازم لهم حتى إنهم لم يخرجوا منه إلى أن ماتوا شاكين في صحة الإسلام وما جاء به وأخبر عنه من وعد ووعيد ].

    فاسمعوا صفات المنافقين لتعرفوا ما إذا كان يوجد منافقون بيننا أو لا؟

    يقول: [ بيان صفات المنافقين في الدنيا, وهي: إبطان الكفر في نفوسهم ].

    إخفاء الكفر في نفوسهم، فهم كافرون لكن لا يقولون: نحن كافرون؛ لأنهم يخافون من المؤمنين وهم يعيشون بينهم، فمن صفاتهم إبطان الكفر في نفوسهم وفي صدورهم.

    قال: [ والتربص بالمؤمنين للانقضاض عليهم ].

    فالمنافقون موجودون في المدينة، ويتمنون لو سقطت هذه الحكومة وتمزقت هذه الراية، وسيجيء المسيح الدجال فيخرج إليه سبعون ألفاً من المدينة، فكيف بالبلاد الأخرى؟ ما يريدون أن تكون راية لا إله إلا الله حتى لا يعبدوا الله، يريدون الفجور والزنا والربا والخلاعة والدمار، ما يريدون الحق والعدل أبداً -والعياذ بالله تعالى- في كل مكان، ويتربصون, يقولون: متى تنتهي هذه الدولة وينتهي هذا الأمر بالصلاة والزكاة.

    قال: [ وأمانيهم في عدم نصرة الإسلام ].

    أمانيهم دائماً: اللهم اهزم الإسلام والمسلمين، ما يريدون أن ترفع راية لا إله إلا الله في أي مكان، ولا أن ينتصر الإسلام في أي دار، هذا شأن المنافقين لأنهم كافرون يخفون الكفر في صدورهم.

    قال: [ وشكهم الملازم لهم ].

    فهم شاكون في وجود الله، في ربوبية الله، في ألوهية الله، في رسالة محمد رسول الله, وأكبر شك في الدار الآخرة وما يتم فيها من الجزاء على العمل في الدنيا والعياذ بالله تعالى، فنبرأ إلى الله من النفاق والمنافقين.

    اللهم ثبتنا على الإيمان واليقين يا رب العالمين، اللهم ثبتنا على الإيمان واليقين، وتوفنا وأنت راض عنا يا رب العالمين.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.