إسلام ويب

تفسير سورة الحديد (2)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الإيمان بالله عز وجل واتباع رسوله يلزم صاحبه بتبعات واستحقاقات، ومن هذه الاستحقاقات الواجب أداؤها الإنفاق في سبيل الله، والإنفاق قد يكون في حال الحرب بتجهيز الجيوش، والإنفاق على المجاهدين في سبيل الله، وقد يكون في حال السلم على المستحقين من المسلمين، كالفقراء والمساكين وغيرهم ممن ذكر الله حالهم وتكلم بشأنهم في كتابه الكريم، وقد وعد الله المنفقين في سبيله أجراً عظيماً يتفاوت قدره على حسب الزمان والمكان الذي تكون فيه هذه النفقات، وكلاً وعد الله الحسنى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ...)

    الحمد لله, نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد.

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة -ليلة الأربعاء من يوم الثلاثاء- ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال فداه أبي وأمي وصلى عليه ألفاً وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة الحديد المدنية، فهيا بنا لنصغي إلى تلاوة الآيات مجودة مرتلة، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ * وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ [الحديد:7-11].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [الحديد:7] هذا أمر الله، والآية نزلت بالمدينة، ويومها كان يوجد منافقون في المدينة, بل وكافرون، وفي مكة وفي غيرها في الجزيرة.

    يقول تعالى: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [الحديد:7], صدقوا بأنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، آمنوا بأنه لا يُعبد بحق إلا الله, وأن محمد بن عبد الله حقاً رسول الله؛ فإن الإيمان بمثابة الروح حتى تحيوا حياة طيبة كاملة، فتصبحوا أهلاً لأن تسمعوا وتستجيبوا.

    آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [الحديد:7] يأمرهم بالإيمان, فالمؤمنون ليثبتوا على إيمانهم، وغير المؤمنين ليدخلوا في نور الإيمان؛ إذ يوجد منافقون بالمدينة، فالمؤمن يثبت على إيمانه والكافر يدخل في نور الإيمان ويؤمن، وأمرهم أن ينفقوا من أموالهم في سبيل الله على الفقراء والمساكين، بل على المجاهدين؛ لأن تلك الأيام أيام جهاد، والنفقة تكون على الجهاد.

    وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [الحديد:7] فهل المال هذا الذي بأيدينا في جيوبنا، في صناديقنا، في بنوكنا, هذا المال هل ورثناه عمن سبق أو لا؟ وسوف نموت ونتركه أو لا؟ وهل يدفن مال في القبر مع الميت؟

    فالأموال كلها توارثناها جيلاً بعد جيل، ونموت ونتركها، فالله استخلفنا فيها, أي: جعلنا خلفاء لمن مات قبلنا، فورثناه وحصلنا على هذا المال، وسوف نموت ويرثه غيرنا.

    هذا معنى قوله تعالى: مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [الحديد:7], فالمال ما هو بدائم ولا باق ولا أنتم صنعتموه ولا خلقتموه، ولا يبقى معكم أبداً، هذه تركة ورثتموها وسوف تتركونها وتورث بعدكم، فمن هنا لم تشحون؟ لم تبخلون؟ لم لا تنفقون؟ هكذا يدعوهم إلى الإنفاق في سبيل الله وبخاصة الجهاد في سبيل الله؛ لأن هذه الأيام -أيام نزول هذه السورة- أيام جهاد في المدينة النبوية.

    معنى قوله تعالى: (فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير)

    ثم يقول تعالى: فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ [الحديد:7] الإيمان الحق, لا الادعاء بالنطق كالمنافقين, فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا [الحديد:7] من الأموال التي يرثونها ويورثونها من بعدهم لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ [الحديد:7]، ألا وهو الجنة، ألا وهو دار السلام؛ إذ لا أجر أعظم منها، لا أجر أكبر منها، إنها الجنة دار السلام، ما إن يموت أحدهم حتى تنتقل روحه إلى الجنة لترعى فيها إلى يوم القيامة.

    هذا عطاء الله، هذا فضل الله, يرغبهم في الإنفاق, فأنفقوا ودخلوا الجنة، والمؤمنون في كل زمان ومكان مأمورون بهذا الأمر بالإنفاق في سبيل الله إما في الجهاد وإما على الفقراء والمساكين والمحتاجين، والأجر -والله- عظيم، كيف لا والله تعالى قد قال: أَجْرٌ كَبِيرٌ [الحديد:7]؟ فالذي كبّره الله كيف يكون؟ ما يقادر قدره أبداً، ولهذا فهو الجنة دار السلام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما لكم لا تؤمنون بالله والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم ...)

    ثم قال تعالى: وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [الحديد:8] ما هذا الخبر؟

    أولاً: أي شيء يمنعكم من الإيمان؟ هذا توبيخ وتقريع لهم, وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ [الحديد:8] صباح مساء من يوم أن نبأه الله وبعثه إليكم وهو يدعوكم، أي مانع من أن تؤمنوا؟ ما هي الموانع التي تمنعكم من أن تؤمنوا؟ لو أن الرسول صلى الله عليه وسلم ما بعث فيكم لما طولبتم بالإيمان، لو أن الرسول لم يدع ومأمور بالسكوت فقط ويعبد الله لقلتم: كيف؟ ولكن الرسول يدعوكم ليل نهار من يوم أن نبأه الله وهو يدعو عباد الله إلى أن يقولوا: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، والدار الآخرة حق والجزاء فيها حق.

    وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ [الحديد:8] محمد صلى الله عليه وسلم يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [الحديد:8]؛ لأنهم يدعون الإيمان، المشركون في مكة وخارجها يدعون أنهم مؤمنون, وهم في الحقيقة مؤمنون بوجود الله رباً لا رب غيره، واقرءوا قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:87]، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [العنكبوت:61], فهم مؤمنون ليسوا علمانيين ولا شيوعيين، يؤمنون بأن الخالق هو الله وأنه فوق عرشه فوق سماواته، ولكن مع هذا عبدوا معه الأصنام والأوثان بتزيين الشياطين وتحسين الباطل لهم، وإلا فإيمانهم بأن الله موجود لا يشكون في هذا، ولهذا وبخهم بقوله: وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ [الحديد:8], فما هذا الميثاق؟

    لما خلق الله آدم عليه السلام في الجنة مسح ظهره فخرج كل إنسان يوجد في الدنيا كالذر، واستنطقهم الله فنطقوا، واستشهدهم الله فشهدوا أن لا إله إلا الله.

    فحين خلق الله آدم بيديه ونفخ فيه من روحه مسح ظهره فأخرج منه كل من يولد من ذريته إلى يوم القيامة، ثم استشهدهم: ألست خالقكم؟ قالوا: بلى، ألست إلهكم؟ قالوا: بلى، شهدوا هذه الشهادة، قالوا: شهدنا.

    هذا معنى قوله تعالى: وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ [الحديد:8] ووعدكم الذي وعدتموه, فكيف تنكرونه وتتنكرون له وتجهلونه؟ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [الحديد:8].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور ...)

    ثم قال تعالى: هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ [الحديد:9], (هو) أي: الرب تبارك وتعالى, الله الملك الحق جل جلاله وعظم سلطانه، هو لا غيره الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ [الحديد:9], وهي آيات القرآن واضحة بينة تبين الحلال والحرام، والحق والباطل، والخير والشر، والنافع والضار كما هو في كتاب الله بين أيدينا، آيات بينات لماذا؟

    لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [الحديد:9], ما السر؟ ما الحكمة؟ ما العلة في إنزال الله تعالى هذه الآيات على نبيه ورسوله صلى الله عليه وسلم؟

    والله! إن سر ذلك هو أن يخرج الناس من ظلمات الكفر والشرك والخبث والشر والفساد إلى نور الإيمان والرحمة والحكمة والتقوى والصلاح, لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحديد:9] إي والله إنه لرءوف بنا رحيم، لولا رأفته ولولا رحمته ما أنزل كتابه ولا بعث رسوله, ولتركهم يأكلون في هذه الدنيا ويشربون ثم ينتقلون إلى عالم الشقاء فيخلدون في جهنم، لكن رأفة الله بعباده ورحمته بهم اقتضت أن يبعث الرسول، وأن ينزل الكتاب، وأن يأمر الرسول بأن يدعو والقرآن يبين لهم ما يحل وما يحرم، وما يجب وما لا يجب, من أجل أن يكملوا ويسعدوا في الدنيا وفي الآخرة، هذه رحمة الله ورأفته.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما لكم ألا تنفقوا في سبيل الله ولله ميراث السموات والأرض ...)

    ثم قال تعالى: وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [الحديد:10]؟ أي شيء يمنعكم من الإنفاق في سبيل الله؟

    خرج أبو بكر من ماله كله وأنفقه، لكن المنافقون وضعاف الإيمان يترددون وما ينفقون، والأمر واجب؛ لأنهم يريدون أن يقاتلوا النصارى واليهود في العالم والكفار والمشركين, فلا بد من الجهاد ولا بد من المال للجهاد، فهو يلومهم ويعتب عليهم ويقول: وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الحديد:10]؟ هذا المال يرثه الله منكم, تموتون وتتركونه، وقد ورثتموه ممن مات قبلكم, أليس هذا هو المال؟ فما يمنعكم أن تنفقوه وأنتم تعلمون أنكم تتركونه وتفقدونه وتموتون عنه؟ أي مانع من أن تنفقوه؟ أي شيء يمنعكم؟

    وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [الحديد:10]؟ ما هو إلا الكفر في الكافرين والشح والبخل في المؤمنين, في ضعفاء الإيمان والعياذ بالله تعالى، هذا هو المانع، فهذا المال ورثناه عمن سبقنا وسيرثه من بعدنا أيضاً.

    ثم قال تعالى: وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الحديد:10], ولله حقاً وصدقاً ميراث السماوات والأرض, كل ما في الأرض وما في السماوات يرثه الله؛ إذ تفنى هذه الدنيا وتنتهي وتفنى السماوات وما يبقى فيها شيء, والله وارثها، لا تقوم الساعة إلا والسماء قد تبخرت وذابت وتحللت، والأرض انتهت وما بقي من إنس ولا جن، فمن الوارث لها؟ الله عز وجل، وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الحديد:10] كل ما في السماوات وما في الأرض الله وارثه؛ إذ كله يفنيه وينهيه ولن يبقى شيء أبداً، والله هو الوارث لذلك، فسبحان الله العظيم!

    معنى قوله تعالى: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا)

    ثم قال تعالى: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [الحديد:10], اذكروا أن هذه الآيات نزلت بعد صلح الحديبية؛ لأن الفتح هو فتح مكة, ولكن صلح الحديبية هو الفتح الأول؛ إذ قال تعالى: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا [الفتح:1-3].

    فقد جاء الحبيب صلى الله عليه وسلم إلى المدينة, وفي العام الثاني كانت وقعت بدر، جاء المشركون لينهوا الإسلام ويقضوا عليه، فبددهم الله وهزمهم, وبعد عام تألموا ورجعوا وجاءوا في السنة الثالثة لمعركة أحد، وأرادوا أن ينهوا الإسلام، وجاءوا من الشرق والغرب، وجمعهم اليهود على ذلك, وما كان لهم انتصار إلا صورة فقط، ثم بعد ذلك فكروا كيف يعودون للقتال، لكن الله عز وجل صرفهم, ثم لما انتهت معركة أحد قام اليهود وجمعوا المشركين من الشرق والغرب وجاءوا في غزوة الخندق، وهزمهم الله شر هزيمة، فعادوا يبكون صارخين، ما نالوا من رسول الله والمؤمنين شيئاً أبداً، ولا قتلوا واحداً، وعادوا إلى الشرق وإلى الغرب والشمال والجنوب.

    هنا انتصر المسلمون، فبعد ذلك أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه يريد أن يعتمر هو ورجاله في السنة السادسة، أعلمهم وخرج في عدد من أصحابه، ونزلوا بالحديبية, وجرت مصالحة سياسية بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين المشركين في مكة، وانتهت بعقد معاهدة لعشر سنوات يمشي فيها كل إنسان حيث يريد ويبيت حيث يريد ولا يخاف, لا ظلم ولا اعتداء لعشر سنوات، على أن الرسول صلى الله عليه وسلم في العام الآتي يعتمر هو وأصحابه، فرجع من الحديبية مع رجاله، وتحللوا ونحروا إبلهم وما معهم من الغنم التي جاءوا بها إلى مكة، وعادوا إلى المدينة على أن يعودوا للعمرة في العام المقبل في السنة السابعة، فلما جاءت السنة السابعة حسب الاتفاقية المكتوبة بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين المشركين دخلوا مكة، وصعد المشركون على سطوح البيوت وعلى أبوابها ينظرون.

    وهنا لطيفة علمية: حيث وسوس الشيطان للمشركين وقال لهم: محمد وأصحابه جاءوا من المدينة بلاد الوباء والمرض والحمى، فإذا رأينا فيهم ضعفاً فسننقض عليهم ونقضي عليهم، وهم يفكرون كيف ينقضون عليهم، فعلم ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم بالوحي الإلهي، فأمر رجاله أن يضطبعوا كما تضطبعون اليوم حيث تخرجون أكتفاكم من الرداء ظاهرة؛ إظهاراً للقوة، يكشف عن عضده ليقدر على أن يأخذ ويعطي، وهكذا أصبحت سنة باقية إلى يوم الدين، فإذا دخلت المسجد الحرام فاضطبع كما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وعلم أصحابه، واذكر هذه الحادثة حتى ما تنساها.

    ثانياً: أمرهم أن يهرولوا في الأشواط الثلاثة الأولى, لا بد من هرولة؛ إظهاراً للقوة، وأنهم أقوياء ما هم بمرضى ولا حمى ولا تيفود، فهرولوا, وما إن شاهد المشركون المظهرين العجيبين حتى انهزموا روحياً وسكتوا حتى فرغ الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون من عمرتهم وخرجوا، والحمد لله.

    فهنا يقول تعالى: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ [الحديد:10], أعلمهم أن الذين هاجروا وجاهدوا مع رسول الله قبل الفتح، قبل الحديبية ومكة، هؤلاء أجرهم عظيم، فالذين آمنوا بعدهم أو جاهدوا أو أنفقوا لا يساوون من آمنوا وأنفقوا من قبل أبداً، حتى قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ألا إن الإيمان يمان والحكمة يمانية، وإن لهم أفئدة وقلوباً لينة، فقالوا: أهم خير منا يا رسول الله؟ قال: لا، لو أن لأحدهم جبلاً من ذهب وأنفقه ما كان كما أنفقتم، ما كان كدرهمكم، وهذه باقية إلى يوم القيامة، فما ننفق والله! لا يعادل ما أنفقه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم قبل يوم الفتح.

    لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ [الحديد:10] السامون الأعلون أَعْظَمُ دَرَجَةً [الحديد:10] ممن ينفقون بعدهم ويجاهدون؛ لأن النفقة والجهاد كانا من قبل حيث كانوا أمة خائفة مضطربة محاصرة من كل جانب، فأنفقوا وخرجوا من أموالهم في سبيل الله وقاتلوا، أما بعد الانتصار والفتح فما بقي فضل كبير.

    لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ [الحديد:10] أي: فتح مكة أو الحديبية، فالحديبية فتح, ما إن رجع منها حتى غزا خيبر ودمرها ودخلت أرضها في بلاد الإسلام.

    معنى قوله تعالى: (وكلاً وعد الله الحسنى)

    لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا [الحديد:10], ولكن وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [الحديد:10] وكلاً وعد الله الجنة، الأولون والآخرون، المنفقون المجاهدون أيام الشدة والبلاء والمنفقون المجاهدون أيام الأمن والرخاء, الكل في الجنة، ولكن الجنة درجات, ما بين الدرجة والدرجة كما بين السماء والأرض.

    فهل عرفتم هذه الفضيلة للذين حوصروا في المدينة من جهاتها كلها، وأنفقوا أموالهم وقاتلوا واستشهدوا في أحد وغيرها، فالذين جاءوا من بعدهم وأنفقوا وقاتلوا لن يكونوا في مستواهم أبداً، هذا كلام الله: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [الحديد:10] وكلاً من الأولين والآخرين وعدهم الله بالجنة وهي الحسنى، لكن الجنة درجات ومقامات.

    فلو ينفق أحدنا مثل أحد ذهباً فوالله! لن يعادل من أنفق مع الرسول صلى الله عليه وسلم قبل الحديبية أبداً، فقد ذكروا له أصحاب اليمن فقال: ( ألا إن الإيمان يمان والحكمة يمانية، أفئدتهم رقيقة، قلوبهم لينة، فقالوا: أهم خير منا يا رسول الله؟ قال: لو أن لأحدهم جبل ذهب فأنفقه في سبيل الله ما عادل درهم أحدكم )، أخذاً بالآية الكريمة: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى [الحديد:10] الأولون كالآخرين, الجنة للكل، لكن الدرجة العليا والسامية لمن أنفقوا أيام الشدة والبلاء والمحنة.

    معنى قوله تعالى: (والله بما تعملون خبير)

    ثم قال تعالى: وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [الحديد:10] مطلع على أعمالنا الظاهرة والباطنة، بل على نياتنا وعلى وساوس صدورنا, كل ذلك بين يدي الله، فلنخف الله، فلنخش الله، فلنتق الله، فلنطهر قلوبنا، فلنزك نفوسنا, لا وسواس ولا خواطر باطلة، ولا نيات فاسدة؛ فإن الله مطلع علينا في الظاهر والباطن، وبهذا نكمل ونسعد بإذن الله تعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له وله أجر كريم)

    ثم قال تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ [الحديد:11], فقل: أنا، فهذا الباب مفتوح, مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ [الحديد:11] ألا وهو الجنة، هذا فتح الباب للمؤمنين إلى يوم القيامة, مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ [الحديد:11]؟ من منكم يريد أن يقرض الله، فالله يقبل القرض، أنت تقترض من فلان وفلان, والله يقبل القرض، فأقرض ربك، أعطه نفسك ومت في سبيل الله، وأعطه مالك وتخلص منه في سبيل الله.

    مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ [الحديد:11], إذا دفع ديناراً فكأنما أنفق ملياراً، الدرهم بسبعمائة درهم، والدينار بألف دينار، هكذا فتح الباب للنفقة والجهاد.

    وتم ذلك وجاهدوا, أما وصلوا إلى الأندلس ينشرون الإسلام؟ أما وصلوا إلى نهر الهند؟ وباب الله مفتوح.

    مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ [الحديد:11], نقول: نحن يا ربنا نقرضك قرضاً حسناً، فضاعفه لنا وآتنا الأجر الكريم ألا وهو الجنة دار السلام، اللهم اجعلنا من أهلها يا رب العالمين.

    1.   

    دلالة الآيات الكريمة على أدب تقديم أهل الفضل والعزم

    وهنا لطيفة علمية: فقد قال المؤلف في الهامش: [ روى أشهب عن مالك أنه قال: ينبغي أن يقدم أهل الفضل والعزم ].

    روي عن مالك إمام المسجد النبوي والدار المحمدية رحمه الله أنه كان يقول: ينبغي أن يقدم أهل الفضل والعزم، فمن أين أخذ هذا؟ من قوله تعالى: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ [الحديد:10].

    قال: [ ولهذا قدم أبو بكر على سائر الصحابة ]؛ لأنه أول من أنفق في سبيل الله، وأول من خرج مهاجراً في سبيل الله، أليس كذلك؟ فلهذا قدم أبو بكر على كل الصحابة.

    قال: [ ولهذا قدم أبو بكر على سائر الصحابة؛ لأنه أول من آمن وأول من أنفق وأول من قاتل, قدمه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة ], لما مرض صلى الله عليه وسلم قال: ( مروا أبا بكر فليصل بالناس ).

    قال: [ وقدمه المؤمنون بالخلافة ], فلما توفي الرسول صلى الله عليه وسلم قدم خليفة للمسلمين، أليس كذلك؟

    قال: [ وقال فيه علي رضي الله عنه: سبق النبي صلى الله عليه وسلم وثنى أبو بكر وثلث عمر ].

    أولاً: الرسول صلى الله عليه وسلم هو السابق, والثاني أبو بكر والثالث عمر .

    قال: [ فلا أؤتى برجل فضلني على أبي بكر إلا جلدته حد المفتري ثمانين جلدة ].

    هكذا يقول علي : لا أؤتى برجل فضلني وقال: علي أفضل من أبي بكر إلا جلدته ثمانين جلدة, واعتبرته من أهل الافتراء، فهل تفضلون على أبي بكر أحداً؟ والله! ما نفضل عليه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن يوجد الطائشون والضائعون يسبونه ويكفرونه والعياذ بالله تعالى، ولا يسمعون هذا ولا يتوبون ولا يرجعون، وا حسرتاه! ما الحامل لهم على ذلك؟ لم نبقى هكذا؟ لم ما نتوب، لم ما نرجع إلى الله؟ نحن ما نسب مؤمناً ولا نشتم مؤمناً بحال من الأحوال، فكيف بـأبي بكر ؟ كيف بـعمر ، كيف بـعثمان وبـعلي ؟ يا للأسف.. يا للأسف! والله تعالى أسأل أن يتوب علينا وعليهم.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    والآن مع هداية الآيات.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: وجوب الإيمان بالله ورسوله وتقويته ].

    من هداية الآيات التي تدارسناها بفضل الله: وجوب الإيمان بالله وتثبيته وتقويته، أي: الإيمان بالله ورسوله.

    [ ثانياً: وجوب الإنفاق في سبيل الله من زكاة ونفقة جهاد وصدقة على الفقراء والمساكين ].

    من هداية الآيات: وجوب الإنفاق في سبيل الله في الجهاد، وللفقراء، وللمساكين، ولكل حاجة تستدعي الإنفاق.

    [ ثالثاً: بيان لطف الله ورأفته ورحمته بعباده مما يستلزم محبته وطاعته وشكره ].

    بيان رأفة الله ورحمته بعباده، وهذا يستلزم منا أن نحب الله ونشكره، فاللهم اجعلنا من محبيك والشاكرين لك يا رب العالمين.

    [ رابعاً: الإنفاق في المجاعات والشدائد والحروب أفضل منه في اليسر والعافية ].

    الإنفاق في الشدائد والحروب والمجاعات أفضل منه في الأمن والرخاء قطعاً, ما في ذلك شك، الإنفاق في سبيل الله وقت الشدة ووقت المجاعة ووقت الحرب أعظم أجراً من الإنفاق في الأمن والرخاء بين الناس قطعاً، أما قال تعالى: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ [الحديد:10]؟

    [ خامساً: الترغيب في الإنفاق في سبيل الله بمضاعفة الأجر حتى يكون الدينار بألف دينار عند الله تعالى, وما عند الله خير وأبقى، وللآخرة خير من الأولى ].

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.