إسلام ويب

تفسير سورة الحديد (1)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن قدرة الله عز وجل وبديع صنعه تتجلى في كل ما يحيط بالمرء المتفكر من مخلوقات، فالناظر في خلق السموات والأرض يدرك أن خالقها قوي متين، والناظر في تعاقب الليل والنهار والشمس والقمر يدرك أن مقدرها حكيم عليم، فيحمله ذلك على الإيمان به سبحانه، والإيمان بأسمائه وصفاته التي تفرد بها جل شأنه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (سبح لله ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم)

    الحمد لله, نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد.

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة -ليلة الأربعاء من يوم الثلاثاء- ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال فداه أبي وأمي وصلى عليه ألفاً وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن الليلة مع فاتحة سورة الحديد المدنية، وهي ست آيات كلها تؤكد وجود الله وعلمه وقدرته ورحمته وحكمته، وأنه الإله الحق والرب الحق، ولا إله غيره ولا رب سواه, فهيا بنا لنصغي إلى تلك الآيات الست مجودة مرتلة، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ * يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [الحديد:1-6].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هيا بنا ننظر بقلوبنا تجليات الرب تبارك وتعالى في هذه العوالم ليزداد إيماننا به تعالى وحبنا له وطاعتنا له.

    أولاً: قوله تعالى: سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الحديد:1], قال في سورة الإسراء: تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء:44], والله! ما من ذرة ولا مجرة ولا كائن في الكون إلا يسبح الله، أي: ينزهه ويقدسه، ينزهه عن الصاحبة والولد، عن الشريك والمثيل والنظير، ينزهه عن النقص حيثما كان, وهو القوي المتين.

    سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الحديد:1], السماوات سبع والأرضون سبع أيضاً، وما بين السماء والسماء مسيرة خمسمائة عام، والأرضون السبع كذلك ما بين الأرض والأرض مسيرة خمسمائة عام، والله فوق ذلك كله.

    سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الحديد:1] العزيز: الغالب القاهر الذي لا يعجزه شيء، الحكيم: الذي يعدل في حكمه ولا يظلم ولا يجور، والحكيم: الذي يضع كل شيء في موضعه، والحكمة: وضع الشيء في موضعه, فمن صفات الجلال والكمال أنه العزيز الحكيم، لا أعز منه أبداً، ينتقم من أعدائه ويسخط عليهم، الحكيم الذي يضع كل شيء في موضعه, يرحم من هو أهل للرحمة ويعذب من هو أهل للعذاب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (له ملك السموات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير)

    ثانياً: يقول تعالى: لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الحديد:2] ملك السماء وما يوجد في السماوات والأرضين كله لله وهو السلطان والحاكم فيه، لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الحديد:2], ما يوجد في السماوات من ملائكة ومن كائنات ولا في الأرضين إلا والله هو المالك لها؛ إذ هو خالقها والقاهر لها، ولا إله غيره ولا رب سواه.

    ثالثاً: يُحْيِي وَيُمِيتُ [الحديد:2], الحياة والممات نشاهدهما, فمن الذي يحيينا في بطون أمهاتنا؟ من الذي يحيينا بعد موتنا؟ من الذي يميتنا بعد حياتنا؟ لا أحد إلا الله, هو الذي يحيي ويميت، فلا أحد مع الله يحيي ويميت أبداً، يحيينا ونحن في بطون أمهاتنا في تلك النفخة, ثم يميتنا, ولا نقدر على إحياء أنفسنا ولا على إماتتها، ولا يوجد في الكون كله علويه وسفليه من يحيي ويميت إلا الله.

    رابعاً: وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الحديد:2] لا يعجزه شيء، إذا أراد الشيء قال له: كن فيكون، ما هناك شيء يعجز الله لا يقدر عليه، والله! لا يوجد لا في الملكوت الأعلى ولا الأسفل، لا في السماوات ولا في الأرضين، لا يعجزه شيء, أما المخلوقات من إنس وجن وملائكة فيعجزون عن أشياء ما يستطيعونها.

    وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الحديد:2], لا يوجد شيء يعجز الله عنه، فالله تعالى قدير على كل شيء كائن أو يكون، الله قدير على ذلك، ويتجلى ذلك في خلقه السماوات والأرض، في إحيائه وإماتته لمخلوقاته، يقول للشيء: كن فيكون, وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الحديد:2].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم)

    ثم يقول تعالى: هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ [الحديد:3], واسمعوا الرسول الكريم يقول صلى الله عليه وسلم: ( اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين وأغننا من الفقر ).

    فيا من عليه دين وهو يعيش هم هذا الدين! عليك بهذا الدعوة المحمدية ليقضي الله دينك، يا من عليه ديون، يا من هو فقير! اقرع هذا الباب بهذا الدعاء يفتح لك, قل: اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين وأغننا من الفقر. أو صعب هذا؟

    اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، كان الله ولم يكن شيء قبله أبداً في الكون، أنت الآخر فليس بعدك شيء أبداً، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين وأغننا من الفقر.

    سابعاً: وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحديد:3], لا يخفى عنه شيء في الكون من ذرات ولا نجوم ولا كواكب ولا إنس ولا جان، بل ولا خواطر ولا وسواس في الصدر، فهو تعالى بكل شيء عليم، علمه أحاط بكل شيء.

    ومن هنا يخافه المؤمنون، لا يقولون كلمة يكرهها، ولا ينظرون نظرة حرمها، ولا يأكلون لقمة ما أذن فيها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ...)

    ثامناً: هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ [الحديد:4] هو لا غيره, هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ [الحديد:4] وهي الأحد والإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، الأيام التي خلق فيها الكون مقدارها ستة أيام من أيامنا هذه، وهو قادر على أن يخلقها في يوم واحد بل في ساعة, يقول للشيء: كن فيكون، لكن من باب تأديبنا وتعليمنا وتربيتنا حتى لا نستعجل خلقها في ستة أيام: الأحد والإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة، فلهذا أفضل الأيام يوم الجمعة, فهو اليوم الذي انتهى فيه الخلق.

    قال تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الحديد:4] ما العرش هذا؟ هو سرير الملك، سرير الملك غطى الكون كله وأحاط بالكون كله، استوى على العرش ليدبر أمر الكون كله في السماوات وفي الأرضين, وهو يدبر الملكوت كله وهو على عرشه, ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ [الحديد:4] بعدما فرغ من خلق السماوات والأرضين وما فيهن في ستة أيام استوى على عرشه ليدبر الكون الذي خلقه وأوجده، فسبحان الله العظيم! فقولوا: آمنا بالله، والله! ما يسعنا إلا أن نقول: آمنا بالله، فأين العقول وأين الشهوات وأين الأهواء وأين الضلال وأين الأكاذيب والأباطيل؟ من رفع السماوات فوقنا؟ من أوجدنا وأوجد آباءنا وأمهاتنا؟ من يميتنا ويحيينا؟ ليس إلا الله، فلهذا يقول ابن عباس : هذه الآيات الست فيها اسم الله الأعظم.

    معنى قوله تعالى: (يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها)

    عاشراً: يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا [الحديد:4].

    يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ [الحديد:4]: ما يدخل فيها من مطر وغيره من الكائنات، وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا [الحديد:4] من نباتات وغيرها، وما يعرج إلى السماء من الملائكة، وما ينزل من السماء من الملائكة، وما يعرج إلى السماء من الأعمال الصالحة والحسنات، فذلك كل ما يعرج إلى السماء وينزل إلى الأرض والله يعلمه: يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ [الحديد:4] أي: يدخل فيها، وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا [الحديد:4], كل هذا معلوم لله، والله به عليم، ولا يعلمه غيره، فكيف لا يُعبد؟ كيف لا يُحب؟ كيف لا يرهب ولا يخاف منه؟

    يقول تعالى: يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ [الحديد:4] ويدخل فيها، وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ [الحديد:4] من أي نازل، وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا [الحديد:4] من أي عارج طالع من ملائكة وغيرهم كالحسنات التي ترفع, وما إلى ذلك.

    معنى قوله تعالى: (وهو معكم أينما كنتم والله بما تعلمون بصير)

    وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد:4]؛ لأن عرشه أحاط بالكون كله، الكائنات كلها بين يديه لا يخفى عليه من أمرنا شيء، نقول كلمة فيسمعها، نتحرك حركة فيعلمها ويشاهدها، لا يخفى عليه من أمرنا شيء.

    وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ [الحديد:4]، كنتم في الشرق أو الغرب، تحت الأرض أو فوقها، كنتم أغنياء أو فقراء، أعزاء أم أذلاء, كيفما كنتم فهو معكم، ومعنى هذا: ارفع يديك واسأله، استح منه، خفه، اخشه، اطلب منه, كيف تعصيه وأنت تعلم أنه معك؟ فالله تعالى معنا بعلمه وقدرته, ويخيل لنا كأننا بين يديه، هذا هو الرب، هذا هو الله جل جلاله وعظم سلطانه، هذا هو الله الذي لا إله إلا هو، هذا هو الحي القيوم، هذا الذي ترتعد القلوب والأجسام عند ذكره وتخشاه.

    فإذا ذُكر الله وجلت قلوب المؤمنين، خافت واضطربت من كلمة الله، هذا شأن العالمين العارفين بالله، أما الأموات -والعياذ بالله تعالى- من أهل الجهل والكفر والشرك والوثنيات والعلمانيات فهم أموات غير أحياء.

    يقول تعالى: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [الحديد:4], بما تعلمون من خير أو شر، من صلاح أو فساد, وحين تأكل أو تشرب هو تعالى مطلع عليك، خبير بك.

    وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [الحديد:4] يبصره ويراه، لا تظن أنك تعمل والله لا يطلع عليك، لا وجود لهذا خيراً كان الذي فعلته أو شراً، حسنة أو سيئة, فالله بصير بعملك.

    وعلى سبيل المثال: حين تضع بين يديك كأساً فيه شاي أو حليب، هل هناك شيء يخفى عليك منه فعلمك ليس بمحيط به؟ هل أحاط علمك به أو لا؟ هو بين يديك، فالملكوت كله بين يدي الله عز وجل، فلهذا لا يخفى عليه شيء من أمر الكائنات أبداً، فهو تعالى مطلع وبصير بكل الكائنات؛ لأنها بين يديه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (له ملك السموات والأرض وإلى الله ترجع الأمور)

    عاشراً: لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الحديد:5], فمن يملك السماوات والأرض؟ من هو السلطان فيهما؟ الله، إذاً: من أراد أن يطلب شيئاً من الأرض فليطلبه من الله، من أراد أن يطلب شيئاً مما في السماء فليطلب من الله، لماذا؟ لأنه لله، هل أنت تطلب ممن يملك أو ممن لا يملك؟ تطلب ممن يملك، إذاً: فاعلم أن الله هو الذي يملك ما في السماوات والأرض، فلا تطلب غيره أبداً ولا يستطيع أحد أن يعطيك إلا إذا أذن هو وأعطى.

    لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الحديد:5] أي: هو السلطان الحاكم المالك لكل ما فيهما، ومع هذا فهل بقي من يدعو غير الله؟ من يركع أو يسجد لغير الله؟ من يستغيث أو يسأل غير الله؟ لا أحد أبداً، فمن عرف هذا ما عبد غير الله، ولا خاف غير الله، ولا أعطى لغير الله، ولا عمل عملاً إلا لله.

    لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ [الحديد:5] كل الأمور تعود إلى الله، فعلنا أو تركنا، قمنا أو قعدنا، بنينا أو هدمنا، جاهدنا أو رابطنا، كل شيء يرجع إلى الله تعالى؛ هو الذي يجزي به ويحاسب عليه ويثيب عليه ويعاقب عليه، فالأمور كلها ترجع إلى الله عز وجل، الإحياء, الإماتة، الفقر, الغنى، العز, الذل.. كل هذه الأمور عائدة إلى الله وهو مالكها والمدبر لها، هذا هو الرب، هذا هو الله تعالى.

    ولو تنشرح صدورنا فوالله! لن نستطيع أن نتكلم, الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الأنفال:2] من هؤلاء؟ أهل الإيمان والتقوى أولياء الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور)

    ثم قال تعالى: يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ [الحديد:6] هذا أمر مكشوف واضح، نحن الآن في الليل، فأين نهارنا؟ دخل في الليل، أولجه الله وأدخله في الليل، وغداً سنصبح في نهارنا, فأين ليلنا؟ أولجه في النهار، كما أن هناك أيضاً علماً واضحاً, فالآن النهار أقصر من الليل, ساعتان من النهار دخلتا في الليل، وبعدما ينتهي هذا الفصل يدخل الليل في النهار أيضاً, إيلاج هذا في هذا وإدخال هذا في هذا، من يفعل هذا؟ آباؤنا، الحكام، الأباليس والشياطين؟ من يقدر على هذا الفعل؟ ليس إلا الله هو الذي يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل.

    وأخيراً يقول تعالى: وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [الحديد:6] كل ما في صدر كافر، مؤمن، تقي، بر، فاجر، إنسان، حيوان.. كل ما في الصدر الله بصير عليم به, وَهُوَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [الحديد:6] بما في الصدور.

    أنت الآن ما تستطيع أن تعرف ما في صدر أخيك إلى جنبك، ووالله! ما في صدر أحد شيء إلا والله عليم به خيراً كان أو شراً، إيماناً أو كفراً, فقولوا: آمنا بالله، هذا هو الله لا إله إلا هو ولا رب سواه، فلا نرفع أيدينا سائلين إلا إليه، ولا نركع منحنين راكعين إلا له، ولا نضع جباهنا على الأرض ساجدين إلا له، ولا نطمع إلا فيه، ولا نرهب ولا نخاف إلا منه، هذا ولينا نحن أولياؤه ينصرنا ويبقينا ويمدنا بما يشاء وهو ولينا ولا ولي لنا سواه، فهيا بنا لنذكره ولا ننساه، نعبده ولا نترك عبادته، نطيعه ولا نعصيه, ولا نخرج عن طاعته أبداً، ومن كان في مدينة أو قرية لا يتمكن من عبادة الله فيجب أن يرحل منها وأن يهجرها حتى يتمكن من عبادة الله تعالى, والله تعالى أسأل أن يجعلنا من أوليائه وصالح عباده.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: فضل التسبيح ]، وقد عرفنا فضل (سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم), قلها عشر مرات، مائة, مائتين, قلها وأنت ماش، وأنت راكب, وأنت جالس، يقول الحبيب صلى الله عليه وسلم: ( كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان, حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم ).

    وقل: سبحان الله والحمد لله والله أكبر ثلاثاً وثلاثين دبر كل صلاة، ما إن نخرج من الصلاة إلا ونسبح هذا التسبيح: سبحان الله والحمد لله والله أكبر ثلاثاً وثلاثين بتسع وتسعين تسبيحة، ثم نختمها بالمائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.

    [ ثانياً: مظاهر القدرة والعلم والحكمة في هذه الآيات الست هي موجبات ربوبية الله تعالى وألوهيته, وهي مقتضية للبعث الآخر والجزاء فيه ].

    هذه الآيات الست التي تدارسناها كلها موجبة لألوهية الله تعالى ووجوده وعلمه وقدرته وحكمته ورحمته وأنه على كل شيء قدير، فلا رب غيره أبداً ولا إله سواه أبداً، هذه الآيات الست كلها تقرر أنه لا إله إلا الله، فلا يعبد إلا هو، ولا يُتخلى عن عبادته أبداً، فإن الذين تركوها هلكوا وفي النار خلدوا والعياذ بالله تعالى.

    [ ثالثاً: في خلقه تعالى السموات والأرض في ستة أيام -وهو القادر على خلقهما بكلمة التكوين- تعليم لعباده التأني في الأمور وعدم العجلة فيها لتخرج متقنة صالحة نافعة ].

    من هداية الآيات: كونه تعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام -وهو قادر على أن يخلقها في يوم بل في ساعة- فيه معنى أنه يربينا حتى لا نسرع في أمورنا، حتى نتأنى ولا نبادر بسرعة أبداً حتى تكون أمورنا منتظمة، هذا الله يخلق في ستة أيام، وأنت تريد أن تبني الدار في شهر فقط؟ تأمل هذا، فالعجلة مكروهة لا مندوبة، العجلة لا خير فيها.

    [ رابعاً: بطلان دعاء غير الله تعالى ورجاء غيره؛ إذ له ملك السموات والأرض وليس لغيره شيء من ذلك ].

    من هداية الآيات: تقرير أن الله هو الذي يدعى ويسأل ويطلب منه، ولا يوجد ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا عبد صالح تقول له: يا سيدي! أعطني ولو حبة تمر أو عنب، لا يدعى إلا الله، لماذا؟ لأنه لا يعطي إلا الله، لم؟ لأنه لا يملك إلا هو، فلم تدعو نبياً أو ملكاً وهو لا يملك شيئاً؟ والله! ما يملك فكيف يعطيك؟ فلا يدعى إلا الله، لا تطلب ماء ولا طعاماً ولا عافية ولا شفاء من مرض إلا من الله عز وجل؛ إذ هو القادر على ذلك والمالك له، أما غير الله فما يملك ولا يقدر.

    [ خامساً: وجوب مراقبة الله تعالى والحياء منه وتقواه؛ وذلك لعلمه بظواهرنا وبواطننا، وقدرته على مجازاتنا عاجلاً وآجلاً ].

    من هداية الآيات: وجوب مراقبة الله تعالى، حتى لا نعصيه ولا نخرج عن طاعته؛ لأنه يعلم أسرارنا وما في صدورنا، ويعلم أعمالنا قبل أن نخلق، قبل أن نعملها، فلهذا يجب مراقبة الله دائماً وأبداً، فكونوا من المراقبين لربكم، لا تنسوه ولا تعرضوا عنه، من أراد أن يأكل، يشرب، يركب، ينزل، يبني.. فلا بد من ذكر الله في قلبه، يقول: فهل الله أذن بهذا؟ هل الله سمح بهذا؟ هل شرع الله هذا؟ وهكذا نعيش مراقبين لله تعالى، فننجو ونكمل ونسعد في الدارين إن شاء الله رب العالمين.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.