إسلام ويب

تفسير سورة الحاقة (4)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • دائماً ما يروج المكذبون لرسالات النبيين أن ما جاءوا به إنما هو من قولهم، وإنما هو اختلاق اختلقته عقولهم، أو شعر نظمته ألسنتهم وقرائحهم، وهذا ما أقدم عليه كفار قريش، فرد الله عليهم بقول فصل، ليس فيه مماراة ولا هزل، أنه سبحانه يرسل أنبياءه بالحق والصدق، وأن ما جاء به النبي الخاتم ليس شعراً ولا كهانة، إذ ليس الأمر أمره ولا القول قوله، إنما هو من لدن حكيم عليم، تذكرة لعباد الله المتقين.

    1.   

    تقرير السور المكية لعقيدة التوحيد

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الأمسيات الربانية ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع خاتمة سورة الحاقة المكية، فهيا بنا نصغي مستمعين تلاوة تلك الآيات، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع، قال تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لا تُبْصِرُونَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ * وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ * تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ * وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ * وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ * وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ * وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الحاقة:38-52].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! لا ننسى أن السور القرآنية المكية التي نزلت بمكة تعمل على إصلاح العقيدة وتصحيحها، فهي تقرر الألوهية لله تعالى، فلا إله غير الله تعالى، وتقرر النبوة المحمدية وهو أن محمداً رسول الله، وتقرر أن القرآن كلام الله ووحي الله تعالى، وتقرر أن الدار الآخرة دار حق لا بد من الحياة فيها للجزاء على العمل في هذه الحياة الدنيا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون)

    وها نحن مع هذه الآيات، فأولاً: يقول تعالى: فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لا تُبْصِرُونَ [الحاقة:38-39]، أي: ليس الأمر كما زعمت يا أبا جهل، يا عقبة بن أبي معيط، يا فلان! من أن الرسول كاهن أو شاعر أو ساحر، إذ إن الله قد أبطل هذه الأباطيل كلها فقال: فَلا [الحاقة:38]، ثم قال: أُقْسِمُ [الحاقة:38]، أي: أحلف بما تبصرونه من الكائنات، وبما لا تبصرونه هنا في السموات.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنه لقول رسول كريم)

    تقرير النبوة المحمدية ووصف الله لرسوله بالكرم

    قال تعالى: إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [الحاقة:40].

    إِنَّهُ [الحاقة:40]، أي: القرآن الكريم ليس بالسحر ولا بالشعر ولا بكلام الكهنة، وإنما هو كلام الله عز وجل، إِنَّهُ [الحاقة:40]، أي: القرآن الكريم، لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [الحاقة:40]، والمراد بالرسول الكريم هو محمد صلى الله عليه وسلم، ووالله إنه لرسول الله، وليس هناك أكرم من رسول الله، ووالله ما كذب كذبة قط لا في جاهلية ولا في إسلام.

    لله تعالى أن يحلف بما يشاء من مخلوقاته لحكم عالية

    ولذا من لطائف العلم أن نقول: لله تعالى أن يحلف، يقول تعالى: فلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ [الحاقة:38]، من المخلوقات، وَمَا لا تُبْصِرُونَ [الحاقة:39]، منها، ومن هنا علمنا واعتقدنا أن لله تعالى أن يحلف بما يشاء من مخلوقاته، وأنه لا يحل لغير الله عز وجل أن يحلف بمخلوق، بل لا يحل لغير الرسول صلى الله عليه وسلم أن يحلف بغير الله، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث ثلاثاً وعشرين سنة يبلغ هذه الدعوة والله ما حلف بغير الله قط، بل إنه يقول: والذي نفسي بيده، ومرة يقول: والذي نفس محمد بيده.

    ولما كان المشركون يحلفون باللات والعزى ومناة الآلهة الباطلة، ويجري ذلك على ألسنتهم، أعلن النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر فقال: ( ألا إن الله ورسوله ينهيانكم أن تحلفوا بآبائكم، ومن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت )، لكن لما صرفونا عن القرآن وأبعدونا عنه وحولوه إلى الموتى فقط كان القاضي في بلد إسلامي يحكم باليمين الشركية، أي: يحلف فلان بالقبر الفلاني، أو بسيدي فلان، وشاع بين المسلمين: ورأسي، وحقك، وبحق الطعام والملح الذي بيننا، وبالذي أكلنا، وكأنهم ما عرفوا الله تعالى، وعلة ذلك والله الجهل، إذ ما اجتمعوا كاجتماعنا هذا على كتاب الله تعالى، وبالتالي كيف يعلمون؟ كيف يعرفون؟ من أين لهم أن يعرفوا؟ لقد منعونا من القرآن الكريم وصرفونا عنه وحولوه إلى الموتى، فمن فعل بنا هذا؟ لا ننسى أنه الثالوث الأسود المكون من المجوسية واليهودية والصليبية، هؤلاء الذين تآمروا على الإسلام والمسلمين للقضاء على هذا النور وإطفائه، لكن ولله الحمد ما تمكنوا، وإنما تمكنوا من أمور منها: أنهم قالوا: تفسير القرآن صوابه خطأ، وخطؤه كفر! فكمموا ألسنة المسلمين، ولم يعد هناك من يقول: قال الله، وبالتالي فماذا يفعلون بالقرآن؟ يقرءونه في المقابر وفي ليالي الموت في البيوت.

    معشر المستمعين والمستمعات! لا أحسب أن أحداً بيننا يحلف بغير الله تعالى، إذ لا يجوز أبداً أن تقول: ورأسي، أو بالنبي، أو بالكعبة، أو بالمصحف، أو بكذا، إذ ما عليك إلا أن تقول: والله، أو بالله، أو تالله، ورب السموات والأرض، ورب العالمين، ورب محمد والمرسلين، أي: تحلف بالله عز وجل، ونترك لله أن يحلف بما يشاء من مخلوقاته، مثل قوله: وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ [الطارق:1]، وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ [الطارق:11]، وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر:1-2]، وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [الشمس:1]، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [الليل:1]، وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ [التين:1]، فلله أن يحلف بما شاء من مخلوقاته، لكن حلفه بتلك الأشياء يلفت فيها النظر إلى أنها من مخلوقات الله تعالى، وأن الله خالقها، فليؤمن به وليتقى وليعبد سبحانه وتعالى.

    إذاً: فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لا تُبْصِرُونَ [الحاقة:38-39]، ثم يحلف ربنا على أن القرآن كلام الله يقوله رسوله الكريم، وليس من السحر ولا من الشعر ولا من الكهانة، بل هو وحيٌ أوحاه إلى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [الحاقة:40]، وفي هذا تقرير النبوة المحمدية، ووصف الرسول بالكرم، ووالله إنه لكريم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون)

    ثم قال تعالى: وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ [الحاقة:41]، كما يدعي المدعون ويزعم الزاعمون أن ما يقوله محمد شعراً وليس بوحي من عند الله تعالى، قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ [الحاقة:41]، أي: لكن قليلاً ما تؤمنون، فهو يخاطب أهل مكة والآيات تنزل بينهم، إذ إنهم يؤمنون بوجود الله رباً لا رب غيره، لكن لا يؤمنون بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ولا بلقاء الله والدار الآخرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا بقول كاهن قليلاً ما تذكرون)

    قال تعالى: وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ [الحاقة:42].

    وَلا [الحاقة:42]، أيضاً، بِقَوْلِ كَاهِنٍ [الحاقة:42]، من الكهان، قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ [الحاقة:42]، هكذا يعتب عليهم، بل يؤنبهم ويؤدبهم، إذ إنهم ادعوا أنه شاعر وساحر وكاهن، وكل هذه والله أباطيل، إذ إن قوله هو كلام الله تعالى لا هو بالسحر ولا بالشعر ولا بالكهانة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (تنزيل من رب العالمين)

    قال تعالى: تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الحاقة:43]، أي: أنه منزل من رب العالمين من فوق سماواته، من فوق عرشه، أنزله على من اصطفاه واختاره واجتباه لأهليته لذلك ألا وهو محمد صلى الله عليه وسلم، فوالله ما محمد بساحر ولا بشاعر، بل إنه لا يعرف حتى بيتاً من الشعر، وفي مرة من المرات أراد أن ينطق ببيت من الشعر فما أحسن النطق به.

    تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الحاقة:43]، والمراد بالعالمين أبناء الإسلام! الإنس والجن والملائكة والحيوانات كلها، إذ كلها عوالم والله ربها، أي: خالقها ومدبر أمرها ثانياً، ومصيرها إليه ثالثاً، وهو الإله الحق وما عداه فإله باطل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولو تقول علينا بعض الأقاويل)

    ثم قال تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا [الحاقة:44]، أي: محمداً، بَعْضَ الأَقَاوِيلِ [الحاقة:44] لفعلنا به كذا وكذا، لكن والله ما يكذب رسول الله عن الله تعالى، بل والله ما قال كلمة أبداً في حياته كذباً على الله تعالى، وإنما أراد أن ينتزع من صدور هؤلاء الجهال الذين يزعمون أن الرسول ساحر وشاعر وكاهن ويكذب على الله ويقول: قال الله والله ما قال، فقال تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا [الحاقة:44]، أي: قال قولاً ونسبه إلينا، بَعْضَ الأَقَاوِيلِ [الحاقة:44]، كثيرة أو قليلة، ومن أي نوع كانت.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لأخذنا منه باليمين ...)

    ثم قال تعالى: لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ [الحاقة:45]، أي: بيمينه، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ [الحاقة:46]، والوتين هو عرق مربوط بالقلب إذا انتزع مات الإنسان، أبعد هذا يقول الجهلة: الرسول يكذب على الله تعالى؟! هذا ما قاله الله وإنما قاله محمد من عند نفسه؟! مستحيل أبداً.

    وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ [الحاقة:44]، يعني: قال قولاً ونسبه إلينا ونحن ما قلناه، وما أمرنا به ولا نهينا عنه ولا أخبرنا به، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ [الحاقة:45-46].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فما منكم من أحد عنه حاجزين)

    ثم قال تعالى: فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ [الحاقة:47]، أي: من يحجز الله تعالى إذا أراد أن يأخذ حياة محمد؟! من يقوى أن يحجز الله عن قتل نبيه لو أراد أن يقتله؟ لا أحد أبداً، وبالتالي حاشا رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم أن يكذب على الله تعالى، وأن يقول: قال الله والله ما قال، أو يقول: حرم الله والله ما حرم، أو يقول: أوجب الله والله ما أوجب، مستحيل وهيهات هيهات أن يقول محمد كلمة ما قالها الله، وهذا هو البرهان القاطع إذ يقول تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ [الحاقة:44-47]، أي: من يقوى أن يخلصه منا إذا أردناه؟ لا أحد.

    هكذا يقرر الله النبوة المحمدية، ويقرر أن القرآن كلام الله تعالى، وليس من كلام الشعراء ولا السحرة ولا الكهان أبداً، بل وليس من كلام محمد صلى الله عليه وسلم، وإنما هو كلام الله تعالى والرسول يقوله وينطق به.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإنه لتذكرة للمتقين)

    قال تعالى: وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ [الحاقة:48].

    وَإِنَّهُ [الحاقة:48]، أي: القرآن العظيم ذكرى للمتقين فينتفعون به، والمتقي هو ذاك الذي خاف من الله تعالى، خاف عقاب الله تعالى، خاف من عذاب الله فأطاع الله في ما أمره به، وأطاعه في ما نهاه عنه، فهذا هو الذي يجد الذكرى والموعظة في القرآن الكريم، والله العظيم! يجتمعون على القرآن فيبكون، إنه القرآن ذكرى للمتقين، وليس هو بالسحر ولا بالشعر ولا بالكهانة.

    وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ [الحاقة:48]، لمن؟ لِلْمُتَّقِينَ [الحاقة:48]، أما الفاجرون الفاسقون الظالمون الهلكى الذين عميت قلوبهم لا يجدون فيه ذكراً ولا موعظة أبداً، بل إنهم كانوا يغلقون آذانهم حتى لا يسمعوا القرآن الكريم، وهم الكافرون والمشركون والمكذبون!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإنا لنعلم أن منكم مكذبين)

    ثم قال تعالى: وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ [الحاقة:49]، يخبر تعالى بهذا الخبر العظيم، وَإِنَّا لَنَعْلَمُ [الحاقة:49]، أي: وإنا رب العزة والجلال والكمال لنعلم علماً يقينياً، وكيف لا وهو خالقهم وخالق كلامهم؟ أَنَّ مِنْكُمْ [الحاقة:49]، أي: يوجد بينكم مكذبون برسول الله ونبوته، بالقرآن وبكونه كلام ربه، وبإلهية الله وكونه الإله الحق الذي لا إله غيره ولا رب سواه، وفي هذا من التهديد والتخويف ما تعلمون، إذ يقول تعالى: إني أعلم ما أنتم عليه من الجرائم والموبقات والظلم والشر والفساد، ومعنى هذا: سوف ننتقم، سوف نضرب، سوف نقتل، وهذا بحد ذاته تخويف وتهديد.

    مُكَذِّبِينَ [الحاقة:49]، أي: مكذبين لرسول الله، إذ قالوا: ما هو برسول الله، وإنما هذا ساحر أو شاعر فقط، مكذبين بالقرآن الكريم، إذ قالوا: القرآن ليس بكلام الله تعالى، وإنما هو من كلام الشعراء، مكذبين بالبعث والدار الآخرة، إذ قالوا: لا حياة بعد هذه، مكذبين بإلهية الله تعالى فعبدوا الأصنام والأحجار، وتألهت لهم وعبدوها مع الله تعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإنه لحسرة على الكافرين)

    ثم قال تعالى: وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ [الحاقة:50]، أي: أن العذاب يوم القيامة لحسرة على الكافرين، التكذيب بالله ولقائه، والتكذيب برسول الله وبكلام الله سبحانه وتعالى، التكذيب بهذا والله سيكون حسرة من أشد الحسرات وأعظمها، وذلك يوم أن يرون المؤمنين المتقين يقادون إلى الجنة، والفجرة والمشركين يقادون إلى النار، ثَمَّ هناك تعظم الحسرة وتشتد.

    وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ [الحاقة:50]، وذلك لما يشاهدون في ساحة فصل القضاء وفي عرصات القيامة المؤمنين المتقين أهل لا إله إلا الله يقودونهم إلى الجنة فتفتح لهم أبوابها، ويشاهدون الكفرة والمجرمين والمشركين يساقون بل يدفعون دفعاً إلى جهنم والعياذ بالله تعالى، هناك تكون الحسرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإنه لحق اليقين)

    وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ [الحاقة:51]، والله العظيم! إن محمداً لرسول الله، وإن القرآن لكلام الله قطعاً يقيناً، وأن الدار الآخرة حق قطعاً يقيناً، ولا التفات إلى أقوال المبطلين والتائهين في ضلالاتهم كـأبي جهل وفلان وفلان، وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ [الحاقة:51]، أي: اليقين الحق.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فسبح باسم ربك العظيم)

    ثم قال تعالى لرسوله: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الحاقة:52]، تألم الرسول وتعب، وما أطاق هذا العذاب وهذه الفتنة التي يرمونه بها، فأمره تعالى بعدما بين لهم أن يسبح اسم ربه، أن يقول: والله، بالله، ولا يقول: باللات، بالعزى كما يحلفون بالأصنام، وإنما نزه ربك عن هذا فقل: والله، بالله، تالله، وسبحه فقل: سبحان ربي العظيم، أي: نزهه وقدسه، وفي هذا إنعام الله على رسوله والمؤمنين.

    ومن هنا معشر الأبناء والإخوان! ما نركع ركعة أبداً لا في ليل ولا في نهار إلا ونقول: سبحان ربي العظيم، ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً أو تسعاً أو إحدى عشرة، إذ أمر الله تعالى رسوله أن يسبح، وكذلك أمرنا أن نسبح، وكذلك إذا سجدنا نقول: سبحان ربي الأعلى وبحمده ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً أو تسعاً أو إحدى عشرة أو أكثر، وهكذا أهل العلم من الصحابة والتابعين يعلمون أنه لما نزل: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الحاقة:52]، قال الرسول لأصحابه في مكة: ( اجعلوها في ركوعكم )، ولما نزلت: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى [الأعلى:1] قال: ( اجعلوها في سجودكم )، والمؤمنون والمؤمنات إلى اليوم إذا ركع أحدهم يقول: سبحان ربي العظيم وبحمده، وإذا سجد يقول: سبحان ربي الأعلى وبحمده.

    فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الحاقة:52]، والعظيم هو ذاك الذي يقول للشيء: كن فيكون، الذي خلق كل شيء، وملك كل شيء، وبيده كل شيء، كيف لا وهو العظيم؟ والله لا أعظم منه أبداً.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    والآن مع هداية هذه الآيات، قال الشارح: [ من هداية هذه الآيات: أولاً: لله تعالى أن يحلف بما يشاء من مخلوقاته لحكم عالية، وليس للعبد أن يحلف بغير الرب تعالى ]، إي والله! من هداية هذه الآيات: تقرير أن لله أن يحلف بما شاء، وليس لعبيده أن يحلفوا إلا به فقط، أما هو تعالى فيحلف بما يشاء من مخلوقاته؛ ليلفت النظر إلى مظاهر قدرته وعلمه وحكمته، وذلك لما يقول: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى [الليل:1]، من يوجد الليل؟ وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر:1-2]، من أوجد ذلك؟ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ [البروج:1]، فيحلف بمخلوقاته ليلفت النظر إلى أن الله هو خالقها، وأنه الإله الحق الذي لا إله غيره ولا رب سواه.

    قال: [ ثانياً: تقرير الوحي وإثبات النبوة المحمدية ]، من هداية هذه الآيات: تقرير الوحي الإلهي، وأنه حق، إذ إن الله أوحى إلى محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن خلال ثلاث وعشرين سنة، فالقرآن وحي الله وكلامه.

    قال: [ ثالثاً: وصف الرسول بالكرم وبكرامته على الرب تعالى ]، من هداية هذه الآيات: وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالكرم، والذي وصفه بالكرم هو الكريم الأعلى، فلا أكرم من رسول الله أبداً بعد هذا، إذ الله جل جلاله وصفه بأنه الكريم، فهنيئاً لرسولنا وهنيئاً لنا بعظمة رسولنا وطهارته.

    قال: [ رابعاً: عجز الرسول صلى الله عليه وسلم عن الكذب على الله تعالى وعدم قدرته على ذلك لو أراده، ولكن الذي لا يكذب على الناس لا يكذب على الله، كما قال هرقل: ما كان ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله، رداً على أبي سفيان لما قال له: لم نجرب عليه كذباً قط ]، أبو سفيان رضي الله عنه قبل إسلامه ذهب إلى الروم بلاد الشام، فطلب منه ملك الروم أن يحضر ويحدثه عن محمد صلى الله عليه وسلم، فسأله: هل يكذب عليكم؟ فقال أبو سفيان : لا يكذب أبداً، فقال هرقل: إذا كان لا يكذب عليكم فكيف يكذب على الله؟ إذاً آمنوا به وصدقوه، وكاد هرقل أن يؤمن، لكنه ما استطاع لوجود الزبانية من حوله، والشاهد عندنا: ما كذب رسول الله قط لا في الجاهلية ولا في إسلام، إذ عصمه ربه عز وجل.

    قال: [ خامساً: مشروعية التسبيح بقول:سبحان ربي العظيم، إذ صح أنه لما نزلت قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: ( اجعلوها في ركوعكم )، فكانت سنة مؤكدة سبحان ربي العظيم ثلاثاً في الركوع أو أكثر ]، ومع هذا اذكروا قول الحبيب صلى الله عليه وسلم: ( كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم )، فلا بد للعبد من ورد يومي أيها العاقلون! ولذا من قال في نهاره: سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم مائة مرة، انمحت ذنوبه كلها إلا الكبائر، إذ لا بد لها من التوبة، والله تعالى نسأل أن ينفعنا وإياكم بما ندرس ونسمع.