إسلام ويب

تفسير سورة الجن (2)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بعث الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم ليرسي دعائم التوحيد، فبدلاً من أن يدعو المخلوق مخلوقاً مثله، لا يملك ضراً ولا نفعاً يدعو الله وحده، الذي بيده ملكوت كل شيء، والذي لا يستطيع أحد أن يقف أمام إرادته سبحانه، ومع هذا كثيرون هم من أشركوا وكفروا؛ لكن كثرتهم أمام وعيد الله تغدو قلّة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وألو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقاً)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الأمسيات الربانية ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذالكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن ما زلنا مع سورة الجن المكية، قال تعالى: وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا * وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا * وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا * قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا * قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا * قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا * إِلَّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا * حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا [الجن:16-24].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جلّ ذكره: وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ [الجن:16]، قد مضى في الآيات التي تدارسناها ما أوحاه الله تعالى على رسوله من شأن أولئك النفر الذين اجتمعوا عليه وكادوا يكونون عليه لبداً، ونقلوا رسالات الله وبلغوها للجن في الشرق والغرب.

    والآن يقول تعالى له فيما أوحاه إليه: وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ [الجن:16]، يعني: المشركين في مكة وغيرها، لو استقاموا على الطريق الحق بأن عبدوا الله وحده بما شرع ولم يشركوا به لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا [الجن:16]، أي: خيرات وبركات في هذه الحياة، وهذا اللفظ وإن كان في مشركي مكة فهو عام، وبالتالي أيما أمة أو جماعة أو قبيلة استقامت على منهج الله تعالى، وهم في جدب وقحط يسقيهم الله بالخيرات والبركات، لكن لما يعطيهم الخيرات والبركات باستقامتهم إنما يعطيهم ليبتليهم وليمتحنهم وليختبرهم، هل يشكرون تلك النعمة أو يكفرونها؟ فإذا أعطاك الله ابتلاك، هل تشكر من أعطاك فتعبده وحده وتتقيه ولا تعصيه أو تغرك الدنيا والمال فتعصيه وتخرج عن طاعته؟ فأنت تحت النظارة، هكذا يقول تعالى: وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا [الجن:16].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لنفتنهم فيه ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذاباً صعداً)

    بيان الهدف من إعطاء الله الخيرات والبركات للناس

    ثم قال تعالى: لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ [الجن:17]، كما علمتم أننا مفتونون في هذه الحياة الدنيا، فالفقراء ممتحنون هل يصبرون؟ هل يرجعون إلى الله؟ هل يعبدون الله؟ وكذلك المنعم عليهم بالمال والثروة مبتلون، هل يشكرون ربهم أو يكفرون؟ وهكذا لا بد من الابتلاء؛ لأن هذه الدار دار عمل، خيراً كان أو شراً، ودار الجزاء هي الآخرة.

    بيان جزاء من يعرض عن ذكر ربه

    ثم قال تعالى: وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ [الجن:17]، أي: ومن يعرض عن القرآن الكريم فلا يسمعه، ولا يعمل بما فيه، ولا يأخذ بهدايته، فإن جزاءه: يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا [الجن:17]، والعذاب الصعد في جهنم جبال يطالب بأن يطلعها، فأول ما يضع يديه تذوب، فهذا أشق عذاب والعياذ بالله، وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ [الجن:17]، أي: عن القرآن الكريم فلم يعمل به، ولم يطبق ما فيه، ولم يتله حق تلاوته، فإن جزاءه أن يسلكه الله عذاباً شاقاً لا حد له ولا يطاق، وهكذا حتى في الدنيا الذين أعرضوا عن القرآن الكريم ابتلاهم بالبلاء، والمحن، والشقاء، والفقر، والعذاب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحداً)

    بيان أن المساجد لله وحده فلا يدعى فيها غيره

    ثم قال تعالى: وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ [الجن:18]، هذا خبر إلهي، وهو مما أوحاه الله إلى رسوله أن المساجد والكنائس والبيع كلها لله تعالى، فلا يُدعى فيها ولا يعبد إلا الله سبحانه، واليهود في كنائسهم يعبدون غير الله! والنصارى والمجوس كذلك! والمسلمون يجب عليهم ألا يسجدوا إلا لله تعالى، وألا يعبدوا إلا الله في بيوته، وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ [الجن:18]، لا لزيد ولا لعمرو، فلا يعبد فيها ولي ولا نبي ولا صالح فضلاً عن الأحجار والأصنام.

    وهنا لطيفة علمية أيضاً وهي: أن المراد بالمساجد أعضاؤك يا عبد الله! من الركبتين واليدين والقدمين، فهذه كلها تسجد لله تعالى، ومن ثم لا تسجد يا عبد الله بركبتيك ويديك وقدميك إلا لله عز وجل، وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ [الجن:18]، فهذه مساجد نسجد عليها لله تعالى لا لأحدٍ قط.

    النهي عن دعاء غير الله تعالى

    ثم قال تعالى: فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18]، والدعاء هو العبادة، بل هو مخ العبادة ورأسها، وليس هناك عبادة أعظم من الدعاء، أي: دعاء الله عز وجل، وبالتالي من دعا غير الله فقد أشرك وكفر والعياذ بالله تعالى، وكم قد بينا ذلك للحاضرين ونبينه الآن أيضاً، قم يا فلان! واستقبل القبلة وارفع يديك، ماذا نقرأ من حال هذا الرجل؟ هذا العبد مؤمن، ودليل إيمانه رفع يديه إلى ربه، هذا العبد موقن بأن ربه فوقه فرفع كفيه إليه، هذا العبد ما وجد غير الله يعطيه، ولو وجد غير الله لالتفت يميناً أو شمالاً، لكن عرف أنه لا يعطيه إلا هو فرفع يديه إليه، هذا العبد عرف أن الله يسمعه ويقدر على إعطائه ما يريد، وكل هذا يتمثل في الدعاء، والدعاء هو العبادة، فيا ويل من يدعو غير الله تعالى! فلو تقول: يا رسول الله! المدد، يا فاطمة! يا حسين! يا مولاي إدريس! يا سيدي فلان! وتناديه وتدعوه والله لقد أشركت، ولو مت تلك الساعة ما رأيت الجنة، فهذه الآية مقروءة بين النساء والرجال، وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ [الجن:18]، لمن؟ لِلَّهِ [الجن:18]، وبالتالي، فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [الجن:18]، أي: لا تعبدوا مع الله أحداً، والدعاء هو العبادة ومخها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبداً)

    كذلك مما أوحاه إلى رسوله في هذه السورة: وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا [الجن:19]، أي: لما قام النبي صلى الله عليه وسلم في بطن نخلة يصلي الصبح بالمؤمنين -كما علمتم- التف حوله الجن وكادوا يغطونه، وكل يريد أن يستمع إلى قراءة النبي صلى الله عليه وسلم.

    وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ [الجن:19]، أي: النبي صلى الله عليه وسلم، فهو عبد الله ورسوله، وأنتم كذلك عبيد الله، بل ما منا من أحد إلا وهو عبد الله، وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ [الجن:19]، أي: يدعو الله وهو يصلي بين أيديهم التفوا حوله و كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا [الجن:19]، أي: أغشية وأغطية.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل إنما أدعوا ربي ولا أشرك به أحداً)

    ثم قال تعالى آمراً رسوله صلى الله عليه وسلم: قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا [الجن:20]، وهذا رد على زعماء قريش الذين قالوا: يا محمد! أنت خرجت عن دين آبائك وأجدادك، والناس يسبونك ويضربونك ويريدون قتلك، فلو أنك تعود إلى دين آبائك ونحن نحميك ونقف إلى جنبك، ولا يمسك أحد بسوء أبداً، فعرضوا عليه هذا العرض، فقال تعالى له: قل يا رسولنا لهؤلاء: إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي [الجن:20]، أي: اعبد ربي، وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا [الجن:20]، وليكن ما يكن منكم أو من غيركم، فالله وليي وهو حافظي، وأنا أدعو ربي وأعبده، ولا أشرك به أحداً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل إني لا أملك لكم ضراً ولا رشداً)

    ثم قال له أيضاً: قل لهم أيضاً: قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا [الجن:21]، أي: قل يا رسولنا لكفار قريش: إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا [الجن:21]، ما يضركم، وَلا رَشَدًا [الجن:21]، ما ينفعكم، لا خيراً ولا شراً، لا ضلالاً ولا هداية، إذ إن الذي يملك هذا هو الله تعالى، فارفعوا أيديكم إليه واسألوه، أما أنا فليس عليَّ إلا أن أبلغكم فقط، وآمركم أن تفعلوا كذا وكذا، ولا تفعلوا كذا وكذا، والهداية بيد الله، هو الذي يملكها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحداً)

    قال تعالى: قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا [الجن:22].

    ثالثاً: قل لهم أيضاً يا رسولنا: قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ [الجن:22]، أي: أعلمهم بأنه لا يحفظك من الله إذا أراد عذابك إلا هو، لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ [الجن:22]، ولهذا استعصم بحبله، وأتمسك بدينه، وأدعو إليه، ولا أبالي بما يمكرون، وما يبيتون، وما يعدون.

    ثم قال تعالى: وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا [الجن:22]، أي: ما عندي ملجئ غير الله تعالى، هكذا يثبته ربه وهو في أمة كافرة تحاول قتله وتحاول ضربه، بل قد ضربوه وحاولوا قتله، ولذا فاثبت يا رسولنا وادع إلى دعوتك ولا تخف.

    قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ [الجن:22]، لا أنتم ولا غيركم، لا أبيضكم ولا أسودكم، إذ الله هو الذي يحفظني، وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا [الجن:22]، أي: ما أجد من دون الله ملتحداً ألتحد إليه وأميل إليه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إلا بلاغاً من الله ورسالاته...)

    بيان مهمة النبي صلى الله عليه وسلم

    ثم قال تعالى: إِلَّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ [الجن:23]، أي: هذا الذي أنا عليه، وأنا معه هو البلاغ والرسالة، وبالتالي أؤديها وأقدمها لعباد الله تعالى، وهذه هي مهمتي، إِلَّا بَلاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ [الجن:23]، فأنا أبلغ كلام الله وأؤدي الرسالة التي بعثت بها إلى الأبيض والأسود من البشر، ولنصبر على ما يصيبنا، ولا أبالي بتهديدكم أو تخويفكم.

    معصية الله والرسول موجبة لعذاب الدنيا والآخرة

    ثم قال تعالى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الجن:23]، هذا خبر عظيم، وهو عام في البشرية كلها إلى يوم الدين، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الجن:23]، أي: محمداً صلى الله عليه وسلم، فيكفر ولا يؤمن، ويشرك ولا يوحد، ويفسق ويفجر ولا يعبد، فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الجن:23]، وهذه تشمل كل من يعصي الله تعالى، لكن إن كان العاصي مؤمناً موحداً ودخل النار فإنه لا يخلد فيها، إذ يخرجهم الله بشفاعة نبيه أو بشفاعة المؤمنين أو برحمته سبحانه وتعالى، أما من كان مشركاً غير موحد فإنه يخلد فيها أبداً والعياذ بالله.

    وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الجن:23]، ما له؟ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الجن:23]، بلا نهاية، والنار عالم مخيف، وهي سبع دركات: جهنم والسعير ولظى وغيرها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصراً وأقل عدداً)

    ثم قال تعالى: حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ [الجن:24]، أي: حتى إذا شاهدوا ما وعدهم الله به من العذاب في الدنيا أو في الآخرة، فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا [الجن:24]، أنت يا رسولنا أم هم؟ حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ [الجن:24]، من عذاب الله في الدنيا والآخرة فثمّ سيعلمون، مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا [الجن:24]، أنت أو هم؟ أنت يا رسولنا ناصرك الله تعالى، وهم أضعف ناصراً وأقل عدداً، أنت يا رسولنا معك الملائكة كلها والمسلمون، وهذا وعدٌ من الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم، حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ [الجن:24]، من العذاب ثمّ سيعلمون، مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا [الجن:24]، أنت أم هم؟ ومن أَقَلُّ عَدَدًا [الجن:24]، أنت أم هم؟ لأنهم قالوا: ما معك يا محمد إلا بلال وفلان وفلان، والأمة كلها ضدك، وفعلاً ثبَّت الله رسوله وقواه، وما هي إلا أعوام حتى نصره ربه، بل وما رفع إلى السماء، ولا قبضت روحه إلا والجزيرة كلها إسلام وإيمان.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال الشارح: [ من هداية هذه الآيات المباركات: أولاً: الاستقامة على منهج الله تعالى القائم على الإيمان والطاعة لله ورسوله يفضي بسالكه إلى الخير الكثير، والسعادة الكاملة في الدنيا والآخرة ]، من هداية الآيات: أن من آمن بالله ووحده وعبده وأطاعه وأطاع رسوله فمصيره إلى الجنة، ينتهي إليها.

    قال: [ ثانياً: المال فتنة وقلَّ من ينجو منها، قال عمر رضي الله عنه ]، اسمعوا إلى كلمة عمر في المال يا من تطلبون المال في الليل والنهار، [ قال عمر رضي الله عنه: أينما يكون الماء يكون المال، وأينما يكون المال تكون الفتنة ]، إي والله أينما يكون المال تكون الفتنة، فأرباب الأموال والله مفتونون، وأقل فتنة أنهم ما يشهدون الصلوات الخمس في المساجد، فلهذا لا نسأل الله المال أبداً، وإنما نسأله القوت الحسن فقط.

    قال: [ ثالثاً: حرمة دعاء غير الله في المساجد وفي غيرها إلا أنها في المساجد أشد قبحاً ]، حرمة دعاء غير الله في المساجد وفي غيرها، لكن أشد قبحاً في المسجد، إذ كيف أنت في بيت الرب تعالى وتدعو غيره؟! وللأسف اليوم الجهال عندنا يقف فيقول: يا رسول الله! المدد، يا فاطمة! يا حسين! وهؤلاء الروافض ينادون ويدعون غير الله في بيوت الله! فلا يصح دعاء غير الله أبداً؛ لأن الذي لا يسمع نداءك ودعاك إلا هو سبحانه وتعالى، بل لو ناديت الآن: يا عبد القادر! يا عيدروس! ألف سنة والله ما يسمعوك، ولا تمتد أيديهم إليك أبداً، إذ إن الذي يُدعى هو الذي يسمعك ويراك ويقدر على أن يعطيك سؤلك الذي سألته، أما الذي لا يراك ولا يسمع صوتك وتناديه لا يجيبك أبداً، لكن للأسف كما ذكرنا أنهم يفعلون هذا مع الأولياء ومع القبور والعياذ بالله تعالى، والحقيقة أنهم ما قرءوا هذه السورة ولا فهموها.

    قال: [ رابعاً: الخير والغير والهدى والضلال لا يملكها إلا الله، فليطلب ذلك منه لا من غيره ]، الخير والهدى لا يملكهما إلا الله تعالى، فيا عبد الله! اطلب الخير من ربك، واطلب الهداية من ربك، إذ هو الذي يهدي من يشاء، فلهذا نسأل الله أن يهدينا في كل وقت ليلاً ونهاراً.

    قال: [ خامساً: معصية الله والرسول موجبة لعذاب الدنيا والآخرة ]، معصية الله والرسول صلى الله عليه وسلم والله لموجبة لعذاب الدنيا والآخرة، وقد علمتم وشاهدتم لما عصى المسلمون ربهم وخرجوا عن طاعة رسوله، وأعرضوا عن كتاب الله تمزقوا، تشتتوا وأذلوا وأهينوا، بل وهم اليوم أفقر الناس وأذلهم في العالم، وأيام ما كانوا متمسكين مستعصمين بدين الله تعالى كانوا أعز الخلق وأشرف الناس، وذلك طيلة أكثر من ثلاثمائة سنة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمداً)

    قال تعالى: قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا * عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا [الجن:25-28].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا [الجن:25]، سببها نزول هذه الآية: أن المشركين الفجرة الكفار في مكة ولهم رؤساء شياطين يتحدون الرسول فيقولون: هات العذاب الذي تخوفنا به؟ أين العذاب؟ هات العذاب، ومع هذا والله أذلهم الله وأخزاهم في بدر وقتل منهم سبعون صنديداً، قتل من شياطينهم سبعون، فهم يقولون: هات العذاب الذي تخوفنا وتتوعدنا وما رأينا؟ هاته!

    فأمره الله تعالى أن يقول لهم: قُلْ [الجن:25] يا رسولنا المبلغ عنا إِنْ أَدْرِي [الجن:25]، أي: ما أدري أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ [الجن:25] يوماً من الأيام أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا [الجن:25] تاريخ معين مضبوط قُلْ إِنْ أَدْرِي [الجن:25] (إن) بمعنى ما، قل ما أدري أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ [الجن:25] ما يعدكم الله به من العذاب مقابل الكفر والشرك والظلم والعناد أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا [الجن:25] وتاريخ معين بعيد. وقد قلت لكم: ذاقوها في بدر، في السنة الثانية من الهجرة، فانهزموا شر هزيمة، قاتلتهم الملائكة، وقتل منهم سبعون صنديداً، ثم ما هي إلا ست سنوات وقد فتح الله على رسوله مكة، وخضعوا وذلوا ودخلوا في الإسلام، والظالمون هلكوا كلهم في بدر.

    هكذا يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: قُلْ إِنْ أَدْرِي [الجن:25] أي: ما أدري أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ [الجن:25] من يعدهم غير الله؟ لا أحد، الله وعدهم بالعذاب.

    أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا [الجن:25] أي: أجلاً معيناً بعيداً أو قريباً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً)

    وقوله تعالى: عَالِمُ الْغَيْبِ [الجن:26] من هو عالم الغيب؟ الله، إن الغيب إلا لله، لا يعلم الغيب إلا الله، نحن نعلم ما نبصر ونسمع ونلمس ولكن ما وراء ذلك لا نعلمه، وكل ما غاب عنا فهو غيب.

    قل لهم هكذا: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا [الجن:26]، اللهم إلا من ارتضى من رسول.

    ومن هنا ينبغي أن نعلم أن من يدعي أنه يعلم الغيب أنه كافر ومكذب لله عز وجل، وخارج عن دينه، فلا يعلم الغيب إلا الله.

    إذاً: من يدعي أنه يرى بعض الملائكة أو الجن وكذا ويعلم كذا وكذا من المدجلين والضالين فهذا لا يحل أبداً وصاحبه ليس بمؤمن، وقد كذب الله تعالى.

    هكذا يقول تعالى وقوله الحق: قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا * عَالِمُ الْغَيْبِ [الجن:25-26] ربي هو عالم الغيب فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا [الجن:26].

    لو أطلعني على عذابكم لقلت: متى؟ لكن ما يطلع عليه إلا من يشاء أن يطلعهم عليه من الرسل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا)

    إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ [الجن:27]، لكن من ارتضاه ورضيه نبياً له ورسولاً يطلعه على الغيب بما يشاء، فالرسل عليهم السلام ثلاثمائة وأربعة عشر رسولاً يعلمون الغيب بتعليم الله تعالى لهم، أما بدون تعليم الله والله ما يعلمون أبداً، فلا يعلم الغيب إلا الله، لكن الذين اصطفاهم واختارهم واجتباهم وهيأهم وهم في أرحام أمهاتهم -هيأهم لهذا الكمال- يطلعهم على الغيب فيخبرون به ويصدقون، يصدقهم المؤمنون بما يقولون.

    إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا [الجن:27]، لما يوحي الله تعالى إلى الرسول الشياطين يتحسسون، فالله عز وجل يبعث أربعة من الملائكة يحوطون بالرسول موسى أو عيسى أو محمد صلى الله عليه وسلم حتى يلقى إليه الوحي وهو محاط بالملائكة، وحتى لا يتسرب إلى الشياطين ليأخذوا العلم ويقولون: علمنا ما يقع وما لا يقع.

    سبحان الله العظيم! حرس ينزل! جبريل بالوحي وأربعة من الملائكة لما يتكلم جبريل مع الرسول يتكلم بلسانه العربي أو بحسب لغة الرسول، فيسمع الشياطين فينقلون الخبر لشياطينهم، فمن هنا كانت رحمة الله واقتضت حكمته أن يجعل أربعة من الملائكة يحوطون بالنبي والملك الذي يوحي إليه حتى يفرغ من كلامه.

    هكذا يقول تعالى: إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا [الجن:27]، ملائكة أربعة يرصدون أولئك الشياطين ولا يسمحون لهم أن يدنوا أو يتعلموا أو يسمعوا. لماذا؟ قال تعالى: لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ [الجن:28].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ... )

    قال تعالى: لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ [الجن:28] ليعلم منه؟ الله. علم مشاهدة ولا بأس، والأصل: ليعلم الرسول الموحى إليه، والكل صحيح، ليعلم الله عز وجل علم مشاهدة وحضور وليعلم الرسول الموحى إليه هذا العلم وليكون خاصاً به.

    لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ [الجن:28] نعم. ليعلم الله أن قد أبلغوا رسالاته، وليعلم محمد صلى الله عليه وسلم أن الرسل قبله قد أبلغوا رسالات ربهم؛ ليعلم الله أن قد أبلغوا الرسل رسالاته، وليعلم محمد صلى الله عليه وسلم أن الرسل قبله قد بلغوا رسالاتهم كما أمرهم الله عز وجل.

    هكذا يقول تعالى: لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ [الجن:28].

    طوقهم بالملائكة، فلا تستطيع الشياطين أن يسترقوا السمع أبداً ولا يعلموا شيئاً لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا [الجن:28]، في الأرض وفي السماء، من الذرة إلى المجرة، كل شيء محصى عند الله، معلوم عدده، الإنس الجن، الحيوانات، كل الكائنات الله عز وجل هو خالقها والمدبر لها والمتحكم فيها يعلمها كما هي، ولا يخفى عن الله شيء من العباد ولا من الجن ولا من الملائكة أَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا [الجن:28]، عدده وأحصاه وعرفه.

    1.   

    خلاصة الكلام في سورة الجن

    معاشر المؤمنين! خلاصة هذه السورة أذكركم بها:

    أولاً: إعلام الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بوفد الجن الذي التف حوله وهو يصلي صلاة الصبح مع أصحابه في بطن نخلة.

    قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ [الجن:1] ، أعلمه الله أن وفداً من الجن التفوا حوله وسمعوا كلامه وآمنوا به، ونقلوه إلى الجن في الشرق والغرب، وأصبحوا كأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ثانياً: التنديد بالسفهاء من الكفار والمشركين والفاسقين من الجن والإنس معاً. ندد الله تعالى بهم في هذه السورة .. بالكافرين ، بالمشركين، بالفاسقين.

    ثالثاً: حرمة الاستعاذة بالجن -تقدم هذا- فلا يحل للإنسان أن يستعين بالجن أبداً.

    لو جاءك جني ووقف بين يديك وقال: اطلب مني عوناً. لا تطلب؛ فإن ذلك من الإثم العظيم، أخبرت الجن بنفسها عن هذا كما قال تعالى: وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا [الجن:6] ، والعياذ بالله.

    فلا يحل للمؤمن أن يستعين بالجن أبداً، وهذا ما خص الله به عبده ورسوله سليمان، سخر له الجن، يستخدمهم كما يشاء، أما غير سليمان عليه السلام فلا يمكن لمؤمن أن يقول: إن الجن يخدمونني، أو يأتونني بكذا، أو يحملون لي كذا.

    وذكرت لكم أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في هذه الروضة عرض له شيطان من شياطين الجن فلببه هكذا وكاد يخنقه، وقال لنا: (لولا أني ذكرت ما قال الله لسليمان: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي [ص:35] لربطته في سارية المسجد، وأصبح أولاد المدينة يضحكون عليه ويضربونه) .

    فلهذا هناك بعض الدجالين يدعون أن الجن يأتيهم، وأنهم يسخرونهم، ويعملون لهم كذا وكذا، فهذا كله كذب وباطل، ولا يقولوا: هو ذو علم ودين.

    رابعاً: تفرق الجن كالإنس في الديانات والمذاهب والطرق تقدم هذا كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا [الجن:11] ، فالجن كالإنس مذاهب وطرائق وو، وأديان: يهودي، ونصراني .. وما إلى ذلك.

    خامساً: الإعراض عن القرآن بعدم الإيمان والعمل به موجبٌ لعذاب الدنيا والآخرة .. الإعراض عن كتاب الله بعدم الإيمان به، بعدم قراءته، بعدم العمل به، موجب لعذاب الله في الدنيا والآخرة: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى [طه:124] .

    وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي [طه:124] أي: كتابي القرآن ماذا يحصل له؟ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا [طه:124] ضيقة، منتنة كما يعيش الفقراء، عذاب الآخرة أشد وأبقى.

    المؤمنون لما دخلوا في الإسلام في الشرق والغرب في ذلك الظرف الطويل ثلاثمائة سنة كانوا أسعد الخلق في الأرض.

    لِمَ ظهر التصوف؟ لأنهم ملوا من الطعام والشراب واللباس لكثرته، فلما أعرضوا عن القرآن وحولوه للموتى أصابهم الذي أصابهم وهم يعيشون فيه، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى [طه:124-126] .

    القرآن على المسلمين أن يرجعوا إليه، ليطبقوا أحكامه وشرعه، ويقومون بآدابه وأخلاقه، وبالعبادات، كما كان ينزل على رسول الله وأصحابه، وإلا فالضنك موجود.

    سادساً: معصية الله ورسوله موجبة للخلود في جهنم وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا [الجن:23] ، والعياذ بالله، معصية الله والرسول هي أن لا نعمل بما أمر الله بالعمل به، ولا ننتهي عما نهانا الله عنه. هذه هي المعصية لله وللرسول، والله لموجبة للخلود في جهنم.

    سابعاً: علم الغيب -كما علمنا الآن- لله، إن الغيب إلا لله، ينزل جبريل ليلقي الوحي إلى الرسول فيحاط بسياج من الملائكة حتى الشياطين لا يسترقون السمع؛ لأن الشياطين كما علمتم من الجن يفهمون ما تقول الملائكة؛ لقرب وجود بعضهم البعض، هذا من النار، وهذا من النور.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    والآن مع هداية الآيات الأربع:

    بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على خير خلق الله سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه.

    [من هداية هذه الآيات:

    أولاً: استئثار الله تعالى بعلم الغيب، فلا يعلم الغيب إلا الله].

    من هداية هذه الآيات الأخيرة: استئثار الله تعالى بالغيب، فلا يعلم الغيب إلا الله، ومن علمه الله علم، لكن من يعلم الله؟ هل يعلم المجانين والصعاليك والفساق والفجار والكفار؟ يعلم من؟ رسله فقط، يصطفيهم من الناس، ويهيئهم ويعدهم لذلك فتطيب نفوسهم فيأتيهم الغيب من الله عز وجل، وما عدا الرسل فلا أحد يعلم الغيب، استأثر الله به.

    [ثانياً: قد يطلع الله تعالى من ارتضى أن يطلعه من الرسل على غيبٍ خاص، ويتم ذلك بعد حماية كاملة من الشياطين كيلا ينقلوه إلى أوليائهم فيفتنوا به الناس].

    [وأخيراً: بيان إحاطة علم الله بكل شيء، وإحصائه تعالى لكل شيء عدّا].

    قال تعالى: وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا [الجن:28] ، الله والله لمطلع على كل شيء في هذه الأكوان، إذ هو خالقها والمدبر لها، ولا يخفى عليه شيء من أمر الخلق أبداً، وكل شيء عده وأحصاه عداً، فآمنوا به وأحبوه، وأطيعوه، وتقربوا إليه، يرضى عنكم ويرفعكم، ويهيئ لكم دار السلام، فينزلكم في الجنة دار الأبرار يا عباد الله.

    قولوا: آمنا بالله، آمنا بالله. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.