إسلام ويب

تفسير سورة الإنسان (1)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • خلق الله سبحانه آدم من تراب، وخلق ذريته من ماء مهين، وجعل لهذا المخلوق السمع والبصر، وأنزله إلى الأرض وبيّن له طريق الحق وطريق الغواية، فمن سلك سبيل الحق، وخاف يوم الحساب فأوفى بنذره، وأطعم الطعام على حبه فهو في جنة نعيم، ومن جحد نعمة الله وكفر به فمصيره جهنم، ذات الأغلال والسعير.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الأمسيات الربانية ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن الليلة مع سورة الإنسان المدنية، وآياتها إحدى وثلاثون آية، فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوة هذه الآيات مجودة مرتلة، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع، إنه ولي ذلك والقادر عليه، بسم الله الرحمن الرحيم: هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا * إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلا وَأَغْلالًا وَسَعِيرًا * إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا * يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا * وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا [الإنسان:1-12].

    خلق آدم

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا [الإنسان:1]؟ إي والله، وذلك لما صنع الله تعالى آدم تركه أربعين سنة لم ينفخ فيه الروح، ثم بعد الأربعين سنة نفخ فيه الروح فكان آدم أبا البشر عليه السلام.

    هَلْ أَتَى [الإنسان:1]، و(هل) هنا بمعنى: قد، وليست الاستفهامية أو النافية، أي: قد أتى على الإنسان الذي هو آدم أبو البشر عليه الصلاة والسلام، حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ [الإنسان:1]، قال الرسول الكريم: ( أربعون سنة لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا [الإنسان:1]، أي: ما كان يذكر، ولا تعرفه الملائكة ولا الجن ولا الحيوانات، بل المخلوقات كلها لم تكن تعرفه عليه السلام، إذ إن الله خلق المخلوقات قبله عليه السلام، وبالتالي ما كانوا يعرفون عنه شيئاً حتى أوجده الله عز وجل.

    يقول القرطبي: كان ما بين مكة والطائف، أي: جسد ممدود على الأرض أربعين سنة، ووصفه تعالى بأنه من حَمَإٍ مَسْنُونٍ [الحجر:26]، و مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ [الرحمن:14]، قال بعض أهل العلم: أربعون سنة كان فيها كالصلصال، وأربعون سنة كالفخار، فهي مائة وعشرون سنة والعلم لله تعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه...)

    خلق بني آدم

    ثم قال تعالى: إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ [الإنسان:2]، أي: نحن لا آدم عليه السلام، إِنَّا [الإنسان:2]، أي: رب العزة والجلال والكمال، خَلَقْنَا الإِنسَانَ [الإنسان:2]، الذي هو أنا وأنتم وكل آدمي ذكر وأنثى، خلقه من ماذا؟ مِنْ نُطْفَةٍ [الإنسان:2]، أي: قطرة مني، أَمْشَاجٍ [الإنسان:2]، أي: مختلطة بماء المرأة وماء الرجل، إذ ما منا أحد أيها الناس إلا وقد خلق من هذه النطفة المخلوطة من ماء أمه وماء أبيه.

    بيان الحكمة من خلق الإنسان

    وهنا سؤال وهو: لمَ خلقته يا رب؟ قال جل وعلا: نَبْتَلِيهِ [الإنسان:2]، أي: ما خلقناه للهو واللعب، ما خلقناه ليعبث وليتاجر وليأكل وليشرب ولينكح كالكلب، وإنما خلقه ربه ليبتليه، فإما أن يؤمن ويعمل الصالحات، أو يكفر ويعمل السيئات، والعياذ بالله.

    امتنان الله على الإنسان بما أعطاه من سمع وبصر

    ومن ثَمَّ قال تعالى: فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [الإنسان:2]، أي: جعلنا له سمعاً وبصراً، وبالتالي لولا السمع والبصر ما يكلف الآدمي أبداً، إذ الإنسان يكلف لما يبلغ ويكون عاقلاً ذا سمع وبصر، فإن فقد السمع والبصر فلا تكليف، وبالتالي فلا يؤمر ولا ينهى أبداً، أما إن فقد السمع أو البصر فمكلف، وذلك كما تشاهدون، فالأعمى يعرف ويعقل ويفهم، وكذلك الأصم يتكلم ويعلم، فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا [الإنسان:2]، أي: يسمع ويبصر، وذلك ليكلف، وليعمل بما أمره الله، ولينته عما حرمه الله عليه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً)

    بيان أن الإنسان أمامه طريقان ليسلك أيهما شاء

    ثم قال تعالى: إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ [الإنسان:3]، أي: هديناه الطريق وذلك بالفطرة السليمة، إذ الإنسان لو يترك لفطرته فإنه لا يعصي الله أبداً، والسبيل الذي هداه هو أنه أنزل الكتب، وبعث الرسل ليعرفوا الناس بالطريق إلى الله عز وجل، وبالتالي فمن سلكها نجا، ومن أعرض عنها هلك.

    ثم إن هذا الإنسان إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [الإنسان:3]، فأنتم الشاكرون في المسجد، والنصارى في الكنيسة واليهود في البيع، والملاحدة والعلمانيون واللادينيون هم كذلك في المقاهي والملاهي والملاعب، لا في كنيسة، ولا في مسجد، ولا في بيعة.

    بيان معنى الشاكر والكفور

    إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [الإنسان:3]، والشاكر هو كثير الشكر، ألا وهو الإيمان والعمل الصالح، ألا وهو طاعة الله تعالى فيما أمر به أن يفعل، وفيما نهى عنه أن يترك، فذلكم هو الشكر والحمد لله عنوانه، وأما الكفور فهو كثير الكفر والجحود، فلا يعترف لله بشيء، وإنما كل شيء عنده من نفسه والعياذ بالله تعالى، وبالتالي فيعبد الشهوات والأصنام والأحجار، وهكذا هو الواقع.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنا أعتدنا للكافرين سلاسلا وأغلالاً وسعيراً)

    ثم قال تعالى في الجزاء حينئذٍ: إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلا وَأَغْلالًا وَسَعِيرًا [الإنسان:4]، أي: هيأنا هذا وأحضرناه -والله- قبل أن يخلق آدم عليه السلام.

    إِنَّا أَعْتَدْنَا [الإنسان:4]، أي: هيأنا وأحضرنا ذلك لِلْكَافِرِينَ [الإنسان:4]، والكافرون هم الذين ما سلكوا سبيل الرشاد، وإنما سلكوا سبيل العناد والكفر والباطل والشر، المكذبون بالله ورسوله، المكذبون بالله وكتابه، المكذبون بالله ولقائه، إذ ما آمنوا بالله، ولا برسله، ولا بالكتب، ولا بشرعه سبحانه وتعالى.

    إِنَّا أَعْتَدْنَا [الإنسان:4]، أي: رب العزة والجلال، أَعْتَدْنَا [الإنسان:4]، أي: هيأنا وأحضرنا، لِلْكَافِرِينَ سَلاسِلا [الإنسان:4]، وسلاسلا جمع: سلسلة، وأغلال جمع: غل، والغل يوضع في العنق، إذ تجمع اليدان مع العنق، وهكذا يعذبون بهذه الصورة، وإلا فالله ليس بعاجز عن أن يضربهم ويقتلهم، لكن من باب التعذيب جعل الأغلال في أعناقهم، وهؤلاء هم الذين ضلوا الطريق والعياذ بالله تعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً)

    بيان معنى الأبرار

    وأما الذين اهتدوا وسلكوا سبيل السلام فقد قال تعالى عنهم: إِنَّ الأَبْرَارَ [الإنسان:5]، أي: المؤمنين، المطيعين، الأتقياء، الصالحين، والأبرار جمع: بر، والبر هو: الصادق، الطاهر، النقي الذي لا يعرف الباطل ولا الشر ولا الفساد.

    معنى قوله تعالى: (يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً)

    يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا [الإنسان:5]، أي: يشربون من كأس مخلوطة بالكافور، والكافور عين في الجنة ماؤها أبيض ما يكون، وأبرد ما يكون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (عيناً يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيراً)

    ثم بين تعالى ذلك فقال: عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا [الإنسان:6]، ولم يقل: عيناً يشربون منها، وإنما عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ [الإنسان:6]، أي: يشرب بها أو بكاملها، يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا [الإنسان:6]، أي: في قصورهم، وفي بساتينهم، ومع إخوانهم حيث يجتمعون، فهي تفجر حيثما شاءوا، وليست في مكان معين فقط، ثم إن هذا الماء لا يوجد في الكون أعذب ولا أحلى ولا أطيب منه أبداً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شره مستطيراً)

    الوفاء بالنذر من صفات الأبرار

    وصفات عباد الله ذكرها الله هنا فقال: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ [الإنسان:7]، فاقتدوا بهم عباد الله، إذ إنه قد ذكر صفاتهم لتقتدوا بها، فهؤلاء المؤمنون الأبرار الصادقون من صفاتهم أنهم يوفون بالنذر، فإذا نذر أحدهم لله أن يصوم شهراً صامه، أو أن يطعم ألفاً من المساكين والفقراء أطعمهم، أو أن يعطي مليوناً للمحتاجين أعطاهم، وهنا يجب على كل مؤمن ومؤمنة إذا نذر لله شيئاً أن يوفي به، فإن عجز وما استطاع يكفر كفارة يمين، ويخرج من الحرج.

    ومن غريب ما عشنا عليه وسمعناه من جهالنا أنهم ينذرون للأولياء ويقولون مثلاً: وعد لسيدي عبد القادر، ويسموه الوعد وهو النذر! فيا عباد الله! النذر لا يكون إلا لله تعالى فقط، ومن نذر أن يعص الله فلا يف بنذره أبداً، وذلك كأن قال: لله علي ألا أدخل المسجد! فليدخل المسجد ولا حرج عليه، أو قال: لله علي ألا أكلم أمي! فلا يبالي بهذا النذر أبداً ولا كفارة فيه، لكن -كما ذكرنا- من نذر طاعة الله فيجب أن يفعلها، أما نذر معصية فلا يلتفت إليها أبداً.

    الخوف من يوم القيامة من صفات الأبرار

    ثم قال تعالى: وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا [الإنسان:7]، أيضاً من صفاتهم وهم أولياء الله تعالى أنهم يخافون يوم القيامة وما يحصل فيه من العذاب والشدة، يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا [الإنسان:7]، أي: لا يطاق، ولا يقدر قدره أبداً إلا الله تعالى، ألا وهو عذاب جهنم والعياذ بالله تعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً)

    وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ [الإنسان:8]، ورد أن فاطمة وعلياً جاءهما مسكين فأعطياه ما بين أيديهما من الطعام وباتا جائعين رضي الله عنهما، وهذا قد فعله الصالحون في كل مكان وزمان، إذ إنهم يطعمون الطعام على حبه ورغبتهم وشهوتهم فيه، لكن إن جاء المسكين يعطونه، ويبقوا جائعين.

    وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى [الإنسان:8]، حب الطعام، مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا [الإنسان:8]، فالمسكين لا طعام عنده، واليتيم الذي ليس عنده أب ولا أم، والأسير هو المسجون في السجن، والآية فيها لطيفة لو يعرفها الناس فإنهم سيتعاونون على إطعام المساجين، ولذلك كان الأسرى الذين يُؤخذون في الحرب أيام الرسول صلى الله عليه وسلم لا يدعونهم دون طعام فيموتون جوعاً، وإنما يطعمونهم حتى ينتهي سجنهم.

    وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ [الإنسان:8]، مع حبه، مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا [الإنسان:8]، فالمسكين لما يطعمونه هل يرجون منه شيئاً؟ وكذلك اليتيم لما يطعمونه هل يرجون منه أن يرد عليهم شيئاً؟ وأيضاً الأسير لما يطعمونه هل يرجون منه شيئاً؟ لا شيء أبداً، لكن هم يطعمونهم لوجه الله تعالى، وهذا هو عمل أهل الجنة الأبرار، الأتقياء، الأخيار، أهل الإيمان والتقوى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا كفوراً)

    ثم يقولون لهم: إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا [الإنسان:9]، وهم لا يقولون هذا أبداً، لكن الواقع يشهد بهذا، وكأنهم يقولون: إنما نطعمك يا يتيم أو يا مسكين أو يا أسير لوجه الله تعالى، فلا نريد أن تشكرني أو أن تثني عليَّ مقابل ذلك الإطعام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً)

    ثم عللوا لذلك فقالوا: إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا [الإنسان:10]، أي: هذا هو الذي جعلنا ننفق على الفقير والمسكين ونجوع نحن، إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا [الإنسان:10]، أي: يوماً كالحاً مظلماً أسود، ألا وهو يوم القيامة قَمْطَرِيرًا [الإنسان:10]، أي: في طوله وكبره، إذ لا نهاية له أبداً، ألا وهو يوم العذاب والعياذ بالله تعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسروراً)

    قال تعالى: فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا [الإنسان:11]، الله أكبر! اللهم اجعلنا منهم، عباد الله! كونوا منهم، فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ [الإنسان:11] أي: يوم القيامة.

    وَلَقَّاهُمْ [الإنسان:11]، أي: الجنة؛ دار الفرح والسرور، وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً [الإنسان:11]، من الجمال والكمال في الجنة، وَسُرُورًا [الإنسان:11]، أي: وفرحاً دائماً في الجنة دار السلام ودار الأبرار.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً)

    أنواع الصبر

    وأخيراً: وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا [الإنسان:12]، فيا عباد الله! اصبروا، ومواطن الصبر ثلاثة:

    فأولاً: اصبر على الابتلاء والامتحان الإلهي، فإذا ابتلاك الله بفقر أو بمرض أو بعجز أو بغير ذلك فاحمده واشكره وأثن عليه واعبده ولا تبال، إذ إنما ابتلاك ليمتحنك وليرفع درجتك أو ليكفر عنك ذنوبك، ولا تسخط ولا تجزع ولا تترك دعاء الله والضراعة إليه.

    وثانياً: أن تصبر على طاعة الله تعالى، فلا تفوت ولا تفرط في ركعة أو سجدة أو كلمة طيبة أبداً.

    ثالثاً: أن تصبر على المعصية فلا تقربها، فإن زين لك الشيطان أو النفس أو الهوى المعصية فلا ترتكبها أبداً، وبذلك تصبح مع الصابرين.

    جزاء الصابرين

    وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا [الإنسان:12]، ماذا؟ جَنَّةً وَحَرِيرًا [الإنسان:12]، أي: بجنة دار السلام فيها البساتين التي لا نظير لها أبداً، إذ ما بين نعيمها ونعيم هذه الدنيا إلا الاسم فقط، وفيها سرور وفرح لا حد له أبداً، ومع هذا ما زال السياق الكريم في بيان ما أعده لهم وأعطاهم، فاللهم اجعلنا منهم، فلنؤمن بالله ولقائه ونعمل ما أمرنا أن نعمله، ونترك ما نهانا الله عن عمله، وبذلك نكون من أهل هذا النعيم المقيم في الجنة، اللهم حققه لنا يا رب العالمين!

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    والآن مع هداية الآيات فتأملوا! قال الشارح: [ من هداية هذه الآيات: أولاً: بيان نشأة الإنسان الأب والإنسان الابن، وما تدل عليه من إفضال الله وإكرامه لعباده ]، من هداية هذه الآيات أو مما تهدي إليه هذه الآيات: معرفتنا لخلق الله تعالى لنا ولخلق أبينا آدم عليه السلام، وذلك لنذكر الله دائماً ونشكره، وقد عرفنا كيف خلق الله آدم؟ وكيف خلقنا؟ وذلك بمنه وكرمه سبحانه وتعالى، وما ألزمه أحد بذلك، وإنما هو إكرام الله وفضله علينا.

    قال: [ ثانياً: حاستا السمع والبصر وجودهما معاً أو وجود إحداهما ضروري للتكليف مع ضميمة العقل ]، من هداية الآيات: أن حاسة السمع والبصر ضروريتان، إذ إنه لا تكليف إلا بهما، وبالتالي من فقد سمعه وبصره فلا تكليف له، فلا يؤمر بصلاة ولا بجهاد أبداً، وهذا مع العقل أو مع البلوغ أيضاً، وهنا أعطى الله العبد حاستي السمع والبصر ليعبده ويكلفه، إذ لو ما أعطاه ذلك فإنه ليس بمكلف ولا يطالب بشيء، وقد قلت لكم: إن فقد العبد السمع فقط فمكلف، أو فقد البصر فقط فمكلف، لكن إن فقدهما معاً فلا تكليف، وبالتالي لا تأمره ولا تنهاه.

    قال: [ ثالثاً: بيان أن الإنسان أمامه طريقان فليسلك أيهما شاء، وكل طريق ينتهي به إلى غاية، فطريق الرشد يوصل إلى الجنة دار النعيم، وطريق الغي يوصل إلى دار الشقاء الجحيم ]، من هداية هذه الآيات أو مما هدت إليه هذه الآيات: أن للإنسان طريقين: طريق يمين وطريق شمال، طريق الإسلام وطريق الكفر، وبالتالي من أسلم قلبه ووجهه لله واستقام على الإسلام فأدى الواجبات وتجنب المحرمات فقد سلك طريق الجنة، ونهايته -والله- إلى الجنة دار النعيم، ومن أعرض عن الإسلام وأقبل على الدنيا وشهواتها والشرك والمعاصي والذنوب فمصيره معروف ألا وهو جهنم، إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا [الإنسان:3]، وليس هناك وجه ثالث أبداً.

    قال: [ رابعاً: وجوب الوفاء بالنذر، فمن نذر شيئا لله وجب أن يفي بنذره إلا أن ينذر معصية فلا يجوز له الوفاء بنذره فيها، فمن قال: لله علي أن أصوم يوماً أو شهر كذا وجب عليه أن يصوم، ومن قال: لله علي ألا أصل رحمي، أو ألا أصلي ركعة مثلاً فلا يجوز له الوفاء بنذره، وليصل رحمه الله، وليصل صلاته، ولا كفارة عليه ]، من هداية الآيات: بيان وجوب الوفاء بالنذر، فمن نذر لله عملاً صالحاً فيجب أن يفي به، وذلك كمن قال: لله علي أن أصوم هذا الشهر؛ فيجب أن يصوم، أو قال: لله علي اليوم أن أخرج ما في جيبي وأعطيه للفقير وجب عليه الوفاء بذلك، لكن إن نذر معصية لله تعالى فلا يجب عليه الوفاء ولا يلزمه أبداً، إذ النذر لا يكون إلا في الطاعة، كما قلت لكم: إن عجز وما استطاع فليكفر كفارة اليمين، والله يقول: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ [الإنسان:7].

    قال: [ خامساً: الترغيب في إطعام الطعام للمحتاجين إليه من فقير ويتيم وأسير ]، من هداية هذه الآيات: الترغيب في إطعام الفقير والمسكين والأسير، إطعام المحتاجين الجائعين، سواء كانوا يتامى لا أب لهم، أو كانوا مساكين لا مال عندهم، أو كانوا أسرى مسجونين لأمر ما، فيجب أن يطعمهم، وهو من باب البر والإحسان، وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا [الإنسان:8]، وليس أنت شبعان وتقول: لا ينفع، بل أنت جائع ومع ذلك تعطي.