إسلام ويب

تفسير سورة محمد (6)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمنون أن ينزل الله على رسوله آية يأمره فيها بقتال الكفار، فلما أنزل الله هذه الآية بدأ المنافقون يخوضون في أمر القتال، وبدأ الخوف يسيطر على قلوبهم خشية من لقاء عدوهم، فبين الله عز وجل حالهم، وما كان ينبغي لهم حين جاءهم هذا الأمر، ثم وجه سبحانه عباده المؤمنين إلى العدول عن الأماني التي ليس فيها جزم في الطلب، إلى الدعاء والعزم فيه رجاء الاستجابة والقبول.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    وها نحن مع سورة محمد صلى الله عليه وسلم المدنية، ومع هذه الآيات، فلنصغ مستمعين تلاوتها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ * فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد:20-23].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ [محمد:20] من هم المؤمنون القائلون؟

    هم المؤمنون في المدينة النبوية كـأبي بكر وعمر وعثمان وأبي هريرة وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس .. أهل الدعوة والإيمان، يتمنون على الله أن لو تنزل سورة فيها أمر الله بالقتال قبل أن يؤمروا بالقتال؛ إذ كان القتال في مكة ممنوعاً، لم يأذن الله تعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم لأحد أن يقتل أحداً، مهما عذبوه ومهما فعلوا به، وكم عُذّب من امرأة ورجل في مكة وما شرع الله لهم القتال في ذلك، حتى جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ونزل بها وتكونت له والدولة، وهي الآن في بدايتها.

    يقول تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا [محمد:20] حق الإيمان، آمنوا بالله رباً لا رب غيره ولا إله سواه، وآمنوا بمحمد رسول الله، وآمنوا بالبعث الآخر، هؤلاء أحياء بصراء واعون، وذلك لكمال إيمانهم؛ لأنهم مؤمنون، فماذا قالوا؟ لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ [محمد:20] لولا بمعنى: هلّا نزلت سورة، وهذا الأسلوب للتمني.

    حكم التمني

    واللطيفة العلمية التي لا تفوتنا: أننا بعدما نتمنى ندعو، فالدعاء أفضل من التمني، التمني جائز، تقول: أتمنى لو كنت كذا ولو أكون كذا، ولو حصل لي كذا؛ فلا بأس، لكن الأفضل ألا تتعود على التمني فإنه لا ينفعك، اسأل ربك واطلب تعط.

    فهذه الآية دلت على جواز التمني: لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ [محمد:20]، وما هو الأفضل: الاكتفاء بالتمني أو الدعاء؟

    الجواب: الدعاء أفضل، فالتمني لا يعطيك شيئاً، لكن إذا سألت الله عز وجل ودعوته في حاجتك فإنه يعطيك الله عز وجل، وأما مجرد التمنيات فما تنفع.

    يقول تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ [محمد:20] أي: في كتاب الله عز وجل، مثل البقرة، وكآل عمران، كالحجرات، كالفتح، سورة من سور القرآن.

    معنى قوله تعالى: (فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت ...)

    قال تعالى: فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ [محمد:20] ما فيها نسخ أبداً، السورة المحكمة التي لا نسخ في أوامرها ولا نواهيها، الأوامر واجبة، والمنهيات ممنوعة، ما فيها نسخ؛ إذ هناك بعض السور فيها الناسخ والمنسوخ والمحكم، فهم يريدون سورة ما فيها إلا الأمر بالقتال، ما فيها استثناء أبداً، لأنهم أبطال.

    فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ [محمد:20] ما معنى: محكمة؟ ما فيها النسخ، لا تنسخ أبداً، كلها تطبق وتنفذ؛ لأن النسخ أن ينزل الله حكمه ثم ينسخه بحكم آخر، فتبقى الآية تقرأ والحكم منسوخ، وهل من مثال لهذا فيما حرم الله وأحل؟

    الجواب: نعم، حيث نزل قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً [المجادلة:12]، فرض الله على المؤمنين في فترة من الزمن لما أعيوا رسول الله وأكثروا عليه من الخلوة به والاتصال به فأتعبوه، ففرض الله عليهم أن من أراد أن يتكلم مع رسول الله يقدم صدقة أولاً، فإذا قدم الصدقة فتح له الباب ليتكلم.

    فلما جاء أمر الصدقة فشلوا، ولم يبق إلا علي رضي الله عنه هو الذي قدم الصدقة وخلا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نسخ الله ذلك، فماذا قال؟

    قال تعالى: أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [المجادلة:13] ونسخ الله الحكم.

    والشاهد عندنا أن هؤلاء المؤمنين يطالبون بأن تنزل سورة فيها الأمر بالقتال، أي: قتال الكافرين والمنافقين؛ لأنهم آذوهم وتعرضوا لهم بالباطل.

    فقال تعالى: فَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ [محمد:20] ما فيها نسخ، وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ [محمد:20] فأصبح مأموراً به، فماذا يكون؟

    قال تعالى: رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ [محمد:20] الذين في قلوبهم مرض، وليس هو مرض الأجسام، هذا مرض القلوب والعقول، في قلوبهم مرض النفاق والكفر بالله ورسوله.

    رأيت الذين في قلوبهم مرض يا رسول الله يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ [محمد:20]، خائفون، متى تقول: اخرجوا للقتال، أو: غداً تكونون في المعركة، ينظرون إليك نظر من غشي عليه مرض الموت من شدة الخوف والفزع؛ لأنهم ما هم بمؤمنين، هؤلاء منافقون يدعون الإيمان وما هم بمؤمنين.

    هكذا يخبر تعالى عنهم فيقول: رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ [محمد:20] هذا ما هو بمرض القلوب الذي يعالج في المستشفيات اليوم، هذا مرض الشك والشرك والنفاق والعياذ بالله تعالى، وهذا ما يعالج إلا بالقرآن والإيمان.

    يَنظُرُونَ إِلَيْكَ [محمد:20] يا رسول الله في الشارع، في المسجد، يشاهدونه خائفين متى يقول: لتخرجوا للقتال، أو غداً القتال، من شدة الخوف والفزع، فلا شجاعة فيهم؛ لأنهم لا إيمان لهم، فهم أموات.

    معنى قوله تعالى: (فأولى لهم * طاعة وقول معروف)

    ثم قال تعالى: فَأَوْلَى لَهُمْ [محمد:20] أي: هلاكاً لهم، وهذا اللفظ مفسر هكذا عند ابن جرير وغيره، فوجه من الوجهين في تفسيره أن (أولى لهم): أي: هلاكاً لهم، ثم قال تعالى: طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ [محمد:21] أي: حقهم، أو كان عليهم طاعة وقول معروف، هذا وجه.

    الوجه الثاني: فَأَوْلَى لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ [محمد:20-21]، أي: أولى بهم أن يقولوا: أطعنا الله ورسوله، ويتقوا الله ويفعلوا المعروف، والمعنى واضح.

    فَأَوْلَى لَهُمْ [محمد:20] أولى بهم وأحق بهم طاعة الله ورسوله والكلام الطيب والكلام المعروف، لا الخيانة والغش والكذب والنفاق، هذا أحق بهم وأولى لهم.

    وإن قلنا: المعنى: هلاكاً لهم، فحينئذ تكون الجملة الثانية مستأنفة، وهي قوله تعالى: طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ [محمد:21]، أي: عليهم هذا.

    معنى قوله تعالى: (فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيراً لهم)

    ثم قال تعالى: فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ [محمد:21] وجب الجهاد وتعين ولزم، فماذا يفعلون؟ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ [محمد:21] وخرجوا للقتال وقاتلوا في سبيل الله مؤمنين صادقين لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ [محمد:21]، ولكن ما يخرجون، بل يهربون ويعتذرون، وما يخرجون للقتال.

    هذا علاج مرضى القلوب في المدينة والقرآن ينزل، وهم المنافقون من اليهود والعرب، حتى اليهود فيهم من نافق وادعى الإيمان، وكذلك العرب.

    قال تعالى: فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ [محمد:21] أي: بالجهاد وبالخروج للقتال، فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ [محمد:21] إذا جد الجد وظهر القتال وصدقوا -والله- لكان خيراً لهم، لكنهم ما يريدون القتال، فمن يقاتلون ويقتلون؟ أيقتلون الكافرين إخوانهم، فلا يريدون قتل إخوانهم وأحبائهم وأصدقائهم، فهم ادعوا الإيمان وهم كافرون، فيغضبون لقتل أقربائهم وأصدقائهم.

    يقول تعالى: فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ [محمد:21] أي: إذا عزم الأمر بالجهاد وفرضه الله وطالب به رسول الله صلى الله عليه وسلم لكان خيراً لهم قطعاً إن صدقوا الله في دعواهم أنهم مؤمنون بالله ورسوله والدار الآخرة وقاتلوا.

    وهكذا يقول تعالى: فَإِذَا عَزَمَ الأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ [محمد:21] يصدقون الله في دعواهم أنهم مؤمنون، ويريدون الجهاد والقتال في سبيل الله عز وجل، والله! لكان خيراً لهم قطعاً، لكن لا يحصل هذا منهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم)

    ثم قال تعالى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ [محمد:22] هذه الآية لها وجهان صحيحان:

    الأول: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ [محمد:22] أي: حكمتم وسدتم وأصبحت الدولة دولتكم، فماذا يكون منكم؟ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ [محمد:22] هذا هو الواقع، فالجهال الضلال المنافقون المشركون إذا حكموا ماذا يحصل منهم؟ الدمار والخراب، لكن إذا حكم المؤمنون أولياء الله الصالحون فماذا يحصل؟ الخير والبركة والهدى والنور.

    فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ [محمد:22] أي: حكمتم، أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ [محمد:22] وتمزقوا صلاتكم لبعضكم ببعض؛ لأنه الجهل والعياذ بالله تعالى والكفر والنفاق.

    الوجه الثاني: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ [محمد:22] أي: رجعتم إلى الكفر والنفاق، فَهَلْ عَسَيْتُمْ [محمد:22] يعني: عسى أن تفعلوا.

    فالوجه الأول: حكمتم، والثاني: إن توليتم عن الإيمان إلى الشرك، وأصبحتم مشركين كافرين، أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ [محمد:22].

    فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ [محمد:22] عن ماذا تولوا؟ عن الإيمان الذي يدعونه، فيظهرون كفرهم ونفاقهم علناً، فماذا يحصل منهم؟ يحصل أن يقطعوا أرحامهم أو يفسدوا في الأرض.

    أو المعنى: عسى إن حكمتم كذلك، فهم هم منافقون كافرون لا خير فيهم، سواء أن يحكموا البلاد أو يرجعوا إلى كفرهم وضلالهم ويقاتلوا المؤمنين، في كلا الحالين هم على باطل.

    هذا معنى قوله تعالى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ [محمد:22] وقرئ: (فهل عسِيتم) إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ [محمد:22]، والسؤال: بم يكون الفساد في الأرض؟ هل بتخريبها؟ بمنع الماء منها؟

    يكون بالكفر والشرك والذنوب والآثام، بالظلم والفجور والاعتداء، بهذا يكون الفساد في الأرض، فالفساد في الأرض يكون بالكفر، بالنفاق، بالغش، بالخداع، بالكذب، هذا هو الفساد في الأرض.

    فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ [محمد:22] بماذا يفسدون؟ بالذنوب والآثام، بالمعاصي والشرك والباطل، وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ [محمد:22].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم)

    ثم قال تعالى: أُوْلَئِكَ [محمد:23] البعداء الأراذل الأنذال الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ [محمد:23] ضربهم ضربة على وجوههم فلم يرفع رءوسهم.

    أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ [محمد:23] وأبعدهم من رضاه ومن رحمته، أولئك المصرون على النفاق والكفر والشرك والعياذ بالله، والذين يعملون الباطل ويحاولون الشر والفساد في المدينة، هؤلاء لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ [محمد:23] أولاً، فهم لا يسمعون نداء الخير أبداً، لا يسمعون الكلمات الطيبة من رسول الله التي فيها أمر أو نهي، وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد:23] فلا يبصرون شيئاً من الكائنات والموجودات، كأنهم عمي، من فعل بهم هذا؟ الله، ولماذا؟ لتوغلهم في النفاق والكفر والشر والفساد والباطل والشر، هؤلاء أصمهم الله وأعمى أبصارهم والعياذ بالله، فكلهم ماتوا ولم يهتدوا ولم يدخلوا في الإسلام، وهم مجموعة على رأسهم ابن أبي، مات كافراً في جهنم.

    هكذا يقول تعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ [محمد:23] أي: طردهم من رحمته وأبعدهم من رضاه، وحرمهم الإيمان والإسلام؛ لأنهم طلبوا الكفر والنفاق وأصروا على ذلك، فجزاهم بحسب حالهم، فَأَصَمَّهُمْ [محمد:23] فهم لا يسمعون الهدى، وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ [محمد:23] فلا يشاهدون شيئاً من آيات الله عز وجل، فنبرأ إلى الله من النفاق.

    معشر المؤمنين! هذه الآيات نزلت في المدينة النبوية، فيجب أن نطبقها نحن، فلا نفاق ولا شقاق ولا عداء ولا بغضاء ولا فسق ولا فجور، ولكن إيمان وصلاح وتقوى؛ لأننا ورثة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما طهرت المدينة طهارة كاملة.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    والآن مع هداية الآيات.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: جواز تمني الخير، والأولى أن يسأل الله تعالى ولا يتمنى بلفظ: ليت كذا ].

    هذا الذي ذكرته أولاً، وهو جواز التمني للخير، ولكن الدعاء أفضل من التمني، بدل أن تتمنى: ليت لي كذا، ليت كذا؛ ادع الله فهو أفضل، فالتمني أن تقول: ليت لي كذا، لو كان لي كذا، فادع الله أن يعطيك ما تتمناه فهو أفضل، ومع هذا يجوز التمني بهذه الآية الكريمة.

    [ ثانياً: في القرآن محكم ومنسوخ من الآيات، وكله كلام الله يتلى ويتقرب به إلى الله تعالى، ويعمل بالمحكم دون المنسوخ، وهو قليل جداً ].

    من هداية هذه الآيات: أن القرآن الكريم فيه المحكم والمنسوخ، والمحكم أكثر والمنسوخ قليل، ويجب العمل بما فيه، المحكم يجب أن يطبق ويعمل به، والمنسوخ يترك ولا يعمل به، والمنسوخ في القرآن أقل من المحكم، والمحكم هو الذي ما نسخه الله وبقي على ما هو عليه.

    [ ثالثاً: ذم الجبن والخور والهزيمة الروحية ].

    من هداية هذه الآيات: ذم الخور والهزيمة الروحية، أما قال تعالى: يَنظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ [محمد:20]؟ فهل هذا يجوز للبطل الحر المؤمن بهذه الطريقة؟ هذا ذم لهم.

    والمؤمن لا يكون جباناً، المؤمن -والله- شجاع، وكل ما قضاه الله وقدره يقع، فلا يجبن أبداً، لكن هؤلاء الجبناء الخوارون سبب جبنهم الكفر والنفاق.

    [ رابعاً: شر الخلق من إذا تولى أفسد في الأرض بالشرك والمعاصي ]، فشر الخلق على وجه الأرض من يدعو إلى الشرك والذنوب والآثام والعياذ بالله تعالى.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.