إسلام ويب

تفسير سورة ق (2)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الله عز وجل هو الخلاق العليم، خلق كل شيء بقدر وميزان، ودعا عباده ليتفكروا في خلقه الدال على قدرته، فدعاهم إلى النظر في خلق السماوات الطباق، والتي ليس فيها شقوق ولا فرج، والنظر فيما تزينت به من الكواكب والنجوم، التي ليس لها عدد، والنظر في الأرض التي مهدها وجعل ظهرها لهم مساكن وسبلاً، وأنبت لهم فيها من كل شيء، وثبتها بالرواسي الشامخات فلا تروم بهم ميلاً ولا حولاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    وها نحن مع سورة (ق) المكية، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوة هذه الآيات، والله نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ * وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ [ق:6-11].

    تقرير الآيات والسور المكية لقضايا العقيدة

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! أعيد إلى أذهانكم تذكيراً للناسين وتعليماً لغير العالمين: أن السور المكية -أي: التي نزلت بمكة- تعالج العقيدة من أجل تصحيحها؛ إذ كان المشركون في مكة يؤمنون بالله رباً لا رب غيره، ولكن يعبدون الأصنام معه، وكانوا يكذبون بالبعث والدار الآخرة تكذيباً كاملاً، وكذبوا برسالة النبي صلى الله عليه وسلم، فكانت الآيات تنزل تقرر حقيقة أنه لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأن البعث الآخر حق.

    ولنستمع إلى هذه الآيات تقرر هذه الحقيقة، أولاً: أنه لا إله إلا الله؛ إذ هو الخالق الرازق المدبر، وأن محمداً رسول الله؛ إذ عليه أنزل هذا الوحي الإلهي، هذا القرآن الكريم، وأن البعث الآخر حق بأدلة عجب وبراهين ساطعة كالشمس لا ينكرها إلا ذو عمى ولا قلب له ولا بصيرة، فمن آمن بأن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وعمل نجا من دخول النار ودخل الجنة دار الأبرار.

    فوالله الذي لا إله غيره! إن البشرية لميتة كلها وستحيا كلها، وستحاسب كلها وتجزى بحسب عملها في هذه الحياة، من كان مؤمناً صادقاً عاملاً للصالحات ينجيه الله من عذاب الخلد في جهنم ويدخله الجنة دار الأبرار، ومن كان كافراً مشركاً فاسقاً فاجراً، نفسه خبيثة منتنة عفنة بأوضار الذنوب والآثام؛ فالمصير جهنم والعياذ بالله تعالى.

    عمى الكفرة عن النظر في الخلق الباعث على التوحيد

    يقول تعالى وقوله الحق: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ [ق:6] هؤلاء الذين يكذبون بالبعث يقولون: كيف نحيا بعدما نموت؟ من يحيينا بعدما نصبح عظاماً نخرة ورفاتاً في الأرض؟ نسوا قدرة الله عز وجل، لو ذكروا قدرة الله التي لا يعجزها شيء لما قالوا: كيف نحيا بعد موتنا؟ ولكنهم عميان لا يبصرون.

    اسمع ما قال تعالى لهم: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ [ق:6] السماء موجودة أو لا؟ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا [ق:6]، من بنى السماء؟ آباؤهم، أجدادهم، شياطينهم؟ لا أحد، إذاً: بانيها الله تعالى فقط.

    كَيْفَ بَنَيْنَاهَا [ق:6] هذا البناء العظيم، قبة من أعجب القباب، وَزَيَّنَّاهَا [ق:6] بالكواكب المضيئة، بالشمس والقمر، تزيين جميل عجب لا ينكره ذو عقل ودين، فمن فعل هذا؟ اللات أو العزى؟ لا جواب إلا: الله، إذاً: لم لا يُعبد الله؟ لم لا يصدق الله فيما يخبر تعالى به؟

    أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ [ق:6] انظر إلى السماء هل فيها شقوق؟ هل رأيتم السماء مشقوقة هنا وهناك؟ أبداً، بل ملتئمة متحدة منتظمة في العالم بأسره، فهل يعجزه شيء صاحب هذه القدرة؟ هل يعجزه أن يعيد البشرية مرة ثانية؟ والله! ما يعجزه وهو على كل شيء قدير.

    إذاً: لم لا تؤمن البشرية بأن حياة ثانية تجزى فيها على عملها في هذه الحياة الأولى؟ هذه البشرية من اليابان إلى الأمريكان (95%) لا يؤمنون بالبعث والدار الآخرة، بصرف الشيطان لهم عن ذلك، وإلا فلو فكروا أدنى تفكير فقط لقالوا: لم خلقنا؟ لم نموت؟ ما خلقنا أنفسنا، ولا نميت أنفسنا، فمن خلقنا وأماتنا؟ هذا هو الخالق، هذا هو الرب الإله الحق، لم خلقنا؟ لنعبده، لم يعيدنا؟ ليجزينا على عملنا الذي عملناه في هذه الدار.

    ولكن لا يرفعون رءوسهم إلى السماء ولا ينظرون، أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ [ق:6] هذه السماء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج)

    وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا [ق:7]، والأرض من بسطها؟ آباؤنا، أجدادنا، بنو فلان، أمريكا، اليابان؟

    والله! لا باسط لها إلا الله تعالى، من مدها وبسطها لتنتظم الحياة عليها ويعيش عليها بنو آدم والحيوانات، فخالق هذه أما يُعبد؟ خالق هذه أما يُذكر؟ خالق هذه أما يُحب؟ خالق هذه أما يُخاف؟ لأنهم صم بكم عمي فهم لا يعقلون.

    وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ [ق:7] هذه الجبال: جبال التبت، جبال أوروبا، جبال العالم، هذه الجبال من جمع حجارها، من نصبها؟ آباؤهم، أجدادهم؟ من فعل هذا؟ لا جواب إلا: الله فقط.

    وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ [ق:7] حتى لا تميد بنا وتضطرب وما نستطيع أن نحيا على الأرض، لولا أنها كالأوتاد مثبتة على الأرض وإلا فستميل الأرض بالناس ويهلكون، كما قال تعالى: وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا [النبأ:7] جمع وتد، وهو الذي تربط به الخيمة.

    وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [ق:7] هذه النباتات على اختلافها وتنوعها، الأشجار على اختلافها، كلها من أنبتها؟ لا جواب إلا: الله فقط، وهل هناك من يقول: لا؟

    ثم إن الإيمان بالله خالقاً أمر مستقر في الفطر، فمن عهد آدم عليه السلام إلى يومنا هذا والبشرية تعرف أن الله هو خالقها ورازقها، حتى جاء المذهب الشيوعي اليهودي الماسوني والذي مسخ وهبط، وحولوا بعده تحويلة جديدة هي العلمانية، حتى لا يقال: الله أعطاني بصري وسمعي، وإنما المسألة هي العلم فقط، والله! إنه لكذب بحت.

    إذاً: هكذا يقول تعالى: وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [ق:7] من كل صنف، الزوج: الصنف، بهيج: جميل حسن المنظر، من سائر النباتات على اختلافها، انظر إلى الرمان فقط، إلى التفاح، إلى البرتقال، إلى المشمش، إلى التين، إلى الزيتون، هذه النباتات من أنبتها؟ ولم أنبتها وأوجدها؟ لتعيش عليها الخليقة والبشرية أيام حياتها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (تبصرة وذكرى لكل عبد منيب)

    ثم قال تعالى: تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ [ق:8] اللهم اجعلنا من المنيبين، تبصرة، تفتح عينيك فتشاهد الكون فتقول: آمنت بالله.. آمنت بالله، وتتوب إليه وترجع إليه وتقول: دلوني على ما يحب أن أفعله، دلوني على ما يكره لأكرهه؛ لأني عرفت وآمنت به، أنيب وأرجع إليه في كل شئوني وكل حياتي، هذا شأن المؤمنين لأنهم أحياء، روح الإيمان كروح الحياة، روح الإيمان إذا دخلت القلب فالأذن تسمع الحق، والعين تبصر، واليد تأخذ وتعطي، والرجل تمشي، وإذا سلبت تعطلت الأسماع والأبصار فلا تعبد الله، كما أن الروح في البدن إذا خرجت تعطل كل حس فيها وكل عضو. هكذا يقول تعالى: تَبْصِرَةً وَذِكْرَى [ق:8] لمن؟ لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ [ق:8] المنيب: الذي ينيب إلى الله في كل شأنه، ويرجع إلى الله في كل شئون حياته، وما إن تزل قدمه ويرتكب ذنباً حتى يتوب ويرجع إلى الله ويستغفره، موصوف بهذه الصفة العجيبة.

    لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ [ق:8] ومن العبد؟ كل ما خلق الله من البشر هم عبيده وهو سيدهم ومالكهم أبيضهم وأسودهم، كافرهم ومؤمنهم، كلهم عبيد لله تعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ونزلنا من السماء ماء مباركاً فأنبتنا به جنات وحب الحصيد)

    ثم قال تعالى: وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [ق:9] نزلنا نحن رب العزة والجلال والكمال، رب كل شيء، لا إله غيرنا ولا رب سوانا، نزلنا من السماء، أي: من السحاب في السماء، فمن أوجد السحاب؟ من ملأه بالماء؟ من جعله يمطر؟ لا جواب إلا: الله.

    هل حاولت أوروبا أن تخلق سحاباً حتى تمطر؟ إذا انقطع عنهم المطر طلبوا منا أن نصلي لهم، فذات مرة انقطع المطر عن أوروبا فقالوا للمسلمين: استسقوا لنا، فاجتمعنا واستسقينا لهم ودعونا الله، وأمطر عليهم، فهذا المطر من يجمع له السحاب؟ من يجعل في السحب الماء، من يأخذه من البحار أو من الآبار؟ لا جواب إلا: الله، إذاً: فلا إله إلا الله، لا تعبد إلا الله، لا تحب إلا الله، لا تطمع ولا ترغب إلا في الله، لا ترهب ولا تخف إلا من الله، املأ قلبك بذكر الله وكن من المنيبين الأوابين.

    وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا [ق:9]، فالمطر مبارك، ينبت النباتات والزروع على اختلافها، والأشجار، لولا البركة فكيف سينبت هذا؟

    وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ [ق:9]، الجنات: جمع جنة وهي البستان، البساتين في العالم نبتت على الماء أم على التراب أم على اللبن؟ كل البساتين في العالم نبتت على الماء، فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ [ق:9] بساتين وَحَبَّ الْحَصِيدِ [ق:9]، الحب الذي يحصد ما هو؟ البر، الشعير، الذرة.. كل الحبوب التي تحصد سبب وجودها الماء المبارك الذي نزل من السماء، فأنبت به حب الحصيد، والبشرية الآن تأكل الخبز من أي جهة؟ من حب الحصيد في أي مكان.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والنخل باسقات لها طلع نضيد)

    ثم قال تعالى أيضاً: وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ [ق:10] ادخل البستان وارفع رأسك إلى النخلة أين تجدها؟ باسقات عاليات مرتفعات إلى عنان السماء، كيف نبتت هذه النخلة العظيمة؟ من نواة وبذرة صغيرة أصبحت بهذه الحالة، من أنبتها؟ أجدادنا، آباؤنا؟ اللات والعزى؟ عيسى ومريم عليهما السلام؟ والله! لا جواب إلا: الله، لم ينبتها إلا الله، لماذا أنبتها؟ لعباده مؤمنين وكافرين ليعيشوا على التمر وعلى الحب والزرع حتى تتم حياتهم على انتظام إلهي، وبعد ذلك ينتقلون إلى الدار الآخرة الباقية الخالدة.

    وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ [ق:10] أي: عاليات مرتفعات، لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ [ق:10] تقول: النخلة أطلعت، تطلع الطلع فتفتحها وإذا بها منضدة في عجب، وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ [ق:10] من ينضد هذا الحب؟ آمنا بالله، من أين يخرج؟ من خشبة ميتة ويتفتح وإذا به رطباً يأكله الإنس والجن، فسبحان الله!

    وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ [ق:10] أي: وخلقنا النخل وأنبتناها باسقات لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ [ق:10] منتظم، عجب هذا الطلع.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (رزقاً للعباد وأحيينا به بلدة ميتاً كذلك الخروج)

    ثم قال تعالى: رِزْقًا لِلْعِبَادِ [ق:11]، لماذا أنبت النخلة وجعلها تطلع؟ لم جعل الطلع فيها؟ لم حول الطلع إلى تمر ورطب؟ من أجل ماذا؟ رزقاً لعباده مؤمنين وكافرين، إلا أن المؤمنين يشكرون والكافرين يكفرون والعياذ بالله تعالى، والسبب في ذلك أن المؤمنين أحياء والكافرين أموات، وهل الميت تطمع في أن يشكر؟ ميت ما ينطق ولا يبصر، والحي هو الذي ينطق ويبصر، فالمؤمنون أحياء والكافرون أموات ولو طاروا في السماء ولو غاصوا في الماء، لو ادعوا ما ادعوا من الأباطيل والترهات فهم عبيد لله مخلوقون لله، مربوبون لله، وسوف يجزيهم على كفرهم وعصيانهم بدخولهم جهنم عالم العذاب لا يخرجون منها أبداً، ما هناك فناء ولا موت، الفناء والموت في دار العمل فقط، نحن عمال، فإذا انتهى العمل انتقلنا، أما الجزاء فهناك.

    وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا [ق:10-11] أحيينا بالماء من السماء المبارك بلدة ميتة، كم من أرض ميتة تنبت النخل والشجر بعدما كانت ميتة!

    دلالة إحياء الأرض بالنبات على البعث من القبور

    ثم قال تعالى: كَذَلِكَ الْخُرُوجُ [ق:11] هكذا الخروج من القبور، كما أحيا الله هذه الأرض بهذه النباتات يحيينا نحن من التراب كذلك ونصبح كالنخل، كَذَلِكَ الْخُرُوجُ [ق:11] أي: من الأرض، ينزل من السماء ماء كمني الرجال والأرض كلها كصفحة بيضاء، ووالله! لنبت كل آدمي من ذرية آدم كما ينبت البقل في الأرض، وعجب الذنب عظيم صغير في خرزات الظهر الأخيرة، هذا لا يفنى أبداً ومنه ننبت كما ينبت البقل، بعد فترة وإذا بالأجسام كلها تنبت في الأرض، فينفخ إسرافيل نفخة الحياة، فيقومون كلهم لله: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الأَجْدَاثِ [يس:51] أي: القبور إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ [يس:51]، والله! كما تسمعون، سيأتي يوم تنتهي فيه هذه الحياة، وتأتي نفخة الفناء فتتحلل الكائنات كلها، لا تبقى السماء ولا الأرض ولا الجبال، وتوجد أرض كورقة بيضاء وفيها ذلك العجب موجود محفوظ فيها، وينزل هذا الماء من السماء وننبت في مدة أربعين، قال أبو هريرة : لا أدري أربعين يوماً أو سنة، وحين تكتمل الأجساد كلها ينفخ إسرافيل نفخة الحياة فتدخل الأرواح في أبدانها، وكل روح تنزل إلى بدنها ولا تخطئه، فآمنا بالله!

    كَذَلِكَ الْخُرُوجُ [ق:11] كما رفع السماء وبناها، وأنزل الماء من السماء وأنبت به النبات في الأرض؛ كذلك يكون الخروج من القبور، فلم تكذبون بالبعث الآخر؟

    ومن هنا آمن العرب ودخلوا في الإسلام بهذه البيانات القرآنية العجيبة، ولكن الذي نأسف له أن الكفار ما بلغناهم هذا، ما جلسنا معهم، ما سألناهم: لم لا تؤمنون بالدار الآخرة؟ لم خلقتم في هذه الدار؟

    هذا يحتاج إلى المجالسة والمكالمة بأدب واحترام، ووالله! ليرجعن؛ إذ لا معنى لعقل أبداً ينفي وجود الله عز وجل وهو خالقه، ولا ينفي الدار الآخرة وهذه تفنى، الذي أوجد هذه قادر على أن يوجد الأخرى، وقد أخبر بذلك وأنزل كتبه وأرسل رسله وأقام آلاف الحجج والبراهين على البعث والدار الآخرة، ولكن مع الأسف دعوتنا وقفت والعياذ بالله تعالى؛ لأنهم حرموا أنفسهم من الإسلام، حاربوا المسلمين وهبطوا بهم فحرمهم الله الإسلام ليخلدوا كلهم في جهنم، والله! لولا أنهم حاربوا الإسلام لأسلم العالم بكامله، ولكن نصبوا العداء والحرب على الإسلام فحرموا منه.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    والآن مع هداية الآيات.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: تقرير عقيدة البعث بمظاهر القدرة الإلهية في الكون ].

    من هداية هذه الآيات التي تدارسناها: تقرير مبدأ الحياة الثانية، البعث الآخر، سوف يبعثنا الله بعثاً آخر كما أوجدنا، ففي هذه الآيات: تقرير مبدأ البعث الآخر والحياة الثانية، وأن الدار الآخرة حق، ولهذا ما من مؤمن ولا مؤمنة إلا ويشهد أن الساعة حق وأن الدار الآخرة حق.

    [ ثانياً: مشروعية النظر والاعتبار فيما يحيط بالإنسان من مظاهر الكون والحياة للعبرة؛ طلباً لزيادة الإيمان والوصول به إلى مستوى اليقين ].

    من هداية هذه الآيات: لفت النظر إلى هذه الكائنات التي تتجلى فيها قدرة الله، عظمة الله، رحمة الله، فيزداد إيماننا وننتقل من الإيمان إلى اليقين، وهذا هو الهدف المطلوب.

    انظر إلى شجرة أمامك فقط، فمن رفعها؟ من أوجدها؟ انظر إلى حيوان يمشي بين يديك، فمن خلقه؟ الله، فقل: آمنت بالله، لا إله إلا الله، وتطيع الله عز وجل وتعبده.

    [ ثالثاً: فضل العبد المنيب وفضيلة الإنابة إلى الله تعالى، والمنيب: هو الذي يرجع إلى ربه في كل ما يهمه، والإنابة: التوبة إلى الله والرجوع إلى طاعته بعد معصيته ].

    آخر هداية الآيات: بيان فضل الإنابة إلى الله، ونحن مأمورون بأن ننيب إلى ربنا وأن نرجع إليه في كل ما يعترض حياتنا، ثم ننيب إليه في كل خطيئة نرتكبها ولو كلمة أو نظرة، تقول: آمنت بالله، وأستغفر الله وأتوب إليه، حتى نكون إن شاء الله من المنيبين الأوابين، اللهم اجعلنا من المنيبين الأوابين يا رب العالمين.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.