إسلام ويب

تفسير سورة فصلت (6)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن المعرضين من الكافرين إذا سمعوا آيات الله تتلى اتخذوها هزواً، وتواصوا بينهم على عدم سماع هذه الآيات ورفع أصواتهم باللغو عند سماعها، فتوعدهم الله عز وجل بالعذاب الأليم في نار الجحيم، يخلدون فيها أبد الآباد، ولا ينفعهم فيها الصياح والاعتذار، ولا نقمتهم على من كان سبباً في غوايتهم وضلالهم، إذ هم في العذاب سواء، لا يخفف عنهم وما هم بمخرجين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ * فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ * ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ [فصلت:25-29].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! ما زال السياق الكريم موجه إلى كفار قريش بمكة، والمتعصبين والمعاندين، والمكابرين المصرين على الشرك، والعياذ بالله تعالى، وعلى تكذيب رسول الله، والكفر بما جاء به، فقال تعالى: وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ [فصلت:25]. وقيض لهم: جعل لهم قرناء من شياطين الإنس والجن. وهذه هي الحقيقة، فكل من يقبل على الشرك والكفر والفسق والفجور والخروج عن طاعة الله ورسوله ويتوغل في ذلك إلا وتتسلط عليه الشياطين من الإنس والجن، فيغلقون الطريق في وجهه، فلا يبقى إلا أن يتلذذ بالفجور والفسق، والكفر والشر والفساد. فلهذا يحذر العقلاء من أن يتورطوا هذه الورطة.

    وصحيح أنه قد يذنب أحدنا ذنباً، وقد يعصي معصية، وقد يرتكب كبيرة، ولكن ليسارع إلى التوبة وليتب، وليبتعد عن جماعات الباطل ورجالات الشر والفساد، لا يجالسهم ولا يجتمع معهم، ولا يتكلم معهم، وهكذا حتى يبتعد عن هذا البلاء العجيب.

    وقوله: وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ [فصلت:25]، أي: من القبح والشر، والشرك والفساد. وعلة هذا التزيين: إصرارهم على الكفر والشرك، والظلم والفساد. هذا هو الذي سبب لهم هذا، وجعل الله لهم بسببه قرناء من شياطين الإنس والجن، فحرموهم من الهداية، فلن يهتدوا، ولن يعودوا إلى الحق أبداً.

    وهذا شأن العبد إذا استمر في المعصية وتوغل فيها، فلا يتوب أبداً، ويصعب عليه أن يتوب، بل يستمر على فجوره وعلى باطله حتى يموت، والعياذ بالله تعالى. ومن هنا كانت التوبة تجب على الفور، فلا تنتظر العام المقبل، أو الساعة الفلانية، أو حتى تتزوج، أو حتى تتوظف، أو حتى يحصل كذا. فانزع هذا من ذهنك، فإذا زلت القدم فقل: تبت إلى الله، وأستغفر الله وأتوب إليه؛ فإن الاستمرار على المعصية يصبح صاحبه بعد فترة أعمى، لا يرى إلا تلك المعاصي، ولا يتلذذ إلا بالباطل والشر والفساد، والشياطين تزين له ذلك وتحسنه له، واسمعوا قوله تعالى في هذه الآية: وَقَيَّضْنَا [فصلت:25]. والقائل هذا هو الله عز وجل، فقال: وَقَيَّضْنَا لَهُمْ [فصلت:25]، أي: لأولئك الطغاة الجبابرة المتكبرين المعاندين في مكة قُرَنَاءَ [فصلت:25]، يقارنونهم ولا يفارقونهم من الجن والإنس. فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ [فصلت:25]، أي: ما أمامهم من الدنيا، وَمَا خَلْفَهُمْ [فصلت:25] من الآخرة. ففي الدنيا يحسن لهم الشرك والباطل والفساد، وعن الآخرة يحسن لهم أن هذه خرافة، وأن هذا باطل وضلال وكذا كذا، وهكذا، كما يزينون لهم ما بين أيديهم من المعاصي، وما خلفهم أيضاً من الذنوب والآثام. فهو تزيين عام، فيزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم.

    قال تعالى: وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ [فصلت:25]، أي: وجب عذابهم، واستحقوا العذاب فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ [فصلت:25]، وأهلكهم الله، فأصبحوا كعاد وثمود وما إلى ذلك، فاستوجبوا العذاب الذي استوجبته أمم قبلهم، فدمرهم الله وأهلكهم.

    هكذا يقول تعالى: وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ [فصلت:25] بتعذيبهم وتدميرهم وإهلاكهم فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ [فصلت:25]، أي من الثقلين الإنس والجن. فالجن فيهم المؤمنون وأولياء الله والصالحون، وفيهم الخرافيون والمشركون، والضلال والكافرون والفاسدون، كالإنس سواء بسواء. فالإنس منا فيهم الصالحون وأولياء الله، والعابدون والطيبون، وفيهم الخبيثون والمفسدون، وهكذا. وقد قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]. فقد خلقهم لعبادته، فإن أعرضوا عنها يعذبهم، وإن عبدوه يكرمهم ويسعدهم.

    قال تعالى: وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ [فصلت:25]. والخسران هو: أنه ما إن يموت حتى يلقوا في عالم الشقاء في جهنم في النار. والنار هذه عالم، وعالمنا هذا كقطرة ماء من البحر منها، فيخلدون فيه أبداً. وليس هناك خسران أعظم من هذا، وقد قال تعالى: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ [الزمر:15] بحق الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر:15]. فالخسران ما هو فقدك الشاة أو البعير، أو موت الزوجة أو الولد، بل هو أن يجد الإنسان نفسه في عالم لا أم فيه ولا أب، ولا أخ ولا صديق، بل يعيش وحده.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون)

    قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا [فصلت:26]، أي: أبو جهل وعقبة بن أبي معيط وفلان وفلان من طغاة المشركين الذين هلكوا في بدر وهم سبعون، فهؤلاء العتاة قالوا: لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ [فصلت:26]. وهذا بيان أعلنوه في مكة لأهل مكة، وهو: أنه لا يحل لمواطن أن يسمع قراءة محمد أو أبي بكر أو فلان، فهذا ممنوع، حتى أنهم حكموا بإخراج أبي بكر ونفيه من مكة، وقالوا: هذا أفسد علينا نساءنا وأطفالنا؛ لأنه يقرأ ويبكي، ومن يسمعه يبكي معه، فحكموا بإخراجه من مكة مدة شهرين أو كذا، ولكنه عاد في ضمان شخص من الأشخاص.

    فهم قالوا: لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت:26]. (والغوا فيه) أي: الغطوا فيه، وقولوا كذا كذا، بل أصبحوا يأتون بآلات المزامير والمغنيات وكذا، وكانوا يصيحون وكذا؛ حتى ما يستفيد أحد من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان أبو بكر أو عمر يصلي حول الكعبة، ويقرأ ويبكي، فكانوا إذا سمعوا هذا يأتون بآلات الأغاني والمزامير ويصيحون؛ حتى ما يسمع أحد.

    وهم قالوا: لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ [فصلت:26]؛ لأنه نور الله، ما إن يصل إلى القلب إلا ويحيا القلب، ويؤمن العبد، ويصبح عبد الله، لا سيما وهم عرب، بلغتهم نزل القرآن، وهم ليسوا كالعجم، بل ما إن يسمعوا ويصغوا يعرفون أن هذا كلام الله، وما هو كلام محمد، ولا شعر ولا سحر ولا تدجيل كما يقولون، بل ينفذ إلى صدورهم. فاحتاطوا هذه الاحتياطات. كما أنهم كانوا يحذرون المواطنين، ويقولون لهم: معشر المواطنين! الحيطة لازمة لكم؛ حتى لا تهلكوا وتهبطوا عن دينكم، وما أنتم عليه، ولذلك لا تسمعوا لهذا القرآن، وإن استطعتم أن تلغطوا وتصيحوا فصيحوا؛ حتى ما يتسرب نوره إلى الناس. ووالله إنهم بالفعل فعلوا هذا، واسمع كلام الله وهو يخبر عن هذا: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا [فصلت:26] بالله ورسوله، وكتابه وشرعه ودينه، فهؤلاء الجاحدون المكذبون الكافرون الغلاة قالوا: لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت:26]. والله ما غَلبوا، بل غُلبوا، فقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد عشر سنين مكة وفتحها، وهم راكعون أمامه.

    ومن هداية هذه الآية: أن علينا إذا سمعنا القارئ يقرأ أن نصغي ونستمع، ولا نتحدث ونضحك ونصيح كهؤلاء. فإذا كان القارئ يقرأ سواء في الإذاعة أو في المسجد أو في البيت فيجب الإصغاء والإنصات، وأما الكلام والضحك فإنه يدخلنا في هؤلاء يجعلنا منهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلنذيقن الذين كفروا عذاباً شديداً ...)

    قال تعالى: فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا [فصلت:27]. يقول تعالى: فوعزتنا وجلالنا لَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا [فصلت:27]. وقد يكون في الدنيا، وقد هلكوا وذبحوا، وقد يكون في الآخرة، وهو دائم أبدي. فالعذاب الشديد لا أحد يقدر عليه، ولا يمكن أن تتصور هذا العذاب الشديد، فهم يصب الماء الساخن على رءوسهم، ويطعمون من أنواع الطعام من الزقوم، ولهم الشراب الحميم. وهذا عذاب ما نطيقه، ولا حتى نقوى على تصوره. وهذا العذاب الشديد هو عذاب يوم القيامة، وليس يوم القيامة، بل يوم ما يموتوا يدخلون في هذا العذاب. فنبرأ إلى الله من الكفر وأهله. فقولوا: آمنا بالله ولقائه، ورسوله ودينه.

    وقوله: فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا [فصلت:27]، أي: قاسياً، وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ [فصلت:27]. فالذنوب مختلفة، وأقبحها هو اللواط، فيجزيهم بذلك العذاب على أقبح الذنوب، وهو ليس قتل إنسان، حتى يجزيهم بذنب القتل، بل يجزيهم بأسوأ أنواع العذاب. فهو يعذبهم على بأبشع ذنب؛ حتى يكون عذابهم شديداً دائماً، ولذلك قال: وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ [فصلت:27] من أنواع الذنوب والآثام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ذلك جزاء أعداء الله النار ...)

    قال تعالى مبيناً جزاء أعداء الله: ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ [فصلت:28]. فهي جزاء أعداء الله. ولله أعداء، وله أولياء، فأولياءه الذين آمنوا به وأطاعوه، وأحبوا ما يحب وكرهوا ما يكره. وأعداؤه الذين كفروا به ولم يطيعوه، وأحبوا ما يكره وما يبغض، والعياذ بالله.

    وعلينا أن نحافظ على هذه الولاية، وهي أنه بعد الإيمان والعمل الصالح نحب ما يحب الله، ونكره ما يكره الله، بحيث لو علمت أن الله يكره أبي أكرهه والله، ولو علمت أن الله يكره أمي أكرهها والله. فلا بد لتحقيق الولاية من أن نوافق الله عز وجل، فنصبح أولياءه، لا من أعدائه.

    ثم قال تعالى: لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ [فصلت:28]. والخلد هو: البقاء الأبدي الدائم، فلهم في النار دار الخلد والبقاء الذي لا ينتهي، فهو بلا نهاية، ووالله ما يموتون فيه، بل هو عذاب أبدي. فلا إله إلا الله! فلنقل: آمنا بالله.

    والذي فعل هذا هو خالق الكون، وموجد العوالم كلها. فارفع رأسك، وانظر إلى السماء وما فيها، ثم أنزله إلى الأرض وانظر ما فيها، فهو المكون لهذه الكائنات، وهو الذي يوجد عالماً لا ينتهي أبداً.

    ثم قال تعالى: لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ [فصلت:28]، أي: جزاء لهم بسبب جحودهم لآيات الله. ومن آيات الله هذا القرآن الكريم، ومن آيات الله المعجزات التي كانت على يد رسول الله، والتي تشهد بأنه رسول الله. فلنقل نحن: آمنا وصدقنا، ووالله ما نجحد ولا نكذب ما قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم أبداً.

    فهم استحقوا العذاب الأبدي جَزَاءً بِمَا كَانُوا [فصلت:28]، أي: بسبب ما كانوا يَجْحَدُونَ [فصلت:28] بآيات الله. وهم قد قالوا: هذا سحر وتدجيل، وهذا ما هو دين، ولا هذا هو الإسلام، وكانوا يضحكون ويسخرون، وحسبنا أنهم منعوا الناس من سماع القرآن.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس...)

    قال تعالى مخبراً عن الكافرين: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا [فصلت:29] أي: يا ربنا! أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ [فصلت:29]. وهذا القول يقولونه في جهنم في عالم الشقاء في النار، فهو والله العظيم ليقولون هذا. فهم يقولون: رَبَّنَا [فصلت:29]، أي: يا ربنا! أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ [فصلت:29] حتى ندوسهم ونلعنهم، كما قال تعالى: نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ [فصلت:29]. ويريدون أن تكون هذه حالهم.

    فالذين يتعنترون في الدنيا ويتبجحون ويهلكون ويموتون على الكفر والضلال يوم القيامة يسألون: يا ربنا! أرنا الذين أضلونا من الإنس والجن، أي: من شياطين الإنس والجن؛ نجعلهما تحت أقدامنا؛ إهانة لهم وتعذيباً لهم؛ لأنهم هم الذين صرفونا عن الحق، وأبعدونا عن دين الله وعن الإسلام والعمل الصالح، فننتقم منهم. ولا يستجاب لهم، بل هم معهم في جهنم.

    وكما عرفتم يوجد شياطين من الإنس، ويكون أسماؤهم محمد وأحمد وعمر وعثمان، وهم شياطين، يدعون إلى الزنا والربا، والباطل والفجور، وهناك شيطان من الإنس يزين ويحسن، ويوسوس ويبين للناس الباطل، ويدفعهم إليه. فالشياطين من عالمي الإنس والجن.

    والتابعون لهم يقولون يوم القيامة: أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا [فصلت:29] عن الطريق، وأبعدانا عن الإسلام وطاعة الله وطاعة رسوله، وحشرونا في الزنا والربا، والكفر والشرك والباطل، والعياذ بالله. فأرنا هم يا ربنا! لنجعلهم تحت أقدامنا؛ إهانة لهم وانتقاماً منهم. هكذا يريدون، كما قال تعالى حاكياً عنهم: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا [فصلت:29] عن الطريق السوي والصراط المستقيم، وأضلانا عن الإسلام، وما جاء به من العقائد المباركة والأعمال الصالحة، فأرنا هم نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ [فصلت:29]. وليس فوق في النار، بل تحتها في الأسفل؛ إهانة لهم. وسبحان الله!

    هذا كلام الله. وهذا الكلام لا يقرأ على الموتى يرحمكم الله، ولا يجتمع عليه الناس يقرءونه على ميت؛ فإنه لا ينتفع به، ولن يقوم يبكي. ولكن صرفنا عنه الثالوث الأسود، المجوس واليهود والنصارى، منذ أكثر من ألف سنة، فقد صرفونا عن القرآن، وجعلوا المسلمين يقرءونه على الموتى فقط، وقالوا لهم: تفسير القرآن صوابه خطأ، وخطؤه كفر. فإذا سمعت من يقول: قال الله فأغلق أذنيك، ولا تسمع له. وقد فعلوا هذا بنا والله كما تسمعون، حتى هبطنا إلى الأرض، واستولى علينا الشرق والغرب ودمرونا، وفسقونا وفجرونا، ولما خرجوا من ديارنا تركونا ذيولاً وأذناباً، لا قيمة لنا. فقد حجبوا عن المؤمنين كلام الله، وصرفوهم عنه.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات ] الآن نسمع هداية الآيات.

    [ من هداية ] هذه [ الآيات:

    أولاً: بيان سنة الله تعالى في العبد إذا أعرض عن الحق الذي هو الإسلام، فخبث من جراء كسبه الشر والباطل، وتوغله في الظلم والفساد، يبعث الله تعالى عليه شيطاناً، يكون قريناً له، فيزين له كل قبيح، ويقبح له كل حسن ] فالذي ينغمس في المعاصي وفي الذنوب والآثام، وفي الكفر والشرك إذا استمر فترة من الزمن يصبح لا يرى الحق، ولا يحبه، ولا ينظر إليه، ويسلط عليه شياطين الإنس والجن. وشياطين الإنس هم الذين يزنون ويفجرون معه، ويسرقون ويكذبون، فيضل معهم، ويبيت معهم. وشياطين الجن هم الذين يحسنوا له كل قبيح، ويزينوا له كل باطل. وهذا سنة الله. فلنحذر مواصلة الإثم والاستمرار فيه، ونقطعه ولا نستمر على المعصية أبداً. فإذا زلت القدم ووقعنا في معصية قلنا: يا ربنا! غفرانك، وإليك المصير، ونستغفر الله ونتوب إليه. ونبتعد من هذه الساحة، ونترك هذا العمل. وأما الاستمرار على المعصية فهو الذي يسبب هذا، فتجد الشياطين من الإنس يشجعونك على هذا الباطل، ويضحكون معك، وشياطين الجن يزينون لك، ويحسنون لك؛ حتى ما تخرج عنه.

    [ ثانياً: بيان ما كان المشركون ] والظالمون وأهل الفساد والشر [ يكيدون به الإسلام ويحاربونه به، حتى باللغو عند قراءة القرآن؛ حتى لا يُسمع ولا يُهتدى به ] ويكيدون للمؤمنين ليصرفوهم عن القرآن. وقد قلت لكم: إنهم صرفوهم عن القرآن ألف سنة، فكان ما يجتمع اثنان تحت شجرة يقرآن آية ويتدبرانها، وما يجتمعون إلا في المقبرة، أو في البيت الذي مات فيه الميت. والذي دبر هذه المكيدة اليهود والنصارى والمجوس.

    [ ثالثاً: تقرير البعث والجزاء ] وهذا شأن السور المكية، فالسور المكية تعمل على إيجاد عقيدة، وهي عقيدة لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأن البعث الآخر حق، والجنة والنار حق.

    [ رابعاً ] وأخيراً: [ بيان نقمة أهل النار على من كان سبباً في إضلالهم وإغوائهم، ومن سن لهم سنة شر يعملون بها كإبليس وقابيل بن آدم عليه السلام؛ إذ الأول سن كل شر، والثاني سن سنة القتل ظلماً وعدواناً ] وهكذا أهل النار ينتقمون ممن فسقوهم وفجروهم وكفروهم، ويطلبون من الله أن يجعلوهم تحت أقدامهم، وهم شياطين الجن والإنس، وأول شيطان إبليس، وأول إنسان قابيل الذي قتل أخاه هابيل، فسن القتل، والعياذ بالله.