إسلام ويب

تفسير سورة غافر (9)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كان قوم فرعون مستمرين على الضلالة والغواية، وقد كان فرعون يستخفهم فيطيعونه، ولما جاءهم موسى بآيات الله تركوا موسى وأعرضوا عنه، واتبعوا قول فرعون الذي أوردهم المهالك، ولم يستمعوا لنصح العقلاء منهم كمؤمن آل فرعون الذي ما فتئ يدعوهم إلى سبيل الرشاد، ويحذرهم الدنيا وغرورها، والاستماع إلى فرعون الذي أعماه السلطان، حتى تجرأ على رب العزة والجبروت، الذي جعله عبرة وآية للمتكبرين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ * وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ * يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ * مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ [غافر:36-40].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ [غافر:36]، بالأمس وقبل الأمس كنا مع فرعون ورجاله، وهذا المؤمن شمعان يعظهم ويذكرهم بعدما كان منهم، ثم تاب وتاب الله عليه، وأصبح مؤمناً صادق الإيمان، وأخفى إيمانه وستره، ولكن ما إن لبث حتى أظهره.

    وهنا يقول فرعون ما حكاه تعالى عنه بقوله: وَقَالَ فِرْعَوْنُ [غافر:36]، وهو ملك مصر، وملك الأقباط الذي بعث الله إليه عبده ورسوله موسى بن عمران عليه السلام؛ ليدعوه إلى الله؛ ليعبد الله، ويسمح لبني إسرائيل أن يعودوا إلى ديارهم.

    وهنا قال فرعون: يَا هَامَانُ [غافر:36]! وهو من وزرائه، بل أكبر وزرائه. فقال له فرعون: يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا [غافر:36]، أي: ابن لي بناءً عالياً؛ حتى نصل به إلى السماء، وقالت العلماء: هو أول من صنع هذا، وقد بناه من القرميد، وهو الحجارة المحماة، وهو أول من صنعها. فقال: ابْنِ لِي صَرْحًا [غافر:36]. والصرح: البناء العالي. لَعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ [غافر:36].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى ...)

    قال تعالى: أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى [غافر:37]. وسبحان الله العظيم! فهذا كله والله تمويه لأصحابه، وهو يعلم يقيناً أن الله فوق سماواته، وهو يعلم يقيناً أنه لا إله إلا الله، ولكن استغل جهل الأمة وضلالها، وطالت مدة الجهل، فهو يقول هذا القول؛ ليموه ويغالط الناس، وهو يعرف أنه لا يمكنه أن يصل إلى السماء ولا إلى أسبابها.

    فهو قال: يا هامان ابن لي صرحاً لعلي أطلع إلى إله موسى. والصرح كما علمتم هو: البناء العالي، والأسباب جمع سبب، ويطلق السبب على الحبل .. على الباب .. على الواسطة التي يتوسط بها ليرى الله عز وجل كما يزعم.

    ثم قال: وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا [غافر:37]، أي: وإني لأظن موسى كاذباً بأن له إلهاً غيري، وأنه فوق السماوات. وكما قلت لكم: إنه قال هذا من باب التمويه والتدجيل والتضليل، وهو لا يؤمن بهذا، ولا يثق فيه، وإنما فقط ليموه على العوام، ويستمر على حكمهم وسيادتهم.

    وقوله: وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا [غافر:37]، أي: لأظن موسى كاذباً في دعوى أنه لا إله إلا الله، وأن الله فوق السماوات، وفوق عرشه بائن من خلقه. لأن فرعون قال لهم: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38]، وقال: أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى [النازعات:24]. وامتدت أعناق الرجال والنساء، ولانوا وذلوا وهانوا، فأهانهم وهو يكذب عليهم، ويقول لهم هذا القول.

    قال تعالى: وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ [غافر:37]، أي: هكذا زينت الشياطين لفرعون أقبح عمله، وليس هناك أقبح من هذا، فهو يقول: أنا أطلع إلى السماء وأحارب الله، والشياطين هي التي تزين له وتحسن. فهكذا زين لفرعون سوء وأقبح عمله، والعياذ بالله. وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ [غافر:37] وانصرف، والذي صده الله بحسب سنته في خلقه. فهو عرف وعلم، ثم تكبر وتجبر وطغى، فأضله الله، وصده عن السبيل، فوالله ما يرجع إلى الإسلام، ولا يؤمن؛ لأنه من أهل النار. ولذلك قال تعالى: وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ [غافر:37] وخسار، كما قال تعالى: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ [المسد:1].

    ومعنى الآية: وما كيد فرعون ومكره وتضليله وغشه وخداعه إلا في ضلال، لا ينتج منه شيء، ولا يفوز ولا ينجح، بل عما قريب يغرق ويهلك. ولذلك قال: وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ [غافر:37] وضلال وخسار دائم؛ لأنه حارب الله ووالى الشيطان، والله والى المؤمنين، فسينصر المؤمنين على الكافرين. وتم هذا بحمد الله رب العالمين. وأصبح كيد فرعون ومكره وخداعه وتضليله وغطرسته وتمويهاته كلها في الهباء، وما ينتج عنها خير أبداً، بل كلها في ضلال.

    وهنا تكلم هذا المؤمن شمعان ، وهو أحد ثلاثة رجال، وهم: أبو بكر الصديق ، وحبيب النجار ، ومؤمن آل فرعون ، إلا أن أبا بكر أفضل منهما؛ لأن أبا بكر لما عزم المشركون على ضرب الرسول صلى الله عليه وسلم وقتله اطرح بين يديهم، ودافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضربوه حتى أغمي عليه، ولما أفاق قال: كيف رسول الله؟

    و حبيب النجار جاءت قصته في سورة يس، فقال تعالى: وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى [يس:20]. وحصل الذي حصل وقتلوه، لكنه فاز بهذا المقام السامي.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد)

    يقول تعالى عن شمعان : وَقَالَ الَّذِي آمَنَ [غافر:38] بالله ولقائه، وبموسى ورسالته، وبالإسلام وشرائعه، وآمن حق الإيمان، فامتلأ صدره بالنور، فهو يقول الحق ويجاهر به، ولا يبالي بالقتل ولا بغيره. وكان فرعون مضطراً إلى أن يجادله.

    قال تعالى: وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ [غافر:38]، أي: امشوا ورائي فقط أهديكم سبيل الرشد والسيادة، والعز والكمال. وناداهم بهذا النداء اللطيف، فقال: يا قوم! اتبعوني فيما أقول، وفيما أدعو إليه، وفيما آمر وأنه عنه، فاتبعوني أهدكم بإذن الله سبيل الرشاد والنجاح، والفوز والكمال. وهكذا واجه فرعون وهو مع رجاله وملئه، وقال لهم: أهديكم سبيل الرشاد.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وأن الآخرة هي دار القرار)

    قال تعالى مخبراً أن مؤمن آل فرعون قال لقومه: يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ [غافر:39]. والمتاع: ما يتمتع به المسافر من حبات تمر أو قرص عيش ويزول، فما هي إلا متاع يتمتعون فيها أياماً ويفارقونها، وليست دار خلد ولا بقاء ولا أبدية أبداً، وها نحن نشاهد توفي فلان ومات فلان، وقد كان يأكل ويشرب ثم انتهى.

    وهذا الحكيم لا شك أنه تشبع بعلم موسى، ولابد أنه كان يتصل به ويتعلم عنه، ولذلك قال هنا: يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا [غافر:39] القريبة هذه مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ [غافر:39]. والآخرة أي: الحياة الآخرة هي دار القرار والاستقرار، والدوام والثبات، وأما هذه فليست دائمة، فلا تغرنكم ولا تفتننكم هذه الحياة الدنيا، وهي ليست إلا متاعاً فقط ويزول، ولكن دار الآخرة هي دار الخلد والبقاء والاستقرار الأبدي. فهو هنا دعاهم إلى الإيمان بيوم القيامة، وإلى الإيمان بلقاء الله، وإلى الإيمان بدار الجزاء على العمل في هذه الدنيا.

    والذي لا يؤمن بالله ميت، والذي لا يؤمن بلقاء الله ميت أيضاً، ولا خير فيهما، والحي من آمن بالله وبلقاء الله عز وجل.

    وهنا قال شمعان : يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ [غافر:39] فقط. والمتاع: ما تمتع به أياماً وتفقده ويفقدك. وَإِنَّ الآخِرَةَ [غافر:39]، أي: الحياة الآخرة هِيَ دَارُ الْقَرَارِ [غافر:39]، أي: الاستقرار والدوام والبقاء الأبدي، ووالله إنها لكما قال شمعان .

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ...)

    قال تعالى عن الدار الآخرة وماذا يجري فيها وما يتم: مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا [غافر:40]. فمن عمل سيئة في هذه الدنيا لا يجزى إلا بمثلها فقط، فإن الله لا يظلم عباده أبداً، فمن عمل سيئة يجزى بمثلها لا بمثل غيرها، بل بما هو ما عمله، كما قال تعالى: مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ [غافر:40]. والجملة الأخيرة: وَهُوَ مُؤْمِنٌ [غافر:40] المفروض أن تتقدم، ولكنه لما أشار إلى العمل الصالح قال: لا بد من الإيمان.

    وقوله: وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى [غافر:40]، أي: من رجل أو امرأة، والحال أنه مؤمن؛ لأنه قد يعمل الصالحات وهو كافر غير مؤمن، ككثير من النصارى يبنون الكنائس، ويبنون المستشفيات، ويدفعون أموالاً، ويطعمون الفقراء والمساكين، ولا يثابون على هذا؛ لأنهم غير مؤمنين، فلابد من الإيمان والعمل الصالح؛ الأصل الإيمان أولاً، ثم بعد ذلك ينتج الإيمان العمل الصالح. ولكن إن فرضنا أنه وجد عملاً صالحاً فهذا ما يغني إلا إذا كان سبقه إيمان، وصدر عن مؤمن. هكذا يقول شمعان مؤمن آل فرعون، الذي يواجه فرعون بهذا الكلام، فهو يقول: مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً [غافر:40]، أي: فعل السيئة قبيحة، ألا وهي معصية الله ورسوله.

    والسيئة يا أبناء الإسلام! هي معصية الله ورسوله، فإذا أمر الله بأمر ولم تفعله فقد أسأت وعملك سيئاً، وإذا أمرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم تعمل فقد عملت سيئة، وكذلك إذا نهى الله عن شيء ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن شيء ولم تنته عنه ولم تجتنبه فقد عملت سيئة.

    وسمي العمل الخبيث سيئة؛ لأنه يسيء إلى النفس، فيجعله منتناً عفناً مظلماً لا خير فيها.

    وقد قال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]. فتزكى النفس يا عباد الله! بالإيمان والعمل الصالح، وتخبث النفس وتتدسى بالمعصية والشرك، والكفر والفسق والفجور.

    فهنا هكذا يقول شمعان : مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا [غافر:40] فقط، وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا [غافر:40]، أي: عملاً صالحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى [غافر:40] والحال أنه مؤمن فَأُوْلَئِكَ [غافر:40] السامون الأعلون يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ [غافر:40]، التي عرضها السماوات والأرض، كما قال تعالى: وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ [آل عمران:133] وهيأت لِلْمُتَّقِينَ [آل عمران:133]. لأنهم اتقوا الله، فلم يخرجوا عن طاعته وطاعة رسوله، لا بترك واجب ولا بفعل حرام، وبذلك اتقوا عذاب الله وسخطه، وبذلك طابت نفوسهم، وزكت أرواحهم وطهرت، وأصبحوا أهلاً لجوار الله في الملكوت الأعلى في الجنة دار النعيم المتقين. اللهم اجعلنا من المتقين.

    فيا عبد الله! لن تكون متقياً إلا بعد إيمانك الحق الذي يملأ قلبك، وتشع أنواره على لسانك وبصرك وسمعك، ثم تؤدي بعد ذلك العبادات التي تعبدنا الله بها. فهذه هي التي تزكي النفس، وتطيبها وتطهرها، وكذلك صلاة ركعتين بخشوع ودموع تعدل الدنيا وما فيها، وتحول نفسك إلى كتلة من النور.

    فهنا يقول شمعان وهو في مجلس فرعون ورجاله: مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا [غافر:40] فقط، وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ [غافر:40] قبل ذلك فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ [غافر:40]. وأما الرزق في الدنيا فهو محسوب بالعدد حتى حبات التمر، وأما رزقك في الجنة فبلا حساب، فكل واشرب والبس واركب بلا حساب، فهم يرزقون فيها بدون حساب، وأما الرزق في الدنيا فهو محسوب معدود، فدريهمات الطعام والشراب واللباس والمركوب كلها محدودة ومعدودة، وأما في الجنة فبغير حساب، فكل واشرب ما شئت.

    وجاء في سورة يونس أولاً: تحيتهم فيها سلام، وثانياً: إذا اشتهوا شيء من الطعام قالوا: سبحانك اللهم، فيأتي كل ما يشتهون، وثالثاً: إذا شبعوا يقولون: الحمد لله رب العالمين فترفع السفر والأواني. فنعيم الجنة ذكر في هذه الآية: دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ [يونس:10]. فهم يطلبون الطعام والشراب وما يريدون بكلمة: سبحانك اللهم، أي: يا الله! سبحانك، فيحضر كل ما يريدونه. وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ [يونس:10]، أي: آخر الطلب هو: أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [يونس:10]. هؤلاء أهل الجنة جعلنا الله منهم، وجعل آباءنا وأمهاتنا وأبناءنا.

    فدعواهم فيها سبحانك اللهم، فيحضر كل ما يريدون، ولا يقول أحدهم: أعطوني بطيخاً .. أعطوني فلفل .. أعطوني كذا، بل يقول فقط: سبحانك اللهم فيحضر كل ما تشتهيه. وهناك ملائكة مختصون بهذه المهمة، فيحضرون بين يديك ما تشتهيه، فإذا شبعت لا تقول: احملوا .. أبعدوا، فقد شبعنا، بل قل: الحمد لله رب العالمين، فيرفع كل إناء وكل صحيفة. اللهم اجعلنا منهم.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات ] الآن مع هداية الآيات.

    [ من هداية الآيات:

    أولاً: التحذير من تزيين الأعمال القبيحة نتيجة الإدمان عليها، والاستمرار على فعلها، فإن من زينت له أعماله السيئة فأصبح يراها حسنة هلك، والعياذ بالله ] فيحذرنا ربنا في هذه الآيات من الأعمال السيئة القبيحة، فإن عواقبها عفنة منتنة، ونتائجها مؤلمة محزنة مكربة، فلنتجنب السيئات، ولا نرتكبها لا بالقول ولا باليد ولا بالرجل، ولا بالبطن ولا بالفرج، ولا بالعين ولا بالأذن. فنتجنب السيئات ونبتعد عنها، ونلجأ إلى الله؛ ليحفظنا ويقينا منها.

    فهذه الآية تعلمنا التحذير من السيئة، و مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ [النساء:123].

    وإبليس عليه لعائن الله هو الذي يزين الأعمال القبيحة، وإن أردتم أن تعرفوا فنكرر القول بأنه لم تعرف البشرية أقبح ولا أنتن ولا أعفن أبداً من اللواط، وقد زينه إبليس للبشر، واليوم يوجد أندية اللواط في العالم، فمن هنا احذر تزيين الشيطان لك عملك، واطلب فقط العمل الذي زينه الله لك، ودعاك إليه، وبشرك به بالجنة، وأما الأعمال التي هي ضد الإسلام، وضد الشريعة، وضد الآداب والأخلاق. فهذه كلها والله من تزيين الشيطان، والعياذ بالله، ومن ذلك المزامير والأغاني، والباطل والعبث والسخرية، فكل هذه من أعمال الشيطان.

    [ ثانياً: التحذير من الاغترار بالدنيا والغفلة من الآخرة؛ إذ الأولى زائلة، والآخرة باقية، واختيار الباقي على الفاني من شأن العقلاء ] فهذه الآيات تحذر المؤمنين من الإقبال على الدنيا وزخارفها، وشهواتها وأهوائها، وتحملهم على أن يرغبوا فيما عند الله في الدار الآخرة وما فيها، وبذلك يعملون الأعمال التي تسعدهم في الجنة، وتنجيهم من النار.

    [ ثالثاً: مشروعية التذكير بالحساب والجزاء، وما يتم في الدار الآخرة من سعادة وشقاء ] وشمعان ذكرهم بهذا الكلام؛ ليذكروا ويعملوا، ويتجنبوا الباطل والشر، فالتذكير مشروع، فيذكر الإنسان زميله إذا انحرف، ويذكر أمه ووالده، ويذكر من جالسه، ومن مشى معه. فالتذكير مشروع. هذا شمعان يذكر فرعون وملأه؛ لعل الله يهديهم، وقد قال تعالى: وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات:55]. وأما السكوت والإعراض فلا خير فيهما أبداً. ولا بد من التذكير بالكلمة الطيبة، كأن تقول: يا قوم! لعل الله عز وجل يهديهم، فنحن مأمورون بالتذكير، فنقتدي بـشمعان ، ونقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو ما جلس مجلساً إلا ذكر أهله.