إسلام ويب

تفسير سورة غافر (5)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله عز وجل ينزل الآيات تذكيراً للعباد ليؤمنوا ويوحدوا، ويذكر سبحانه خبر الأمم السابقة وعظاً واعتباراً لمن جاءوا بعدهم، وقد قص الله على مشركي العرب قصصاً شتى من قصص من قبلهم، وأعاد ذكر هذه القصص بأساليب مختلفة ومناسبات متنوعة، لعلهم يرعوون ويذّكرون، لكنهم بقوا في غيهم سادرين، وعلى طريقة آبائهم من الكفر والجحود سائرين، فما أغنت عنهم التذكرة، ولا نفعتهم الموعظة، فأصبحوا خاسرين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ [غافر:21-22].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ [غافر:21]، اذكروا أن النبي محمداً صلى الله عليه وسلم قضى بمكة ثلاث عشرة سنة وهو يدعو إلى أن يُعبد الله وحده، ولا يشرك به غيره. وأهل مكة ومن حول مكة بعيداً وقريباً أبوا أن يستجيبوا، وأصروا على عبادة الأصنام، وأصروا إصراراً كاملاً على عبادة أصنامهم، وجادلوا وناقشوا في ذلك، وتبجحوا وقالوا ما قالوا؛ من أجل البقاء على الشرك، والعياذ بالله. وكانت الشياطين هي التي تدفعهم لهذا المنكر ولهذا الباطل ولهذا الشرك، الذي هو أعظم الذنوب عند الله.

    عقاب الله للأمم السابقة

    قال تعالى لهم: أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ [غافر:21]؟ أي: ما دام أهل مكة مصرين على الشرك والباطل والمعاصي والذنوب والآثام، وبتكذيب رسولنا، والكفر بنا وبتوحيدنا، وعلى أن يغفلوا هذه الغفلة فليسيروا في الأرض شمالاً وجنوباً؛ ليشاهدوا آثار المشركين، وكيف أهلكهم الله ودمرهم. ففي الجنوب كانت عاد، وهي من أعظم الدول في ذلك الزمان، وقد كان طول أحدهم اثني عشر ذراعاً، وبيوتهم عجب، ومع ذلك قال تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ [الفجر:6-8]. فقد كان قوم عاد جبابرة طغاة، فبعث الله تعالى إليهم رسوله هوداً عليه السلام، وهو منهم، ولكن الله اصطفاه واجتباه، ونبأه وأرسله إليهم، يدعوهم إلى أن يعبدوا الله وحده، ولا يشركوا معه هذه الآلهة الكاذبة، وقال لهم: إن هذه أصنام وتماثيل صنعتموها بأيديكم، ثم أنتم تعبدونها ، وطالبهم بالتوحيد، فأصروا على الشرك سنين، فما كان إلا أن أخذهم الله عز وجل، واقرءوا قوله تعالى في سورة الحاقة: الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ * كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ * فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ * وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ [الحاقة:1-7]، أي: الريح. وهم طالبوا رسول الله هوداً بالمعجزات، وقالوا له: أرنا ما يدل على نبوتك ورسالتك، وأصروا على الشرك والكفر، والعياذ بالله، فأرسل الله تعالى عليهم ريحاً سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى [الحاقة:7] كالنخيل إذا سقطت، كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ [الحاقة:7]. فالنخلة إذا كانت سقطت يمتد طولها في الأرض، وكذلك هم لطول أجسامهم؛ إذ كان طول أحدهم اثنا عشر ذراعاً، أي: ستة أمتار. فأصبحوا كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُمْ [الحاقة:7-8] أيها السامع! مِنْ بَاقِيَةٍ [الحاقة:8]؟ فوالله لا يوجد منهم ولا أحد، فقد انتهوا.

    ومنازلهم وديارهم كانت ما بين اليمن وحضرموت إلى عمان، وكان فيها مزارع ونخيل عجباً، ولكنهم كفروا تلك النعمة، فدمرهم الله وأهلكهم، ونجى هوداً عليه السلام والمؤمنين به، فنزلوا بمكة، وبعضهم نزح إلى الشمال، فتكونت منهم قبيلة ثمود.

    وهذا الهلاك الذي تم لعاد سببه كفرهم وحربهم وعنادهم لرسولهم، وإصرارهم على عبادة الأصنام. هذا هو السبب. فأهلكهم الله. فإذاً: يا أهل مكة! تفضلوا امشوا إلى تلك الديار وشاهدوها، كما قال تعالى: أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُوا بأعينهم كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ [غافر:21]؟ فقد كانت هلاكاً ودماراً وخراباً.

    وقوله: كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً [غافر:21]، أي: عاد وثمود أقوى من العرب في جاهليتهم، فهؤلاء ليسوا بشيء بجانب أولئك، فثمود اتخذوا الجبال مصانع، واتخذوا في الجبال عمارات، ولكنهم لما كذبوا صالحاً، وكان قد أرسله الله تعالى إليهم، وألحوا عليه بالإتيان بالآيات؛ حتى يؤمنوا، فما كان منه إلا أن قام يصلي ويديه مرفوعتين إلى ربه، وسأله أن يخرج لهم من جبل بين أيديهم ناقة عشراء، فما زال يدعو الله حتى انشق الجبل، وخرجت ناقة عشراء عجيبة والله العظيم. فقد كذبت ثمود، وطالبوا بالمعجزة، فجاء الله بأعظم معجزة على يد عبده ورسوله صالح، فانشق الجبل، وخرجت منه ناقة عشراء بلبنها. وأعظم من ذلك العين التي كان يستقي منها أهل ثمود، فقد كانت تشربها الناقة وحدها في يوم كامل، وفي اليوم الثاني كانوا يستقون هم من هذه العين، ويأخذون الماء منها. وكان الماء الذي تشربه كله يتحول إلى لبن، فكان أي امرأة أو أي رجل يأتي يحلب منها طول النهار، فيأتي بسطله بإنائه أو بأوانيه ويملأها. وليس هناك آية أعظم من هذه. ومع هذا أصروا وكذبوا، وقد جاء في سورة وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا [الشمس:1] قول الله تعالى: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا [الشمس:11]. وهذه الباء باء السببية، أي: بسبب طغيانها، فـ كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا [الشمس:11]، أي: بسبب طغيانها.

    كثرة الكفر والطغيان في أهل المال والسلطان

    وهنا لطيفة علمية، وهي: أن أكثر الأمم التي تصر على الكفر والعناد والشرك هم أهل الثروة والمال والعناد، ولو كانوا فقراء مساكين فإنهم ما يقفون هذا الموقف، ولكن الغنى أطغاهم، كما قال تعالى هنا: كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا * إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا [الشمس:11-12]. وهذا هو قدار بن سالف ، وكان الشبيه به في مكة عقبة بن أبي معيط ، فكأنه هو مع أن بينهما قروناً عديدة، فـعقبة بن أبي معيط كأنه قدار بن سالف . فـقدار بن سالف المجرم المشرك الكافر قال لهم: أنا أعقر الناقة وأنا أقتلها، وكان يتجول في القرى وفي الأحياء يطلب إذناً منهم بذلك، ويسألهم أن يأذنوا له أن يقتل هذه الناقة؛ ولنرى ماذا يحدث؟ فوافقوا، فما كان منه إلا أن عقرها وقتلها، فنزلت بهم المحنة، وأُعلموا أن بقاءهم في مدنكم في بلادكم ثلاثة أيام فقط، كما قال تعالى: تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ [هود:65]. وبدأ اليوم الأول بيوم الأربعاء، فوجدوا أنفسهم فيه جاثمين على الركب، ثقالاً، ما يستطيع أحدهم أن يمشي، واصفرت وجوههم فيه، ثم يوم الخميس اسودت وجوههم، ويوم الجمعة أحمرت وجوههم، ويوم السبت أخذهم الله عز وجل بصيحة واحدة، فصاح بهم جبريل صيحة خرجت منها أرواحهم، فأهلكهم الله.

    وكان العرب في مكة يعرفون هذا، فمدائن صالح شمال المدينة ما بين الشام والحجاز، وهي موجودة إلى الآن، وديارهم التي كانت في الجبال موجودة، ومياههم موجودة. فاعتبروا يا أهل مكة! وتوبوا إلى الله، وادخلوا في الإسلام، واعبدوا الله عز وجل، ولا تصروا على هذا الكفر والشرك.

    ولا عجب من إصرارهم هذا، فالعالم اليوم من أمريكا إلى الصين واليابان كلهم مصرون على الكفر والله العظيم، وقد سمعوا بالإسلام، وأنه دين الله الحق، وهو يتلى في إذاعاتهم، ولكنهم أبوا أن يسألوا عنه، ولا أن يتعرفوا عليه، ولا أن يسلموا أبداً. وهم الآن يعيشون على الكفر والشرك، والفسق والفجور، والخبث والعفن والنتن المر، وهم مصرون على ذلك، ولا عجب.

    وفرعون طغى وتجبر وتكبر، فأرسل الله تعالى إليه عبده ورسوله موسى بآيات عجيبة، وهي تسع آيات، ومن بين تلك الآيات العصا، فقد كان يلقيها هكذا فتتحول إلى ثعبان، يلقف كل ما عند السحرة. وكذلك يده كان يدخلها في جيبه ويخرجها بيضاء كأنها فلقة قمر. وجاء بتسع آيات وما استجابوا.

    وهذا شأن من قضى الله في قضائه وقدره بأنه من أهل النار؛ فإنه ما يستجيب. فالذين حكم الله بأنهم من أهل جهنم ما استجابوا.

    وهو تعالى يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ [غافر:21]؟ يعني: أهل مكة كفار قريش، فَيَنظُرُوا [غافر:21] بأعينهم كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ [غافر:21]. فقد كانت دماراً وهلاكاً وخراباً نهائياً؛ بسبب كفرهم وشركهم، وحربهم لرسلهم وعنادهم، وكانوا هم أشد من أهل مكة قوة والله، فعاد لا تسأل عن قوتها، وثمود كذلك في الغنى والمال والسلطة، فقد كانوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الأَرْضِ [غافر:21]. فقد كان لهم من العمران والبناء والتأثير شيء عجب. وليس هناك قيمة لأهل مكة بجانبهم. فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ [غافر:21]، بأن دمرهم وأهلكهم؛ بسبب ذنوبهم.

    والذنب يا عباد الله! مأخوذ من الذنَب، الذي هو ذيل الحيوان من الوراء. فأية معصية يرتكبها العبد يؤخذ بها كما يؤخذ الحيوان من ذنبه، فلهذا سميت بالذنب. والذنَب: ذيل الحيوان، والإنسان لما يذنب ذنباً يتهيأ لأن يأخذه الله بذنبه، كما نأخذ الحيوان من ذنبه. وهؤلاء أخذهم الله بذنوبهم، وهذه الذنوب هي: الكفر والشرك، وحرب الرسول صلى الله عليه وسلم، والعناد والعصيان، والفسق والفجور. هذه كلها هي الذنوب التي أخذوا بها.

    التحذير من الذنوب

    في الآية عبرة لنا معشر المستمعين والمستمعات! فلنخش الله عز وجل، ولنخش عقوبته في الدنيا قبل الآخرة، وإن الذنوب هي سبب الهلاك والدمار والخراب. ولهذا ما من مصيبة إلا بذنب، واحلف بالله على هذا ولا أتحرج. فما من مصيبة تصيب إنساناً إلا بذنب قارفه وفعله، شعر به أو لم يشعر؛ لأن الله تعالى أخذ هذه الأمم بسبب ذنوبهم، فقد عصوه وخرجوا عن طاعته، وفسقوا عن أمره، وكفروا به أو بكتابه أو برسوله، فاستوجبوا العذاب، فأخذهم بهذا الذنب، كما قال تعالى: فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ [غافر:21]. لا بسبب آخر، بل بسبب إلا ذنوبهم، وليس لأنهم بيض ولا سود، ولا أغنياء ولا فقراء، ولا غير ذلك، ولكن فقط بسبب ذنوبهم، التي هي معصية الله ورسوله، فقد كان يأمرهم الله ولا يفعلون، وينهاهم ولا يتركون، ويرغبهم فلا يرغبون، ويخوفهم فلا يخافون؛ لأن قلوبهم قاسية مدمرة كافرة، فاستوجبوا العذاب، فأخذهم، أي: بذنوبهم. وتأملوا قوله تعالى: فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ جل جلاله وعظم سلطانه بِذُنُوبِهِمْ [غافر:21].

    ثم قال تعالى: وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ [غافر:21]. فما كان لهم من يقيهم عذاب الله، لا آلهة مزعومة ولا كفرهم، ولا أموالهم ولا سلطانهم ولا غناهم أبداً، بل وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ [غافر:21]، أي: من يقيهم عذاب الله. وإذا أراد الله أن يعذب أمة أو فرداً أو جماعة فلا أحد يقيهم العذاب، كما قال تعالى: وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ [غافر:21]، أي: من غير الله مِنْ وَاقٍ [غافر:21] يقيهم. فإذا أراد الله الآن أو بعد الآن أو في أي يوم أن يؤاخذ أمة أو جماعة أو فرد فليس هناك من يقيهم عذاب الله والله، ولا واقي إلا الله، ومن وقاه الله وقاه، ومن لم يقه الله لم يحفظه أحد، ولم يقه أحد. وهذه الأمم كل مائة سنة أمة تفنى، ولم يستطيعوا أن يعيشوا بعد أن أراد الله لهم الموت.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا ...)

    قال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ [غافر:22]، أي: سبب أخذ الله لهم بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ [غافر:22] والحجج القاطعة. والبينات جمع بينة، وهي: الحجة الظاهرة، وهي: ما ينزله الله على رسله من حكم وشرائع، وآداب وأحكام من الله عز وجل.

    وكذلك البينات المعجزات، فعيسى عليه السلام كان يحيي الميت، ويعالج الأكمه والأبرص، فيرد الله له سمعه ولسانه. وموسى كما علمنا كان له تسع آيات. ونبينا صلى الله عليه وسلم أعطي أعظم آية، وهي القرآن الكريم، فقد كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب، ولا يعرف الألف ولا الباء أبداً، وقد عاش أربعين سنة وهو أمي، وهو المسمى بالأمي، وبعدما بلغ أربعين سنة من عمره أصبح نبياً رسولاً، ينبئه الله ويرسله، وينزل عليه كتابه، وهو القرآن، وهو هذا الذي نتلوه، وهو لم ينزله أحد غير الله، وهو ليس كلام بشر والله.

    ولما شكوا وارتابوا تحداهم الله عز وجل بأن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا، وكانوا فصحاء بلغاء، أرباب بيان شعراء، وقل ما شئت في بيان العرب، ومع هذا عجزوا، فقد تحداهم تعالى بقوله: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة:23]، أي: من أمي مثل محمد، أو بسورة مثل القرآن، فإذ لم تأتوا به آمنوا خيراً لكم، وأسلموا.

    من معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم

    معجزات الرسول الله صلى الله عليه وسلم ألف معجزة، وكانت أعظم معجزة في مكة عندما تحدوه، وقالوا له: إن كنت رسول الله فلينشق هذا القمر قسمين، أي: نصفين، فدعا ربه، فانفلق القمر والله فلقتين، فلقة وراء جبل أبي قبيس، وفلقة من هنا، وشاهدها أهل مكة وكل العرب في تلك الليلة، ونزل في ذلك قرآن كريم، فقال تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1]. وقوله: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ [القمر:1]، أي: ساعة الفناء، وَانْشَقَّ الْقَمَرُ [القمر:1]. لأن بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم آية من آيات قيام الساعة والله العظيم وعلامة من علامات القيامة؛ لأنه آخر رسول من رسل الله وآخر نبي، وليس بعده نبي ولا رسول؛ لأن الأيام معدودة الآن، وما بقي منها إلا القليل. فبعثته آية من آيات الله على قرب القيامة وقرب الساعة، وهو كذلك. وها هو تعالى يقول في هذه الآية الكريمة: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ [القمر:1-3]. فقال: وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ [القمر:3]. فهم لا عقول لهم، ولو اتبعوا عقولهم والله ما كفروا بمحمد، ولا حاربوه ولا وقفوا في وجه دعوته، فهو يقول تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ [غافر:22]، أي: بسبب كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا [غافر:22]. والأمم كلها ليست عاداً وثمود فقط، بل وكذلك المؤتفكات وقوم فرعون، وما إلى ذلك. فكل الأمم الكافرة لما تكفر وتحارب الرسل يأخذها الله عز وجل بذنوبها، كما قال تعالى هنا: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ [غافر:22]. فهو قادر على أخذهم، فالذي أوجدهم قادر على إعدامهم، فقد كانوا غير موجودين فأوجدهم، ولن يعجز أن يميتهم، أو يأخذهم بسبب بذنوبهم.

    معشر المستمعين والمستمعات! هيا نجتهد ما استطعنا بألا نذنب ذنباً أبداً، ومن زلت قدمه وأذنب فليتب إلى الله وليستغفره؛ فإن التوبة تمحو ما قبلها. وسبحان الله! فالتوبة تجب ما قبلها، وقد أسلم كفار مشركون محاربون ودخلوا في الإسلام، وقبلهم الله، وأكثر الأصحاب هكذا كانوا كافرين مشركين، ولكن بالتوبة النصوح الصادقة يمحى ذلك الأثر كله، وتصبح أرواحهم مشرقة نيرة كهذا النور.

    ثم قال تعالى: إِنَّهُ قَوِيٌّ [غافر:22]، أي: قادر لا يعجزه شيء، فالذي علق الشمس في السماء لا يعجزه شيء. فهو الذي أوجد الشمس، وهذا الكوكب العظيم كله نار ما بين السماء والأرض، وقد قالت العلماء علماء الأمة قبل علماء الكفر: الشمس أكبر من الأرض بمليون ونصف مليون مرة. والله هو الذي أوجدها وأتى بنارها، وكذلك هذا القمر الذي نشاهده كل شهر هلالاً ثم بدراً ثم هلالاً ويدور في الكون الله هو الذي فعل به هذا. فهو لن يعجز عن أن يميتنا والله، فإن ربي على كل شيء قدير.

    وهذه الأمم الآن على وجه الأرض والله ما يمضي زمان إلا ولا يبقى منها أحد، ونحن والله نقترب من الساعة. وقد ذكر لنا نبينا صلى الله عليه وسلم علامات كثيرة قبلها بلغت الستين، وكلها وقعت.

    وعندنا لطيفة من هذه العلامات، فاسمعوها: من علامات الساعة: أننا نركب أشباه الرحال نقف بها عند باب المساجد، وهذا المركب الذي نركبه هو السيارة. وقد أخبر صلى الله عليه وسلم أنه لا تقوم الساعة حتى نركب أشباه الرحال. والسيارة شبيهة بالرحل، فالغطاء من فوق، والكرسي أسفل كالرحل، وينزلون بها على أبواب المساجد. والآن عند أبواب المساجد سيارات تقف حتى ينزل المصلون ويدخلون المسجد. ( نساؤهم كاسيات عاريات )، أي: كاسية من جهة وعارية من جهة، وهي ليست فقيرة لا تجد ما تستر به عورتها، بل هي غنية، ولكنها كاسية من جهة الاسم، وعارية من جهة أخرى. ( على رءوسهن كأسنمة البخت العجاف ). وهذا هو الذي نسميه بالباروكة، فهذه الباروكة عندما تضعها المرأة على رأسها تصبح كسنام البعير، أي: كذروة البعير. وهذه الباروكة كانت تباع في فرنسا بعشرة ريالات، وتجارنا استوردوها ويبيعونها بمائة ريال. فلما صرحنا بهذا الحديث الشريف قام رجال الهيئة أبقاهم الله وأيدهم بمصادرة تلك الباروكات، ومنعوا إدخالها إلى المملكة، فمنعت، والحمد لله. وقد قال في الحديث: ( نساؤهم كاسيات عاريات، على رءوسهن كأسنمة البخت العجاف، العنوهن فإنهن ملعونات ). فكنا نقول: لعنة الله عليهن. فما بقيت امرأة في المدينة تلبسها، والحمد لله.

    وقوله: ( يركبون على السرج كأشباه الرحال، ينزلون بها على أبواب المساجد )، هي هذه السيارات والله. الرسول صلى الله عليه وسلم ما رأى السيارة حتى يخبر بها، وهي لم تكن موجودة في العالم والله. ولذلك صورها هذا التصوير العجيب، فقال: ( يركبون على السرج كأشباه الرحال ). ألا وهي السيارة. ثم قال: ( نساؤهم كاسيات عاريات، على رءوسهن كأسنمة البخت العجاف، العنوهن فإنهن ملعونات ). وهذه أعظم آية، وقد وقعت كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: الساعة قريبة والله. ولم يبق إلا ظهور الآيات العشر الكبرى، وإذا ظهرت آية منها تتابعت وتساقطت كحبات المسبحة. وأول آية تظهر: طلوع الشمس من مغربها، فإذا أصبحنا غداً والشمس طالعة من الغرب فقد انتهينا، واختل الفلك؛ لأن الشمس قد عجزت في دورتها، فظهرت من الغرب. وإذا طلعت الشمس من مغربها نزل عيسى من السماء والله على منارة في دمشق، كما أخبر بهذا الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي من أكبر المعجزات.

    وهكذا تتوالى هذه الآيات العشر، وعند ذلك تنتهي هذه الحياة نهائياً.

    هذا معنى قوله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ عليهم السلام بِالْبَيِّنَاتِ [غافر:22]، أي: بالمعجزات، فَكَفَرُوا [غافر:22] وجحدوا أنكروا، وأصروا على الشرك والكفر، والذنوب والآثام. فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ [غافر:22]. فعقابه شديد إذا عاقب. فنعوذ بالله من عقابه، فإن عقابه شديد، فقد مسخ أمم ودمرهم وقضى عليهم، ومنهم من حولهم قردة وخنازير كما وقع في بني إسرائيل.

    والله تعالى نسأل أن يتوب علينا، وأن يقينا هذا المكروه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات ] الآن مع هدية الآيات:

    [ من هداية الآيات:

    أولاً: تقرير الحكمة القائلة: العاقل من اعتبر بغيره ] فالعاقل الذي له عقل يعتبر بغيره، فإذا أكل فلان كذا فمرض لا يأكله، وإذا فلان لبس كذا فغضب عليه ما يلبسه، وإذا فلان دمّر بسبب كذا ما يفعل ما دمر به. فالعاقل من الناس من اعتبر بغيره.

    وهنا لطيفة سياسية، وهي: لما هبطت أمة الإسلام من علياء السماء إلى الأرض بعدما كانت الخلافة الإسلامية من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب احتال اليهود والنصارى والمجوس على أمة الإسلام، فأهبطوها فهبطت، فاستعمرت ديارها، ولم ينج منها إلا هذا المكان من الشرق إلى الغرب، فقد أصبحت كلها مستعمرات بريطانية وإيطالية، وأسبانية وفرنسية وهولندية، فحتى هولندا العجوز أيضاً استعمرت إندونيسيا.

    ولما هبطت أراد الله تعالى أن يقيم الحجة للبشر، فجاء الله بـعبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ، وبنى له دولة إسلامية بين دول العالم، وكون الله هذه الدولة بفضله، فقامت دولة الإسلام على أسس ذكرها الله في كتابه في قوله: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ [الحج:41]. فهذه أركان الدولة، وهي: إقام الصلاة، فلم يكن هناك رجل ولا امرأة في هذه الديار لا يصلي أبداً، بل كان يترقب ويترصد، فإذا لم يكن يصلي فإما يعدم وإما يصلي، وكذلك أوتيت الزكاة وجبيت والله من البدو من الإبل والغنم والبقر، وكذلك جبيت من الفلاحين من الزراعة على اختلافها، فجبيت الزكاة امتثالاً لأمر الله. وكذلك كُونت هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي موجودة إلى الآن، فكانوا إذا رأوا منكراً غيروه، وإذا رأوا معروفاً متروكاً أمروا به وأوجدوه، فكانت دولة الله في هذه البلاد.

    ثم أخذ العالم الإسلامي يستقل إقليماً بعد إقليم، وكان المفروض أن أي إقليم يستقل في الشرق أو الغرب يأتي أهله إلى عبد العزيز ، ويقولون له: لقد استقل إقليمنا، فابعث لنا قضاة يطبقون شريعة الله، فيصبحون جزءاً من الدولة الإسلامية، وهكذا الإقليم الثاني بعد عامين .. بعد خمس سنوات؛ لأنهم استقلوا موزعين في الأوقات.

    فلو كانوا يعتبرون ولو كانوا عقلاء فما دامت دولة الإسلام موجودة لما أقاموا هم دولة على غير الإسلام، ولا على غير شرع الله، فقد كنا مستعمرين لفرنسا وإيطاليا، فلما خرج الاستعمار كان علينا أن نأتسي ونقتدي بدولة الإسلام في المملكة، ولكننا مع الأسف ما كنا نعقل، ولذلك ما نفعنا الله بالاستقلال، بل أصبح حالنا أشد خراباً من قبل الاستقلال.

    والعاقل من اعتبر بغيره، ولكننا لم يكن لنا عقول، وإلا فهذه دولة إسلامية قامت، فلنحتذ حذوها، ولنمش وراءها، ولنكون مثلها. ولكن المانع الذي منعنا من هذا الشياطين وأعداء الإسلام من اليهود والنصارى والمجوس فقط.

    والشاهد عندنا معشر المستمعين!: أن العاقل هو الذي يعتبر بغيره.

    [ ثانياً: الأخذ بالذنوب سنة من سنن الله في الأرض لا تتبدل ولا تتحول ] وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا [الشورى:40]. وما من مصيبة إلا بذنب. وهذا قاعدة لا تتخلف أبداً. فما من مصيبة إلا بسبب ذنب من الذنوب أحببنا أم كرهنا. وقد قال تعالى: فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ [غافر:21]. وما قال: لأنهم بنو فلان أو فلان، أو لأنهم أغنياء أو فقراء، أو جهال أو علماء، بل قال: فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ [غافر:21]. فلهذا نتحاشى ما حيينا أن نذنب ذنباً، ومن وقع منه ذنب فعلى الفور يمحو أثره بكلمة أستغفر الله وأتوب إليه.

    [ ثالثاً: من أراد الله عقابه ] أو عذابه [ لا يوجد له واق يقيه ] ولا ترده يد أبداً، ولا يقوى أحد على أن يقيه [ ولا حام يحميه، ومن تاب تاب الله عليه ] ولهذا ما لنا إلا الله، فلنلجأ إليه في صدق. فاحفظنا يا ولي المؤمنين! وتولنا يا رب العالمين!

    وصل اللهم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.