إسلام ويب

تفسير سورة غافر (4)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الله عز وجل لطيف خبير، يعلم ما تكنه الصدور كما يعلم ما تنطق به الألسن، ويعلم خائنة الأعين كما يعلم ما تكسبه الجوارح، ثم يوم القيامة يجمع الخلائق بين يديه، ويقيم ميزان القسط، فعندها يقف الخلائق وقلوبهم وجلة، وكأنها صارت عند حناجرهم من الشدة والهول، فيعلم الظالمون عندئذ أن لا حميم لهم ولا شفيعاً يطاع في شأنهم، وإنما يوفون أعمالهم، ويدخلون النار التي أعدت لهم، جزاء كفرهم وتكذيبهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ * يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ * وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [غافر:18-20].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ [غافر:18]، الآمر هو الله، والمأمور رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذه الآية وحدها تدل على أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.

    وقوله: وَأَنذِرْهُمْ [غافر:18]، أي: خوفهم وأنذرهم من يَوْمَ الآزِفَةِ [غافر:18]. ويوم الآزفة هو يوم القيامة. وقيل فيها: آزفة بمعنى: قريبة، وهي والله لقريبة. وجاء من سورة النجم: أَزِفَتِ الآزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ [النجم:57-58] تكشفها وتظهرها؛ إذ لا يعلم وقتها إلا الله، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا غيرهم. وقال تعالى: وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ [النحل:77]. ولكن علمها عند الله، فعلم الساعة ليس عند كائن إلا الله، فهو الذي يعلم متى تتجلى وتظهر وتنكشف.

    وقوله: وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ [غافر:18]، أي: يوم القيامة. وقد سميت بالآزفة لازدلافها وقربها منا.

    ثم قال تعالى: إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ [غافر:18]. والقلوب جمع قلب، وهو عضو في داخل الجسم ينبض، ويتدفق منه الدماء للشرايين؛ حتى تتم الحياة. هذا هو القلب، والجمع قلوب. والحناجر جمع حنجرة، وهي عند الصدر.

    فالقلوب تكون عند الحناجر كاظمين، فأهلها كاظمون في كرب وغيظ عظيم، فإذا ظهرت الساعة حصل هذا الذي أخبر تعالى به، فالقلوب ترتفع من شدة الكرب إلى الحنجرة، وتفارق مكانها. والكظم قد أزف، وكذلك الهم والكرب. بل الموت العادي إذا حضره إنسان يكرب ويحزن، فكيف بالساعة بكاملها وقيامها على البشرية كلها؟

    وقوله: وَأَنذِرْهُمْ [غافر:18]، أي: يا رسولنا! أنذر قومك، وخوفهم من يوم الآزفة يوم القيامة؛ حتى يعبدوا الله ويستقيموا على شرعه ودينه. والذين آمنوا وعملوا الصالحات وتجنبوا الشرك والسيئات هؤلاء لا يكربهم ولا يحزنهم يوم القيامة، بل يسعدون فيها، ولكن الكافرين والظالمين والفاسقين والمشركين هم الذين يكربهم هذا اليوم.

    وقد سماه الله تعالى بالقارعة؛ إذ قال تعالى: الْقَارِعَةُ [القارعة:1]. فهي تقرع القلوب بالهم والكرب والحزن. وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ [القارعة:3-4]، أي: الفراشات التي تتطاير، فهم لا عقول لهم تائهين. وَتَكُونُ الْجِبَالُ [القارعة:5] على عظمتها ورسوخها في الأرض كَالْعِهْنِ الْمَنفُوشِ [القارعة:5].

    وسماها الحاقة، فقال: الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ [الحاقة:1-3]. وسماها الواقعة، فقال: إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ [الواقعة:1-3] وذلك إِذَا رُجَّتِ الأَرْضُ رَجًّا * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا [الواقعة:4-6].

    هذه هي الآزفة يا رسول الله! فخوف قومك، وأنذرهم مما سينزل بهم ويصيبهم يوم القيامة. وهذا الإنذار عام لكل إنسان على سطح الأرض؛ إذ كلنا نستقبل ذلك اليوم، ونكون فيه. فلهذا يجب أن نتهيأ لذلك اليوم بالإيمان الصحيح والعمل الصالح، مع اجتناب الشرك والكفر، والذنوب والآثام؛ حتى نسعد في ذلك اليوم ولا نشقى.

    وقوله: وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ [غافر:18]، أي: يوم القيامة القريب جداً؛ إِذِ الْقُلُوبُ [غافر:18] يومئذ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ [غافر:18].

    لا شفاعة للظالمين يوم القيامة

    قال تعالى: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ [غافر:18] لا قريب ولا حبيب وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر:18]. ففي هذا اليوم مَا لِلظَّالِمِينَ [غافر:18]، أي: ليس لهم من حميم يحميهم، ولا حبيب ينجيهم، وَلا شَفِيعٍ [غافر:18] يشفع لهم، فيطاع فيهم بالشفاعة.

    معنى الظلم وأنواعه

    هنا أقول مكرراً القول والتكرار ينفع: قوله تعالى: مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر:18]، الظلم ثلاثة أنواع، نسأل الله ألا نكون من الظالمين: ظلم العبد لربه، والعبد يظلم ربه عندما يأخذ حق الله ويعطيه لغيره. فهذا ظلم؛ إذ الظلم وضع الشيء في غير موضعه. فالذي يضع العبادة لغير الله هو ظالم، وهذا أفظع أنواع الظلم، وقد قال الله تعالى في آيتين من كتابه: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]. وبيان ذلك أبناء الإسلام! أن الله خلقك ورزقك وخلق الحياة كلها من أجلك، ثم أمرك بعبادات تعبده بها، مقابل إطعامك وسقيك، وكسوتك وحياتك. فإذا أعرضت عنه وعبدت بها غيره فليس هناك ظلم أفظع من هذا الظلم. ولهذا قال الله: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13].

    فعلى العبد أن يعرف عبادة الله التي أنزل بها كتابه، وبعث بها رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم يعبد الله بها، ولا يصرف منها كلمة لغير الله.

    وأعظم مظاهر العبادة: الدعاء والسؤال والطلب. فيا عبد الله! لا تسأل غير ربك، ولا تطلب غير الله، ولا تستعذ بغير ربك، فإنه والله لا يعيذك أحد إلا الله، وكذلك الاستغاثة لا تستغث بغير ربك، بل قل: يا الله! فقط.

    وكذلك الحلف، وهو تعظيم المحلوف به وإجلاله وإكباره، وليس هناك من هو أعظم من الله، ولا من هو أجل من الله، ولا من هو أكبر من الله حتى نحلف به، ولهذا يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: ( من حلف بغير الله فقد أشرك )، أي: أشرك هذا المحلوف به في عظمة الله وإجلاله وإكماله.

    هذا النوع الأول من الظلم عباد الله! فلنتجنبه، ونجاهد أنفسنا حتى لا نظلم هذا الظلم، وذلك بأن نعرف العبادات التي تعبدنا الله بها، ونسأل أهل العلم، ونقرأ كتاب الله، ونقرأ سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فنعرف العبادة ما هي، فإذا عرفناها نعبد الله بها، ولا نعبد معه غيره أبداً ولو دعاء، فضلاً عن الركوع والسجود والجهاد.

    النوع الثاني من أنواع الظلم: ظلمك لغيرك من إخوانك البشر، فمن ظلم إنساناً بسلب ماله .. بانتهاك عرضه .. بشتمه .. بسبه .. بضربه .. بقتله فقد ظلمه. وهذا من أنواع الظلم العظيمة؛ إذ قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( ولا تظالموا )، أي: لا يظلم بعضكم بعضاً. فلنحذر أن نظلم إنساناً ولو كان كافراً، ولو كان يهودياً، ولو كان بوذياً، فالظلم حرام، فلا نظلم أحداً أبداً، سواء كان كافراً أو مؤمناً. والمؤمن ما يظلم، والمسلم الحق والله ما يظلم أبداً. والظلم: وضع الشيء في غير موضعه. فكونك تسب فلاناً .. تشتمه .. تعيره .. تحتقره .. تضربه .. تقتله .. تسلب ماله .. تنتهك عرضه مع امرأته أو بناته ليس هناك ظلم أعظم من هذا الظلم. فلا يظلم بعضكم بعضاً، فقد نهى الله عز وجل عن هذا.

    وهذا النوع من أنواع الظلم أيضاً منتشر بين الناس كالشرك، والعياذ بالله تعالى.

    النوع الثالث من أنواع الظلم هو: ظلمك لنفسك يا عبد الله! فلا تظلم نفسك.

    كيفية ظلم العبد لنفسه وكيفية تزكيتها

    كيفية ظلم العبد لنفسه يكون بارتكاب المعصية لله والرسول، فهذا ظلم للنفس. فأي ذنب تقترفه هو ظلم لنفسك، وأي معصية ترتكبها هي ظلم لنفسك؛ لأن نفسك كانت مشرقة كهذا النور يوم نفخها الملك وأنت في رحم أمك، وتبقى مشرقة مستنيرة حتى تقع في معصية الله ورسوله، فينعكس ذلك ظلماً ودخناً وعفونة على نفسك. هذا ظلم النفس. فكل ذنب وكل إثم يقع أثره على النفس، وهذا ظلم لها. حتى إذا اسودت وتعفنت وتدست تصبح مكروهة لله، فلا يحبها الله والله، ولا يقبلها في جواره أبداً، وقد قال عز وجل في هذه القضية: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]. فهذا خبر أخبر به الله، وهو مؤكد بسبعة أيمان، فالله يحلف من أجلنا؛ حتى نصدق ما يقول، وإليكموها: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا [الشمس:1-8]. فهذه سبعة أيمان؛ لأن الأمر عظيم، ولهذا أكده بالأيمان حتى ما يبقى في نفسك شيء أبداً على هذا الحكم الإلهي، وهو: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس:9]، أي: نفسه، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:10]، أي: نفسه.

    ومعنى زكاها: طيبها وطهرها. وسميت الزكاة زكاة لأنها تزكي النفس وتطهرها. وكل عبادة حتى كلمة سبحان الله تريد بها وجه الله تزكي النفس وتطهرها، مثل: صلاة ركعتين، أو قولك: لا إله إلا الله، أو صدقتك بدينار أو أقل من دينار، فكل هذه تزكي النفس. وكل الأعمال الصالحة تزكي النفس البشرية والله العظيم. فقد أفلح من زكى نفسه وطيبها وطهرها.

    وأدوات التزكية والتطهير ليست الماء والصابون، فهذا لا يزكي النفس، وإنما هذا يزكي الثوب والبدن، وأما النفس فلا يزكيها إلا العمل الصالح، والعبادات شرعها الله من أجل أن تزكوا نفوس عباده، فإذا ماتوا رفعهم إليه، وأصبحوا في جواره.

    فأرواح المؤمنين الصالحين والمؤمنات الصالحات والله إنها لفي الملكوت الأعلى عند الله وإن كان الجسد في القبر، فقد قال تعالى أنها في عليين، واقرءوا قوله تعالى: كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ [المطففين:18].

    وأما الأرواح المنتنة العفنة الخبيثة المدساة فوالله إنها لفي أسفل سافلين، واسمعوا قوله تعالى: وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ * لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ [التين:1-6].

    هذا هو الظلم يا أبناء الإسلام! فظلمك لإخوانك بني آدم بالظلم على اختلاف أنواعه يدسي النفس، فلنتق الله عز وجل، فنعبده وحده ولا نعصيه في طاعته وطاعة رسوله، ولا نؤذي مؤمناً ولا مؤمنة في حياتنا، وبذلك نكون قد زكينا أنفسنا، وطيبناها طهرناها، ونبعد الذنوب عن حياتنا كاملة، ومن زلت قدمه وسقط فليستغفر الله، فينمحي ذلك الأثر. فما من مؤمن تزل قدمه ويغويه الشيطان أو تؤثر فيه الدنيا ويقع في معصية ثم يقول: أستغفر الله إلا والله ينمحي ذلك الأثر ويزول. ومثاله: ثوبك الأبيض عندما يقع عليه شيء أسود أو كذا فإنك على الفور تغسله، فيزول ذلك الأثر، ويصبح كما كان نظيفاً زكياً طاهراً.

    فهذا الحكم الإلهي ما ننساه، بل نجعله دائماً بين أعيننا، وهو قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]. وكلمة من تشمل الأبيض والأسود، وفي الأولين والآخرين، والغني والفقير، والضعيف والقوي. فكل من يعمل عملاً صالحاً تزكو به نفسه، وكل من يعمل عملاً سيئاً تتدسى به وتخبث نفسه.

    والفلاح معروف في التجارة والصناعة والزراعة، فأفلح فلان في عمله بمعنى: فاز. وقد بين تعالى ذلك بقوله من سورة آل عمران في هذا الخبر العظيم: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران:185]. وليس هناك من يقول: إلا نفسي لن تذوق الموت، بل هذا الحكم نافذ على كل أحد، وهو كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:185]. فيا أيها العاملون! ويا أيها الشغالون! لا تطالبوا بالأجر اليوم، فهذه ليست دار الجزاء، وإنما هذه دار العمل فقط، وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:185]. فلو عملت ستين .. سبعين سنة فلن تأخذ أجرك الآن؛ لأن هذه ليست دار جزاء، بل دار الجزاء هي الدار الثانية التي بعد نهاية الحياة، فإذا انتقلنا إليها فثم الجزاء، كما قال تعالى: وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:185]. فقد يعيش أحدنا سبعين سنة مريضاً، أو سبعين سنة فقيراً، أو سبعين سنة وهو يعبد الله الليل والنهار، ولا يجد جزاء عبادته؛ لأن هذه ليست دار الجزاء، بل هذه دار عمل فقط، والجزاء في الدار الآخرة. ولذلك قال تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185]. فهذا الفوز ليس كسبك بعيراً أو سيارة أو عمارة، وإنما هو كما قال الله: فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ [آل عمران:185]. فهذا أعلن عن فوزه بأنه فاز فلان ابن فلان.

    وهذه الآية من كتاب الله تعدل الدنيا وما فيها، وهي قوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:185]. وليس هنا. فصم ما شئت واركع واسجد ما شئت، فهذه ليست در الجزاء، بل هذه دار عمل، ولذلك الرجل الكافر الفاسق الفاجر قد يعيش سبعين سنة ظلماً وكفراً بل وحتى ما يمرض؛ لأن هذه الدار ليست دار جزاء، بل الجزاء يوم القيامة يوم الآزفة، وقد اقتربت. وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [آل عمران:185]. هذا هو الفوز المقصود في قوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس:9]. فأفلح بمعنى: فاز، أي: نجا من النار ودخل الجنة.

    وهنا يقول تعالى: وَأَنذِرْهُمْ [غافر:18] يا رسولنا! يَوْمَ الآزِفَةِ [غافر:18]، وخوفهم من يوم القيامة، إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر:18]. فلا حميم قريب من أرحامك ولا نسيب ولا محب يستر عنك.

    والشفاعة يقول الله فيها: وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر:18]، أي: ما يشفع فيهم أحد، وإن شفع شافع ما تقبل شفاعته، كما قال تعالى في هذه الآية: وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلا شَفِيعٍ يُطَاعُ [غافر:18].

    شفاعة الرسول العظمى يوم القيامة

    يا معشر المستمعين والمستمعات! خذوا هذا العلم، وهو: الشفاعة العظمى الكبرى هي الشفاعة في أن يقضي الله بين عباده وهم في ساحة فصل القضاء في يوم طوله خمسون ألف سنة، عندما تكون البشرية تنتظر متى يحكم الله عليها. فيأتون آدم عليه السلام يقولون: أنت آدم، خلقك الله بيديه، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، فاشفع لنا عند الله ليقضي بيننا، فنحن واقفين حفاة عراة، ووالله إن بعضهم العرق ليصل إلى حلقه .. إلى سرته .. إلى ركبتيه، فما كان من آدم عليه السلام إلا أن يحيلهم على نوح، ويقول: أنا عصيت ربي، فقد نهاني عن الأكل من الشجرة وأكلت، فكيف أواجهه وأقابله وأقول: يا رب! اشفع؟ عليكم بنوح.

    فيأتون رسول الله نوحاً عليه السلام، وهو أول الرسل، وهو أحد أولي العزم الخمسة، ويقولون: يا نوح! اسأل ربك أن يقضي بيننا ويفصل هذا اليوم عنا، فيعتذر نوح عليه السلام من كلمة قالها باجتهاد منه، وهي قوله: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا [نوح:26]، أي: لا تبقي أحداً منهم. وهو ما أصاب فيها، فقد يسلمون ويعبدون الله، فلا تدعو بالهلاك عليهم جميعاً. فيذكر هذه الغلطة ويقول: كيف أواجه ربي وأنا قلت كذا؟ عليكم بإبراهيم. وإبراهيم أبو الأنبياء عليه السلام.

    فيأتون الخليل ويقولون: يا إبراهيم! يا خليل الرحمن! اشفع لنا عند ربك ليقضي بيننا، فيعجب إبراهيم ويقول: كيف أقابل ربي وأطلب منه الشفاعة وأشفع لكم وأنا كذبت ثلاث كذبات؟ وإبراهيم عاش مائة وعشرين سنة كذب فيها ثلاث كذبات، ونحن لا يوجد منا أحد يقول: لم أكذب إلا خمس أو عشر.

    أقول من باب التوسعة عليكم: والله ما أذكر أنني كذبت كذبة من يوم ما بلغت، ولا عجب. فوالله ما أذكر أنني كذبت كذبة متعمداً منذ أن بلغت سن الرشد. ومعنى هذا: أنه هذا ليس صعباً أبداً. فلا نكذب. وإبراهيم كذب ثلاث كذبات فقط، ولذلك قال: ما أستطيع أن أكلم ربي وأطلب منه أن يقضي بينكم وأنا كذبت ثلاث كذبات. وكذبات إبراهيم خير من صدقنا نحن، وهذه الكذبات هي:

    الكذبة الأولى: لما جاء العيد جاءوا لإبراهيم وقالوا: يا إبراهيم! اخرج معنا غداً للعيد؛ لنرفه على أنفسنا بالطعام والحفل وغير ذلك، فنظر نظرة في النجوم وقال: إني سقيم، ما أستطيع أن أخرج، فأنا مريض، ونظر إلى النجوم ليوهمهم؛ لأنهم يعبدون النجوم، فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ [الصافات:88-89]. ما أستطيع. وهذه عدها كذبة، فهو لم يكن مريضاً لما قال: أنا سقيم؛ وذلك من أجل أن يخلو إذا خرجوا من المدينة إلى اللهو واللعب فيحطم أصنامهم ويقضي عليها. وبالفعل لما خرجوا كان كل من عنده صنم يعبده يضع بين يديه صحفة من الحلويات والبقلاوة وغير ذلك من أنواع الطعام؛ حتى تباركها الآلهة، وغداً لما يرجعون يأخذونها ويأكلونها؛ لأن فيها البركة. وهذا يفعله النصارى الآن، وكثير من الجهال.

    الكذبة الثانية: لما خرج قوم إبراهيم إلى عيدهم بقي وحده، فمر بساحة الأصنام، وهي ساحة عظيمة، ثم أخذ الفأس من فئوس الحديد وأخذ يحطمها، وكسرها وحده، ثم جاء بالفأس وربطه في عنق أكبر إله عندهم، أي: أكبر صنم عندهم، فربط به الفأس وخرج، فلما قضوا عيدهم وعادوا في المساء متكالبين يريدون الحلويات التي باركتها الآلهة، وجدوها متناثرة، فقالوا: مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ [الأنبياء:59-61]. وجاءوا به وقالوا له: أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ [الأنبياء:62-63]. وأشار إلى أصبعه. ففهموا أنه قال الصنم. فكانت هذه كذبة، وهي خير من صدقنا. قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ [الأنبياء:63-65]. فحكموا على إبراهيم بالإعدام حرقاً، فأججوا النار، فبقيت أربعين يوماً وهي مشتعلة، وساهم فيها الكبير والصغير، والذكر والأنثى، ولما جاء اليوم الذي يلقونه في النار وضعوه في منجنيق ودفعوه، وفي الطريق قال الله للنار: يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ [الأنبياء:69]. فألقوه في النار، فوالله ما أحرقت إلا الكتاف الذي في يديه ورجليه، وخرج وجبينه يتفصد عرقاً. وكان قد عرض له جبريل وقال: ألك حاجة يا إبراهيم؟! فقال: أما إليك فلا، حسبي الله ونعم الوكيل. وهنا صدر أمر الله للنار: قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ * وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ [الأنبياء:69-70].

    الكذبة الثالثة: لما ألقي إبراهيم في النار ونجا أراد أن يهاجر من تلك الديار ديار أرض بابل؛ لأنها ما تصلح للحياة فيها، فخرج مع زوجته سارة بنت عمه، وابن أخيه لوط عليه السلام، ثلاثة أنفار، وتركوا أموالهم وديارهم وأهاليهم، وخرجوا مهاجرين متجهين نحو بيت القدس ونحو الشام. وهذه أول هجرة وقعت لله في الأرض. فلا تنسوا هذا، وهو أن أول هجرة وقعت في الأرض هذه الهجرة، أي: هجرة إبراهيم وامرأته وابن أخيه من أرض بابل إلى الشام. فهذه أول هجرة إلى الله، كما أخبر بهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإبراهيم نفسه قال: إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ [الصافات:99]. ومشى يتجول ويدعو إلى الله في تلك البلاد، حتى وصل إلى أرض مصر، وامرأته معه، وأما لوط فلم يكن معهم، بل كان قد تخلف في مدائن المؤتفكة.

    فلما شاهد القوادون - بلغة المغرب- والجرارون -بلغة الحجاز، والقواد هو الذي يقود الرجل الذكر إلى الأنثى، فيسمونه قواداً. والجرار هو ذاك الذي يسوق إلى الزنا، والعياذ بالله- إبراهيم وامرأته، قالوا للملك المصري: توجد امرأة لا أجمل منها في الأرض، وأنت أولى بها، فقال: ائتوني بها، فلم يكن لإبراهيم لا دولة ولا سلطان وهذا الملك يطلب المرأة، فقال لـسارة : يا سارة ! اعلمي أنه لا أخ لك ولا لي على هذه الأرض، وإنما فقط أنا وأنت، فإذا سألك عني قولي: أخي، ولا تقولي: زوجي؛ لأنها لو قالت: زوجي لقال: اقتلوه أولاً، فقولي: أخي فقط، ولا يوجد على سطح الأرض في هذه الديار من أخ إلا أنا وأنت فقط؛ إذ الكل كفار ومشركون، وأنا وأنت مسلمون. وهذه سماها كذبة، من أجل أن ينجي امرأته من الفجور والزنا.

    والشاهد: أن إبراهيم اعتذر إلى بني آدم وهم حوله ليشفع لهم عند الله عز وجل، وذكر هذه الكذبات الثلاث، ثم قال: أرشدكم إلى موسى، فهو أولى بهذا.

    فذهبوا إلى موسى، وقالوا: يا موسى! يا كليم الله! اشفع لنا عند الله في القضاء علينا والحكم بيننا، قال: ما أستطيع؛ فأنا قتلت نفساً. وهذه زلة أعظم مما سبق. وبالفعل فهو قد قتل نفساً، ولكنه قتلها خطأً، وليس عمداً، فقد أراد أن يلكم ذاك القبطي، فوكزه موسى في صدره فقضى عليه ومات. فقال هنا: لقد قتلت نفساً، فلا أستطيع أن أقول: يا رب! احكم بين عبادك واقض بينهم. ولكن أرشدكم إلى عيسى.

    فجاءوا إلى عيسى، فقالوا: يا روح الله! يا ابن مريم! اشفع لنا عند الله، ويقول الرسول الكريم هنا: ( لم يذكر ذنباً عيسى قط ). وهذه لطيفة، وهي: أنه في ثلاثٍ وثلاثين سنة ما أذنب قط والله. وسيعيش ثلاثين سنة أخرى، ثم يموت في المدينة، ويدفن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر . وهو هنا لم يذكر أنه أذنب ذنباً واحداً مطلقاً. ولكنه يقول لهم: أدلكم على محمد صلى الله عليه وسلم، فهو الذي يمكن أن يشفع لكم، وأما أنا فلا.

    فيأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون: يا رسول الله! اشفع لنا. فيقول: ( أنا لها .. أنا لها ).إذ وعده ربه بذلك في كتابه، فقد وعده أن يقف هذا الموقف العظيم. فيأت الرب تبارك وتعالى، فيخر ساجداً تحت العرش، ويلهمه الله بأذكار وتسابيح ما علمها، فلا يزال يسبح الله وهو ساجد على الأرض تحت العرش، حتى يقول له الرب تعالى: ( محمد! ارفع رأسك، واسأل تعط، واشفع تشفع ). فيفوز بالشفاعة العظمى، فقد وعده الله بها وعد الصدق في آية من كتاب الله، وهي قوله: عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا [الإسراء:79]. وعسى من الله تدل على الوجوب، فهذا هو المقام المحمود الذي حمده عليه أهل الأرض أجمعين. فيشفع للبشرية كلها، أي: ليقضي الله بينهم.

    وهذه الشفاعة تسمى الشفاعة العظمى، وصاحبها رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما أخبر بهذا هو صلى الله عليه وسلم. فالبشرية تتنقل ما بين آدم إلى نوح، إلى إبراهيم، إلى موسى ،إلى عيسى.. وهم يحولونها ويذكرون ذنباً اقترفوه، وأما الرسول صلى الله عليه وسلم فيقول: ( أنا لها ). فيذهب فيخر ساجداً تحت العرش، ويلهمه الله بأذكار وتسابيح ما كان يعلمها، فلا يزال يسبح ويذكر حتى يقول له الرب تعالى: ( محمد! ارفع رأسك، واسأل تعط، واشفع تشفع ). هذه هي الشفاعة العظمى.

    ودونها شفاعة أخرى، وهي: أن من مات له ثلاثة أطفال منا لم يبلغوا سن الرشد، بل ماتوا أطفالاً، وما حزن ولا كرب عليهم واتقى الله، فإنهم والله يشفعون له.

    وكذلك يشفع النبي صلى الله عليه وسلم لمجرمي وفساق هذه الأمة.

    شرطا الشفاعة يوم القيامة

    الذي ما ننساه حتى ما نتخبط هو أولاً: أنه لا يشفع أحد إلا بعد أن يأذن الله له، فإذا أذن الله لك أن تشفع في والديك شفعت، وإن لم أذن ما تشفع، وإذا قالت امرأة: رب! أريد أن أشفع في زوجي! فقد كان عبداً مؤمناً وكذا فإن أذن الله شفعت. ثانياً: لن يرضى الله عنك لتشفع إلا عمن رضيه أن يدخل الجنة، وإذا لم يرض لهذا المشفوع له بالجنة فوالله ما تقبل الشفاعة فيه، والآية في سورة النجم واضحة في هذا، وهي قوله تعالى: (( وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ))[النجم:26] بالمشفوع له ثانياً. فلا ننسى هذه الآية، فهو تعالى يقول: (( وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ ))[النجم:26] وهم ملايين (( لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا ))[النجم:26]، أي: أدنى شيء، (( إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ ))[النجم:26] لك لتشفع، (( وَيَرْضَى ))[النجم:26] عن المشفوع له. فمن هنا لا تطلب الشفاعة إلا من الله. والبهاليل والدراويش يقولون: يا رسول الله! اشفع لنا. ويضيعون أوقاتهم وكلامهم؛ لأنه لا يشفع أحد إلا من أذن الله له بالشفاعة، فلا تطلب الشفاعة إلا من الله، فلنطلبها منه. اللهم اجعلنا ممن تشفع فيهم رسولك ونبيك يا رب العالمين!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور)

    قال تعالى: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:19]. وهو الله. والعين تخون. فإذا خرجت إلى الشارع وجلست ومرت امرأة العين ولم تدر كيف تنظرها العين فهذه خائنة العيون، ففي العيون خائنة تخون، وهي النظر إلى المرأة الأجنبية.

    والله تعالى يعلم أيضاً وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:19]. فالرجل لما ينظر إلى المرأة الأجنبية يخطر بباله أن يزني بها أو يفجر بها، فالله يعلم ذلك كذلك. فلهذا لا نفتح أعيننا في امرأة أبداً. ومن أراد أن ينظر إلى حالنا ينظر ماذا نصنع في الطريق يومياً، والنساء في الشوارع. فعلينا أن نطأطئ رءوسنا؛ لأنه إذا خانت العين خيانة فإن القلب يتخبط أيضاً ويعد ويقول، والله يقول: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:19] من أي شيء. ومن هنا يجب ألا نخون ربنا، وألا تكون أعيننا خائنة، فلا ننظر إلى نساء المؤمنين من غير محارمنا، ولا نضمر شراً ولا باطلاً، ولا فساداً في صدورنا؛ فإن الله يعلمه ويجزينا به.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء ...)

    قال تعالى: وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ [غافر:20]، أي: يحكم بالحق؛ لقوته ولعلمه ولعدله، فهو يقضي بين الناس بالحق، كما قال هنا: وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ [غافر:20]. سواء كانوا أولياء أو أنبياء أو أصناماً أو حجارة، فكل من يدعونه ويعبدونه من دون الله ما يحكمون بشيء يوم القيامة، بل الله وحده الذي يقضي بالحق. وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ [غافر:20] وفي قراءة: (والذي تدعون من دونه) لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ [غافر:20]. والسبب إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [غافر:20]. يسمع كل صوت وكل حركة، ويبصر كل كائن وذرة، ومن فقد السمع لا يمكنه أن يحكم بالحق أو بالعدل، ومن فقد البصر فلن يكون حكمه عادلاً، فلابد من السمع والبصر.

    والله تعالى أسأل أن يجعلنا من أوليائه وصالحي عباده، وأن يشفع فينا رسولنا صلى الله عليه وسلم؛ لندخل الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: بيان هول يوم القيامة، وصعوبة الموقف فيه ] فهو يوم يشيب فيه الولدان، ويكون فيه هول عظيم، ولهذا قال للرسول صلى الله عليه وسلم: أنذرهم هذا اليوم.

    [ ثانياً: انعدام الحميم والشفيع ] الذي يطاع [ للظالمين يوم القيامة ] فليس هناك أبداً إلا من أذن الله له، ورضي بالمشفوع له.

    [ ثالثاً: بيان سعة علم الله تعالى ] وسمعه وبصره، فالله مطلع على كل شيء، وعليم بكل شيء، وبصير يرى كل شيء؛ فلهذا يجب أن نتقرب إليه ونتزلف إليه، ونطرح بين يديه، وندعوه ونسأله، ونستعين به ونستعيذ به؛ لأننا ليس لنا إلا هو؛ إذ هو السميع العليم [ حتى إنه يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ] فلو كان هناك عين خائنة من الملايين يعلمها، وكذلك ما تخفي الصدور من خير أو شر يعلمه.

    [ رابعاً: قضاء الله عدل، وحكمه نافذ؛ وذلك لكمال علمه وقدرته ] أي: لأنه ذو علم وحكمة، فهو لا يحكم إلا بالعلم والحق، فلهذا ينفذ حكمه.