إسلام ويب

تفسير سورة غافر (1)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كثيرة هي الآيات والمواطن التي يواسي فيها الرب جل وعلا نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم، وهو هنا يوجهه إلى الإعراض عن الذين يجادلونه في آيات الله، ولا يقبلون الحق ولا يهتدون بهديه، مبيناً له أن ما نالوه من متاع الدنيا وزخرفها إنما هو من قبيل الاستدراج والإمهال، ثم مصيرهم كمصير من سبقهم من المكذبين من قوم نوح والذين من بعدهم، من الذين حق عليهم القول واستحقوا العذاب.

    1.   

    بين يدي سورة غافر

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    ها نحن اليوم مع سورة غافر، وتسمى سورة المؤمن وسورة الطّول، وهي مكية، وآياتها خمس وثمانون آية، فهيا بنا نصغي مستمعين تلاوة هذه الآيات الخمس أو الست، ثم نتدارسها. والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ * مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ * كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ * وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ [غافر:1-6].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: حم [غافر:1] تكرر في سبع سور، وأول هذه السور سورة غافر، وتسمى سورة المؤمن، أو سورة الطَّول، وآخرها الأحقاف. وهذه الحواميم السبع تعرف بديباج القرآن أو بعرائس القرآن، وأولها غافر التي تسمى سورة المؤمن وسورة الطَّول.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (حم)

    سورة غافر المباركة مفتتحة بحرفين، فقد قال تعالى: حم [غافر:1]. وهناك سور افتتحت بثلاثة أحرف، وسور بأربعة أحرف، وسور بخمسة أحرف، وسور بحرف واحد، مثل قوله تعالى: ن ، و ق ، و ص . ومما افتتح بثلاثة أحرف قوله تعالى: طسم . وهذه الحروف المقطعة افتتح الله بها عديداً من سور كتابه.

    والسر في ذلك من حيث المعرفة والعلم نقول: الله أعلم بمراده به، فالله أعلم منا بما أراد من هذه الحروف، فقوله: المر الله أعلم بمراده من هذه الحروف، فنحن لا نعلم ذلك. وهذا هو التفويض لله، وهو الصواب، فنقول: الله أعلم بمراده به.

    من فوائد الحروف المقطعة

    هناك فائدتان عظيمتان أفادتها الحروف المقطعة في بداية السور المفتتحة بها:

    الفائدة الأولى: كان المشركون في مكة يمنعون المواطنين من أن يسمعوا قراءة القرآن، لا من أبي بكر ولا من عمر ولا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من غيره، وأصدروا أمرهم بمنع سماع القرآن؛ حفاظاً على الوطن والمواطنين كما يقولون والدولة والنظام، فمنعوهم من هذا. ثم لما نزلت هذه السور المفتتحة بهذه الحروف كان إذا أخذ القارئ يقرأ: طسم كان السامع ما يستطيع ما يسمع، بل يضطر اضطراراً إلى أن يصغي ويسمع، فإذا أصغى وسمع ينفذ نور القرآن في قلبه. والدليل على هذه القضية: ما جاء في قوله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت:26]. ولا تسمعوا له، بل إذا قرأ القارئ صيحوا أنتم وقولوا الكلام الباطل؛ حتى ما يُسمع كلامه. ونص الآية الكريمة واضح في هذا، فقد قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت:26]. فكانوا يحاربون رسول الله ودعوته، ويحاربون قرآن الله وكلامه؛ ليبقوا على الشرك والكفر، والشر والفساد. فكانت هذه هي مهمتهم، وهي البقاء على الباطل الذي عاشوا قروناً عليه، ولم يريدوا أن يدخلوا في الإسلام. فكانت هذه السور التي افتتحها الله بهذه الآيات تضطرهم إلى أن يصغوا ويسمعوا، فإذا سمعوا دخل نور القرآن في قلوبهم، فآمنوا. هذه فائدة.

    الفائدة الثانية: أن السر في هذه الحروف هي أن الله عز وجل تحدى العرب بأن يأتوا بسورة من كتابه، وأولاً تحداهم بأن يأتوا بمثل هذا القرآن وما استطاعوا، ثم تحداهم أن يأتوا بعشر سور فقط، فقال: قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ [هود:13]. وما استطاعوا. وأخيراً تحداهم بسورة واحدة، فقال: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا [البقرة:23-24] إذاً: فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:24].

    وبين لهم أن هذا القرآن مركب من هذه الحروف، فقال: حم .. طس .. الم . فألّفوا أنتم نظيره، فعجزوا، وسلموا بأنه كلام الله، وليس هو غير كلام الله. فهو مركب من هذه الحروف، وما استطعتم أن تأتوا بسورة فقط.

    وهاتان الفائدتان عظيمتان، وقد نفع الله بهما، وآمن بالقرآن من كانوا بالأمس يكفرون به، ودخلوا في دين الله.

    فلا يقال في لفظ حم الله أعلم بمراده به، بل هناك والله فائدتان عظيمتان ذكرهما أهل العلم، وهما:

    الأولى: أنه مؤلف من هذه الحروف، فألّفوا إن كنتم قادرين على مثله، فإذا عجزتم فقولوا: إنه كلام الله، وآمنوا به.

    وكذلك كان الذين لا يريدون أن يسمعوا ويلووا رءوسهم إذا سمعوا: طسم ولم يكونوا قد سمعوا هذا النغم أبداً يجدون أنفسهم مضطرين إلى أن يصغوا ويسمعوا، فيدخل نور القرآن في قلوبهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم)

    قال تعالى: تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [غافر:2]. فالقرآن تنزيل الله، فهو الذي نزله على رسوله، والقرآن كلام الله ووحي الله، وهو تنزيل من الله عز وجل، وليس بسحر ولا بشعر، ولا بكلام كهان ولا دجالين ولا ضلال، بل هو كلام الله، فهو تنزيل مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [غافر:2]. والعزيز هو الغالب الذي لا يُغلب، ولا يُمانع في شيء يريده أبداً، وهو الذي يقهر الجبابرة، ويحطم الطغاة ويدمرهم. والعليم أي: بخلقه ظاهراً وباطناً، وبالماضي والحاضر والمستقبل، فهو عليم بكل شيء. وهذا هو الله الذي تُدعون إلى الإيمان به، والدخول في دينه الذي هو الإسلام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ...)

    قال تعالى: غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ [غافر:3]. وهذه الصفات صفات الكمال، وهي لا توجد في مخلوق من المخلوقات، إذاً: فلا تُعبد الأصنام والآلهة الباطلة ويُترك الرحمن الرحيم، بل يعبد الله وحده؛ لأنه غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ [غافر:3]. وبهذا آمن العرب ودخلوا في الإسلام؛ متأثرين بهذا الكلام الطيب، وبهذه الحجج والبراهين. وكانوا قد قاوموا في أول الأمر، ولكن ما إن انتشر الإسلام حتى دخلوا في الإسلام.

    معنى قوله تعالى: (غافر الذنب وقابل التوب)

    قال تعالى: غَافِرِ الذَّنْبِ [غافر:3]. فأيما عبد يذنب ذنباً أو يعصي الله ورسوله ويقول: أستغفر الله، نادماً عازماً على ألا يعود إلى ذلك الذنب إلا غفر الله له. وما من عبد ذكراً كان أو أنثى يذنب ذنباً كأن يترك واجباً أو يفعل محرماً أو معصية لله ورسوله ثم يستغفر الله في صدق، ويقول: أستغفر الله وقلبه عازم على ألا يعود إلى هذا الذنب أبداً، وهو متندم متأسف على فعل هذا الإثم إلا غفره الله له، ومحاه عنه، ولا يطالبه به. ولا يقدر على هذا أحد سوى الله عز وجل، فهو غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ [غافر:3]. فما من عبد يتوب إلى الله ويرجع إليه إلا قبله، ولو كفر خمسين سنة أو أشرك ستين عاماً ثم تاب ورجع يقبله الله. وهذه الصفات لا تكون إلا في الله عز وجل، فهو غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ [غافر:3].

    معنى قوله تعالى: (شديد العقاب)

    قال تعالى عن نفسه أنه: شَدِيدِ الْعِقَابِ [غافر:3]. فإذا عاقب فعقوبته صعبة لا تطاق، ولا يقدر عليها أحد؛ إذ إنه يبيد ويدمر، ويغرق البشرية ويخسف بها الأرض، أو يهلكها في لحظة واحدة أو ساعة واحدة. فعقابه شديد.

    معنى قوله تعالى: (ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير)

    قال تعالى: ذِي الطَّوْلِ [غافر:3]، أي: صاحب الطول الذي هو الإنعام والخير الكثير، فصاحب الإنعام والإفضال والإحسان هو الله عز وجل. فهو ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [غافر:3]. فلا معبود يستحق أن يعبد في الكون إلا الله.

    وقوله: لا إِلَهَ إِلَّا هُو ، أي: لا معبود حق يستحق أن يعبد إلا الله، وكل من عبد غير الله فقد عبد الباطل وألّه الباطل. فلا يستحق العبادة إلا الله؛ لأنه هو الذي خلق الإنسان ليعبده، وخلق الحياة كلها من أجل أن يذكر فيها ويشكر.

    وقوله: إِلَيْهِ الْمَصِيرُ [غافر:3]، لا إلى غيره. فالعودة إلى الله.

    فيا أيها البشر! مهما طالت أعماركم، ومهما امتدت حياتكم فلابد من المصير إلى الله عز وجل. وما دام المصير إليه فلا نهرب من عبادته، ولا نتأذى من تلك الطاعة التي هي حياتنا وروح حياتنا. فمصيرنا إليه تعالى، أي: نرجع إليه بعد موتنا، ونرجع إليه في عرصات القيامة ويوم القيامة، فنرجع كلنا إلى ربنا؛ ليحكم فينا بما يشاء، فيرحم من يشاء، ويعذب من يشاء.

    وهكذا ينزل هذا القرآن الكريم على الحبيب صلى الله عليه وسلم والعرب يسمعون قائلاً: حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ [غافر:1-3].

    وقد ذكر القرطبي في تفسيره حادثة وقعت على عهد عمر رضي الله عنه، وهي: أنه بلغ عمر أن رجلاً بالشام سكّيراً خماراً شديداً قاسياً، فكتب إليه كتاباً، وكتب له هذه الآية: حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ [غافر:1-3]. وقال لمن أعطاه الكتاب: أعطه إياه عندما يكون هادئاً معتدلاً. فذهب الرجل، فلما رآه هادئاً ساكناً ليس غاضباً أعطاه الكتاب فقرأه، وما إن وصل إلى كلمة: غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ [غافر:3] حتى أخذ يبكي، والدموع تسيل منه، وتاب إلى الله عز وجل. وكان قد قال عمر لما أعطى الرجل الكتاب للمسلمين: ادعوا الله له بالهداية، وقال: هكذا ينبغي أن تكون الدعوة، أي: ليس بالشدة والعنف. فدعوا له، واستجاب الله لهم، وتاب وحسنت توبته بفضل الله، ثم بهذه الآيات من فاتحة غافر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا ...)

    قال تعالى: مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا [غافر:4]. وكأن سائلاً يقول: مع هذا البيان العظيم والتنزيل الرحيم في هذه الآيات هل هناك من يجادل في آيات الله؟ فقال تعالى: نعم، مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا [غافر:4]. فلا يجادل في إبطال آيات الله وعدم الانتفاع بها، وعدم سماعها وعدم الأخذ بها إلا الذين كفروا. فَلا يَغْرُرْكَ [غافر:4] يا رسولنا! تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ [غافر:4] بالطعام والشراب، واللباس والصحة والعافية. فهم يظنون أنهم هم كل شيء، وهم والله ما هم إلا ممهلون فقط، وهم ليسوا مهملين، وإنما ممهلون حتى تدق الساعة عليهم فقط. فَلا يَغْرُرْكَ [غافر:4] يا رسولنا! تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ [غافر:4]. فلا تغتر بهذا النعيم الذي هم فيه، ولا العنترية والقوة وغيرهما، فما هي إلا ساعة ويسلبها الله منهم، فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ [غافر:4].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم ...)

    قال تعالى: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ [غافر:5]. وقد أغرقهم الله أجمعين، وما نجا إلا المؤمنون. وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ [غافر:5] من عاد وثمود، وقوم إبراهيم وقوم لوط، والمؤتفكات وقوم فرعون. فتلك الأحزاب التي تحزبت على أنبيائها وآذتها وعزمت على قتلها دمرهم الله وقضى عليهم، فكذلك أهل مكة إما أن يتوبوا وإما أن تنزل بهم النقمة الإلهية.

    وقوله: وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ [غافر:5]، سميت الأحزاب لأنهم يتحزبون على النبي عليه السلام ليضربوه وليشنعوا عليه وليقتلوه، فسماها الله الأحزاب.

    وقوله: وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ [غافر:5]، أي: من بعد قوم نوح.

    ثم قال تعالى: وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ [غافر:5]، أي: كل أمة همت برسولها لتأخذه فتقتله، أو تسجنه وتعذبه والله العظيم. وهذا خبر الله، فهو الذي قال: وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ [غافر:5].

    الكفار يجادلون بالباطل لدفع الحق

    قال تعالى: وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ [غافر:5]. فهم يجادلون بالباطل، وليس عندهم قرآن ولا علم ولا معرفة والله، بل هم جهلة ضلال كفار، وهم يجادلون ليثبتوا أنهم على حق، وأن عبادة هذه الآلهة في صالحهم، وأنها تنفعهم في توسلهم بها إلى ربهم، وهكذا. وهم يجادلون بالباطل؛ لأنه لا حق عندهم؛ لأن الحق قال الله قال رسوله، وهم ما عندهم علم، ومع ذلك يجادلون الأنبياء والدعاة ويحاربونهم.

    وهم يجادلون بالباطل؛ ليدفعوا به الحق، فهم ما يريدون الحق. والحق هو أن لا يعبد إلا الله، والباطل هو أن تعبد الأصنام مع الله والأحجار والتماثيل، وأن ينسب إليها الخلق والرزق والعبادة، وما إلى ذلك. مع أنه لا يستحق أن يعبد إلا الله. وهم يريدون أن يدحضوا الحق ويبطلوه.

    عاقبة تكذيب الكفار لرسلهم

    قال تعالى: فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ [غافر:5]؟ يقول تعالى: فأخذت أولئك الأحزاب من قوم نوح إلى فرعون وملئه، وأمم وأحزاب كانت متحزبة على أنبيائها ورسلها تحاربهم. فقد أخذهم الله وأهلكهم وأبادهم، وانتهى وجودهم. فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ [غافر:5]؟ أي: عقاب الله كان على أحسن ما يكون، فقد أهلك الظالمين، ودمر المفسدين، وقضى على المجرمين، ونصر أولياءه وصالح عباده المؤمنين.

    وهكذا يقول تعالى هنا ليخفف عن رسول الله أتعابه وآلامه، وما يعانيه من شدة قومه وطغيانهم، فيقول له: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ [غافر:5]. وليس العرب أو المشركون في مكة أول من كذب، بل كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ [غافر:5] فيقتلونه. وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ [غافر:5] كما يجادل هؤلاء المشركون في مكة. وهم يجادلون بالباطل لإدحاض الحق، وإبعاده عن أهله؛ ليبقوا على الشرك والكفر، والظلم والخبث، والشر والفساد. فَأَخَذْتُهُمْ [غافر:5]. والقائل فأخذتهم هو الله. فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ [غافر:5]؟ فقد كان نهاية وجودهم، ففرعون ومائة ألف معه من الجيش أغرقهم في البحر، وأمة نوح لم يكن هناك أمة على الأرض غيرهم أغرقهم الله في الأرض، ولوط نجا هو وامرأته وابنتيه، وتحولت تلك البلاد إلى بحيرة منتنة إلى الآن. وكذلك قوم صالح دمروا، وهكذا غيرهم. فالله على كل شيء قدير.

    فاتق الله أيها المؤمن! واذكر ما ذكر الله تسلم وتنجو.

    وهكذا يقول تعالى لرسوله هنا؛ ليحمله على الصبر والثبات وعلى الدعوة، فهو يقول له: كذبت قبل قومك قوم نوح، وكذب الأحزاب من بعدهم، وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ [غافر:5]؟ فقد كان كما أراد الله، فلم يبق منهم أحد، ووالله ما نجا إلا المؤمنون. فالذين كانوا مع هود نجوا ونزحوا إلى مكة، والباقي دمروا عن آخرهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار)

    قال تعالى: وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا [غافر:6]، أي: هكذا وجبت كلمة ربك على الذين كفروا، فأبادهم الله وأنهى وجودهم. أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ [غافر:6]. فقد دمرهم الله وأغرقهم وخسف بهم الأرض؛ لأنهم أصحاب النار، وليسوا أولياءه أصحاب الجنة، بل هم أصحاب جهنم، ولذلك قال تعالى وقوله الحق: وَكَذَلِكَ ، أي: كما فعلنا مع الأمم السابقة حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا دائماً وأبداً، أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ [غافر:6] وأهل جهنم، والعياذ بالله. فلا ينصرهم الله، ولا يبقي وجودهم وهم يحاربون أولياءه، بل لا بد وأن ينتقم منهم، وهو عزيز ذو انتقام.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات ] الآن مع هداية الآيات.

    [ من هداية ] هذه [ الآيات:

    أولاً: تقرير أن القرآن الكريم ] الذي في صدورنا ومصاحفنا [ مصدر تنزيله هو الله تعالى ] فهو من وحي الله والله [ إذ هو الذي أوحاه ونزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وبذلك تقررت نبوة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ] فمن نزل عليه القرآن لن يكون إلا رسول الله، ولذا محمد رسول الله، ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ولو لم يكن رسول الله لما نزل عليه هذا القرآن.

    [ ثانياً: بيان عظمة الرب تعالى المتجلية في أسمائه العزيز العليم الحكيم ] العزيز، الرحيم الغفور [ ذي الطول، غافر الذنب قابل التوب، لا إله إلا هو ] فهذه الأسماء تدل على عظمة صاحبها الذي لا يعجزه شيء، والذي لا يعجزه ذنب من الذنوب أن يغفره إذا تاب صاحبه، والذي ما يرد تائباً أبداً، بل يقبله ولا يطرده. وهذه الأسماء والصفات لله عز وجل تدل على ربوبيته وألوهيته، فلا إله غيره، ولا رب سواه.

    [ ثالثاً ]: من هداية هذه الآيات: [ تقرير التوحيد والبعث والجزاء ] ومعنى التوحيد هو: أنه لا إله إلا الله. ومعنى البعث: أننا بعد موتنا نبعث؛ للجزاء على عملنا في هذه الدنيا.

    والموت حق، والبعث والله حق كذلك. وسبب الموت والبعث وأن الله يميتنا ويحيينا لأجل أن يجزينا على عملنا في دنيانا هذه. فلهذا ما ننسى أبداً أن علة هذه الحياة: العمل، وعلة الحياة الثانية: الجزاء، وارفع صوتك به. فوالله العظيم إن سر هذه الحياة: العمل، وسر الحياة الثانية: الجزاء على العمل، والعمل صنفان: إيمان وعمل صالح، وشرك وكفر وعمل فاسد.

    وأصحاب الإيمان والعمل الصالح في دار السلام، وأصحاب الشرك والباطل في دار البوار جهنم. وهذه هي الحقيقة.

    [ رابعاً ] وأخيراً: [ تقرير مبدأ أن الله تعالى يمهل ولا يهمل، وأن بطشه شديد ] فإذا الأمة عصت .. فسقت .. فجرت .. تمردت .. ردت الدعوة .. ما استجابت يمهلها الله؛ علها تتوب، وعلها ترجع، فإذا أصرت أبادها، وسلبها غناها، وسلط عليها فقرها، والعياذ بالله. وهذه سنة الله دائماً وأبداً. والله ما يهمل، بل يمهل، وقد يمهلهم عاماً .. عامين .. عشرة .. قرنين .. ثلاثة، ثم إن أبوا سلط عليهم ما شاء من العذاب.