إسلام ويب

تفسير سورة سبأ (8)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أهل الكفر منهم أهل السلطان والرياسة، ومنهم المستضعفون الذين اتبعوا أولئك المستكبرين، فإذا كان يوم القيامة قام بعضهم يجادل بعضاً، فتبرأ المستكبرون من المستضعفين، وأظهر المستضعفون الندامة على اتباع أهل الباطل وترك أهل الحق وطريقهم، فكان عاقبتهم جميعاً أن وضعت الأغلال في أعناقهم وحشروا إلى العذاب الأليم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    فهيا بنا نصغي مستمعين إلى هذه الآيات من سورة سبأ المباركة الميمونة ثم نتدارسها، قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ * قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنتُمْ مُجْرِمِينَ * وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [سبأ:31-33].

    إخبار الله عن الكافرين بأنهم لا يؤمنون بالقرآن ولا بالكتب السابقة له

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ [سبأ:31]، من القائل؟ إنه أبو جهل عمرو بن هشام عليه لعائن الرحمن، وقطعاً معه المشركون في مكة، فلمَ قال هذه المقولة؟ لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ [سبأ:31]، أي: الذي يدعونا إليه محمد للإيمان به، ولا القرآن الذي بين يديه كالتوراة والإنجيل، فلا نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي سبقه من الكتب الإلهية وهي التوراة والإنجيل، وسر ذلك أن العرب يسألون اليهود عما يأتي به الرسول، إذ إنهم يبعثون رسلهم ويسألونهم واليهود في المدينة، فسألوه فقالوا: نعم، الكتب التي بين أيدينا فيها الإيمان بيوم القيامة والبعث والجزاء، وفيها تقرير النبوة والرسل والشرائع، فما جاء به محمد فهو كالذي جاءت به الرسل من قبله، وهنا زعم أبو جهل وقال: إننا لا نؤمن لا بهذا القرآن ولا بالكتب التي تقدمته كالتوراة والإنجيل، فأنزل الله هذه الآية فقال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ [سبأ:31]، أي: الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ [سبأ:31]، أي: أمامه، ويعنون بذلك التوراة والإنجيل.

    محاورة الأتباع للمتبوعين يوم القيامة

    ثم قال: وَلَوْ تَرَى [سبأ:31]، وهنا بعد أن قرر تعالى هذه الحقيقة وهي تكذيب أبي جهل بالقرآن ومن معه من المشركين، وردهم كذلك ما جاء في التوراة والإنجيل، وذلك بعد ما علموا من طريق اليهود أن الله عز وجل موحد ويبعث رسوله وله لقاء وهو يوم القيامة، لما تم هذا قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم وللسامعين ولكل مؤمن ومؤمنة: وَلَوْ تَرَى [سبأ:31]، يا رسولنا! لرأيت أمراً عجباً، لرأيت أمراً لا يطاق، متى هذا؟ إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ [سبأ:31]، يوم القيامة في عرصات القيامة بين يدي الله تعالى، ولو ترى ذلك لرأيت أمراً فظيعاً وعجباً إي والله، وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ [سبأ:31]، والظالمون هم المشركون الذين عبدوا مع الله غيره فكانوا بذلك ظالمين، والظالمون هم الذين ظلموا أنفسهم فصبوا عليه أطنان الذنوب والآثام، وهذا موقف الفساق والفجار، إذ الظالمون هم الذين اعتدوا على المؤمنين وقتلوهم وسفكوا دماءهم، والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، فاللفظ عام يشمل الكافر والمشرك والفاسق والفاجر، وَلَوْ تَرَى [سبأ:31]، يا رسولنا! إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ [سبأ:31]، فمن أوقفهم؟ الله عز وجل بواسطة ملائكته الزبانية، موقوفون أين؟ عِنْدَ رَبِّهِمْ [سبأ:31]، أي: في ساحة فصل القضاء يوم القيامة.

    ثم قال تعالى: يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ [سبأ:31]، أي: يرجع المستضعفون إلى الذين سهلوا لهم الكفر وأعانوهم عليه، سهلوا لهم الفسق والفجور وساعدوهم عليه، يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا [سبأ:31]، وهم الرؤساء والحكام والعلماء والمشايخ الذين كانوا يدعون إلى الباطل ويحرضون على الفساد والشر والظلم لكبريائهم وسلطانهم ودولتهم، يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا [سبأ:31]، فمن استضعفهم؟ إنهم الأقوياء من رجال الحكم والعلم وما إلى ذلك، يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا [سبأ:31]، إذ حملوهم على الظلم والفسق والفجور والكفر، لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ [سبأ:31]، والله في عرصات القيامة يقول المستضعفون الذين أذلهم الأقوياء وأهانوهم وحملوهم على الفسق والفجور والكفر والشرك والباطل: لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ [سبأ:31]، وهذا هو الواقع، فالأشراف والسادة والحاكمون والعلماء من أهل الضلال هم الذين كانوا يأمرون بالفسق والكفر والفساد والشر، والمستضعفون من الفقراء والعمال يقلدونهم ويعملون بما يقولون، وذلك إما خوفاً منهم أو طمعاً فيما في أيديهم، لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ [سبأ:31]، وهذه كلمة المستضعفين من فقراء ومحكومين وعوام وجهال، إذ يقولون لمن كانوا أقوياء عليهم قادرين على تأديبهم من أهل السلطة: لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ [سبأ:31]، لكن أنتم حملتمونا على الكفر فكفرنا، والملائكة يسمعون والله يسمع.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى ...)

    فما هو الجواب؟ قال تعالى: قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ [سبأ:32]؟ والاستفهام للإنكار، قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا [سبأ:32]، رداً على كلامهم، أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ [سبأ:32]؟ لا أبداً، بَلْ كُنتُمْ مُجْرِمِينَ [سبأ:32]، حقاً والله فقد كانوا مجرمين، وليس في ذلك شك، لكن هم الذين حملوهم على الكفر والفسق والفجور والشرك والباطل، وذلك كما هو مشاهد أن أهل الباطل يتحكمون في الضعفة ويسوسونهم إلى الباطل والشر والفساد، وهذه سنة الله تعالى في الخلق.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ...)

    قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [سبأ:33].

    بطلان احتجاج الناس بعمل العلماء أو أشراف الناس إذا كان غير موافق لشرع الله تعالى

    وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا [سبأ:33]، رداً على قول الذين استكبروا، بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ [سبأ:33]، أي: بل مكرتم بنا في الليل والنهار، إذ تأمروننا بالفسق والفجور وتبيحون لنا الباطل والشر وتحكيم العقول والأهواء وإبعاد الشريعة، بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ [سبأ:33] ، أي: بل مكركم بنا في الليل والنهار، وخداعكم وتضليلكم واحتيالكم علينا، إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا [سبأ:33]، أي: إذ كنتم تمنعوننا من الإيمان الصحيح والعمل الصالح، وتدعوننا إلى العمل الفاسد والباطل والخرافة والشرك والضلال، وتدعوننا إلى أن نكفر بالله ونجحد شريعته وعبادته، وأن نجعل له أنداداً وأضداداً يعبدون معه.

    ندم وحسرة الأتباع يوم القيامة

    وعند ذلك قال تعالى: وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ [سبأ:33]، فتجادلوا وتخاصموا وتحاوروا كما سمعتم، لكن لما شاهدوا العذاب سكتوا، وما بقي هناك مجال للحوار، وما كان لهم أن يتكلموا، بل أصيبوا بالسكوت والهم والغم، وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ [سبأ:33]، في نفوسهم، إذ كانوا يتبجحون بها نادمين على ما فعلوا من الشرك والكفر بواسطة رؤسائهم ومشايخهم، لكن لما شاهدوا العذاب أسروا ذلك في نفوسهم؛ لأنه غير نافع ولا مجد لهم.

    معنى قوله تعالى: (وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا ...)

    ثم قال تعالى: وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا [سبأ:33]، والأغلال جمع: غل، والغل هو حبل من حديد، إذ يجمع يدي الشخص مع عنقه ويكتف به، أي: تكتف الأيدي مع الأعناق بغل من حديد، وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا [سبأ:33]، ثم يدفعون إلى الزبانية ثم إلى جهنم والخلود فيها، الَّذِينَ كَفَرُوا [سبأ:33]، بتوحيد الله فعبدوا معه غيره، فكفروا بالله فلم يؤمنوا بوجوده، وكفروا بشرع الله فلم يعملوا به، وكفروا بما أخبر به تعالى، فلم يؤمنوا بالغيب، وكفروا بالبعث والجزاء فلم يصدقوا الرسل في ذلك، وهو كفر عام.

    ثم قال تعالى: هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [سبأ:33]، لا والله ما يجزون إلا بما كانوا يعملون، إذ إنهم كانوا يعملون الكفر والفسق والفجور والظلم والشرك والباطل.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    مرة أخرى اسمعوا إلى هذه الآيات، يقول تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ [سبأ:31]، والقائل هو أبو جهل ومن معه، والمراد بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ [سبأ:31]: التوراة والإنجيل.

    ثم ذكر تعالى لنا حواراً دار بين الضعفاء والأقوياء، بين المشركين ومن تبعهم، فقال تعالى لرسوله وللمؤمنين: وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ [سبأ:31]، والظالمون هم الذين ظلموا ربهم فأخذوا عبادته وأعطوها لغيره، وظلموا العباد وسلبوهم أموالهم وأعراضهم، وظلموا أنفسهم فصبوا عليها أطنان الشرك والكفر والفسق والفجور، وهي آثام لا حد لها، فهذا هو الظلم، والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، وهو لفظ عام، وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ [سبأ:31]، أي: في ساحة فصل القضاء يوم القيامة، يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ [سبأ:31]، أي: الحديث، فهؤلاء يقولون كذا، وهؤلاء يقولون كذا، يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا [سبأ:31]، والمستكبرون هم الأقوياء الحاكمون الذين بأيديهم كل شيء، وقد يكونون مشايخ، وقد يكونون علماء، وقد يكونون حكاماً وهكذا، يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ [سبأ:31]، وحقيقة هم الذين حملوهم على الكفر والفسق والفجور.

    وعند ذلك قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ [سبأ:32]؟ فينفون هذا ويقولون: نحن ما صددناكم، بَلْ [سبأ:32]، أنتم، كُنتُمْ مُجْرِمِينَ [سبأ:32]، والمجرم ليس الذي يسرق ويأكل أموال الناس فقط، وإنما المجرم الذي يجرم على نفسه فيفسدها بأن يصب عليها أطنان الذنوب والآثام حتى تفسد والعياذ بالله فيهلكها ويقضي عليها.

    ثم قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ [سبأ:33]، أي: بل مكركم بنا في الليل والنهار، فهو الذي حملنا على الكفر والشرك والباطل، وهم يقولون هذا لرؤسائهم وحكامهم والمسئولين عنهم، إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا [سبأ:33]، أي: شركاء، ثم قال تعالى: وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ [سبأ:33]، فسكتوا وما بقي فيهم بكاء ولا صراخ، وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ [سبأ:33]، والأغلال جمع: غُل لا غِل بمعنى الحسد والكراهية، وإنما الغُل حديدة -والعياذ بالله- تجعل في عنق الرجل فيربط العنق مع اليدين، فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا [سبأ:33]، فهيا بنا نكفر بالكفر ونبتعد عنه، ولا ننزل بساحته ولا نرضاه؛ لأنه هو البلاء والشر، وهذا العذاب قد سماه الله تعالى بالكفر .

    ثم قال تعالى: هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [سبأ:33]، والله ما يجزون إلا ما كانوا يعملونه في الدنيا من خير أو شر، وبالتالي فلا يجزى العبد إلا بأعماله لا بالحسب والنسب، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    والآن اسمعوا إلى شرح هذه الآيات من الكتاب فتأملوا.

    معنى الآيات

    قال الشارح: [ معنى الآيات: ما زال السياق الكريم في تقرير التوحيد والبعث والجزاء ]، فالتوحيد لا إله إلا الله، فلا يعبد إلا الله تعالى، ولا يعترف بعبادة غير الله تعالى، وتقرير البعث والجزاء، ويتم هذا في الدار الآخرة المسمى بالقيامة أو بالساعة، قال: [ فيخبر تعالى فيقول: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا [سبأ:31]، أي: من مشركي مكة، قالوا للرسول والمؤمنين: لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ [سبأ:31]، الذي أنزل على محمد، ولا بالذي أنزل على من تقدمه من الأنبياء كالتوراة والإنجيل ]، والقائل بهذا هو أبو جهل، قال: [ وذلك لما احتج عليهم بتقرير التوراة والإنجيل للتوحيد والنبوة والبعث والجزاء، قالوا: لن نؤمن بالجميع عناداً ومكابرة وجحوداً وظلماً، ولازم هذا أنهم ظلمة معاندون، ومن باب دعوتهم إلى الهدى ستعرض الآيات لهم حالهم يوم القيامة، فيقول تعالى لرسوله وهم يسمعون: وَلَوْ تَرَى [سبأ:31]، يا رسولنا! إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ [سبأ:31]، أي: يتحاورون متلاومين، يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا [سبأ:31]، وهم الفقراء المرءوسون الذين كانوا أتباعاً لكبرائهم وأغنيائهم، يقولون للذين استكبروا عليهم في الدنيا: لَوْلا أَنْتُمْ [سبأ:31]، أي: صرفتمونا عن الإيمان واتباع الرسول، لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ [سبأ:31].

    فيرد عليهم الكبراء بما أخبر تعالى عنهم في قوله: قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ [سبأ:32]، أي: ما صددناكم أبداً، بل كنتم مجرمين، أي: أصحاب إجرام وفساد.

    ويرد عليهم المستضعفون قائلين بما أخبر تعالى به عنهم: وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ [سبأ:33]، أي: بل مكركم بنا في اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا [سبأ:33]، قال تعالى: وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ [سبأ:33]، أي: أخفوها لما رأوا العذاب، قال تعالى: وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا [سبأ:33]، أي: شدت أيديهم إلى أعناقهم بالأغلال، وهي جمع: غُل، حديدة يشد بها المجرم، ثم أدخلوا الجحيم، إذ كانوا في موقف خارج جهنم، وقوله تعالى: هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [سبأ:33]، أي: ما يجزون إلا ما كانوا يعملون، فالجزاء بحسب العمل إن كان خيراً فخير، وإن كان شراً فشر، وكانت أعمالهم كلها شراً وظلماً وباطلاً، هذا وجواب لولا في أول السياق محذوف يقدر بمثل: لرأيت أمراً فظيعاً، واكتفي بالعرض لموقفهم عن ذكر ذلك ].

    هداية الآيات

    قال الشارح: [ من هداية الآيات: أولاً: تشابه الظلمة والمجرمين، فالعرب المشركون كانوا يركنون إلى أهل الكتاب يحتجون بما عندهم على الرسول والمؤمنين، ولما وجدوا التوراة والإنجيل يقرران عقيدة البعث والجزاء والنبوة تبرءوا منهما وقالوا: لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالتوراة والإنجيل ]، وكما تقدم أنهم رفضوا أن يقلدوا ويتبعوا رسول الله ويؤمنوا بالقرآن وبما فيه، واشتكوا إلى اليهود فقال اليهود: ما جاء به محمد هو الحق، فقد سبقته أمم فيها رسل وكتب، فلما سمعوا هذا قالوا: نكفر بهذا والذي بين يديه، أي: لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي تقدمه، فمات بعضهم على الكفر والعياذ بالله، ومن أسلم منهم نجا، قال: [ واليهود كانوا يحتجون بالتوراة على المسلمين ]، وهذه عجيبة أخرى، فقد كان اليهود يحتجون بالتوراة، فلما وافقت التوراة القرآن واتفقت معه عادوا إلى السحر يحتجون به، قال: [ ولما وجدوا التوراة تقرر ما يقرره القرآن تركوا الاحتجاج بالتوراة وأخذوا يحتجون بالسحر كما تقدم في البقرة في قوله تعالى: وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ * وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ [البقرة:101-102] ]، فالذي وقع للعرب وقع لليهود، فالعرب كفروا بمحمد ورسالته، ثم احتج عليهم بالتوراة وما بأيدي اليهود والنصارى، فرفضوا الجميع وقالوا: لن نؤمن بالقرآن ولا بالذي بين يديه، وحصل هذا لليهود كما أسلفنا، إذ لما وافقت التوراة القرآن واتفقت معه على الإيمان بالتوحيد وطاعة الله ورسوله عادوا إلى الشرك والخرافة والسحر وقالوا: ما نتبع التوراة، وهذه هي حال البشر، وهذا هو ضعف الإنسان.

    قال: [ ثانياً: تقرير عقيدة البعث والجزاء بعرض كامل لموقف من مواقف يوم القيامة، ومشهد من مشاهده ]، وهو والله لنعم التقرير، إذ هو عرض كامل، فهؤلاء المستضعفون يقولون، وهؤلاء المستكبرون يقولون، وهذا جدال وحوار يتم والله يوم القيامة.

    قال: [ ثالثاً: بطلان احتجاج الناس بعمل العلماء أو الحكماء وأشراف الناس إذا كان غير موافق لشرع الله تعالى وما جاء به رسله من الحق والدين الصحيح ]، معشر المستمعين! ما نحتج بقول العالم الفلاني، ولا بالشيخ الفلاني، ولا بالكتاب الفلاني، إذ لا احتجاج إلا بما قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم، فلا نقلد المشايخ الضلال فيضلونا، وكم قد أضلوا؟ والله ملايين، إذ إنهم يريدون أن يبقوا رؤساء وحاكمين ومتصرفين فيهم، وكذلك الحكام أضلوا أمماً بكاملها وحملوهم على الباطل والشرك والكفر، فالآية تنبه إلى هذا وتحذر، فما نطيع إلا من أمرنا بما أمر الله به، وبما أمر به رسوله صلى الله عليه وسلم، ونحن قد شاهدنا هذا الحال وهذا الموقف أمامنا، قال تعالى: بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا [سبأ:33]، والله تعالى أسأل أن يثبت المؤمنين والمؤمنات.