إسلام ويب

تفسير سورة سبأ (4)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الله عز وجل ينعم على من يشاء من أنبيائه ورسله بما يشاء سبحانه من النعم إلى جانب نعمة النبوة، ومن ذلك أنه سخر لداود الجبال والطير تسبح معه، وآتاه الله القدرة على معالجة الحديد وتشكيله ليصنع منه ما يشاء من دروع وسلاح وغيرها، كما سخر سبحانه لسليمان الإنس والجان، وأسال له النحاس، يصنعون له ما يشاء من المحاريب والتماثيل والجفان، فضلاً منه سبحانه على من يشاء من عباده.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا داود منا فضلاً يا جبال أوبي معه ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوة هذه الآيات من سورة سبأ المباركة الميمونة ثم نتدارسها، قال تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ * فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ [سبأ:10-14].

    امتنان الله على نبيه داود بتسبيح الجبال والطير معه

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هذه الآيات الكريمة التي سمعتموها من فوائدها أنها تقرر النبوة المحمدية، إذ من أين لمحمد بن عبد الله النبي الأمي أن يتحدث بهذا الحديث أو يقص هذا القصص أو يذكر هذه الأحداث العظام؟ لولا أنه رسول الله يوحى إليه وينزل إليه كتابه ما تحدث بذلك.

    قال تعالى وقوله الحق: وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا [سبأ:10]، وداود هو أحد رسل وأنبياء بني إسرائيل، فيخبر تعالى أنه قد أعطاه فضلاً عظيماً، وأول هذا الفضل أنه نبأه وأرسله وملكه وسوده وأصبح حاكماً وسائداً، ومن ذلك الفضل أنه إذا ركب سفينته أو دابته أو فرسه وسبح الله عز وجل وتغنى بذلك فإن الجبال والطير تردد معه، وقد كان لداود صوت حسن، بل مزمار، ولفظ المزمار لغة تعني: الصوت الحسن، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لـأبي موسى الأشعري: ( لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود )، بمعنى: صوتاً حسناً، والصوت الحسن مستحب وخاصة عند تلاوة القرآن وعند الأذان.

    وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا [سبأ:10]، ومن ذلك: يَا جِبَالُ [سبأ:10]، أي: قلنا: يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ [سبأ:10]، أي: رددي معه التسبيح، وَالطَّيْرَ [سبأ:10]، كذلك، وهذا هو أول الإفضال والإنعام.

    امتنان الله على نبيه داود بتليين الحديد له

    أما ثاني الإفضال فهو: وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ [سبأ:10]، بمعنى: ألنا له ذلك الحديد الصافي والصعب، إذ يعجنه كما يعجن الدقيق والطين، وذلك لحكم عالية وهي صنع الدروع والسلاح لمحاربة المشركين والكافرين، وهذا إنعام إلهي وإفضال رباني، وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ [سبأ:10]، إذ إنه أصبح ليناً هشاً كالطين أو كالعجين، لمَ؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أن اعمل سابغات وقدر في السرد...)

    قال تعالى: أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [سبأ:11].

    فضيلة صنع السلاح وآلات الحرب لغرض الجهاد في سبيل الله

    أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ [سبأ:11]، أي: من أجل أن نأمره أن يصنع الدروع الحربية، والسابغات جمع: سابغة وهي: الدرع الواسعة التي يدخل فيها الإنسان، وهذه الدروع من أجل الجهاد في سبيل الله، وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ [سبأ:11]، بمعنى: أن الحلقة لابد وأن تكون على قدر مسمار، وإن كانت كبيرة والمسمار صغيراً فلا تنفع، وإن كان المسار كبيراً والحلقة صغيرة فإنه لا يدخل فيها، إذ لابد من التقدير بنظام، وذلك على قدر المسمار والثقب الذي يدخل فيها، وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ [سبأ:11]، أي: علمه ربه ذلك حتى يصنع الدروع.

    وقد علمنا أن لقمان الحكيم -وهو عبد صالح- مر بداود وهو يصنع الدروع فأراد أن يسأله: لم هذا؟ فغلبته الحكمة وأبى أن يسأل واستحى، فلما فرغ داود لبسه وقاسه بجسده وقال: نعم اللبوس أنت!

    وجوب الشكر على النعم

    وَاعْمَلُوا صَالِحًا [سبأ:11]، فيا من أنعم الله عليهم بالنعم! اشكروها ولا تكفروها، ويا من أنعم الله عليه بنعمة البصر! كف بصرك عن الحرام، ونعمة اللسان لا تنطق بالسوء، ونعمة الفرج لا تفجر، وهكذا كل من له نعمة فيجب أن يشكر الله عليها، ومن هنا قال لهم داود: من يكفيني النهار أكفيكم الليل؟ فكنتَ لا تدخل ساعة من ليل أو نهار مسجد آل داود إلا وجدته راكعاً أو ساجداً، وكل ذلك شكراً لله على هذه النعم، وَاعْمَلُوا صَالِحًا [سبأ:11]، ألا هو عبادة الله تعالى بما فرض وبين، وبما رغب ودعا من الصالحات.

    ثم قال تعالى: إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [سبأ:11]، فأجزيكم على عملكم، وأثيبكم على الصالحات التي عملتموها، ومن شكر شكر الله له وزاده.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر...)

    ثم قال تعالى: وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ [سبأ:12].

    تسخير الله الريح لنبيه سليمان عليه السلام

    وَلِسُلَيْمَانَ [سبأ:12]، أي: كما أعطينا لداود ووهبنا له ذلك الإفضال والإنعام، فكذلك أعطينا ولده سليمان، إذ قال تعالى: وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ [سبأ:12]، أي: ووهبنا له الريح، غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ [سبأ:12]، بمعنى: يركب سفينة من خشب أو من حديد أو من أي شيء آخر، فإذا ركب فيها سليمان ورجاله المجاهدون معه تأتي الجن فيرفعونها إلى فوق ثم تطير بالريح، وذلك مسافة شهر من الصبح إلى الظهر، غُدُوُّهَا شَهْرٌ [سبأ:12]، أي: وعودتها من الظهر إلى المغرب مسافة شهر كامل، وَرَوَاحُهَا [سبأ:12] أي: وعودتها في المساء، شَهْرٌ [سبأ:12]، كامل، وقد عرفت البشرية السفن الحربية التي تطير في السماء قبل هؤلاء المتبجحين بأكثر من ثلاثة آلاف أو أربعة آلاف سنة، وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ[سبأ:12]، أي: سخرناها له، غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ [سبأ:12].

    امتنان الله على نبيه سليمان بإسالة النحاس له

    ثم قال تعالى: وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ [سبأ:12]، والْقِطْرِ هو النحاس المذاب، إذ فتح الله عليه عيناً كاملة من النحاس، وذلك من جبل أو من تحت أرض، فيصنع عليه السلام منها ما يشاء، والآن لا يصنعون الحديد إلا بآلات وعذاب أليم، لكن الله أسال لنبيه سليمان عين القطر، وهذا من عطاء الله وإفضاله وإنعامه على عباده المؤمنين.

    تسخير الله الجن لنبيه سليمان عليه السلام

    ثم قال: وَمِنَ الْجِنِّ [سبأ:12]، أي: سخرناهم له، من يعمل بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ [سبأ:12]، فالجن والعفاريت الطغاة الجبابرة الذين لو شاهدنا واحداً منها يغمى علينا، قد أذلهم الله لسليمان عليه السلام، إذ يراهم بعينه ويرونه ويستخدمهم الخدمات العجيبة، فمن يفعل هذا في الدنيا؟ إذ هذا فضل الله عز وجل. وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ [سبأ:12]، الله الذي سخرهم وأذلهم له فيقول لهم: افعلوا ولا تفعلوا، فيعملون ويصنعون.

    وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ [سبأ:12]، أي: هؤلاء الجن والعفاريت الذين يستخدمهم سليمان كالبهائم كما شاء، من يزغ منهم ويميل عن أمر الله ولا يطيع سليمان، نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ [سبأ:12]، سواء كان عذاب يوم القيامة في جهنم، أو ملك في يده سوط من نار يضرب من تمرد منهم وعصى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب...)

    قال تعالى: يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ:13].

    بعض الأعمال التي يقوم بها الجن لنبي الله سليمان

    يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ [سبأ:13] أي: ما يحب ويرغب، مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ [سبأ:13]، فلا إله إلا الله! والله لقد تم هذا ووقع على سطح الأرض في الشام، وذلك في القدس بالتحديد، والعجيب كيف أن هؤلاء اليهود لا يؤمنون برسالة محمد صلى الله عليه وسلم؟! يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ [سبأ:13]، من ماذا؟ مِنْ مَحَارِيبَ [سبأ:13]، والمحاريب جمع: محراب، وهو بناية لاصقة بالمسجد يتعبد بها العابدون، وَتَمَاثِيلَ [سبأ:13]، وهي جمع: تمثال، وهي الأصنام والهياكل، وأشكال للإنس وللحيوانات، يصنعونها، وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ [سبأ:13]، والجفان جمع: جفنة، وهي القصعة الكبيرة التي يوضع فيها الطعام، وَقُدُورٍ [سبأ:13]، جمع: قدر، رَاسِيَاتٍ [سبأ:13]، فسبحان الله العظيم! أيام كنا شباباً في الديار الجزائرية كنا نعجب من قدور راسيات، أي: كيف يكون قدراً راسياً وهو لا يتحرك؟ وشاء الله أن حججنا فوجدت القدور في منى وهي راسية، فقلت: سبحان الله! علمنا بهذا في القرآن فوجدناه، إذ لا يمكن أن يؤخذ القدر أبداً وهو راس وثابت على الأرض لا يتحرك، وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ [سبأ:13]، كما ترسوا السفن فلا تتحرك أبداً.

    وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ [سبأ:13]، والجابية هي التي حول البئر، والتي يصب فيها الماء ويسقى بها الزرع، كَالْجَوَابِ [سبأ:13]، أي: قصعة كالجابية، والقدر كالسفينة الراسية، فلا إله إلا الله! إن هذا إفضال الله وإنعامه على عبده سليمان عليه السلام.

    وجوب شكر المنعم جل وعلا

    ثم قلنا لهم: اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ:13]، ومعنى هذا كما قلت لكم: أن من أنعم الله عليه بنعمة فيجب أن يشكر الله بكلمة: الحمد لله، بل ولا تفارق فاه، ثم بطاعة الله وخاصة الركوع والسجود، ثم بكل خير ومعروف، وهذا شكر لله على إفضاله، أما أن يتقلب المؤمن في نعم الله ولا يذكر من أنعم عليه ولماذا أنعم عليه؟ ويعيش على الفسق والفجور، فويل للكافرين وللمشركين وللضالين عن نعم الله تعالى، فهذا رسول الله سليمان يقول الله له: اعملوا يا آل داود، أي: نساء ورجالاً وأطفالاً وخدماً، وذلك بأن تعملوا شكراً، أي: اعملوا بالحمد والثناء والطاعة لله عز وجل فيما يأمر به وينهى عنه.

    إخبار الله بقلة عباده الشاكرين

    ثم أخبر تعالى فقال: وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ:13]، فصدق الله العظيم، إذ إن نسبة الشاكرين والله واحد إلى مائة ألف، وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ [سبأ:13]، وكثير الشكر هو الذي يشكر الله على كل حال في البأساء والضراء، وفي الخير والشر، وفي الصحة والمرض، فدائماً يردد قول: الحمد لله، وذلك مع الطاعة بالليل وبالنهار، فاللهم اجعلنا من هذا القليل يا رب العالمين!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته ...)

    تقرير أن علم الغيب لله وحده

    ثم قال تعالى: فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ [سبأ:14]، الله أكبر! داود مات، وسليمان أيضاً يموت، وكلنا سنموت، فأين نبينا؟ وأين أصحابه؟ وأين أولادهم وأحفادهم؟ وأين آباؤنا وجدودنا؟ فَلَمَّا قَضَيْنَا [سبأ:14]، أي: حكمنا عليه، الْمَوْتَ [سبأ:14]، وفعلاً فقد مات، مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ [سبأ:14]، فسليمان سأل ربه أن يخفي موته عن الجن الذين يخدمونه ليلاً ونهاراً وفي كل مكان؛ لأنهم لو علموا ذلك لادعوا أنهم يعلمون الغيب، وبالتالي سيضللون الإنس، فلهذا وهو في محرابه يصلي متكئاً على عصاه أُخذت روحه وبقي على العصا، والمنسأة باللغة الحبشية هي: العصا، واستمر سنة كاملة والجن يعملون الليل والنهار خوفاً من سليمان وسلطانه، حتى جاءت الأرضة -دويبة معروفة- فأكلت تحت العصا من أسفل فخر سليمان على الأرض، فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا سنة كاملة وهم يشتغلون في العذاب المهين، فسبحان الله العظيم!

    فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ [سبأ:14]، من القائل؟ إنه الله ربنا وولينا، فـ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الأَرْضِ [سبأ:14]، ويقال: إن دابة الأرض الآن يأتي لها الشياطين بالماء والطين، ولا تعيش إلا على الماء والطين، وذلك لأنها هي التي أسقطت العصا، تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا [سبأ:14]، أكلتها وسقط، خَرَّ [سبأ:14]، ساقطاً على الأرض، تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ [سبأ:14]، واتضح لها، أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ [سبأ:14]، كما يدعيه أصهارهم ومشايخهم، مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ [سبأ:14]، إذ في الجن مشايخ يدعون الغيب، وهناك آخرون لا يدعون الغيب كبني آدم، وبالتالي اتضح لهم هذا.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال الشارح: [ من هداية الآيات: أولاً: بيان إكرام الله تعالى لآل داود وما وهب داود وسليمان من الآيات ]، بيان إكرام الله وإنعامه وإفضاله على آل داود وسليمان وأسرتهما وما أنعم به عليهما.

    قال: [ ثانياً: فضيلة صنع السلاح وآلات الحرب لغرض الجهاد في سبيل الله ]، فضيلة صنع السلاح من أجل الجهاد في سبيل الله، فهذا داود كان يصنع الدروع، فدلت الآية على فضيلة صنع السلاح من أجل الجهاد في سبيل الله.

    قال: [ ثالثاً: مركبة سليمان سبقت صنع الطائرات الحالية بآلاف السنين ]، إذ قال تعالى في سفينة أو مركبة سليمان عليه السلام: غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ [سبأ:12].

    قال: [ رابعاً: شرع من قبلنا شرع لنا إلا ما خطأه الدليل، كتحريم الصور والتماثيل علينا ولم تحرم عندهم ]، ولابد من وقفة هنا، فأقول: قد ذكر تعالى أن الجن كانوا يصنعون لداود وسليمان تماثيل من الحديد ومن العاج ومن الخشب، إذ كان هذا مباحاً في شريعة داود وسليمان عليهما السلام، وذلك لحكم عالية أرادها الله تعالى، فقد كانوا ينتفعون بها، فلما جاء الإسلام نسخ هذا ولم يجزه أبداً، وبالتالي فلا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن يصنع صوراً أو تمثالاً أو يشتريه أو يعطاه ويجعله في بيته أو في مسجده أو في بستانه، والتمثال كالصورة، أي: لا يحل لمؤمن اقتناؤه ولا كسبه ولا صنعه ولا شراؤه ولا بيعه، وحسبنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون ).

    فلهذا نصنع أو نرسم البناء والبساتين والجبال والدور وغير ذلك، أما شخصاً أو إنساناً أو حيواناً فلا يصح أبداً حتى ولو كان نملة فضلاً عن الجمل والبعير، وقد يقول قائل: ها هو الله قد أذن لنبيه سليمان في هذا؟ قلنا: هذا شرع من قبلنا، وقد أذن الله في ذلك لحكمة عرفها الله تعالى، فلما رأى تعالى أن هذه الصور لا تنفع هذه الأمة نهى عنها حتى لا تكفر وتعبد غير الله، وقد حرمها على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.

    قال الشيخ في النهر: [ لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المصورين ولم يستثن، فقال: ( إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم ) ]، فمن يستطيع أن يحيي ميتاً؟! قال: [ وفي البخاري: ( أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون )، وحديث الموطأ: ( إلا ما كان رقماً في الثوب )، فهو وإن خص جميع الصور، فإن حديث عائشة رضي الله عنها دل على كراهيته، إذ قال لها عليه السلام: ( أخرجيه عني )، فهتكته، والرخصة في لعب البنات لما في الصحيح على شرط ألا تكون كأشباه التماثيل ]، فذهب مالك إلى جواز ذلك مع الكراهة، وذلك إذا كان هناك في الثوب شيء، لكن الكراهة دائمة وباقية، ثم إنه قد أذن الرسول صلى الله عليه وسلم لـعائشة وهي طفلة في السابعة من عمرها أن تلعب مع البنات، وذلك بأن يوجدن صوراً صغيرة من اللعب لعلهن يتدربن على تربية الأولاد إذا كبرن، فعفا الشارع الكريم عن البنات اللواتي يلعبن بهذه التماثيل التي هي من خشب أو عود وعليها غشاء أو غطاء.

    قال: [ خامساً: وجوب الشكر على النعم، وأهم ما يكون به الشكر الصلاة والإكثار منها ]، فما إن نزل قوله تعالى: اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا [سبأ:13]، إلا وقال سليمان: اكفوني النهار وأنا أكفيكم الليل، فلم تر مسجداً من مساجدهم فارغاً في أية ساعة من راكع أو ساجد.

    قال: [ سادساً: تقرير أن علم الغيب لله وحده ]، علم الغيب لله وحده، لا للإنس ولا للجن ولا للملك ولا للنبي ولا لأحد، فعلم الغيب قد استأثر الله تعالى به، ومن علمه الله فقد علِم.