إسلام ويب

تفسير سورة سبأ (3)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن المكذبين بآيات الله وما جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم من الوعد الحق يحاولون ألا يسمعوا ما جاء به عليه الصلاة والسلام، ويتعمدون السخرية منه والاستهزاء بقوله، حتى إنهم يتساءلون في بعض مجالسهم عن صحة ما يقوله محمد من عودة الأموات إلى الحياة حين يأذن الله ببعثهم، بعد أن تكون الأرض قد أكلتهم ولم يبق منهم عين ولا أثر، ثم يزعمون أن ما حمله على هذا القول إنما هو كذبه على الله، أو الجن الذين يوحون إليه بهذا القول، متجاهلين ما يرونه من آيات الله حولهم، وما يعايشونه منها صباح مساء، ولكنهم قوم يجهلون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    فهيا بنا نصغي مستمعين إلى هذه الآيات من سورة سبأ المباركة الميمونة ثم نتدارسها، قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ * أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ * أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ [سبأ:7-9].

    بيان ما كان المشركون عليه من استهزاء بالنبي وتكذيب له وسخرية منه

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [سبأ:7]، تذكرون ماذا قال أبو سفيان في الدرس السابق؟ قال: واللات والعزى لا نبعث أبداً، وذلك بعد أن جمع كفار قريش وحلف لهم باللات والعزى أنا لا نبعث كما يقول محمد، بل نبقى في قبورنا تحت الأرض، وها هو آخر يقول مثل ذلك، لكنه ليس واحداً بل هم جماعات تتكلم مع بعضها البعض، قال تعالى حاكياً ذلك: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا [سبأ:7]، أي: لبعضهم البعض وهم يتحدثون، هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ [سبأ:7]، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، يُنَبِّئُكُمْ [سبأ:7]، أي: يخبركم ويطلعكم ويعلمكم، بأنكم إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [سبأ:7]، أي: بأنكم إذا مزقتم شر ممزق، ودفنتم في الأرض وتمزقت لحومكم وتكسرت عظامكم وتفتت بقاياها، وبعد هذا كله يعيدكم الله في خلق جديد!

    والعجيب أننا لا نسمع من الملاحدة والعلمانيين والكفار والمشركين مثل هذا القول، وذلك إما لأننا لا نتصل بهم ولا نطالبهم بالإيمان بالله والدار الآخرة، أو لأنهم قطعاً هم أهبط من مشركي العرب، إذ إن مشركي العرب كانوا يؤمنون بالله رباً وإلهاً، لكن هؤلاء الشيوعيين والملاحدة والعلمانيين لا يؤمنون بالله ولا بوجوده، فهل يقولون مثل هذا القول؟ لا نشك في أننا لو خاطبناهم وقلنا لهم: إنكم بعد موتكم ستبعثون وتحاسبون على أعمالكم خيراً كانت أو شراً، فلابد وأن يقولوا لنا مثل هذا القول، وأن يسخروا منا ويستهزئوا ويقولوا لبعضهم البعض: اسمعوا ماذا يقول هؤلاء؟ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآبَاؤُنَا الأَوَّلُونَ [الصافات:16-17]، إذ هكذا كان مشركو وكفار العرب يقولون، مع أنهم يؤمنون بالله رباً، فقال الله عنهم: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:87]، وقال: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزمر:38]، أي: أنهم مؤمنين بالله وبوجوده وبلقائه، لكن كفروا بالوحي الإلهي ورسالة النبي صلى الله عليه وسلم، كفروا بالبعث الآخر.

    وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا [سبأ:7]، أي: لبعضهم البعض في مجتمعاتهم، هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ [سبأ:7]، أي: يخبركم، إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ [سبأ:7]، أي: بعد موتكم وفنائكم، إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ [سبأ:7]، أي: في يوم من الأيام ستعودون خلقاً جديداً، وهذا والله حق، إذ ليعودون خلقاً جديداً، ولا يبقى مخلوق تحت الأرض إلا وسيحييه الله عز وجل، بل ويصبح أكمل مما كان، وهذا هو التكذيب بالدار الآخرة وبالقيامة وبالبعث والنشور، وهو شر التكذيب وأقبحه.

    المكذب بالبعث الآخر هو من شر البرية

    وقلت غير ما مرة: إن العبد المكذب بالبعث الذي لا يؤمن بأنه سيبعث حياً ويسأل عن عمله، وأنه سيحاسب عليه ويجزى به، والله لا خير فيه ولا يجوز أن يؤمن على شيء ولا يوثق به في شيء، وذلك لأنه شر البرية، وليس عنده ضمير يبعثه على أن يفعل الخير أو ينتهي عن الشر، إذ هو ميت والعياذ بالله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفترى على الله كذباً أم به جنة...)

    رد الله على المكذبين بالبعث الآخر

    ثم يقول المشركون في أحاديثهم: أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ [سبأ:8]، أي: هذا الرجل الذي يقول لكم: إنكم بعد موتكم وتمزيق لحمكم وتكسير عظامكم ستبعثون خلقاً جديداً، فهل هذا كذب على الله أم به جنون؟ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [سبأ:8]، بمعنى: ليس من حقه أن يكذب على الله تعالى، وكيف يقول هذا الكلام؟! أم به جن يزينون له ويخيلون له هذه التخيلات وهو يحدث بها ويقول بها؟! ولا ننسى أن الغلاة في هذا الباب قد يقولون هذا القول ويصرون هذا الإصرار من أجل الإبقاء على مصالحهم ومنافعهم، وبالتالي يحاولون أن يبقوا عليها، وإلا ما الذي يحملهم على هذا الطلب؟!

    أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [سبأ:8]، وهل الرسول يكذب على الله؟! هم لم يؤمنوا بأنه رسول الله، لكنهم يقولون: هو يكذب على الله تعالى! أَمْ بِهِ جِنَّةٌ [سبأ:8]، والجن هم الذين يتكلمون ويقولون: البعث والحياة الثانية والجزاء والجنة والنار، فهكذا كان يعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا كان المؤمنون يسمعون من أولئك الطغاة المشركين الكافرين، لكن الصبر مفتاح الفرج.

    تقرير البعث وأن المكذبين به محكوم عليهم بالعذاب والضلال البعيد

    لكن بعد ذلك أبطل الله دعواهم ورمى بها في البحر، فقال تعالى: بَلْ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ [سبأ:8]، وهذه هي الحقيقة، إذ البعث حق، ومحمد يقول الحق ويخبر بما هو حق، لكن هؤلاء الضلال المكذبين بالبعث الآخر هم في العذاب، وذلك في الدنيا وفي الآخرة، فهم في الدنيا لا يسعدون ولا يكملون، وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ [سبأ:8]، وهو الذي لا نهاية له ولا حد له، وبالتالي فكل من كذب بالبعث والدار الآخرة فهو في العذاب والضلال البعيد، وكل من أنكر البعث والدار الآخرة وكذب بلقاء الله وبالحساب وبالجزاء وبالجنة وبالنار، وأصر على ألا شيء إلا هذه الأيام وهذه الحياة فقط، فهو والله لفي عذاب في الآخرة، وهو والله لفي الضلال الذي لا نهاية له، وهو ليس بمهتد أبداً، فعلينا أن نقوي عقيدتنا، وذلك بأن نزيد في طاقتها وقوتها، وأن نجدد الإيمان ونسعى لتحقيقه بالعمل الصالح.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض...)

    قال تعالى: أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ [سبأ:9].

    لفت الأنظار إلى قدرة الله تعالى المحيطة بالإنسان ليرهبه ويخشاه

    أَفَلَمْ يَرَوْا [سبأ:9]، أي: هؤلاء المشركون المكذبون، والمنكرون للبعث والجزاء، والذي يهزءون ويسخرون ويقولون على الرسول: أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ [سبأ:8]، هؤلاء، أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [سبأ:9]، أي: من أين يوجدون؟ أليس من خلفنا وأمامنا السماء والأرض؟ فأين نذهب؟ وأين النجاة؟ وأين سيذهبون وهم في قبضة الله تعالى؟ إن السماء فوقهم حيث مشوا وهربوا، والأرض تحتهم حيث مشوا وهربوا، فأين يهربون؟

    إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ [سبأ:9]، أي: نخسف بهم وهم عليها فتهبط ويصيرون في باطنها، نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ [سبأ:9]، أي: التي هم عليها، فكيف يكفرون بنا ويكذبون دعوتنا ويحاربون رسولنا؟ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا [سبأ:9] أي: قطعاً، مِنَ السَّمَاءِ [سبأ:9]، فأين سيهربون؟ أسألكم بالله! أين المهرب؟ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا [سبأ:9]، والكسف هي القطعة، أي: القطعة من السماء.

    فضل الإنابة إلى الله وشرف المنيب

    إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً [سبأ:9]، أي: في هذا الذي سمعنا وهو أن كون السماء فوقنا والأرض تحتنا وأمامنا وخلفنا، والله إن يشأ يخسف بنا الأرض أو يسقط علينا كسفاً من السماء، فهذه آية من أعظم الآيات التي تجعل العبد يؤمن بالله وبلقائه، وتجعل العبد يخاف من الله ويرهبه، وتجعل العبد يطلب رضا الله ويسأله إياه، لكن هذه الآية من يراها؟ من يشاهدها؟ من ينتفع بها؟ لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ [سبأ:9]، وكلنا عباد لله تعالى، لكن مُنِيبٍ [سبأ:9]، أي: رجاع فما يخطئ خطأ إلا وقال: أستغفر الله وأتوب إليه، وما تزل قدمه في كلمة أو نظرة أو شيء من ذلك إلا وقال: أتوب إلى الله وأرجع إليه، وهذه هي حياته دائما، فهو أواب ومنيب ورجاع إلى الله تعالى، وهذا هو الذي يستفيد من هذه الآيات فيؤمن بها، أما الذي قلبه ميت ومصمم على الكفر والشرك والفسق والفجور، فوالله لا يتوب ولا يرجع ولا يندم ولا يبكي، ووالله ما يشاهد شيئاً، مع أن السماء فوقهم والأرض تحتهم حيثما نزلوا وحيثما مشوا وقاموا، لكن القلوب ميتة والعياذ بالله.

    وعلى كلٍ فهذه آية من أعظم الآيات الدالة على علم الله وقدرته وحكمته ورحمته وألوهيته، لكن ما كل واحد يشاهد هذه الآية، إذ لا يشاهدها إلا ذو القلب الرجاع والمنيب إلى الله تعالى، الذي كل ما أذنب ذنباً عاد إلى ربه واستغفره وتاب إليه.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    والآن اسمعوا إلى الآيات من الكتاب مشروحة.

    معنى الآيات

    قال الشارح: [ معنى الآيات: ما زال السياق في تقرير عقيدة البعث والجزاء، إنه لما قررها تعالى في الآيات قبل أورد هنا ما يتقاوله المشركون بينهم في تهكم واستهزاء واستبعاد للحياة الآخرة، فقال تعالى حاكياً قولهم: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا [سبأ:7]، وهم مشركو مكة، أي: بعضهم لبعض متبجحين، هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ [سبأ:7]، يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم، يُنَبِّئُكُمْ [سبأ:7]، أي: يخبركم بأنكم إذا متم وتمزقت لحومكم وتكسرت عظامكم وذهبتم في الأرض تراباً تبعثون في خلق جديد بعد أن مزقتم كل ممزق، أي: كل التمزيق فلم يبق شيء متصل ببعضه بعضاً.

    أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [سبأ:8]، أي: محمد فكذب على الله هذا القول وزوره عنه وادعى أنه أخبره بوجود بعث جديد للناس بعد موتهم لحسابهم وجزائهم، أَمْ بِهِ جِنَّةٌ [سبأ:8]، أي: به مس من جنون فهي تخيل له صور البعث وما يجري فيه، وهو يخبر به ويدعو إلى الإيمان به؟ وهذا رد الله تعالى على كذبهم وباطلهم، فقال: بَلْ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ [سبأ:8]، أي: ليس الأمر كما يقولون من أن النبي افترى على الله كذباً، أو به جنون فتخيل له البعث، وإنما الأمر الثابت والواقع المقطوع به هو أن الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب يوم القيامة، وفي الضلال البعيد اليوم في الدنيا، وشؤمهم أتاهم من تكذيبهم بالآخرة.

    ثم قال تعالى مهدداً لهم لعلهم يرتدعون عن التهجم والتهكم بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: أَفَلَمْ يَرَوْا [سبأ:9]، أي: أعموا فلم، يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ [سبأ:9]، أفلم ينظروا كيف هم محاطون من فوقهم ومن تحتهم ومن أمامهم ومن ورائهم، أي: الأرض تحتهم والسماء فوقهم، إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ [سبأ:9]، فيعودون فيها، أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا [سبأ:9]، أي قطعاً من السماء فتهلكهم عن آخرهم فلا يجدون مهرباً؟ والجواب: لا؛ لأنهم مهما جروا هاربين لا تزال السماء فوقهم والأرض تحتهم، والله قاهر لهم متى شاء خسف بهم أو أسقط السماء عليهم.

    وقوله تعالى: إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ [سبأ:9]، أي: إن في ذلك المذكور من إحاطة السماء والأرض، وقدرة الله على خسف من شاء خسف الأرض بهم، وإسقاط كسفٍ من السماء على من شاء، ذلك لهم آية وعلامة بارزة على قدرة الله على إهلاك من شاء ممن كفر بالله وبرسوله وكذب بلقائه، وكون المذكور آية لكل عبد منيب دون غيره لأن المنيب هو الرجاع إلى ربه، كلما أذنب آب وتاب لخشيته من ربه، فالخائف الخاشي هو الذي يجد الآية واضحة أمامه في إحاطة الأرض والسماء بالإنسان وقدرة الله على خسف الأرض به، وإسقاط السماء كسفا عليه ].

    هداية الآيات

    قال الشارح: [ من هداية الآيات المباركة: أولاً: بيان ما كان المشركون عليه من استهزاء وتكذيب وسخرية بالنبي صلى الله عليه وسلم ]، بيان ما كان عليه المشركون الكافرون في مكة وفي غيرها من الاستهزاء والتكذيب والإنكار لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وإنكار البعث الآخر، وإنكار التوحيد، وكل هذا قد دلت عليه الآية الأولى وبينته.

    قال: [ ثانياً: تقرير البعث وأن المكذبين به محكوم عليهم بالعذاب فيه ]، فيا معشر المستمعين والمستمعات! أعيد القول فأقول: قووا إيمانكم بالله ولقائه، إذ بذلك تستطيعون أن تعبدوا الله وتثبتوا في البلاء والرخاء، والفقر والغنى، والمرض والصحة، إذ من فقد قوة إيمانه بالله ولقاء ربه هبط وسقط ولا يقوى على شيء، ولذلك كان أعظم أركان الإيمان هو الاعتقاد بلا إله إلا الله والبعث الآخر.

    قال: [ ثالثاً: لفت الأنظار إلى قدرة الله تعالى المحيطة بالإنسان ليخشى الله تعالى ويرهبه فيؤمن به ويعبده ويوحده ]، في الآية الثالثة لفت الأنظار، أي: لفت أنظار عيون الناس إلى السماء من فوقهم والأرض من تحتهم، إذ من بنى هذه السماء؟ هل بناها آباؤنا وأمهاتنا؟ ومن بسط هذه الأرض وأوجد تربتها؟ ومن يحمينا لو أرادت السماء أن تسقط علينا؟ ومن يحفظنا لو خسفت الأرض ونزلت بنا؟ إنه لا يقدر على ذلك إلا الله تعالى، إذاً فلماذا لا نذكر الله ولا نخافه ولا نرهبه ولا نحبه ولا نطيعه؟! إن هذا كله من باب الذكر، إذ من ذكر الله نجا، ومن أعرض عن ذكر الله هلك والعياذ بالله.

    قال: [ رابعاً: فضل الإنابة إلى الله وشرف المنيب، والإنابة الرجوع إلى التوبة بعد الذنب والمعصية، والمنيب الذي رجع في كل شيء إلى ربه تعالى ]، فاللهم اجعلنا من المنيبين إليك دائماً وأبداً، والمنيب هو ذلك الذي كلما شعر بذنب تاب إلى الله واستغفره وعاد إليه، ولا تستمر المعصية عنده ساعة أو ساعات أبداً، وهذه هي حياته دائماً وأبداً، وأما الاستمرار على المعصية حتى يقسو القلب فإن صاحبها هالك والعياذ بالله تعالى، ولا يشاهد آية في الكون، ولكن المنيبون والراجعون إلى الله يشاهدون آيات الله حتى في النملة وفي قطرة الماء التي تنزل من السماء فيقولون: آمنا بالله! ولا إله إلا الله!