إسلام ويب

تفسير سورة سبأ (10)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الذين يشركون بالله عز وجل بعض خلقه لا يستوون، فبعضهم يعبد آلهة من الأصنام والأوثان، وبعضهم يعبد الملائكة، فإذا بعث الله الأولين والآخرين، وحشرهم إليه أجمعين، سأل ملائكته المقربين عن حقيقة عبادة أولئك المشركين لهم، فيتبرءون منهم ويسبحون بحمد ربهم، ويساق الذين أشركوا إلى النار لا ينفعهم شركهم وما كانوا يعبدون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويوم يحشرهم جميعاً ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذا اليوم ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    فهيا بنا نصغي مستمعين إلى هذه الآيات من سورة سبأ المباركة الميمونة ثم نتدارسها، قال تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ * فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ [سبأ:40-42].

    تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر بعض أحواله

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ [سبأ:40]، هذه قراءة حفص، وأما قراءة نافع فهي: (ويوم نحشرهم)، والمعنى واحد، وهما قراءتان سبعيتان، وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ [سبأ:40]، أي: يجمعهم جميعاً في مكان واحد حول جهنم والعياذ بالله تعالى، وذلك هو الصعيد الذي يجمع الله فيه البشرية كلها، إذ الخليقة من إنسها وجنها تموت وتفنى، والله عز وجل يحييهم من أجل أن يحاسبهم على أعمالهم في الدنيا ويجزيهم بها، فمن كان عمله صالحاً أكرمه بجواره في الجنة، ومن كان عمله فاسداً أذله وأخزاه بعذاب النار وبئس المصير، وهذه هي الحقيقة.

    واذكر يا رسولنا لهم: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا [سبأ:40]، فلا يتخلف منهم أحد، لا رئيس ولا مرءوس، ولا زعيم ولا مزعوم، وإنما الكل مجموعون في مكان واحد.

    عبادة بعض قبائل العرب للملائكة

    ثم قال تعالى: ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ [سبأ:40]؟ وهذه نزلت في بني مُليح وطائفة أيضاً من خزاعة ومن بني سلمة وقبائل أخرى كانوا يعبدون الملائكة، والسبب في ذلك هو أن الشيطان وذريته وإخوانه من الإنس والجن هم الذين زينوا لهم أن الملائكة بنات الله! وبالتالي عبدوهم من دون الله، وذلك أنهم قالوا: إن الرب تعالى أصهر إلى الجن، أي: أخذ سريات الجن فأنجب الملائكة أجمل الخلق وأكملهم، وهذه نظرية باطلة منتنة لا تُعقل ولا تقبل، إذ الله خالق الجن والإنس جميعاً، فكيف يحتاج إلى بنات وزوجات؟! وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا [الصافات:158]، أي: أنهم قالوا: إن الله أصهر إلى الجن فأنجب الملائكة، ونحن نعبد الملائكة ونتوسل بعبادتهم إلى الله تعالى!

    لكن لما أحضرهم الله وجمعهم في يوم القيامة بدأهم بهذا التقريع وهذا التوبيخ، إذ إنه قال للملائكة: أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ [سبأ:40]؟ فتقول الملائكة: نبرأ إلى الله من عبادتهم، مع أنهم في الحقيقة والله ما عبدوا الملائكة، وإنما عبدوا الشياطين، وهذه حقيقة لا ننساها، وبالتالي فمن عبد صنماً أو حجراً أو إنساناً أو ملكاً أو نبياً أو عبداً صالحاً إنما هو في الحقيقة يعبد الشيطان، إذ هو الذي أمره بعبادته وحسنه وزينه له، بل وغشه وخدعه بهذه المعبودات، فالذين يعبدون عيسى اليوم هل هم حقيقة يعبدون الله بواسطة عيسى؟! لا والله، إنما يعبدون الشيطان؛ لأن عيسى عليه السلام حاشاه أن يرضى بأن يُعبد مع الله، بل إنه يرضى أن يصلب ويقطع ولا يعبد مع الله تعالى، وكذلك عوام المسلمين الذين يعبدون الأولياء ويتوسلون بهم إلى الله ويدعونهم، ويستغيثون بهم، ويذبحون لهم الذبائح، ويبيتون عندهم، ويعكفون على قبورهم بحجة التوسل إلى الله تعالى، وذلك كـعبد القادر الجيلاني رحمه الله وغيره من الأولياء، هم في الحقيقة ما عبدوهم، بل عبدوا الشيطان الذي زين لهم ذلك وحسنه لهم، ودعاهم إلى عبادته، أما عبد القادر الجيلاني رحمة الله عليه فلا يرضى أن يُدعى أو يستغاث به مع الله تعالى، أو تذبح له ذبيحة، أو ينادى في البر والبحر: يا عبد القادر! احضر، بل لو يقطع أو يصلب لا يرضى بذلك أبداً، وبالتالي فالذي زين لهم هذه العبادة هو الشيطان الرجيم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم ...)

    قال تعالى: قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ [سبأ:41].

    رد الملائكة يوم القيامة على من عبدوهم من دون الله تعالى

    انظر إلى هذا المجمع العظيم، إذ إنه سبحانه وتعالى حشرهم وجمعهم كلهم في ساحة واحدة، ثم قال للملائكة: أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ [سبأ:40]؟ وهذا استفهام تقريع وتوبيخ، فقالت الملائكة: سُبْحَانَكَ [سبأ:41]، أي: نقدسك وننزهك عن أن نعبد معك، إذ لا عبادة إلا لك وحدك، فأنت الخالق وأنت المعبود، وأنت المحيي وأنت المميت، وأما المخلوقات فهي مخلوقة ومربوبة، فتحييها وتميتها متى ما أردت، وليس فيها من يستحق أن يعبد أبداً، حتى بكلمة الدعاء: يا سيدي فلان! أعطني كذا، وهذه هي الحقيقة فلا ننساها، أعني: أن الذين عبدوا الأنبياء والرسل والأولياء فضلاً عمن عبدوا الأحجار والأصنام التي تمثل الشمس أو القمر، هؤلاء في الحقيقة ما عبدوا أولئك الأنبياء والرسل والصالحين، وإنما عبدوا الشيطان، إذ هو الذي أمرهم فأطاعوه، وهو الذي زين لهم فاستجابوا له، حتى رسول الله ما أمر أحداً أن يعبده، فالذي يستغيث الآن بالنبي ويقول: يا رسول الله! أعطيني، يا رسول الله! اشفني! هل الرسول أمر بهذا؟ لا والله، وإنما الذي زين لهم ذلك هو الشيطان، ثم ألا تلاحظ العوام الجاهلين من الناس ما يكتبونه في سياراتهم: يا فاطمة! يا حسين؟! وهذه استغاثة بهم والعياذ بالله.

    بيان ما تتحقق به ولاية الله تعالى

    قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ [سبأ:41]، أي: أنت ولينا من دون هؤلاء العابثين الشياطين المجرمين المشركين، إذ إن كل مؤمن وليه الله دون غيره مما يعبدون من دون الله تعالى، وقد علمتم أن ولاية الله يا أبناء الإسلام! تتحقق بشيئين اثنين لا ثالث لهما، فعليكم بإحضارهما وإيجادهما لتتحقق ولاية الله لك يا مؤمن، ويصبح الله وليك وأنت وليه، وهذان الشيئان هما: الإيمان والتقوى، فأولاً: الإيمان الصحيح الذي هو كإيمان رسول الله وأصحابه وأولادهم وأحفادهم إلى القرون الثلاثة، وذلك أن إيماننا هو نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ونصدق الله في كل ما أخبر به، ونصدق رسول الله في كل ما أخبر به، سواء أدركناه بعقولنا أو عجزنا عنه، فإذا قاله الله قلنا: آمنا بالله، وإذا قاله رسول الله قلنا: آمنا بما قال رسول الله، وثانياً: التقوى، وهي أن نطيع الله تعالى ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم في أوامر كل منهما ونواهيه، فإذا أمرك تعالى فقال: غض بصرك فغض بصرك، وإذا قال: لا تكذب فلا تكذب طول الدهر، أو قال تعالى: لا تشرب خمراً فلا تشربها، أو قال تعالى: أقم الصلاة واجتهد في الأربع والعشرين الساعة أن تشهد المسجد خمس مرات فافعل، إذ إن طاعة الله ورسوله بفعل الأوامر وترك النواهي هي تقوى الله تعالى، أي: بها نتقي غضب الله وسخطه علينا، وإن اتقينا غضب الله فقد اتقينا عذاب الله تعالى، فلا جهنم ولا نار ولا مصير مظلم، قال تعالى في الآية الكريمة من سورة يونس: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ [يونس:62]، لا في الدنيا ولا في البرزخ ولا في يوم القيامة، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]، لا في الدنيا ولا في القبر ولا في يوم القيامة، وقد رأينا أن من أولياء الله من يفقد ماله أو أولاده فلا يزيد أن يقول: حسبي الله ونعم الوكيل، ولا يكرب ولا يحزن أبداً.

    بيان من هم أولياء الله تعالى ومآلهم

    ثم بين تعالى من هم أولياؤه فقال: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ [يونس:63]، طول حياتهم، إذ آمنوا بالله رباً وإلهاً، وآمنوا بما أمرهم أن يؤمنوا به، واتقوه فأطاعوه ولم يعصوه، فهؤلاء هم أولياء الله تعالى، فماذا لهم؟ قال: لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [يونس:64]، فاللهم اجعلنا منهم وبشرنا يا ربنا! لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا [يونس:64]، أي: يُبشر بأنه ولي الله وأنه من أهل الجنة، وذلك في الدنيا قبل أن يموت، إذ إن النبي صلى الله عليه وسلم فسر البشرى بقوله: ( الرؤيا الصالحة يراها العبد الصالح أو تُرى له )، فلن تموت حتى تبشر، وذلك إما برؤية صالحة تراها أنت، أو يراها لك عبد صالح ويقول لك: رأيت لك في منامي كذا وكذا، لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [يونس:64]، اللهم اجعلنا من أهله يا رب العالمين!

    قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ [سبأ:41]، أي: ما كانوا يعبدون الملائكة، بل كانوا يعبدون الجن، والمراد بالجن الشياطين.

    أصل خلق الأدميين والملائكة والجن

    وهنا لطيفة علمية، فأعيد إلى أذهان المستمعين أن مادة خلق الجن هي النار، وأن مادة خلق الملائكة من النور، وأن مادة خلق بني آدم من الطين، فلا ننسى هذه الحقيقة أبداً، ولو تجتمع البشرية كلها على أن تنقض هذه الحقيقة ما استطاعت، قال تعالى: وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ [الرحمن:15]، والجان هم عالم لا نراه أبداً بأعيننا إلا إذا أرادوا هم أن نراهم، إذ إنهم يتمثلون بصور شتى، والشياطين هم من الجن إلا أن الله أبلسهم وأيأسهم وقطع الرحمة عنهم، وبالتالي فلا يؤمنون ولا يدخلون الجنة، أما عامة الجن فمنهم البررة أولياء الله الصالحون، ومنهم الفجرة، ومنهم المشركون الكافرون كالإنس تماماً، وأما الإنس فقد خلقهم الله من الطين، إذ إن الله أمر الملائكة أن تجمع من الأرض طيناً وصنع عز وجل آدم بيديه، وأمر حواء أن تخرج من ضلعه فخرجت.

    معنى قوله تعالى: (أكثرهم بهم مؤمنون)

    ثم قال تعالى: أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ [سبأ:41]، أي: مؤمنون بالشياطين يستجيبون لهم، ويعملون ما يقولون، ويفعلون ما يرشدونهم ويوجهونهم إليه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعاً ولا ضراً ...)

    قال تعالى: فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ [سبأ:42].

    إخبار الله عن المشركين أنهم لا يملكون لبعضهم بعضاً نفعاً ولا ضراً يوم القيامة

    فَالْيَوْمَ [سبأ:42]، أي: يوم الحشر، ويوم جمع البشرية، ويوم الحساب والجزاء، لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلا ضَرًّا [سبأ:42]، إي والله، إذ ليس أحد يملك لآخر يوم القيامة نفعاً ينفعه به، أو ضراً يضره، إذ الأمر وقع بين يدي الله تعالى، فيُدخل دار السلام الأبرار، ويدخل النار الفجار، وفي ذلك اليوم ليس هناك من يضر وينفع، وإنما كلهم واقفون بين يدي الله تعالى، وقد تقدم في الآيات السابقة أنهم يتركون ذلك الصراع والنزاع والحوار فيسكتون ويذلون ويخضعون.

    بيان توبيخ أهل النار بتكذيبهم في الدنيا بالآخرة وكفرهم بوجود نار يعذبون بها يوم القيامة

    ثم قال الله جل جلاله وعظم سلطانه: وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ [سبأ:42]، وكثير ما نكرر القول في هذا لينتفع المؤمنون والمؤمنات، فنقول: الظلم في اللغة: وضع الشيء في غير موضعه، فالآن لو تزحزح الجالسين وتنام بينهم فقد ظلمت، إذ إن هذا المكان ليس موضعاً للنوم، أو لو أنك قمت عند باب المسجد فتبولت هناك، فقد ظلمت أيضاً.

    والظلم أنواع، فأولاً: ظلم العباد لربهم تعالى، وهو أن يأخذوا عبادته التي خلقهم من أجلها، وخلق كل شيء لهم من أجلها، فيسلبونها منه ويعطونها للشيطان، فيعبدون ملكاً أو نبياً أو إنساناً، فأي ظلم أفظع من هذا؟! إن الله تعالى خلق الإنس والجن من أجل العبادة، وهي حق له وواجبة له؛ لأنه خلقني من أجلها، ولولاه ما كنت أنا، ثم هل خلقني لأسرح وأرقص؟ لا، إنما خلقني لأصلي وأصوم وأعبده، فكيف إذاً أعطي هذه العبادة لشيطان من الشياطين سواء من الجان أو من الإنسان؟ فأي ظلم أفظع من هذا الظلم؟ ولهذا سمى الله تعالى الشرك ظلماً، قال تعالى: وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]، وذلك لأن المشرك قد أعطى حق الله لغير الله تعالى، فلهذا كل مشرك ظالم، فالذي يقول: يا مولاي! يا سيدي عبد القادر! فقد ظلم ربه، إذ من هو هذا الولي الذي ترفع كفيك إليه وتسأله؟ هل يسمع صوتك؟ هل يقدر على أن يعطيك؟ هل سمح الله لك بذلك؟ هل أمر الرسول بذلك؟ لا والله، وإنما الشياطين هي التي أمرت بهذا والعياذ بالله.

    ثانياً: ظلم الإنسان لنفسه، قال تعالى: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ [هود:101]، فكل من ترك واجباً من الواجبات فقد ظلم نفسه، هذه النفس التي كادت أن تتنور وتطيب بتلك العبادة، فإذا منعها من ذلك يكون قد ظلمها والله، وكذلك كل تارك لعبادة من عبادات الله معرض عنها فقد ظلم نفسه، إذ لو فعل تلك العبادة لأشرقت روحه وزكت نفسه وأصبح ولي الله تعالى، وأيضاً كل من يرتكب محرماً حرمه الله من قول أو عمل أو اعتقاد فقد ظلم نفسه؛ لأن الإثم يغطي النفس ويخبثها وينتنها ويعفنها ويدسيها، وبالتالي تصبح نفسه كأنفس الشياطين، قال سبحانه: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [ الشمس:10].

    ثالثاً: ظلم الإنسان لأخيه أو للحيوان، فالذي يسب مسلماً أو يعيره أو يهينه أو يذله أو يسلب ماله أو ينتهك حرمته أو يعتدي على عرضه والله لقد ظلمه، وويل للظالمين من عذاب الله تعالى، إذ كيف أن هذا ولي لله تعالى وأنت تؤذيه وتسبه وتشتمه وتأخذ ماله وتعتدي على حرمته وتنتهك عرضه؟! وأما ظلم الحيوان فهو كظلم الإنسان، إذ هل يجوز لك أن تعبث بحمامة فتنتف ريشها؟ وكذلك الشاة والبقرة، إذ لا يجوز لك أن تعبث بها عند ذبحها أبداً، وإنما لابد وأن تذبحها كما بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: ظلم العبد للرب يكون بعبادة غيره معه، وظلم الإنسان لنفسه يكون بصب الذنوب والآثام عليها وإبعادها عن الصالحات حتى لا تطيب ولا تزكو، وظلم الإنسان لأخيه الإنسان ولو كان كافراً يهودياً أو مجوسياً يكون بسبه أو بشتمه، وبالتالي لا يحل ظلم إنسان أبداً بحال من الأحوال، إلا بإقامة الحدود والشرع، فمن سرق تقطع يده، ومن زنى يرجم إن كان محصناً، وليس هذا بظلم، إذ إن هذا وضع الشيء في موضعه.

    مرة أخرى: يقول تبارك وتعالى: لِلَّذِينَ ظَلَمُوا [سبأ:42]، أنفسهم وربهم وعباد الله تعالى، ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ [سبأ:42]، وهذه النار ملتهبة، وفيها ألوان وصنوف من العذاب لا يخطر على بال أحد من الناس، وفيها الحيات والثعابين التي لا نتصورها، ويكفي أن يصب الماء على رأس الكافر حتى يغلي دماغه، عَذَابَ النَّارِ [سبأ:42]، أي: العذاب الذي يوجد في النار، والنار علَم على عالم، وعالمنا هذا والله كأنه نقطة في بحر، وأرضنا هذه كلها من أقصى الشرق إلى الغرب لا تجيء كمثل قطرة في البحر، وذلك لأنها واسعة جداً، وإن أردت أن تعرف ذلك فضع رأسك بين ركبتيك وفكر وقل: أسفل! أسفل! ألف ميل، عشرة آلاف ميل، إلى أين؟ هل هناك مكان تنتهي إليه؟ إلى عالم الشقاء، إلى النار وبئس القرار، أو فكر وقل: أعلى! أعلى! إلى أين؟ والله إلى الجنة دار السلام.

    عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُمْ بِهَا [سبأ:42]، أي: بالنار تكذبون، إذ والله لو آمنوا بأن هناك عالماً نارياً يعذب الله به الناس ما كفروا بالله ولا خرجوا عن طاعته، ولكن تكذيبهم بيوم القيامة، وبالبعث والجزاء، وبالسعادة والشقاء، هو الذي حملهم على الكذب والخيانة والفجور والباطل، ولهذا كان الإيمان بيوم القيامة وبالحساب والجزاء أكبر عامل من عوامل الإصلاح، فإذا فقده الإنسان يصبح شر من الكلاب، ولا يوثق فيه ولا يعول عليه، واقرءوا قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ [البينة:6]، والله لهم شر البريئة.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال الشارح: [ من هداية الآيات: أولاً: تقرير عقيدة البعث والجزاء بذكر بعض أحوالها ]، من هداية هذه الآيات الثلاث التي تدارسناها في بيت الله تعالى، وحفتنا الملائكة، وذكرنا الله فيمن عنده: تقرير مبدأ الحياة الثانية والجزاء بعد الحساب، وهذا أعظم ركن من أركان العقيدة، ولذا فقد قررت الآيات أننا بعد الموت نبعث من جديد، ونسأل ونستنطق ونحاسب بعد ذلك، ثم إما إلى النعيم المقيم أو إلى العذاب الأليم.

    قال: [ ثانياً: أن من كانوا يعبدون الملائكة والأنبياء والصالحين إنما كانوا يعبدون الشياطين، إذ هي التي زينت لهم الشرك ]، وهذا كما بينته وقررته بين أيديكم، فالذين عبدوا الملائكة والأنبياء والأولياء من أمتنا أو من أمم سابقة، هم في الحقيقة ما عبدوا أولئك؛ لأن عيسى ما أمرهم أن يعبدوه، وإبراهيم ما أمرهم أن يعبدوه، وعبد القادر الجيلاني العراقي والله ما أمر أحداً أن يعبده، وإنما هم في الحقيقة عبدوا الشيطان الذي زين لهم ذلك، وبالتالي أطاعوه واستجابوا له.

    قال: [ ثالثاً: بيان توبيخ أهل النار بتكذيبهم في الدنيا بالآخرة وكفرهم بوجود نار يعذبون بها يوم القيامة ]، وهو كذلك.