إسلام ويب

تفسير سورة الفتح (5)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما أراد الرسول صلى الله عليه وسلم دخول مكة مع من معه من الصحابة لأداء العمرة منعه أهل مكة من ذلك، فأرسل إليهم الرسول رجالاً من أصحابه ليفاوضوهم، وممن بعثه إليهم عثمان بن عفان رضي الله عنه، وبينما عثمان في مكة سرت بين الناس شائعة بأنه قتل، فما كان من النبي إلا أن جمع أصحابه للبيعة، فاجتمعوا عند شجرة الرضوان وبايعوا الرسول على الموت، فأنزل الله آيات يمدح فيها موقفهم هذا، ويعدهم المغانم والأجر العظيم جزاء إيمانهم وصدقهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    وها نحن مع سورة الفتح المدنية، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوة هذه الآيات منها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا * وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا * وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا * سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا * وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا [الفتح:18-24].

    خبر بيعة الرضوان

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [الفتح:18-19].

    علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج مع ألف وأربعمائة رجل من المدينة بعدما استنفر من يخرج معه، فما خرج إلا هذا العدد، خرج لماذا؟ لأداء عمرة في السنة السادسة من بعد وقعة الخندق.

    فلما نزل بالحديبية راسل المشركين في مكة، فبعث خراش بن أمية الخزاعي وأركبه بعيره المسمى ثعلب، وذهب إلى مكة ليخبر أبا سفيان ورجال مكة بأن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء للعمرة لا للقتال ولا للحرب، فما كان من المشركين إلا أن عقروا بعير الرسول صلى الله عليه وسلم، وحاولوا قتل الرجل إلا أن الله نجاه بواسطة الأحابيش -جماعات من كل قبيلة- دفعوا عنه السوء حتى عاد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    ثم لما عاد إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن يبعث رسولاً آخر إلى قريش، فعرض على عمر فاعتذر عمر وقال: ما عندي من يحميني في مكة من بني عدي، ولكن أرى عثمان أولى بهذا، وبالفعل خرج عثمان بإذن الرسول صلى الله عليه وسلم سفيراً إلى قريش بمكة، لما وصل قريباً من مكة وجده أحد الرجال فاعتنقه ورحب به، وأركبه دابته فجعله أمامه احتفالاً به، ونزل وذهب إلى أبي سفيان ورجال مكة، فقالوا له: طف بالبيت يا عثمان ، فقال: لا أفعل هذا قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتألموا لذلك وحبسوه كذا يوماً، فلما حُبس عن رسول الله أُشيع أنهم قتلوا عثمان.

    هنا دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجاله إلى البيعة على قتال المشركين، وبالفعل قاموا تحت تلك الشجرة الواسعة الكبيرة وبايعوه على القتال، ولم يتخلف إلا الجد بن قيس منافق كبير، كان مختبئاً مستتراً بناقته، ما بايع ولا حضر البيعة؛ لأنه من أهل جهنم، منافق مات على نفاقه.

    إذاً: فتمت البيعة كما أخبر تعالى، فرضي الله عنهم: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ [الفتح:18] الصادقين في إيمانهم الكمل في إيمانهم من أبي بكر وغيره إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح:18]، في الوقت الذي كانوا يبايعونك على قتال المشركين، والبيعة معروفة تحت الشجرة.

    سبب قطع عمر شجرة بيعة الرضوان

    وهنا لطيفة: هذه الشجرة من شجر السمر، وعمر رضي الله عنه لما تولى الخلافة بلغه أن بعض الناس يجلسون تحتها، ويأتون للتبرك بها، فأمر عمر بقطعها فاجتثت من أصولها، لم هذا يا عمر ؟ حتى لا تعبد مع الله، فهناك أجيال آتية يعمها الجهل والضلال، لو بقيت تلك الشجرة لبيعت الورقة بدينار، وهذه سنة عمر قام بها عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود تغمده الله برحمته، فكل الآثار التي حفظت وحميت من أجل أن تُعبد من دون الله في ديار الحجاز بالمملكة أزالها.

    وفي هذه الأيام قام عالمان من الكويت ينددان بالحكومة السعودية وعلمائها لم لا تبقي الآثار للرسول وأصحابه، وهو جهل مركب، والله! لقد عُبدت أشجار بالآلاف، عبدت قباب بالآلاف، عبدت قبور، عبدت آثار، هذه آثار سيدي فلان، فمن الحكمة والعلم والمعرفة ألا نبقي شيئاً يفتن الناس عن ربهم ويصرف قلوبهم عن مولاهم، ويأخذون يعبدون غير الله.

    هذه سنة عمر رضي الله عنه، لما بلغه أو شاهد المارين ينزلون تحتها ويدعون أمر بقطعها فقطعت إلى الآن، وهي في الحديبية قريبة من مكة.

    معنى قوله تعالى: (فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً)

    لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ [الفتح:18] من الإيمان واليقين والصدق فيما عاهدوا رسول الله عليه، ألا وهو قتال المشركين حتى الاستشهاد أو الانتصار، إذاً: فكافأهم الله فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ [الفتح:18] ذهب الروع والخوف والارتعاد، بل ثبتوا وأصبحوا شجعاناً وأبطالاً لو هاجموا المشركين لقتلوهم.

    وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح:18] وقد علمنا أنه فتح خيبر، أعظم فتح، فغنائم خيبر لا حد لها، فتح سيأتي بعد سنتين وهو فتح مكة؛ لأن هذه الأحداث تمت في السنة السادسة في شهر ذي الحجة، ثم دخل محرم وفي آخره خرج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى خيبر في السنة السابعة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزاً حكيماً)

    ثم قال تعالى: وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا [الفتح:19] هذه وعدهم بها مغانم الفرس والروم، كمغانم خيبر وغيرها.

    وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا [الفتح:19] أي: لا يمنع عما يريده، ولا يذله ويقهره غيره أبداً، فهو على كل شيء قدير، حَكِيمًا [الفتح:19] في منعه وعطائه ونصره وخذلانه لعباده.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها فعجل لكم هذه وكف أيدي الناس عنكم...)

    ثم قال تعالى: وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا [الفتح:20] هكذا يخاطب الله تعالى أبا بكر والصحابة رضوان الله عليهم، وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ [الفتح:20] أية غنيمة عجلها؟ غنيمة خيبر.

    وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ [الفتح:20]، لاحظوا أنه لما خرج الرسول صلى الله عليه وسلم من المدينة برجاله قالت قبائل من الأعراب: الرسول لن يعود، سوف يقتله المشركون! لكن هنا في هذه الآية اتصل أولئك الأعراب ببعض اليهود، فقالوا: الفرصة متاحة، تعالوا ننقض على أسر أصحاب رسول الله! واليهود في خيبر، فالمسافة ما هي ببعيدة، مائة وسبعون كيلو.

    فهناك مؤامرة تمت بين أولئك الأعراب وبعض اليهود الذين سمح لهم بالبقاء في المدينة بمعاهدة، اتصلوا بيهود خيبر وقالوا: تعالوا نستأصل آثار الصحابة، ما نبقي امرأة ولا ولداً.

    فقال تعالى: وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ [الفتح:20]، ما استطاعوا أن يفعلوا شيئاً، صرفهم الله حتى عاد الرسول صلى الله عليه وسلم وغزاهم.

    وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ [الفتح:20] وهي آية من آيات الله الدالة على علم الله، على قدرة الله، على رحمة الله بأوليائه، على نصرة الله لأوليائه، آية من الآيات.

    وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا [الفتح:20] ألا وهو الإسلام، فتعيشون عليه حتى تنتهوا إلى دار السلام الجنة دار الأبرار، هذه الأولى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها وكان الله على كل شيء قديراً)

    قال تعالى: وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا [الفتح:21] الأولى غنائم خيبر وتحطيم اليهود والقضاء عليهم في خيبر حتى أصبحوا خدماً فقط ليس لهم نخل ولا صناعة.

    وَأُخْرَى [الفتح:21] وهي غنائم أخرى، غنائم فارس والروم، لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا [الفتح:21] ما تستطيعون، ولكن الله قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا [الفتح:21] وتركها لـعمر رضي الله عنه ورجال الإسلام، فما كان إلا أن غزا عمر فارس والروم، وغنم غنائم لا حد لها، أشار إليها تعالى بقوله: وَأُخْرَى [الفتح:21] أي: وغنائم أخرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا [الفتح:21] أنتم الآن عاجزون، قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا [الفتح:21]، كيف بتلك الأمة تهددها مجموعة في المدينة، تغزو فارس والروم وهما دولتان عظيمتان وتغنم منهما، لولا أن الله على كل شيء قدير، وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ [الفتح:21] يريده قَدِيرًا [الفتح:21] لا يعجزه شيء أبداً.

    1.   

    دلالة آية بيعة الرضوان على فضل الصحابة وعظيم جناية منتقصهم

    وهناك لطيفة لا ننساها في قوله تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ [الفتح:18] فقد عرفنا أنهم ألف وأربعمائة واستثنينا ذلك المنافق، فهل يرضى الله تعالى عنهم اليوم ويكفرون غداً؟ لهذا فإن من يكفر أبا بكر وأصحاب رسول الله كفر، كذّب الله عز وجل ونسبه إلى الجهل وعدم العلم، أيرضى عنهم اليوم ولا يدري أنهم غداً سيكفرون ويسخط عليهم؟ حاشاه تعالى، معاذ الله أن يجهل هذا الجهل، فما دام قد أعلن عن رضاه عنهم فوالله! لن يموتوا إلا مسلمين ربانيين أولياء؛ ليتم رضوان الله عليهم.

    فالذين يكفرون أصحاب رسول الله كذبوا الله ونسبوه إلى الجهل، فكيف يرضى اليوم عنهم وغداً يكفرون به؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون ولياً ولا نصيراً)

    ثم قال تعالى: وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا [الفتح:22]، لو قاتلكم مشركو مكة من قريش فلن ينتصروا عليكم أبداً، ولولوا الأدبار هاربين، لم؟ لأن الله تعالى معكم وليس معهم أحد، فهذه عدة ربانية، فلو حصل قتال بينكم وبين المشركين من مكة فوالله! لانتصرتم عليهم، لكن ما خرجتم من المدينة لقتالهم، خرجتم للعمرة.

    وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ [الفتح:22] يعني: رجعوا إلى الوراء، هذا معنى: ولى الدبر.

    لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا [الفتح:22] يتولاهم وينصرهم وَلا نَصِيرًا [الفتح:22] يشد عضدهم ويقويهم أبداً، هذه بشرى تزف إلى تلك الجماعة المكونة من ألف وأربعمائة، ونحن يكفينا أننا نحبهم ونترضى عنهم، لكن ويل للذين يلعنونهم ويكفرونهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً)

    ثم قال تعالى: سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ [الفتح:23] في نصر الله لأوليائه وهزيمة الله لأعدائه، سنة ماضية، ما من نبي ولا أصحاب نبي يقاتلون إلا نصرهم الله على أعدائهم، ما تتخلف هذه السنة أبداً مع أي نبي من الأنبياء ورسول من الرسل.

    سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ [الفتح:23] مضت و خَلَتْ مِنْ قَبْلُ [الفتح:23] أي: من قبلكم، وَلَنْ تَجِدَ [الفتح:23] يا رسولنا أو أيها السامع لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [الفتح:23]، فسنن الله ما تتغير ولا تتبدل، أنظمة ثابتة لا تقبل التغيير ولا التبديل، فسبحان الله العظيم!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم ...)

    ثم قال تعالى أيضاً: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ [الفتح:24] هذه حادثة أيضاً:

    فإنه لما جرت السفارة وبدأ الصلح بعث أبو سفيان ثمانين شاباً من الشبان على أن يأتوا بالليل ويغتالوا رسول الله وأصحابه، وهذا معنى قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ [الفتح:24]، ثمانون شاباً جاءوا بالليل ما يستطيعون أن يقتلوا ولو مائة أو خمسة، فمن صرفهم؟

    وإذا بالرسول صلى الله عليه وسلم يدعو عليهم فيستسلمون، أو يرميهم بتراب في وجوههم فينقادون ويخضعون، ويأخذونهم أسرى ويسلمونهم لقريش، ومن ثم قبلت قريش بالصلح، لما انهزمت هذه الهزيمة عرفت أنها لن تنتصر، فقبلت المصالحة، وتم الصلح بين الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين من جهة، وبين أبي سفيان والمشركين من جهة أخرى، ومدة الصلح هذا هدنة لعشر سنوات.

    هذا معنى قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ [الفتح:24] فكف أيديهم وأنتم ما قاتلتموهم، وقع بين أيديكم ثمانون أسرى جاءوا لقتلكم، ومع هذا سامحتم وتركتموهم، وكان ذلك في بطن مكة؛ لأن هناك جبلاً قريباً من الحديبية بين مكة والحديبية، وبطن مكة داخلها تابع لها.

    وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا [الفتح:24] وما زال الله بما نعمل بصيراً، عليماً مطلعاً، عالماً بأحوالنا، فلا يسعنا إلا الخشية منه والتقوى له فقط، وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا [الفتح:24] وكانت أعمالهم صالحة والحمد لله، وأعمالنا نحن كيف هي؟ والله مطلع عليها، ينظر إليها ويعرفها، كيف لا وهو خالق الأعمال وأهلها؟ فنسأل الله تعالى أن يتوب علينا وأن يطهر قلوبنا ويزكي نفوسنا، وأن يضمنا إلى مجموعات عباده الصالحين.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    والآن مع هداية الآيات.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: بيان فضل أهل بيعة الرضوان وكرامة الله لهم برضاه عنهم ].

    فمن أفضل منهم، وقد أعلن تعالى في كتابه عن رضاه عنهم؟ ولو رأيت أنت رؤيا صادقة تبشر فيها برضا الله فوالله! إنك لا تشعر بالدنيا جعت أو مرضت، فكيف وقد نزل القرآن يعلن عن رضا الله تعالى عنهم؟ ومن رضي الله عنه هل يذله؟ هل يخزيه، هل يعذبه ويدخله النار؟ تعالى الله عن ذلك وحاشا وكلا.

    [ ثانياً: ذكاء عمر وقوة فراسته؛ إذ أمر بقطع الشجرة خشية أن تُعبد، وكم عُبدت من أشجار في أمة الإسلام في غيبة العلماء وأهل القرآن ].

    لذكاء عمر وعلمه وبصيرته قطع هذه الشجرة خشية أن تعبد مع الله عز وجل، وانتهينا منها، ولكن وجدنا أشجاراً في الشرق والغرب تعبد بين المسلمين، حتى في المدينة، كانت شجرة تعبد اقتلعها بعض الإخوان.

    [ ثالثاً: مكافأة الله تعالى للصادقين الصابرين المجاهدين من عباده المؤمنين بخيري الدنيا والآخرة ].

    [ رابعاً: صدق وعد الله لأصحاب رسوله في الغنائم التي وعدوا بها، فتحققت كلماته بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي غنائم فارس والروم ].

    إذ وعدهم بغنائم فارس والروم بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ففازوا بها وأخذوها، وعدهم في هذه الآيات التي نزلت بالحديبية، أليس كذلك؟ فبعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وتولي أبي بكر وتولي عمر نصر الله المسلمين وفتحوا فارس والروم، وتحققت هذه الغنائم.

    [ خامساً: كرامة الله للمؤمنين إذ حمى ظهورهم من خلفهم مرتين: الأولى: ما همَّ به اليهود من غارة على عائلات وأسر الصحابة بالمدينة النبوية، والثانية: ما همَّ به رجال من المشركين من الفتك بالمؤمنين ليلاً بالحديبية؛ إذ مكن الله منهم رسوله والمؤمنين، ثم عفا عنهم رسول الله وأطلق سراحهم، فكان ذلك مساعداً قوياً على تحقيق صلح الحديبية ].

    هاتان نعمتان عظيمان، كرامتان أكرم الله بهما المؤمنون: الأولى: في الذين تجمعوا وقالوا نقتل عيالهم المدينة ونساءهم، فصرفهم الله عز وجل.

    والثانية: ثمانون شاباً جاءوا من مكة لقتل الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فصرفهم الله وهزمهم.

    [ سادساً: بيان سنة الله في أنه ما تقاتل أولياء الله مع أعدائه في معركة إلا نصر الله أولياءه على أعدائه ].

    هذه الحقيقة وأحلف عليها بالله: ما اجتمع مؤمنون صادقون ربانيون يقاتلون باسم الله ولله؛ فإن العدو الكافر المشرك الذي يقاتلهم -والله- لا ينتصر عليهم، وعد الله الذي لا يخلف الميعاد، والله! لينصرنهم الله، فقد نصر أصحاب رسول الله في ميادين لا حد لها، حتى بلغوا الأندلس غرباً والهند شرقاً، هذه سنة الله.

    فإذا وجد المؤمنون الربانيون الصالحون وقاموا يقاتلون في سبيل الله فعدوهم المشرك الكافر لن ينتصر عليهم، سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلاً.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.