إسلام ويب

تفسير سورة الشورى (1)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الله عز وجل هو خالق السموات والأرض ومن فيهن، خلق الخلق لعبادته وتوحيده، وبعث من أجل ذلك رسله، وأنزل عليهم كتبه، فاتبع البعض أنبياء الله واهتدوا بهداهم، وأبى أكثر الناس إلا كفوراً، فنسبوا لله الولد تارة، وأشركوا معه في عبادته أصناماً آلهة تارة أخرى، فافتروا إثماً عظيماً، ومكروا مكراً كباراً، فاستحقوا العذاب الأليم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (حم عسق)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    وها نحن مع فاتحة سورة الشورى المكية، وبها بعض الآيات مدنية.

    والشورى والاستشارة والمشاورة جاء بها الإسلام، فعلى المسئولين أن يستشيروا إخوانهم قبل إصدار حكمهم، وسيأتي بيان ذلك عند قوله تعالى: وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ [الشورى:38].

    والآن مع هذه الآيات الست، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة، ثم نتدارسها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم. حم a> * عسق * كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ * تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ [الشورى:1-6].

    العلة في فصل (حم) عن (عسق)

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره:

    حم * عسق [الشورى:1-2]، لو سأل طالب: لم فصلت (حم) عن (عسق)؟ لكان الجواب: هي كأخواتها الست، ما منهن إلا ما ابتدأ بـ(حم)، ثم أضيف إلى هذه (عسق)، هذا سر الفصل.

    فإن قيل: لِمَ لم تفصل كـ(كهيعص)؟ نقول: سر فصلها لتكون كأخواتها الست: حم * تَنزِيلُ [غافر:1-2]، حم * وَالْكِتَابِ [الزخرف:1-2].

    المراد بـ(حم عسق) وبيان فائدة الحروف المقطعة

    ثم ما معنى حم * عسق [الشورى:1-2]؟

    قد علمتم -زادكم الله علماً- أن القول الصحيح أن تقول: الله أعلم بمراده به، فتفوض أمر فهمها ومعناها لله، الله أعلم بمراده من هذه الحروف، وبعضهم يقول: العين دلت على كذا، والسين على كذا، ويقولون ويهيجون، وكل هذا لا معنى له، فهذا سر من أسرار الله عز وجل، أليس لكم أسرار تسرونها؟ فلله تعالى أسرار، سره في هذه الحروف المقطعة، فما عليك إلا أن تقول: الله أعلم بمراده بهذا، فتفوض أمر فهمه إلى الله.

    ثانياً: بينا أن هناك فائدتين جليلتين عظيمتين كانتا بسبب هذه الحروف، فما هاتان الفائدتان؟

    الأولى كما علمتم: لما زعموا أنهم يأتون بمثل هذا القرآن ويتحدون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان الله ينزل هذه الحروف ليقول لهم: فأتوا بسورة من مثله، هذا القرآن المركب من هذه الحروف: حم، عسق، طس، طسم، مركب من هذه الحروف، فألفوا أنتم سورة من مثله فضلاً عن أن تأتوا بالقرآن بكامله؛ إذ تحداهم مع الجن بالقرآن بكامله فعجزوا، وتحداهم بالإتيان بعشر سور فقط من مثل القرآن فعجزوا، وتحداهم أخيراً بسورة واحدة: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا [البقرة:23-24] إذاً فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:24].

    فهذا الكتاب الكريم -والله- مؤلف من هذه الحروف: حم، عسق، طس، ق، ن، وهذه فائدة جليلة.

    الفائدة الثانية: هي أنهم كانوا ما يريدون أن يسمعوا القرآن، يغلقون آذانهم، إذا سمعوا الرسول صلى الله عليه وسلم يقرأ حول الكعبة أو أبا بكر أو أي مؤمن من المؤمنين يتألمون فيغلقون آذانهم، بل قالوا بأمر عام للمواطنين: أيها المواطنون! لا يحل لكم أن تسمعوا هذا القرآن، ومن سمعه منكم فليلغ وليصح حتى ما يتسرب هذا القرآن إلى قلوب المواطنين فيرتدوا عن دينهم ويدخلوا في الدين الجديد! هذا نظام الدولة الكافرة، كما قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت:26]، لكن العربي حين يسمع: حم [الشورى:1] وما سمع هذا الصوت من قبل أبداً، فيضطر إلى أن يسمع عسق [الشورى:2] فيمد عنقه، فأصبح ذاك القرار الحكومي الباطل لا ينفع بهذه الفائدة العظيمة؛ لأنه إذا أصغى دخل نور القرآن في قلبه، وبذلك آمنوا ودخلوا الجنة.

    فهاتان الفائدتان من أين جاءتا؟ من هذه الحروف المقطعة التي نقول فيها: الله أعلم بمراده به، ونفوض أمر فهمه إلى الله، ولا نقول: معناها كذا ولا كذا ولا كذا فنخطئ ولا نصيب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم)

    وقوله تعالى: كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الشورى:3] هل تذكرون أن السور المكية تعمل على إيجاد العقيدة الإسلامية الصحيحة؟ ومبنى هذه العقيدة على ثلاثة: التوحيد، والنبوة، والبعث الآخر، أي: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، والدار الآخرة حق.

    فأيما إنسان ذكر أو أنثى آمن بهذه الثلاثة انصاع وذاب في طاعة الله عز وجل، أيما إنسان ينكر هذه أو واحدة منها فما يصدق ولا يعول عليه ولا هو في خير أبداً، كافر ومشرك.

    فهذه الآيات والسور المكية تعمل على هذا، كيف يؤمن الناس بأنه لا إله إلا الله، فيعبدونه ويطيعونه، وأن محمداً رسول الله، فيعبدون الله بتعاليمه وبيانه، ويدخرون الأعمال الصالحة للدار الآخرة.

    فقوله تعالى: كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الشورى:3] أي: كما أنزلنا عليك هذا الكتاب المؤلف من هذه الحروف وأوحيناه إليك ما زلنا نوحي إليك كما أوحينا إلى الذين من قبلك، بصيغة المضارع؛ لأنه ما زال يوحي إليه كما أوحى إلى الأنبياء من إدريس صاحب الثلاثين صحيفة إلى نوح إلى آخرهم عيسى عليه السلام.

    من الذي يوحي إليه وأوحى إلى من قبله؟ الله جل جلاله وعظم سلطانه، ذو العزة التي لا تمانع والحكمة التي لا يخلو منها شيء، فهو عزيز لا يمانع في شيء يريده، يوحي إلى رسوله صلى الله عليه وسلم، وما يستطيع واحد أن يصرف هذا الوحي أو يصرف الله عنه أو يبعده؛ لعزته، يصل به إلى من أراد أن يوحي إليه، لو اجتمع الجن كلهم والشياطين على أن يمنعوا الرسول صلى الله عليه وسلم من نزول الوحي إليه فوالله! ما يستطيعون، لو كان الموحي غير الله فقد يستطيعون أن يصرفوه، لكن الله ذو العزة والقدرة، الحكيم الذي يضع كل شيء في موضعه، لا يمكن أن يوحي إلى فيلسوف أو شيطان، ولكن يوحي إلى من هيأه وأعده من صباه، بل وهو في رحم أمه، حتى يتلقى عن الله وحيه وما يأمر به وينهى عنه.

    لو لم يكن عزيزاً حكيماً فسنقول: الشياطين يغلبون الملائكة التي تأتي بالوحي ويصرفونها عن الوحي، أو يضع الله هذا الوحي في مجنون أو أحمق أو فاجر، لكنه العزيز الغالب الذي لا يمانع، الحكيم في كل تصرفاته، في كل أفعاله، في كل أقواله.

    وقد علمنا أن الحكمة: وضع الشيء في موضعه، فالحكيم الذي يضع الشيء في موضعه، فهذه حلقة ذكر وطلب علم، فلو أدخل أحدكم أصبعه في أذنيه وأخذ يغني؛ فهل هذا الموضع يليق به؟ ما هو بحكيم أبداً، أو يقوم فيضحك ويصيح، أو يقول: ابتعدوا عني لأنام، فهل هذا من الحكمة؟ لقد وضع الشيء في غير موضعه.

    فالحكمة: وضع الشيء في موضعه، والله حكيم يضع الشيء في موضعه، فمحمد بن عبد الله الهاشمي القرشي العدناني صلى الله عليه وسلم أهل لأن يتلقى عن الله الوحي، فلذا أوحى إليه، فاغضبوا أنتم أيها المشركون وقولوا: ساحر، قولوا: مجنون، قولوا: شاعر، لا قيمة لقولكم؛ لأن الذي أوحى إليه عزيز حكيم، فثبت بهذا النبوة لمحمد صلى الله عليه وسلم وأنه رسول الله ونبي الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (له ما في السموات وما في الأرض وهو العلي العظيم)

    ثم قال تعالى: لَهُ [الشورى:4] أي: لله تعالى العزيز الحكيم لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [الشورى:4] خلقاً وملكاً وتدبيراً، السماوات السبع وما فيها من الملائكة، وما يتم ويجري فيها، والأرضون السبع كذلك، الكل لله عز وجل، لم تعترضون عليه أن يختار أحداً منكم ويوحي إليه، وتقولون:كيف يكون هذا نبي الله ورسوله؟ بأي حق وبأي منطق أو ذوق؟

    لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [الشورى:4] يعطي ويمنع، يضر وينفع، يعز ويذل، يحيي ويميت، فليس هناك من ملجأ للخليقة إلا إلى الله فقط، الجئوا إلى الله، اسألوه، أطيعوه، تقربوا إليه، تزلفوه، هذا هو الطريق، أما الانصراف عن الله إلى الشياطين وإلى الفجرة والكفرة فوالله! ما يسعدكم، ولكن والله! ليشقينكم.

    لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [الشورى:4] وعلو الله ما يساويه علو أبداً، فهو فوق كل الكائنات، فوق السماوات السبع، فوق عرشه.

    الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ [الشورى:4] الذي لا يقادر قدره، ولا يساوى بعظمته أبداً، هذا هو الله عز وجل الذي أوحى إلى محمد هذا الكتاب الكريم، هذا القرآن العظيم ليكون هدى للبشرية لتسعد وتكمل عليه، فآمنوا بذلك عباد الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (تكاد السموات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ...)

    ثم قال تعالى: تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [الشورى:5] وفي قراءة: (يكاد السموات)، أي: تكاد السماوات تنشق من عظمة الرب فوقها.

    وشيء آخر أيضاً: تكاد السماوات تنفطر وتتشقق من نسبة الولد إلى الله عز وجل، واتخاذ الشريك له، والملائكة يسبحون الليل والنهار، فويل للمشركين، ويل للكافرين.

    تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ [الشورى:5]، ومنه قوله تعالى: إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ [الانفطار:1]، أي: تكاد تنفلق وتنشق؛ لأمرين: الأول: لكفر الكافرين وشرك المشركين، وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [الشورى:5] والملائكة يغضبون لذلك ويسبحون الله وينزهونه من أن يكون له ولد أو يكون له شريك يعبد معه.

    معنى قوله تعالى: (ويستغفرون لمن في الأرض)

    وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ [الشورى:5] لا بأس أن نقول: هذه عامة خصصتها آية غافر؛ إذ قال تعالى: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [غافر:7]، فنحن نقول: يستغفرون للمؤمنين، أيما مؤمن فالملائكة يسبحون الله ويستغفرون له، فهنيئاً للمؤمنين.

    وقالت الرواية: إذا كان العبد من المسبحين أيام السراء والفرح والراحة؛ فإنه إذا مرض وجاءه التعب وجاءه الألم فالملائكة يسمعون الصوت، فيقولون: هذا الصوت صوت ذاك الذي كنا نسمع تسبيحه، الآن هذا صوته يتضرع ويبكي، فيسألون الله تعالى له العافية والشفاء.

    يقولون: هذا الصوت سمعناه منذ سنين: سبحان الله والحمد لله.. سبحان الله والحمد لله، والآن يقول: يا رباه.. يا رباه! اكشف ضري وادفعه عني، إذاً: فيستغفرون له، ويسألون الله له الشفاء والعافية.

    وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ [الشورى:5] سبحان ربنا وبحمده، سبحان ربك رب العزة عما يصفون، سبحان الله والحمد لله، سبحان الله العظيم، هذا التسبيح تقديس لله وتنزيه مع حمده وشكره والثناء عليه، وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الأَرْضِ [الشورى:5] لفظ عام، فهل يستغفرون للكافرين؟

    الجواب: لا. الاستغفار للمؤمنين، دل عليه آية سورة غافر؛ إذ قال تعالى: وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [غافر:7] أما الكافرون فلا يستغفرون لهم إلا إذا آمنوا وتابوا، فيستغفرون لهم وإن كانت ذنوبهم مثل الجبال.

    معنى قوله تعالى: (ألا إن الله هو الغفور الرحيم)

    ثم قال تعالى: أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الشورى:5] (ألا) اسمعوا وعوا، ألا إن الله هو لا غيره الغفور لعباده التائبين، الرحيم بعباده عامة كافرين ومؤمنين، بعباده الكافرين في الدنيا يرحمهم، وفي الآخرة يرحم أولياءه المؤمنين.

    وقد علمنا من نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الله قسم الرحمة إلى مائة قسم، الرحمة جزأها إلى مائة جزء: فجزء وضعه في الأرض تتراحم به الخليقة، حتى الدجاجة مع أفراخها، وتسعة وتسعون جزءاً هيأها وأعدها لأوليائه في الجنة دار النعيم المقيم، فهذا الجزء ينال الكافر أيضاً وتناله رحمة الله، والواقع هكذا، فالكافر يأكل ويشرب ويستريح ويمشي.

    إذاً: أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ [الشورى:5] لا غيره الْغَفُورُ [الشورى:5] لعباده التائبين المذنبين، الرَّحِيمُ [الشورى:5] بهم وبغيرهم من الكافرين في الدنيا، أما في الآخرة فلا رحمة إلا لأهل الجنة فقط للمؤمنين، والكافرون في جهنم لا رحمة لهم أبداً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل)

    ثم قال تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ [الشورى:6] والوهم وعبدوهم واستغاثوا بهم واستعاذوا بجنابهم، وأحبوا من أجلهم وأبغضوا من أجلهم، وهذا يشمل كل الكافرين المشركين.

    وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ [الشورى:6] ما معنى أولياء؟ يوالونهم، يعبدونهم بأنواع العبادات، يحبون من أجلهم، يبغضون من أجلهم، هؤلاء يا رسولنا اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ [الشورى:6]، يجمع أعمالهم ويحصيها ويجزيهم بها يوم القيامة، فلا تكرب يا رسولنا ولا تحزن ولا تتألم؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم حين يشاهد المشركين حول الكعبة يتبركون بالأصنام ويعكفون حولها ما يقدر أن ينهاهم، فيتألم ويكرب ويحزن، إذاً: فخفف الله عنه بهذه الآية وبغيرها: لا تحزن ولا تكرب فالله حفيظ عليهم، محصٍ أعمالهم كلها عليهم وسيجزيهم بها، وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ [الشورى:6]، خفف على نفسك لا تكرب ولا تحزن.

    وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ [الشورى:6] والأولياء جمع ولي، يوالونهم، يحبونهم، يتحابون معهم، يعبدونهم بأنواع العبادات، سواء كان الأولياء أصناماً أو أحجاراً أو كانوا ملائكة أو كانوا أنبياء أو كانوا أولياء، فمن وليكم يرحمكم الله؟ إنه الله عز وجل، هو ولي المؤمنين، إليه نفزع، إليه نرفع أكفنا، إليه نضرع، له نقول ونأكل ونشرب، حياتنا كلها وقف على الله، ما عندنا غير ربنا أبداً، نحب من أجله ونكره من أجله، نعطي من أجله ونمنع من أجله، والله! إنا لنأكل ونشرب من أجله، ونترك الأكل والشرب من أجله، اسأل الصائمين اليوم: لماذا لا يأكلون ويشربون؟ من أجل من؟ من أجل الله، فاللهم اجعلنا من أوليائك الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

    وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ [الشورى:6] محصٍ أعمالهم ومدونها ويجزيهم بها.

    وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ [الشورى:6] يا رسول الله بِوَكِيلٍ [الشورى:6]، ما وكلناك على الهداية فتقول: آهٍ عجزت وما اهتدوا! ما كلفك الله بهذا، كلفك بأن تقول وتبين، أما أن تهديهم إلى الصراط المستقيم وهم معرضون فلا، ليس هذا من شأنك ولا لك قدرة عليه، فهل هناك من يقدر على هداية إنسان فيخلق الهداية في قلبه؟ لا يقدر، لكن في استطاعة كل مؤمن أن يقول: يا عبد الله! اتق الله، يا أمة الله! استري وجهك، يا عبد الله! لا تدخن، يا عبد الله! انزع البرنيطة من على رأسك، يا أماه! لا تقولي: يا سيدي فلان، يا أخي! لا تتخلف عن صلاة الصبح.. وهكذا، علينا فقط الدعوة، أما الهداية فبيد الله تعالى.

    فإذا دعونا وما استجيب لنا لا نكرب ولا نحزن، نقول: الهداية بيد الله، وهذا الله يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ [الشورى:6] يا رسولنا بِوَكِيلٍ [الشورى:6] على هدايتهم أبداً، كل ما في الأمر أنك تبين لهم الطريق، من سلكها نجا ومن أعرض عنها هلك، ولست بمسئول عنه، فاصبر والتزم، هكذا يقول الله لرسوله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: وحدة الوحي بين سائر الأنبياء؛ إذ هي تدور على التوحيد والنبوة والبعث والجزاء، والترغيب في العمل الصالح، والترهيب من العمل الفاسد ].

    من هداية هذه الآيات التي تلوناها وتدارسناها في هذه الساعة المباركة: أن الأنبياء والمرسلين والأمم المؤمنة كلهم في طريق واحد، أن يعبدوا الله وحده بما يوحيه إلى نبيه ورسوله، وأن يتبعوا رسوله ويؤمنوا بلقاء الله، كل الأمم هكذا من إدريس إلى عيسى عليه السلام: كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الشورى:3].

    [ ثانياً: بيان عظمة الله تعالى وجلاله وكماله؛ حتى إن السماوات تكاد يتفطرن من فوقهن، والملائكة يسبحون بحمده تعالى ويستغفرون للمؤمنين ].

    يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع قدم إلا وعليه ملك راكع أو ساجد )، بليارات الملائكة، كلهم يسبحون الله ويركعون ويسجدون، لولا عظمته فهل سيفعلون هكذا؟ تكاد السماوات تنشق من عظمة الله عز وجل، كما تكاد تنشق عندما تسمع الشرك أو الكفر بالله عز وجل.

    [ ثالثاً: تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم والتخفيف عنه بأنه غير موكل بحفظ أعمال المشركين ومجازاتهم عليها، إنما هو الله تعالى، وما على الرسول إلا البلاغ المبين ].

    من هداية هذه الآيات أن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس بمكلف بالهداية، مكلف بالدعوة فقط، فإذا استجابوا فبها ونعمت، وإذا ما استجابوا فلا تكرب يا رسول الله ولا تحزن، ما أنت بمسئول عنهم، أنت فقط مطالب ببيان الطريق بالتي هي أحسن، فمن سلك الطريق نجا ومن أعرض عنه هلك، والله هو الذي يتولى الجزاء.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.