إسلام ويب

تفسير سورة الزمر (2)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الله عز وجل هو خالق السموات والأرض، وخالق ما فيهما، وهو سبحانه الذي قدر تعاقب الليل والنهار، والشمس والقمر يجريان بإذنه وإرادته، وفق تقديره وميزانه الذي لا يختل، ولا يتقدم ولا يتأخر، ثم سخر هذه المخلوقات كلها لعبده الإنسان، وجعل خلقه بحد ذاته معجزة لو تفكر فيها وأمعن النظر لما كان له أن ينزلق في أوحال الشرك والكفر، لكن الحكيم الخبير قدر أن يكون من عباده الشكور والكفور، فيجازي الأول بالرضا والقبول، ويجازي الآخر بالويل والثبور.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (خلق السموات والأرض بالحق يكور الليل على النهار...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ * خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ * إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [الزمر:5-7].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ [الزمر:5]. إن الله هو خالق كل شيء، وقد خلق السماوات السبع والأرض بالحق، لا بالباطل ولا من أجل اللهو واللعب، بل خلقهما من أجل أن يعبد ويذكر ويشكر. وإن المسجد السر من بنائه والحكمة هي: الصلاة فيه وإبعاد الحر والبرد عن مرتاديه. وأوجد الله هذه الدار، وأوجد الجن والإنس عليها؛ ليذكروه ويشكروه فيها، وهو مظهر من مظاهر ربوبيته الموجبة لألوهيته.

    وقوله: يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ [الزمر:5]، أي: يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، كتكوير العمامة على الرأس، والذي فعل هذا هو الله. فلا إله إلا هو! فهو القادر على الخلق والإيجاد، وهو الذي يجب أن يعبد، ولا يعبد سواه.

    ومن المظاهر الدالة على وجود الله وربوبيته قوله: وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى [الزمر:5]، أي: ذللها، وجعلها تسير في فلكها، وتنتظم الأرض كلها، والقمر كذلك، وقد فعل هذا لحكمة عالية، فلولا الشمس والقمر ما عرفنا الليل والنهار، ولا الحساب ولا العام ولا الشهر، ولا عرفنا شيئاً، فهما مظهر من مظاهر وجوده وربوبيته الموجبة لألوهيته والله. فلا إله إلا الله!

    وقوله: أَلا [الزمر:5]، وتقال للفت انتباه السامع؛ حتى يلقى إليه الخبر. فقوله: أَلا هُوَ الْعَزِيزُ [الزمر:5]، أي: هو الغالب القاهر، ولا يستطيع ذلك غيره. الْغَفَّارُ [الزمر:5]، أي: لذنوب عباده مهما ارتفعت وعلت إذا تابوا وأنابوا ورجعوا إلى الله، فهما صفتان عظيمتان: العزة والغلبة والقهر، فيقهر أعداءه ويذلهم، ويحطمهم ويدخلهم النار، ويحرقهم بها، وهو غفار كثير المغفرة لكل من تاب إليه ورجع، سواء كان عربياً أو أعجمياً، إنسياً أو جنياً، فهو يغفر ذنوب الملايين، ولو كانت الذنوب كالجبال الراسخة لغفرها لمن تاب منها، والمهم هو العودة إليه والرجوع إلى عبادته، وبذلك يغفر الذنوب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها...)

    قال تعالى: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ [الزمر:6]. ألا وهي آدم عليه السلام، أبو البشرية.

    ثم قال تعالى: ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا [الزمر:6]. وعبر بثم، ولم يقل: خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها؛ لوجود الفرق بينهما، وليدل على فصل وزمان. قال العلماء: لما خلق الله آدم ونفخ فيه من روحه مسح على ظهره فأخرج كل ذريته، وأشهدهم على نفسه، فقالوا: نشهد أنه لا إله إلا أنت، واقرءوا: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ [الأعراف:172-173]. وبعد ذلك أخرج حواء من الضلع الأيسر من آدم بكلمة كوني فكانت، فلهذا جاء التعبير بثم.

    ويصح أن تقول: الرجل زوج، والمرأة زوج، إذاً: آدم زوج وحواء زوج، ولهذا يقال: زوجها. وهذا من مظاهر قدرته الموجبة لعبادته وطاعته.

    ومن مظاهر القدرة الإلهية الموجبة لإلهية الله قوله: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ [الزمر:6]. والمراد من الأنعام: الإبل والبقر والغنم، والغنم من ماعز وضأن، فتصير ثمانية، بمعنى: الجمل والناقة، والتيس والعنزة، والكبش والنعجة، والثور والبقرة، إذ كل واحد يسمى زوجاً، فهو وحده من خلق هذا وأنزله لنا من أجل أن ننتفع به. ولولا أن الله خلق الأنعام ما وجدنا مصدراً لأكل اللحوم، وشرب اللبن، وغيرها مما نستفيده من هذه الأنعام، فهذه آلاؤه وإنعاماته وإفضالاته، فلنحمد الله على هذه النعم. فالحمد لله.

    وقوله: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ [الزمر:6]. وأنزلها من أعلى بقدرته وأمره، فالمطر ينزل من أعلى فتنبت الأرض العشب والنبات، وأنزل الحديد فيه بأس شديد، بأمره من علياء السماء.

    ومن مظاهر القدرة الإلهية الموجبة لعبادته وحده دون من سواه قوله تعالى: يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ [الزمر:6]. فقطرة المني تتحول إلى علقة، وتتحول العلقة إلى مضغة، ثم تتكون عظاماً، ثم تكسى العظام باللحم، ثم ينبت الشعر وهو في بطن أمه، والظلمات الثلاث هي:

    أولاً: ظلمة البطن.

    ثانياً: ظلمة الرحم.

    ثالثاً: ظلمة المشيمة وهي كالسلال للنعجة أو للبعير يلف فيها الطفل.

    ولو اجتمعت البشرية كلها على أن يخلقوا واحداً ما قدروا عليه أبداً، فكيف يعبدون الشياطين وغيرهم من دون الله؟ ويكفرون بالله ولا يؤمنون به ولا يعبدوه؟.

    وقوله: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ [الزمر:6]. لا بيان أعظم من هذا البيان، وهذا هو ربكم له الملك، وليس اللات والعزى وعيسى والعزير وفلان وفلان، والشمس والقمر، والملائكة والبشر، وهذا بيان عجيب!

    فهذا ربكم له الملك لا معبود بحق إلا هو؛ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ [الزمر:6]. أي: فكيف تصرفكم الشياطين عن عبادة الله إلى عبادتهم؟ وكيف تصرفون وتقولون: الآلهة متعددة وتعبدون الأصنام والأحجار؟ وكيف تصرفون عن الإيمان بالله وتكفرون به مع وجود هذه البراهين والأدلة القاطعة؟

    وسبحان الله العظيم! إن هذا القرآن لعجب، فلا أحد أبداً ينازع الله في الملك لا في السماء، ولا في الأرض ولا في أي كائن من الكائنات، فلا مالك إلا الله، فله الملك الدائم الثابت، لا إله إلا هو.

    وقد قلنا: لو اجتمع علماء الكون كلهم والله ما نقضوا كلمة لا إله إلا الله نقضاً منطقياً عقلياً أبداً، فإن هذا مستحيل، فإما أن يقولوا: لا إله، وقد قالوها وهبطوا وتمزقوا وماتت الشيوعية، فقالوا: لا إله والحياة مادة، وهي الطبيعة، وهذا كلام سخرية واستهزاء، قرره في آذانهم اليهود، والعياذ بالله، فأعموهم وصموهم وقالوا: لا إله. ولو سألوا أنفسهم: من أوجدهم وخلقهم، وأعطاهم تلك النعم فلن يستطيعوا أن يقولوا: إلا أن الذي أعطاهم هو الله.

    ولو كان هناك إلهان أو ثلاثة أو أربعة لما كانت الحياة ولما تم وجودها، ولتقاتل الآلهة وتحاربوا وفنوا وهلكوا، كما قال تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا [الأنبياء:22]، أي: لفسدت السماء والأرض، ومن ثَمَّ فلا يوجد إله غير الله، فلا إله إلا الله. فهذه البراهين دالة على نبوة رسوله، وعلى البعث الآخر، وعلى ألوهيته عز وجل، وهذا شأن السور المكية، فإنها تقرر أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن البعث الآخر والجزاء حق.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر...)

    قال تعالى: إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ [الزمر:7]. إن هذه الأدلة والبراهين كلها من أجل أن نؤمن، فالله ليس بحاجة إلى إيماننا، ومع هذا يبين لنا بهذه الأدلة والبراهين، لا لأنه مفتقر إلى إيماننا، فوالله لن ينفعه إيماننا، ولن يضره كفرنا أبداً، فقد كان ولم نكن، ولكنه يفعل ذلك رحمة بنا.

    وقوله: وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ [الزمر:7]. فيها لطيفة، فهو يقول: إن تكفروا لا يضره ذلك أبداً؛ لأنه غني عنا، وليس في حاجة إلينا، ومع هذا من رحمته وإحسانه ولطفه بعباده أنه لا يرضى لهم الكفر، لكونه يقودهم إلى الخلود في جهنم والعياذ بالله تعالى، فليس في حاجة إلى إيماننا ولا إلى إسلامنا ولا إلى عبادتنا، ولا هو مفتقر إلينا؛ لأنه غني عنا غنىً مطلق، فقد كان ولم يكن شيء منا، ومع هذا لا يرضى لعباده الكفر؛ لأنه رحيم رءوف حكيم حليم، مع أن كفر الناس لن يضره أبداً.

    قوله تعالى: وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر:7]. لا إله إلا الله! هذا هو ربنا العظيم، هذا هو الله الذي لا إله إلا هو، من كفر لا يضر الله كفره، ولكن لا يرضى له أن يكفر، ومن شكر الله فإنه في غنى عن شكره ومع هذا يرضى لعباده الشكر؛ لأنه يسعدهم ويكرمهم ويجلهم ويدخلهم الجنة.

    ومن الأدلة والبراهين على ربوبيته وألوهيته، قوله تعالى: وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [الزمر:7]. واعلموا أن من تحمل ذنباً ذنبه لا ينتقل إلى غيره أبداً، فمن لا ذنب له! لا يقل: أنا سآخذ من ذنب أمي، أو من ذنب أبي هذا لن يكونً أبداً، فيا من أذنب! ذنبك عليك وستحاسب به وتجزى عنه، أما من لم يذنب فلن يحاسب ولن يجزى بذنب أحد.كما قال: وَلا تَزِرُ [الزمر:7]. أي: لا تحمل، وَازِرَةٌ [الزمر:7]. أي: حاملة للإثم والوزر؛ وِزْرَ أُخْرَى [الزمر:7]، فيبعثون يوم القيامة، هذا مذنب، وهذا طاهر نقي، فلا يؤخذ ذنب صاحب الذنب إلى الطاهر النقي أبداً، ولو كفرت البشرية كلها وأسلمت أنت ما ضرك ذلك أبداً ولا تأثرت به، وستدخل الجنة ويدخلون النار.

    قوله تعالى: ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ [الزمر:7]. فمرجعنا إلى الله فقط لا إلى غيره، فحين يدفن الإنسان في التراب عند موته ترجع روحه إما إلى الله في الملكوت الأعلى، وإما إلى سجين في أسفل السافلين، مؤقتاً حتى تنتهي هذه الحياة الدنيا، وبعد ذلك ستكون حياة أكمل من هذه الحياة، لنحاسب على أعمالنا ونجزى بها.

    ولهذا لو سألك فيلسوف روسي أو ألماني أو غيره وقال لك: ما السر أن الله خلق هذه الحياة؟ فأجبه بأنه أراد أن يذكر ويشكر، فأوجد هذه الدار وأوجد أهلها ليعبدوه بذكره وشكره.

    وإن قال لك: والدار الآخرة التي تخبرون عنها ما السر في وجودها؟ فأجبه بأنه أوجدها من أجل أن يجزينا على عملنا في هذه الدار فقط، فلم يوجدنا هناك لعبادة ولا لعمل ولا لتوالد أبداً، وإنما فقط ليجزينا على عملنا الذي عملناه اليوم. فويل للكافرين الذين لا يشكرون الله فهو سبحانه سيجزي العاملين بعملهم، وما منّا إلا وهو عامل إما بالصالحات فسيكون في الجنة، وإما بالموبقات فسيكون في جهنم، ولقد صلينا على كثير من الموتى الذين رجعوا إلى الله، فهو الذي أخرج أرواحهم من ظهر آدم واستنطقهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ فما هي إلا ساعة ويعودون إلى الملكوت الأعلى إن كانوا من أهل الإيمان وصالح الأعمال، أو إلى أسفل الكون إن كانوا من أهل الشرك والذنوب والآثام، وتبقى الأجسام كالحجارة والطين حتى يبعثها الله يوم القيامة.

    ثم ختم هذا البيان العظيم بقوله: إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [الزمر:7]. فهو يعلم ما أخفيته وأظهرته وسترته، حتى ما في صدرك يعلمه، ووالله لينبئنّا بما في صدورنا ولو ما نطقنا به ولا فعلناه، كما قال: إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [الزمر:7]، وبما في الصدور، معناه: أنه سيحاسبنا أدق الحساب عن كل ما عملناه، فمن ساعة أن بلغت وتكلفت كل عملك مكتوب ومسجل وستحاسب عنه وتجزى به يوم القيامة، يوم تنتهي هذه الدورة، وعما قريب ستنتهي، ووالله إنها لقريبة الانتهاء.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات ] والآن مع هداية الآيات:

    [ من هداية هذه الآيات:

    أولاً: بيان آيات الله في الكون وإيرادها أدلة على التوحيد ] فيعرض الآيات الكونية وهذه الموجودات؛ لتدل دلالة قطعية على أنه لا إله إلا الله، الذي يعني تقرير التوحيد لله عز وجل، وقد علمتم أن السور المكية مهمتها تقرير العقيدة وإيجادها فيكون صاحبها حي، وفاقدها ميت، وأعظم أركان العقيدة هو: التوحيد، والنبوة، والدار الآخرة، أي: لا إله إلا الله محمد رسول الله، والبعث الآخر.

    [ ثانياً: بيان إفضال الله تعالى على العباد في خلقهم ورزقهم ] فهو الذي خلقنا ورزقنا وخلق هذا الكون لنا ورفع الشمس والقمر فوقنا، وأنزل الأمطار وأنبت النباتات وأنزل الحيوانات لنا، فعلينا أن نحمده ونشكره بطاعته.

    [ ثالثاً: بيان أن الكفر أعجب من الإيمان؛ إذ أدلة الإيمان لا تعد كثرة، وأما الكفر فلا دليل عليه البتة، ومع هذا أكثر الناس كافرون ] وهنا لطيفة فتأملوها! وهي أن الإيمان له أدلة كثيرة، منها أنك مخلوق ولا بد للمخلوق من خالق، وخالقك هو الله وقد أعلمك بما يحب وبما يكره لتفعل ما يحب فيكرمك ويحبك، ومن أدلة الإيمان التي ذكرت في الآيات الشمس والقمر، والكواكب، والنبات، والحيوانات، كل هذه تدل على وجود الله. والكفر لا دليل له ومع أكثر الناس كافرون، بسبب وسوسة الشيطان وتزيينه عليه لعائن الله.

    [ رابعاً: بيان غنى الله تعالى عن خلقه وافتقار الخلق إليه ] كما قال تعالى: وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ [محمد:38]. فهو في غنىً مطلق عن جميع خلقه

    [ خامساً: بيان عدالة الله تعالى يوم القيامة وتقريرها ] إذ سيحاسبنا ويجزينا بكسبنا، ولن يظلم أحداً منا، بل كلٌ سُيسأل عن عمله المكتوب ويحاسب به، وإما أن يكون مصيره إلى الجنة وإما إلى النار، حتى ما في القلب من الإيمان تثاب عليه وتجز به؛ لأنه يعلم ما في الصدور، فهذه عدالة إلهية.

    [ سادساً: بيان إحاطة علم الله بالخلق، وعلمه بأفعالهم وأحوالهم ظاهراً وباطناً ] فقد أحاط علم الله بالكائنات كلها، حتى ما في الصدور، فعلمه أحاط بكل شيء.