إسلام ويب

تفسير سورة الزخرف (2)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • خلق الله عز وجل السموات ورفعها بغير عمد، وبسط الأرض وجعل الجبال لها وتد، وجعل فيها سبلاً وفجاجاً وأسباب رزق لكل أحد، وأنزل من السماء ماء بقدر فأحيا به موات الأرض، وجعل ذلك مثلاً لخلق الإنسان وإعادته يوم العرض، وسخر الفلك والأنعام لركوبها والسير بها في فجاج الأرض، فهو سبحانه الذي ذلت لعظمته جباه الطائعين والعاصين، ودانت له رقاب الصالحين والظالمين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فها نحن مع هذه الآيات من سورة الزخرف المكية، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ * وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ [الزخرف:9-14].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [الزخرف:9]، أي: ولئن سألت يا رسول الله هؤلاء الكافرين المشركين في مكة وخارجها، هؤلاء المصرين على الشرك المعاندين الظالمين، لو سألتهم وقلت لهم: من خلق السماوات والأرض؟ وعزة الله ليقولن: الله. فسبحان الله! لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [الزخرف:9].

    إقرار البشرية بربوبية الله تعالى قبل ظهور الشيوعية الإلحادية

    وإليكم هذه اللطيفة العلمية: تعرفون أن أبانا آدم وأمنا حواء أو لا؟ وأنه لنا بداية أو لا؟ وتمضي القرون فيبعث الله تعالى في كل أمة رسولاً، فإذا أبوا أن يطيعوا ويوحدوا أهلكهم، إذاً: فديننا موروث من آدم وحواء، فلهذا ما كان يوجد على سطح الأرض من ينكر وجود الله أبداً، لا يوجد على سطح الأرض آدمي عاقل ينفي أن يكون الله هو الخالق، وهؤلاء قريش في مكة وخارجها يقول تعالى عنهم: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ [الزخرف:87]، وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان:25]، ولكن ما عرفوه، ما عبدوه، فضلوا وجهلوا فعبدوا الشيطان وما زين لهم من الأصنام والأحجار، حتى جاء المذهب البلشفي الشيوعي الأحمر، هذا المذهب البلشفي الشيوعي الأحمر من صنعه؟ بأيدي من كان هذا؟ والله! إنه بيد بني عمنا اليهود عليهم لعائن الله.

    عاشت البشرية آلاف السنين فيها الكافر والمؤمن، والكل يؤمنون بأن الله تعالى موجود وهو الخالق الرازق المدبر، ولكن يغلب عليهم الجهل فيعبدون غيره بحكم الشفاعة والتوسل إلى الله، واستمرت البشرية على ذلك إلى عهد رسول الله، وهذا القرآن على من نزل؟ أليس على رسول الله في مكة؟ فماذا قال تعالى؟

    قال: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [الزخرف:9]، وتمضي البشرية هكذا إلى قرابة مائة سنة، فوجد المذهب الشيوعي البلشفي الأحمر الذي يقول: لا إله والحياة مادة! فما معنى الشيوعيين؟ هم الذين لا يؤمنون بوجود الله، من علمهم هذا؟ بنو عمنا اليهود، استطاعوا أن يؤسسوا دولتهم في قلب العالم الإسلامي، لماذا؟ لأنهم مسخوا الصليبيين، حولوهم إلى بهائم، فروسيا، أمريكا، أوروبا شمالاً وشرقاً وغرباً كلهم صليبيون، فمن مسح الصليبية من صدورهم؟ إنهم اليهود، فعلوا ذلك حتى يتمكنوا منهم ويقودوهم كالحمير.

    من فعل هذا؟ بنو عمنا اليهود، ومع الأسف الشديد أن المسلمين هبطوا وأخذوا يؤسسون المذهب الشيوعي ويقولون بالبلشفية والاشتراكية، وهذا من صنع اليهود.

    وما كان يهودي من قبل يتكلم أمام مسيحي، كان المسيحي -والله- ما يفتح عينيه في اليهودي ولا ينظر إليه أبداً، لم؟ لأنه قاتل ربه، قاتل إلهه، كيف ينظر إليه؟

    فكيف توصلوا حتى أصبحوا يقودون أمريكا والعالم، وأصبحت الأموال بأيديهم، وأسسوا دولة إسرائيل في قلب العالم الإسلامي؟

    لأنهم أخضعوا العالم لهم، والعرب والمسلمون هبطوا والله بسحر اليهود وبظلمهم واعتدائهم وشرهم وفسادهم وتقنينهم الفساد والشر، ألا لعنة الله عليهم.

    وقوله تعالى: لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ [الزخرف:9] من هو العزيز؟ الغالب الذي لا يغالب، لا يقهر، لا يمانع في شيء يريده، والعليم: الذي أحاط علمه بكل شيء من الذرة إلى المجرة، هذا هو الله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذي جعل لكم الأرض مهداً وسلك لكم فيها سبلاً لعلكم تهتدون)

    قال تعالى: الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا [الزخرف:10] فراشاً كمهد الصبي، من فرش الأرض، من بسطها، من مهدها؟ هل نحن بفئوسنا وآلاتنا؟ من فعل هذا؟ الله، فالمشركون يقولون هذا، فكيف بالموحدين؟

    جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا [الزخرف:10] طرقاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [الزخرف:10] إلى مصالحكم ومنافعكم وبلادكم، لولا هذه الطرق فلن تعرف بلادك ولن تصل إليها، فمن فعل هذا؟ الله، فلم إذاً لا يُعبد الله وحده، وإنما يعبد الشيطان معه؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتاً كذلك تخرجون)

    ثم قال تعالى: وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ [الزخرف:11] بمقدار، لو نزل كما ينزل الطوفان لغرق العالم بأسره، ولو كان بشيء قليل فلن تنبت الأرض ولا يحصل زرع ولا ننتفع به، لكن ينزله بمقدار خاص بحسب مصلحة البشرية وحاجتها، فمن فعل هذا؟ آباؤنا، أمريكا، اليهود؟ هل يمدون أيديهم للسماء ويعصرون المطر؟ من يفعل هذا؟ ليس إلا الله، فقولوا: آمنا بالله.. آمنا بالله.

    هذه آيات الله الدالة على وجوده، على قدرته، على علمه، على حكمته، على رحمته بعباده، فلم ما نطيعه؟ كيف نعرض عنه ولا نذكره؟

    وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا [الزخرف:11] أحيينا به بلدة ميتة، الأرض جافة يابسة لا نبات فيها، فينزل المطر وبعد أسبوع إذا بها تهتز منتفخة والنباتات فوقها، فمن يفعل هذا؟ هذا هو الله جل جلاله.

    وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ [الزخرف:11] من قبوركم، مثل حي: الأرض ميتة تشاهدونها أو لا؟ ينزل الماء من السماء فتنبت وتحيا أو لا؟ وكذلك نحن سوف ندفن ونصبح تحت الأرض، وينزل من السماء ماء فتنبت الأجساد كما ينبت البقل، ونخرج أحياء بنفخة إسرافيل، كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ [الزخرف:11] هكذا تخرجون أيها المنكرون للبعث والدار الآخرة.

    سبب إنكار الكافرين للبعث

    والمنكرون للبعث والدار الآخرة سبب إنكارهم أن يستمروا على الفسق والفجور والظلم والشهوات والباطل والشر، هذا السبب، يقولون: ما نؤمن بالدار الآخرة، ما هناك حياة ثانية، ووالله! لا علة إلا الاستمرار على الظلم والشر والفساد؛ إذ لو آمنوا أنهم سيبعثون من جديد أحياء ويحاسبون ويجزون فلن يستطيعوا أن يعصوا الله ويخرجوا عن طاعته.

    وقلت لكم: السور المكية تقرر النبوة المحمدية، والإلهية بأن لا إله إلا الله، والبعث الآخر، فهذه الآية قررت البعث الآخر: كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ [الزخرف:11] من قبوركم، متى؟ يوم تفنى الحياة كلها، وتتحلل وتتبخر كالدخان، وتصبح الأرض كالصفحة البيضاء ما فيها تل ولا جبل، فينزل ماء من السماء فتنبت الأجساد من ذلك العُظيم الصغير المسمى بعجب الذنب، وهو في آخر فقرات الظهر، وهذا العُظيم لا يفنى، يبقى في التراب كبذرة الشعير والقمح، ومنه ننبت تحت الأرض كما ينبت البقل، وحين تكتمل أجسادنا ينفخ إسرافيل الأرواح فتدخل كل روح في جسدها، ونساق إلى ساحة فصل القضاء إلى المحشر.

    فهذا هو علم الكتاب والسنة: كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ [الزخرف:11]، قررت الآية البعث الآخر، والذين ينكرون البعث هل سبب ذلك أنهم ما استطاعوا أن يدركوا كيف يحيي الله الموتى؟ فإنا نقول: كيف أوجد الحياة الأولى؟ كيف أوجدنا؟ كيف يعدمنا؟ أمثل هذا يعجز أن يعيدنا مرة ثانية؟

    ولكن للاستمرار على الباطل والشر والفساد والخبث، ما يؤمنون بالدار الآخرة حتى لا يقال: هذا حرام لا نأكله، وهذا حلال نأكله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذي خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون)

    ثم قال تعالى: وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ [الزخرف:12] الله جل جلاله وعظم سلطانه الذي خلق الأزواج كلها، فما هي الأزواج؟

    الذكر زوج، وامرأته زوج، أليس كذلك؟ والأزواج في الذرة والمجرة، والعلم المعاصر يقول: لا يوجد شيء ما له نظير أبداً، فالحياة والموت، الصحة والمرض، الفقر والغنى، الطول والقصر.. وهكذا في كل شيء، قال تعالى: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الذاريات:49] سبحان الله العظيم! خلق الأزواج كلها ومن كل شيء جعل زوجين،

    فالعمى مع البصر، والحياة ضد الموت، والكلام ضد البكم، وهكذا من كل شيء خلق زوجين، وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الذاريات:49] فتعرفوا ربكم فتحبوه وتعبدوه.

    وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ [الزخرف:12] هذه الفلك من صنعها؟ أليس الله هدى صانعيها وأعطاهم القدرة على ذلك، وأعطاهم العلم بذلك؟ أليس الله خالق تلك الأشجار وتلك الأخشاب؟ أليس الله خالق ذلك الحديد؟ أليس الله هو الخالق؟

    والأنعام هنا هي الإبل، فهي التي تركب، أما البقر فما تركب، والغنم تذبح ولا تركب، فالأنعام المراد بها الإبل، ولا بأس أن نقول: والبغال والحمير أيضاً يركبونها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه ...)

    قال تعالى: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ [الزخرف:12-13] على ظهر السفينة، على ظهر البعير تستوي وتعتدل، ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ [الزخرف:13-14].

    مشروعية الإتيان بذكر ركوب الدابة ونحوها

    هنا إذا ركب أحدكم دابته: فرسه، بعيره، ركب سيارته، دراجته، طائرته، باخرته؛ فلا بد أن يقول: باسم الله أولاً، فإذا جلس يقول: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون. ويجب أن تحفظها، فلا تنم الليلة حتى تحفظها.

    فحين تركب فأول ما تضع رجلك تقول: باسم الله، الحمد لله، ثم تقول: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، أي: مطيقين ولا قادرين على إيجاده وصنعه، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، أي: راجعون إليه عائدون ليحاسبنا ويجزينا.

    فكل من ركب دابته، سيارته، طيارته؛ يقول حين يرفع رجله: باسم الله، ثم حين يجلس يقول: الحمد لله، ثم يقول هذه الجملة التي ذكرها الله في كتابه: سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ [الزخرف:13]، أي: ما كنا مطيقين نحن أن نخلق بعيراً أو سفينة. هو الذي أعاننا على ذلك، وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ [الزخرف:14]، أي: نرجع إليه، كنا أرواحاً عند الله، فنعود إلى الله عز وجل وننقلب إليه.

    غفلة المسلمين عن الأذكار المشروعة وحاجتهم إلى التربية المسجدية

    وملايين المسلمين ما يعرفون هذا ولا يذكرون الله أبداً، يركب ويأكل وما يقول: باسم الله، ويشرب وما يقول: الحمد لله، ويلبس وما يقول: الحمد لله! فلم هذه الغفلة؟ للجهل، ما عرفوا، ما جلسوا بين يدي أهل العلم وتعلموا، فمن أين يأتي العلم؟ لا بد من مزاحمة أهله.

    جبريل ضرب مثلاً لهذه الأمة، فجاء حتى انتهى إلى رسول الله ووضع ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع يديه على فخذيه وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإسلام والإيمان والإحسان، ويعيش أحدنا خمسين سنة ما يسأل عالماً، ما يقول: يا شيخ! كيف نفعل، كيف نقول، كيف نركب، كيف نلبس؟! فكيف يتعلمون؟

    ولهذا ما زلت حتى يتوفاني ربي أقول: لا عودة سليمة صحيحة إلا من طريق المسجد فقط، يا أهل القرية! هذا إمامكم يناديكم من الليلة: لا يصلين أحدكم المغرب إلا هنا، أنت وزوجتك وأولادك بعد صلاة المغرب، ويجلس لهم الإمام على كرسي هكذا، وليلة آية من كتاب الله يدرسونها بعدما يحفظونها ويعلمونها، وغداً حديث من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهكذا طول العام، وأهل الحي كأهل القرية.

    هذا نظام حياتنا، ولا تلومونا، لوموا اليهود والنصارى؛ إذا دقت الساعة السادسة أوقفوا العمل وذهبوا إلى الملاهي والملاعب، ونحن أما نذهب إلى بيوت ربنا؟ ألسنا مؤمنين؟ ألسنا نرجو الله والدار الآخرة؟ فما لنا؟

    فإذا دقت الساعة السادسة ما بقي دكان مفتوح ولا مقهى ولا مصنع ولا مزرعة، فإلى أين؟ إلى بيوت ربنا -والحمد لله- التي تجمعنا، ونتعلم الكتاب والحكمة، ومن غير هذا الطريق لن تتعلم هذه الأمة أبداً.

    1.   

    مجمل تفسير الآيتين

    وهكذا يقول تعالى: لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ [الزخرف:13] الذي أنعم عليكم بهذه السيارة والطيارة وهذه الدابة أو هذه الناقة، ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا [الزخرف:13] ماذا نقول يا رب؟ سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ [الزخرف:13-14]: ما معنى (منقلبون)؟

    راجعون إلى الله، أما جئنا من عنده؟ أرواحنا في الملكوت الأعلى خلقها الله، ونعود إليه: وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ [الزخرف:14]، وهكذا إذا رفعت رجلك عند السيارة فقل: باسم الله، فإن جلست فقل: الحمد لله، ثم قل: (سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون)، وحين تقول: (منقلبون) تخفف من شهواتك في الدنيا وأطماعك وآلامك فيها أبداً؛ لأنك عرفت أنك منقلب إلى الله راجع إليه، لا إلى الدنيا.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    والآن مع هداية الآيات.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: تقرير التوحيد بذكر صفات الربوبية المقتضية للألوهية ].

    من هداية هذه الآيات أولاً: تقرير التوحيد وإثباته، وهو لا إله إلا الله.

    [ ثانياً: تقرير عقيدة البعث والجزاء ].

    تقرير عقيدة البعث الآخر والجزاء في الدار الآخرة، أما قال تعالى: كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ [الزخرف:11]؟

    [ ثالثاً: معجزة القرآن في الإخبار بالزوجية، وقد قرر العلم الحديث نظام الزوجية، وحتى في الذرة فهي زوج: موجب وسالب ].

    فنظام الزوجية قرره القرآن وأثبته: سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا [يس:36]، والعلم الحديث مع أنه تفطن ووصل إلى درجات فهو يقرر أنه حتى الذرة لها زوجان، فما هناك نوع واحد، لا بد من نوعين، فقولوا: آمنا بالله.

    [ رابعاً: مشروعية التسمية والذكر عند ركوب ما يركب، فإن كان سفينة أو سيارة قال العبد: باسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم، وإن كان حيواناً قال عند الشروع: باسم الله، وإذا استوى قاعداً: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون ].

    قال المؤلف في الهامش: [ روى أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي أن علياً رضي الله عنه أتي بدابة، فلما وضع رجله في الركاب قال: باسم الله، فلما استوى عليها قال: الحمد لله، سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، ثم حمد الله ثلاثاً، وكبر الله ثلاثاً، ثم قال: سبحانك، لا إله إلا الله، ظلمت نفسي فاغفر لي. ثم ضحك فقيل له: مم ضحكت؟ فقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل مثل ما فعلت ثم ضحك، فقلت: مم ضحكت يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: يعجب الرب تبارك وتعالى من عبده إذا قال: رب اغفر لي، ويقول: علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب غيري ].

    معاشر المستمعين! هذا التفسير الذي نتدارسه من أيسر التفاسير وأسهلها، وأجمعها للحق، وليس فيه خرافة ولا ضلالة ولا بدعة ولا إسرائيلية، فلم لا يجتمع عليه المسلمون في بيوتهم وبيوت ربهم؟ ما فيه صعوبة.

    ومنهاج المسلم يجمع الكلمة، لا مذهبية فيه ولا طرقية ولا حزبية، بل قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم، فلم لا نجتمع عليه؟

    أين العلماء؟ أين الهداة والدعاة حتى تتحد الكلمة، وتنتهي الطرق والخرافات والحزبيات والجمعيات والتكتلات، نحن أمة واحدة، ربنا واحد ورسولنا واحد، ولقاؤنا مع ربنا واحد، وين أيدينا قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم.

    لقد فعل اليهود بنا هذه الفعلة ومزقونا وشتتونا وعبثوا بنا، أفما نفيق أبداً؟ أفلا نحيا بعد الموت؟

    اللهم أحينا بعدما أمتنا، وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.