إسلام ويب

تفسير سورة الذاريات (1)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أقسم الله عز وجل في مستهل هذه السورة بالسحاب المسخر بين السماء والأرض، والذي يحمل الماء إلى حيث يشاء الله عز وجل، كما أقسم بالملائكة التي تقسم أمره على خلقه، وأقسم على صنع السماء، وجعل هذه الأقسام مقدمة لبيان ما وعد الله به من قيام الساعة، وما فيها من فصل القضاء بين العباد، وما أعده للمكذبين بيوم المعاد من العذاب.

    1.   

    اختصاص السور المكية بمعالجة قضايا العقيدة

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    وها نحن مع سورة الذاريات المكية، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوة الآيات الأولى منها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا * فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا * إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ * وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ * إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ * قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ * يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ * يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ * ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ [الذاريات:1-14].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! اذكروا ما علمتم أن السور المكية التي نزلت بمكة المباركة هي تعالج العقيدة لتصحيحها؛ إذ العقيدة الصحيحة صاحبها حي كامل الحياة، يسمع، يبصر، يعطي، يأخذ، يذهب، يجيء، لكمال حياته، وفاقدها ميت لا يؤمر بصلاة ولا جهاد ولا رباط، فلما وجدت العقيدة السليمة الصحيحة أخذ الله تعالى يشرع ويفرض لعباده المؤمنين هذه العبادات الواسعة الكاملة، وعلمنا أن أعظم أركان العقيدة وأهمها التوحيد والنبوة والبعث الآخر.

    أولها التوحيد، وهو أنه لا إله إلا الله، ثم إثبات النبوة لمحمد صلى الله عليه وسلم وأنه رسول الله، ثم البعث الآخر والحياة الثانية بعد هذه، وما يجري فيها ويتم من الحساب والجزاء.

    هذه الأركان الثلاثة، مع أن أركان الإيمان ستة: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذاريات ذرواً ...)

    واسمعوا فاتحة هذه السورة بالأقسام الآتية:

    أولاً: يقسم تعالى فيقول: وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا [الذاريات:1]، ولله تعالى أن يحلف بما شاء من مخلوقاته، لا يعترض على الله، ولكن الذي يعترض عليه هو الإنسان عبد الله، فلا يحل له أن يحلف بغير الله، أما الله تعالى فيقسم بما شاء من مخلوقاته، وها هو هنا يقسم بالذاريات، فما هي الذاريات؟

    الرياح تذرو التراب والغبار، هذه الرياح من يوجدها؟ آباؤنا أم أجدادنا؟ من يوزعها شرقاً أو غرباً؟ لا بد لها من خالق، لا بد لها من مدبر، ألا وهو الله الذي أقسم بها، فهو يلفت النظر إلى هذه الآيات ليزداد إيمان المؤمنين ويقوى معتقدهم، ويصل إلى مستوى اليقين.

    وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا [الذاريات:1-2]، ما هي هذه التي تحمل الوقر والثقل؟ السحب تحمل أطناناً من المياه، من جعلها تحمل هذا الماء؟ من وقّرها ووقرها؟ هل اللات أو العزى يا مشركي مكة؟ لا، إنما هو الله فقط، فقولوا إذاً: لا إله إلا الله.

    فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا [الذاريات:3] فهذه السفن على سطح الماء تحمل السلع والبضائع، وتنقل الركاب من مكان إلى مكان ميسرة مسهلة، من فعل هذا؟ من أوجد الماء؟ من أوجد البحر؟ من أوجد الأخشاب للسفينة؟ من هيأها لها؟ الفاعل هو الله، فهو يلفت النظر إلى مخلوقاته ليعظم في قلوب عباده ألوهيته وربوبيته.

    فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا [الذاريات:4] ما هي المقسمات؟ الملائكة المكلفون بهذا، اعط هذا وامنع هذا.

    هذه هي أيمان الله التي أقسم بها، فكم يميناً هنا؟ قال تعالى: وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا * فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا [الذاريات:1-4].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنما توعدون لصادق * وإن الدين لواقع)

    وجواب القسم الذي من أجله أقسم: إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ [الذاريات:5-6].

    من أجل قوله تعالى: إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ [الذاريات:5-6] أقسم بأربعة أيمان، حتى العقلاء إذا سمعوا اليمين تطمئن نفوسهم ويصدقون، ويقولون: آمنا بالله، وهذه سنة الله في الخلق، فإذا ألقي إلى الإنسان خبر عظيم لا يصدق، يحتاج إلى من يحلف له أو يأتي بشواهد وأدلة على ذلك، فالله تعالى يقسم لعباده من باب الرحمة بهم، وهو الرحمن الرحيم.

    وأقسم على ماذا بهذه الأيمان؟ يقول: إنما توعدون به -وهو الحياة بعد الموت- والله! لوعد صادق، والله! لا بد من الحياة بعد هذه، على هذا أقسم، إِنَّمَا تُوعَدُونَ [الذاريات:5] من أنكم تموتون وتحيون وتبعثون لساعة فصل القضاء والحساب والجزاء لصدق.

    ثانياً: وَإِنَّ الدِّينَ [الذاريات:6] أي: الجزاء لَوَاقِعٌ [الذاريات:6]، فأصحاب الإيمان والعمل الصالح جزاؤهم الجنة دار النعيم، وأصحاب الشرك والفسق والفجور مصيرهم ووعيدهم جهنم وبئس المصير.

    إنما توعدون به في كتابنا وعلى لسان رسولنا واقع صادق، والدين الذي هو الجزاء واقع.

    ومعناه: أنه يجب أن نؤمن بأننا نبعث أحياءً ونحاسب على عملنا في هذه الدنيا، ونجزى به، فمن كان مؤمناً صالحاً أدخله الله عالم السعادة وأسكنه الجنة دار الأبرار، ومن كان عمله سيئاً فاسداً أدخله النار دار الفجار، والعياذ بالله تعالى، فهذه العقيدة عقيدة الإيمان بالبعث الآخر في الحياة الثانية.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والسماء ذات الحبك * إنكم لفي قول مختلف ...)

    ثم قال تعالى: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ [الذاريات:7] هذا يمين آخر، وَالسَّمَاءِ [الذاريات:7] الله يقسم بالسماء ذات الكمال والجمال، وانظر إلى السماء الدنيا وانظر إلى الكواكب وتلك الطرق فيها فسترى الحبك الحقيقي.

    وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ [الذاريات:7] يقسم على ماذا؟ إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ [الذاريات:8] يقسم لأهل مكة، والآية تنزل في مكة والرسول صلى الله عليه وسلم بمكة، والكافرون فيها، يقسم لهم بالسماء ذات النظام العجيب على ماذا؟ إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ [الذاريات:8] القول المختلف في محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به، هذا يقول: ساحر، هذا يقول: أساطير الأولين، هذا يقول كذا، ويترددون في ذلك في بيوتهم وأزقتهم، ما استطاعوا أن يتفقوا، إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ [الذاريات:8] ما هو بمتفق فيه، هذا القول عرفناه، وهو قولهم: محمد ساحر، شاعر، كذاب، كلامه أساطير الأولين؛ حتى لا يؤمنوا إيماناً يلزمهم بإقامة الصلاة وعبادة الله عز وجل، ويتخلوا عن الشرك والأوثان والأصنام التي ألهوها وعبدوها، فلهذا يعاندون ويكابرون، ومن رحمة الله تعالى بهم أنه يقسم لهم وهم يعرفون قيمة القسم، يقسم لهم ليؤمنوا وليصدقوا، والحمد لله فقد آمن من آمن، وهم أكثر ممن كفر وكذّب.

    معنى قوله تعالى: (يؤفك عنه من أفك)

    وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ * إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ * يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ [الذاريات:7-9] معنى يؤفك: يصرف، أي: يصرف عنه من صرف بالقضاء والقدر.

    إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ [الذاريات:8] هذا يقول: محمد شاعر، وهذا يقول: ساحر، هذا يقول: كذاب، هذا يقول كذا، يكذبون بالبعث الآخر والدار الآخرة والجزاء فيها وينفون ذلك، يكذبون بتوحيد الله ولا يصدقون به فيعبدون الأصنام حول الكعبة.

    يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ [الذاريات:9] من هو الذي يؤفك عنه ويصرف عنه؟ الذي كتب الله في كتاب المقادير أنه كافر والعياذ بالله تعالى، هذا القول المختلف فيه، اختلافهم في ألوهية الله وربوبيته وعبادته، اختلافهم في نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، اختلافهم في القرآن الكريم ونزوله، من الذي يؤفك عن الإيمان ويصرف عنه؟ من صرف في كتاب المقادير؛ لأن الله تعالى قبل أن يخلق الخلق كلهم كتب في كتابٍ كل المخلوقات وكتب أهل النار ولهم أعمالهم فيها، وأهل الجنة ولهم أعمالهم فيها، فالذي يعمل بأعمال أهل النار حتى يدخلها والله! لقد سبق أن كتب الله ذلك عليه، والذي يعمل بأعمال أهل الجنة ويدخلها والله! لقد سبق أن كتب الله أنه سيعمل العمل الصالح ويدخل الجنة.

    ولا تقل: كيف إذاً يعذبهم أو يرحمهم؟ إنه بعث إليك رسوله، وأنزل عليه كتابه، ووهب لك عقلك الكامل التام وأنت تعي وتفهم، وبين لك طريق الهدى وطريق الضلال، وأنت حر مختار، فلما اخترت طريق الجنة دخلتها، ولما اخترت طريق النار دخلتها باختيارك، ما أكرهك الله على شيء.

    فقد كتب في كتاب المقادير أن أبا بكر الصديق من أهل الجنة، فلما بعث الله الخلق وأحياهم وأوجدهم ما إن سمع أبو بكر الصديق دعوة الحق حتى استجاب لها، وهو يلام ويعاتب ويسب ويشتم، بل ويضرب، ضربوه حتى كادوا يقتلونه، واختار الإيمان والإسلام واتباع محمد صلى الله عليه وسلم باختياره.

    وأبو جهل -مثلاً- مكتوب عليه في كتاب المقادير أنه من أهل النار، فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمن أبو بكر وقف هو إلى جنب الخصوم يناديهم ويحارب رسول الله ودعوته على علم منه، إذاً: كان ذلك باختياره، لا بإلزامه.

    فأحببت أن يفهم المستمعون والمستمعات أن من كتب الله شقاوته سيشقى، ومن كتب سعادته سيسعد، وأن الشقاوة متوقفة على الشرك والكفر والذنوب والآثام، لولاها لما كانت، وأن السعادة متوقفة على الإيمان وصالح الأعمال والبعد عن الفسق والفجور، ولولا ذلك لما كانت، هذا نظام الله عز وجل في خلقه.

    وها هو يقول تعالى: يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ [الذاريات:9] في كتاب المقادير، يصرف عنه من صرف في كتاب المقادير، والذي ما صرف كـأبي بكر وعمر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قتل الخراصون * الذين هم في غمرة ساهون)

    ثم قال تعالى: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ [الذاريات:10] الكذابون، الدجالون، الآفاكون، لعنهم الله.. لعنهم الله.. لعنهم الله، لعن الله الكذابين، كيف يكون رسولاً ويكذب عليهم؟! والله لعن الكذابين، فكيف تقولون: رسول الله كذّاب ويكذب؟

    قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ [الذاريات:10-11] في غمرة الشهوات وحب الدنيا والهوى والجهل غافلون ساهون، ما يفكرون ولا يفهمون ولا يعقلون، وإلا فكيف يعمون ويخرجون عن الإسلام ويحاربونه؟

    لعن الله الخراصين الكذابين الذين هم في غمرة من الباطل والشر والفسق والفجور، ظلام عظيم وضلال لا حد له، ساهون، فلهذا ما فكروا في القضية أبداً، والله! لو فكر ربع ساعة فقط لعرف أن محمداً رسول الله، ولقال: من بعثه؟ بعثه الله، ما قال: بعثني فلان أو فلان، وهذا القرآن ينزل عليه، فكيف لا يكون رسول الله؟

    لكن غمرة الشهوات والأطماع والدنيا والعادات الباطلة غمرتهم، فلهذا ما فهموا، فهم ساهون، هؤلاء كذابون خراصون، لعنهم الله بقوله: قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ [الذاريات:10]، قتل بمعنى: لعن، قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ [الذاريات:10-11].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يسألون أيان يوم الدين)

    قال تعالى: يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ [الذاريات:12] يقولون: متى يوم الدين؟ سمعتم محمداً يقول: ستنتهي هذه الحياة وتجيء حياة أخرى ويجزي الله فيها الناس على أعمالهم، فمتى هذا اليوم؟ يسألون سؤال تعجب، سؤال استنكار، سؤال تكذيب، سؤال كبر، أبوا أن يؤمنوا بأن البعث حق والدار الآخرة لا بد منها، يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ [الذاريات:12] لم؟ كيف يكون هذا الدين وهذا الجزاء والحساب؟

    والآن ملايين البشر هذه عقيدتهم وهذه نظريتهم، لا يؤمنون بالدار الآخرة ولا بالجزاء فيها على العمل في الدنيا، وهذا شأن كل كافر ملحد ومشرك.

    قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ [الذاريات:10-11]، في شهواتهم وأطماعهم ودنياهم، وأكاذيبهم وأباطيلهم، مغمورون فيها ما يرون بأبصارهم.

    يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ [الذاريات:12] يوم الدين هو يوم الجزاء وهو يوم القيامة، هو البعث الآخر، الجزاء فيه على العمل في هذه الدار، لا ننسى هذه الحقيقة، دائماً نقررها، لو سئلت من نصراني أو يهودي أو مجوسي: ما السر في خلق هذه الحياة؟ فالجواب: أن يذكر الله فيها ويشكر، وذلك العبادة.

    فإن قيل: ما سر الحياة الثانية، لم يوجدها بعد أن يفني هذه؟

    فالجواب: من أجل أن يجزي أهل العمل فيها، إن كان العمل صالحاً ففي دار السلام، وإن كان العمل فاسداً ففي دار البوار، ويجب أن تعتقد هذا يا عبد الله.

    لم خلقنا الله؟ خلقنا لذكره وشكره: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56] هذا كلامه تعالى، الدار الآخرة لماذا؟ هل لنزرع الثمر ونحرث، لنجاهد ونقاتل؟ لا. هي فقط للجزاء، فأصحاب الأعمال الصالحة أرواحهم زكية طاهرة، يدخلهم الجنة، وأصحاب الكفر والشرك والفسق أرواحهم منتنة خبيثة مدساة، فيدخلهم جهنم، فيبقى أهل الجنة فيها أبداً مليارات السنين، وأهل النار كذلك لا موت ولا حياة ولا كبر ولا صغر.

    يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ [الذاريات:12] سؤال استهزاء وتكذيب والعياذ بالله تعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يوم هم على النار يفتنون * ذوقوا فتنتكم ...)

    يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ [الذاريات:13] اليوم الذي يكونون في جهنم يقال لهم هذا الجواب: ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ [الذاريات:14]، هؤلاء المكذبون بالبعث الآخر وبالدار الآخرة، هؤلاء يقولون: أيان يوم الدين؟ متى وكيف يكون؟ ويوم يلقون في جهنم وتأكلهم يقال لهم: هذا الذي كنتم به تكذبون.

    هكذا يقول تعالى: ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ [الذاريات:14] وتطالبون به ليتم في الدنيا قبل الآخرة.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: تقرير عقيدة البعث والجزاء؛ حيث أقسم تعالى على ذلك ].

    أول هداية هذه الآيات التي تدارسناها بفضل الله: تقرير عقيدة البعث والجزاء؛ إذ أقسم الله على ذلك بأربعة أيمان على أنه لا بد من البعث الآخر، لا بد من الجزاء على العمل في هذه الدنيا.

    [ ثانياً: تقرير عقيدة القضاء والقدر في قوله تعالى: يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ [الذاريات:9] ].

    من هداية هذه الآيات: تقرير عقيدة القضاء والقدر، والقضاء: الحكم، والقدر: ما قضاه الله يكون كما قدره.

    يقدر طول الإنسان، عمره، غناه، شقاء، سعادته.. كل ذلك مقدر مكتوب، دلت عليه هذه الآية لما قال تعالى: يُؤْفَكُ عَنْهُ [الذاريات:9] ويصرف عن الإيمان بيوم القيامة مَنْ أُفِكَ [الذاريات:9] في كتاب المقادير، وقد بينت لكم أن الإنسان قبل أن يخلقه الله وقبل أن يخلق الدنيا عرفه الله وكتب اسمه وعمله وسعادته وشقاءه، وحين يخرج إلى الدنيا ويأتي في وقته ما كتب له يتم كما هو، ويبقى السؤال: لم يعذبه أو يدخله الجنة؟

    الجواب: لأنه طلب منه أن يعمل كذا ويعتقد كذا وكذا، فإن استجاب باختياره رحمه وأدخله الجنة، وإن رفض ذلك وآثر الشرك والكفر وما يغضب الله أدخله النار.

    [ ثالثاً: لعن الله الخراصين الذين يقولون بالخرص والكذب ويسألون استهزاء وسخرية لا طلباً للعلم والمعرفة للعمل ].

    لعن الله عز وجل الخراصين، ومن لعنه الله والله! لا يسعد، لا بد من شقائه الأبدي، من هؤلاء الذين لعنهم الله؟ الكذابون، المبطلون، الذين يحرفون شرع الله ودينه ليضلوا الناس كما هم ضالون والعياذ بالله تعالى.

    قال المؤلف في الهامش: [ هنا ذكر القرطبي موعظة عجباً، وهي: أن رجلاً يقال له: صبيغ بلغ عمر عنه أنه يسأل عن تفسير مشكل القرآن فقال: اللهم أمكني منه، فدخل الرجل على عمر يوماً وهو لابس ثياباً وعمامة وعمر يقرأ القرآن، فلما فرغ قام إليه الرجل وقال: يا أمير المؤمنين! ما الذاريات ذرواً؟ فقام عمر فحسر عن ذراعيه وجعل يجلده، ثم قال: ألبسوه ثيابه واجعلوه على قتب وأبلغوا به أهله ثم ليقم خطيباً فليقل: إن صبيغاً طلب العلم فأخطأ. فلم يزل وضيعاً في قومه بعد أن كان سيداً فيهم ].

    هذه القصة حاصلها أن رجلاً كان يتعالى ويتطاول ويقول: ما الذاريات هذه؟ فبلغ ذلك عمر ، فجاء إليه فجأة، فسأل عن الذاريات: ما الذاريات؟ فما كان من عمر إلا أن رفع ثيابه وجلده وأركبه فقال: اذهب إلى أهلك، وكان خطيباً، ومنعه أن يخطب في الناس.

    وفائدة هذا: أنه إذا فهمت معنى آية فاحمد الله وقل: فهمت، فإذا ما فهمت فلا تتطاول، لا تكذب الله، لا تقل: لماذا هذا؟ فالله أقسم بالذاريات، والذاريات: الرياح فهمت أو لم تفهم، ما هو شأنك أنت، لكن الذي يتعجب أو يحاول أن يصرف الناس عن الحق يستحق هذا الضرب والجلد، فجلده عمر وبعث به إلى أهله.

    قال: [ وأخرى، وهو أن ابن الكواء سأل علياً رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين! ما الذاريات؟ قال: ويلك! سل تفقهاً ولا تسأل تعنتاً ].

    هذا ابن الكواء جاء إلى علي فقال له: ما الذاريات يا علي ؟ فأدبه علي أيضاً.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.