إسلام ويب

تفسير سورة الحشر (3)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الذين حملوا هم دين الله عز وجل أول الأمر هم صنفان من الناس: الصنف الأول هم المهاجرون الذين فارقوا الديار والأهل والأحباب رغبة بما عند الله، وتركوا في سبيل ذلك الأموال والضياع، والصنف الثاني هم الأنصار الذين تبوءوا الدار وقبلوا أن يقاسمهم إخوانهم المهاجرون ديارهم وأرزاقهم، ومن لم يكن من هؤلاء ولا من أولئك ممن جاء بعدهم فحري به أن يكون من الصنف الثالث، وهم الذين يترحمون عليهم ويترضون، ويسألون ربهم أن يلحقهم بهم عنده سبحانه في مقام كريم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الأمسيات الربانية ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن ما زلنا مع سورة الحشر المدنية، ومع هذه الآيات المباركة منها، فهيا بنا نصغي مستمعين إلى تلاوتها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع، قال تعالى: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:8-10].

    بيان فضل المهاجرين

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ [الحشر:8]، ما زال السياق في بيان قسمة فيء بني النضير، وقد تقدم السياق في ذلك طويلاً، لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ [الحشر:8]، أي: هؤلاء هم الذين يستحقون الفيء، والرسول الكريم هو الذي يوزع عليهم ذلك الفيء، إذ هم ليسوا أهل بلد ولا أهل مال، لكن جاءوا هاربين مهاجرين من مكة، وتركوا أموالهم وما يملكون؛ فهؤلاء أولى بالإنفاق عليهم وأخذهم من فيء بني النضير، لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ [الحشر:8]، أما الأغنياء فلا يعطون، لكن الفقير والمهاجر أولى بهذه النفقة.

    ثم قال تعالى: الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ [الحشر:8]، يعني: هاجروا من مكة إلى المدينة فقراء، وتركوا ديارهم وأموالهم التي كانوا يستعملونها وينتفعون بها.

    بيان الهدف من الهجرة

    ثم هؤلاء لمَ خرجوا من مكة؟ لم هاجروا؟ لم نزلوا بالمدينة؟ قال تعالى: يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا [الحشر:8]، أي: هذا الذي دفعهم إلى الهجرة وترك بلادهم وأموالهم ونزولهم بالمدينة.

    وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الحشر:8]، أيضاً من أسباب هجرتهم وعواملها: أنهم جاءوا لينصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينصرون الله في دعوته التي بعث بها الرسول ليبلغها، فيدعون مع رسول الله الناس إلى التوحيد والإيمان.

    وصف الله للمهاجرين بالصادقين

    ثم قال تعالى: أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحشر:8]، أي: هؤلاء المهاجرون من مكة إلى المدينة، والذين تركوا أموالهم وأولادهم وما يملكون، ما جاءوا إلا من أجل طلب رضوان الله تعالى، ومن أجل نصرة الله تعالى، فهؤلاء هم الصادقون في إيمانهم، أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحشر:8]، وهذا أولاً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم...)

    قال تعالى: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:9].

    بيان فضل الأنصار

    وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ [الحشر:9]، لما أثنى الله على المهاجرين وبين أن النفقة تجب لهم؛ لأنهم فقراء بعيدون عن ديارهم وأهليهم، قال: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ [الحشر:9]، وهم الأنصار أهل المدينة، إذ إنهم تبوءوا الدار وفتحوها للمهاجرين، بل إنه يكون للرجل امرأتان فيقول لأخيه المهاجر: أطلق إحدى زوجاتي وتتزوجها! تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الحشر:9]، أي: من قبل المهاجرين.

    إيواء الأنصار للمهاجرين من مكة

    يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ [الحشر:9]، أي: يحبون المهاجرين رجالاً ونساءً وأطفالاً، وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا [الحشر:9]، أبداً، أي: لا يجدون في صدورهم غيظ ولا ألم بسبب الأموال التي أعطيت للمهاجرين دون أهل المدينة من الأنصار، وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً [الحشر:9]، فلا غيظ ولا حسد أبداً، فهذه صفاتهم التي يخبر تعالى بها عنهم.

    يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ [الحشر:9]، إي والله! فقد أحبوا المهاجرين وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحبوا أبا بكر، وأحبوا عمر، وأحبوا عثمان، وأحبوا علياً، بل وكل المهاجرين، وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً [الحشر:9]، أي: ولا يجدون في صدورهم أدنى غيظ أو حسد لهم أبداً، وهذا كله رد على المنافقين الذين قالوا: كيف ينفق الأموال على المهاجرين ويترك أهل المدينة؟!

    يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا [الحشر:9]، أي: مما أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من فيء بني النضير.

    إيثار الأنصار لإخوانهم المهاجرين

    وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:9]، كما قلت لكم: الرجل تكون تحته المرأتان فيقول لأحد المهاجرين: أطلق واحدة وتتزوجها أنت، ويروى أيضاً: أن أحدهم رضي الله عنهم جاءه ضيف في الليل، وليس عنده إلا عشاء أطفاله وزوجته، فقال لزوجته: نومي الأطفال فنومتهم، ثم قال: قدمي الطعام، فقدمته. قال: أطفئي النور، فأطفأت السراج حتى أكل الضيف وحده وشبع، وبات هو وزوجته وأولاده جياع.

    وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ [الحشر:9]، أي: غيرهم من المهاجرين، وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:9]، أي: حاجة ومجاعة.

    فلاح من يقيه الله شح نفسه

    ثم قال تعالى: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:9]، وهذه بشرى للأنصار بأن الله وقاهم شح نفوسهم، وهي عامة لكل مؤمن ومؤمنة، إذ من يقيه الله شح نفسه فقد أفلح، حتى إن أحد الصحابة يطوف ويقول في دعائه: اللهم قني شح نفسي؛ لأن شح النفس هو الذي يحمل على الذنوب والآثام، هو الذي يحمل على الزنا والربا، هو الذي يحمل على القتل والظلم والشر والفساد، واسمعوا الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يقول: ( اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة )، فالذي يعيش في الظلمة هل يدخل الجنة يوم القيامة؟ كيف يراها؟ ما يرى إلا جهنم، ( واتقوا الشح ) أي: احذروه وابتعدوا عنه وطهروا نفوسكم منه، بل لا تقبلوا عليه ولا ترضوه لأنفسكم ولا لأحد من إخوانكم، ( فإنه أهلك من كان قبلكم من الأمم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم ).

    لكن حسبنا في بيان فضيلة اتقاء الشح قول ربنا عز وجل: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:9]، فالذي يقينا الشح هو جل وعلا الله، ومعنى هذا: ادعوا الله وسلوه واطلبوه في صلاتكم وفي صيامكم وفي طوافكم أن يقيكم شح نفوسكم، فإن من وقاه الله شح نفسه أفلح وفاز ونجا، وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:9]، في الدنيا والآخرة، والفلاح في الآخرة هو الفوز، وهو البعد عن النار ودخول الجنة دار الأبرار، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]، وأفلح بمعنى: فاز، والفوز يوم القيامة ليس كالفوز في الدنيا ربحك شاة أو بعيراً، لكنه النجاة من النار ودخول الجنة دار الأبرار.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا...)

    قال تعالى: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10].

    بيان موقف من جاء بعد المهاجرين والأنصار

    وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا [الحشر:10]، الطوائف ثلاث: المهاجرون، والأنصار، والتابعون وتابعوهم إلى يوم الدين، فأولهم وأفضلهم المهاجرون، وثانيهم: الأنصار، وثالثهم: التابعون لهم في الإيمان وصالح الأعمال إلى يوم القيامة.

    وهنا عظم ظلم وكفر وقبح من يسب أصحاب رسول الله، والله يقول: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الحشر:9]، وهؤلاء هم الأنصار، وقبلهم المهاجرون، وبعد الأنصار ذكر الطائفة الثالثة فقال: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10].

    معشر المستمعين! هذه هي الفرق الثلاث، فأولهم: المهاجرون، وهم أفضلهم، وثانيهم: الأنصار، وثالثهم: من جاء بعدهم إلى يوم الدين إذا كانوا مؤمنين صادقين، وويل للذين يسبون أصحاب رسول الله ويكفرون بعضهم ويلعنونهم والعياذ بالله! والله ما انتظموا في سلك هذه الآية ولا دخلوا فيها، وتأملوا قوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ [الحشر:10]، أي: من بعد المهاجرين والأنصار، ماذا يقولون؟ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا [الحشر:10]، أي: حسداً، لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10].

    مرة أخرى: استغفروا لإخوانكم الذين سبقوكم بالإيمان، وادعوا لهم في صلاتكم وصيامكم دائماً وأبداً، إذ إنكم إخوان لهم، ونعوذ بالله ونبرأ إلى الله ممن يسب أصحاب رسول الله أو أولادهم أو أحفادهم؛ لأننا ممن قال الله تعالى فيهم: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ [الحشر:10]، أي: نحن، يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10]، اللهم اجعلنا منهم يا كريم!

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال الشارح: [ من هداية هذه الآيات: أولاً: بيان فضل المهاجرين والأنصار, وأن حبهم إيمان وبغضهم كفران ]، من هداية هذه الآيات: بيان وجوب حب المهاجرين والأنصار وحرمة بغضهم، فإن من يبغض مهاجراً أو أنصارياً هلك والعياذ بالله تعالى، فنحن نستغفر لهم ما حيينا فنقول: ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان.

    قال: [ ثانياً: فضيلة الإيثار على النفس ]، وقد ذكرت لكم الصحابي الذي قال لأحد المهاجرين: عندي زوجتان فاختر أيهما شئت أطلقها وتتزوجها، وذاك المؤمن من الأنصار عندما جاءه ضيف في الليل وليس عنده إلا عشاء الأطفال وأمهم فقط، فقال لأم الأطفال: نوميهم يا فلانة! ثم قدمت الطعام وقال: أطفئي السراج حتى لا يشاهد الضيف أننا نأكل معه، وأكل الضيف حتى شبع! فهذا إيثار على النفس، وصدق الله إذ يقول: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:9]، أي: حاجة وفاقة.

    قال: [ ثالثاً: فضيلة إيواء المهاجرين ومساعدتهم على العيش في دار الهجرة المهاجرين الذين هاجروا في سبيل الله تعالى فراراً بدينهم، ونصرة لإخوانهم المجاهدين والمرابطين ]، وهذا واجب على المسلمين، فالذين يسلمون في بريطانيا وفي فرنسا وفي إيطاليا وفي الروس أو في غيرها من البلدان ويأتون هاربين مهاجرين يجب على المسلمين أن يؤووهم، وأن ينصروهم، وأن يطعموهم ويسقوهم ويعلموهم؛ لأن الذي يسلم في بريطانيا لا يجوز له البقاء بين الكافرين، أو الذي أسلم في روسيا لا يجوز له البقاء مع الروس، إذ لا يحل للمؤمن أن يقيم بين ظهراني الكافرين، إذ ما إن يسلم حتى يهاجر إلى بلاد الإسلام والمسلمين، لكن من لطف الله تعالى -كما بينت لكم غير مرة- أن الله عز وجل رحمنا لما علم ضعفنا وعجزنا وعدم قدرتنا، وذلك أنه فتح لنا بلاد الكفار ندخلها ونصلي فيها، وما أصبح المسلم الفرنسي أو الإيطالي أو الأسباني يهاجر إلى بلاد المسلمين؛ لأنه يوجد بينهم مسلمون يعبدون الله ويذكرونه، وبالتالي فهو سكون معهم، والجهاد فريضة وسرها: أن ندعو البشرية إلى أن يعبدوا ربهم ليكملوا في الدنيا ويسعدوا في الآخرة، فهذا هو السر، لكن لما فتح الله أبواب بلاد الكفر وأصبح كل بلد فيه مساجد وأمة تعبد الله ما أصبح هناك حاجة إلى أن نغزو بريطانيا ولا فرنسا، بل والله ما يجوز، والغزو هو أن يرسي إمام المسلمين سفنه في بلاد الكفر، ويوقف جنوده أمامهم، ويقول: ادخلوا في الإسلام، فإن دخلوا في الإسلام استرحنا ولا قتال ولا جهاد، وإن قالوا: لا ندخل في الإسلام، فنقول لهم: إذاً اسمحوا لنا أن ندخل بلادكم فنعلم الناس الإسلام، فإن قالوا: تفضلوا فلا قتال ولا جهاد، فإن رفضوا الثانية كالأولى فإنهم يقاتلون حتى يخضعوا ويخنعوا ويسمحوا للمسلمين أن يدعوا إلى الله في بلادهم.

    ولهذا قلت الآن: المؤمنون يسلمون في فرنسا وفي بريطانيا وفي روسيا يومياً،، فيجدون أنفسهم بين إخوانهم المسلمين، وبالتالي ما يحتاجون إلى الهجرة، إذ إنه مسموح لهم أن يعبدوا الله تعالى، بل إنه في فرنسا ثلاثة آلاف مسجد، لكن لو كان من أسلم يقتل فيجب أن يهاجر، أو من أسلم يمنع من أن يعبد الله فيجب أن يهاجر، لكن ما دام أنه يسلم ويجد مجالاً لأن يعبد الله ويدعو إليه فلا حرج في البقاء في بلاد الكفر.

    كما قلت أيضاً: على إخواننا المسلمين ممن أسلموا ودخلوا في الإسلام في بلاد الكفر، أو ممن هاجروا إلى ديار الكفر ونزلوا بها، أن ينووا أنهم مرابطون في سبيل الله لنشر دعوة الإسلام، فيعلمون الناس الإسلام ويدعونهم إليه، وعند ذلك والله يعتبرون أفضل الناس على الإطلاق، بل أفضل من أهل الحرمين الشريفين، وبالتالي من ظفر بهذه النية ونوى أنه مقيم في بلد الكفر لنشر الإسلام وللدعوة إلى الله عز وجل أصبح مرابطاً، ورباط يوم في سبيل الله خير من عبادة سبعين سنة.

    قال: [ رابعاً: خطر الشح وهو البخل بما وجب إخراجه من المال، والحرص على جمعه من الحلال والحرام ]، من هداية الآيات: حرمة الشح، والشح كالبخل في التحريم، إلا أن الشح مرض في النفس يحمل صاحبه على البغي والعدوان والشر والفساد، بخلاف البخل فإنه يمنع ولا يعطي، لكن الشح يحمل على المعصية والجريمة الموبقة كالقتل والزنا، فنبرأ إلى الله من الشح، ونسأل الله أن يطهر قلوبنا منه، اللهم طهر قلوبنا من الشح يا رب العالمين، واجعلنا من المنفقين في سبيلك المطيعين لك ولرسولك.

    قال: [ خامساً: بيان طبقات المسلمين ودرجاتهم وهي ثلاثة بالإجمال:

    أولاً: المهاجرون الأولون.

    ثانياً: الأنصار الذين تبوءوا الدار -أي: المدينة- وألفوا الإيمان.

    ثالثاً: من جاء بعدهم من التابعين وتابعي التابعين إلى قيام الساعة من أهل الإيمان والتقوى ]، من هداية الآيات ما ذكرته لكم: أننا ثلاثة أصناف: فأولاً: المهاجرون، وهم أفضلنا، ودونهم الأنصار، وبعدهم من جاء بعدهم وآمن واستقام ولم يسب صحابياً ولا صحابية، ولم يذم مؤمناً ولا مؤمنة من المهاجرين والأنصار إلى يوم الدين، اللهم اجعلنا من الفئات الثلاث يا رب العالمين!