إسلام ويب

تفسير سورة الحجرات (4)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • جاء أقوام إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن ضاقت عليهم معيشتهم وأجدبت أرضهم، رغبة بما عنده من العطاء بعدما سمعوا عنه من الناس أنه يعطي المحتاجين ويعين المكروبين، فلما وصلوا إليه زعموا أنهم على الإيمان وأخذوا يرفعون أصواتهم بذلك، فأوحى الله إلى نبيه أن ينهاهم عن ادعاء الإيمان لأن الإيمان ليس كالإسلام، فالإسلام أفعال ظاهرة يراها كل أحد ويشهد بها لصاحبها أنه مسلم، أما الإيمان فإنه إضافة إلى ما سبق يحتاج إلى يقين في القلب وتصديق وتسليم لله رب العالمين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فها نحن مع خاتمة سورة الحجرات المدنية، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوتها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحجرات:14-18].

    ذكر من نزل فيهم قوله تعالى: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ...)

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا [الحجرات:14] من هؤلاء الأعراب؟

    قالت العلماء: إنهم من بني أسد، أجدبت بلادهم وأصيبوا بقحط فحملوا نساءهم وأطفالهم وجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة طامعين في المعونة، وادعوا أنهم مؤمنون وما آمنوا.

    أعراب من بني أسد أجدبت بلادهم، وبلغهم أن النبي صلى الله عليه وسلم يطعم ويعطي ويسد حاجة المحتاج، فجاءوا بنسائهم وأطفالهم وقالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: آمنا بك، هكذا يقول تعالى عنهم: قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا [الحجرات:14]، فأمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول لهم: قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا [الحجرات:14]، قل لهم يا رسولنا: لم تؤمنوا، ما آمنوا، والله يعلم ما في صدورهم، ما هي إلا الحاجة فقط، فجاءوا يدعون أنهم مؤمنون.

    قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا [الحجرات:14] لأنهم قالوا: ما جئنا لنقاتلك كما قاتلك بنو فلان وبنو فلان، ولكن جئنا للإيمان، فقال لهم: قولوا: أسلمنا، انقدنا وأطعنا، أما الإيمان الذي هو استقراره في النفس، في القلب، والتصديق بالله رباً لا رب غيره وإلهاً لا إله سواه، وأن محمداً عبد الله ورسول الله، وأن البعث حق والدار الآخرة حق؛ فهذا ما وصلتم إليه، ولا يوجد في قلوبكم، فقولوا: أسلمنا، أطعنا وانقدنا وها نحن بين يديك، مرنا نفعل ونترك.

    وهنا لطيفة علمية: كل مؤمن صادق الإيمان فهو مسلم، لكن ما كل مسلم بمؤمن، قد يكون مسلماً غير مؤمن كهؤلاء العرب، لماذا؟

    المنافق يصلي، ويدفع الزكاة، ويخرج للجهاد وهو ما يؤمن بالله ولا بالبعث الآخر ولا بالنبي صلى الله عليه وسلم، فهو مسلم غير مؤمن، وكل مسلم إسلاماً حقيقياً هو مؤمن؛ لأن الإسلام هو إسلام القلوب والوجوه لله عز وجل، إسلام قلبك ووجهك لله، آمنت وأطعت فأنت مؤمن.

    وهكذا يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا [الحجرات:14] ولا يعني بالأعراب أعراب العرب كلهم، فبنو فلان وفلان أسلموا وهم مسلمون، لكن المراد الأعراب من بني أسد.

    قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا [الحجرات:14] لا بأس، إذا قلتم: أسلمنا صدقتم؛ لأنكم انقدتم وأطعتم وجئتم من دياركم إلينا.

    معنى قوله تعالى: (ولما يدخل الإيمان في قلوبكم)

    وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات:14] ليس معنى هذا: ولم يدخل الإيمان في قلوبكم، وإنما: ولم يدخل الإيمان في قلوبكم وسيدخل، وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات:14] فـ(لما) هذه تشير إلى أن ما نفي سوف يثبت، أنتم الآن غير مؤمنين، ما دخل الإيمان في قلوبكم وسيدخل في قلوبكم، وبالفعل آمنوا وأسلموا.

    وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ [الحجرات:14] فالإيمان محله القلب ما هو في اللسان ولا اليد ولا الرجل، فالمنافق يصلي ويصوم ويطعم، ولكن قلبه فارغ ما صدق بوجود الله أو ألوهيته وربوبيته، ولا صدق بنبوة رسول الله ولا بالبعث الآخر، فما هو بمؤمن، بل مسلم.

    معنى قوله تعالى: (وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئاً إن الله غفور رحيم)

    ثم قال تعالى لهم: وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ [الحجرات:14] وإن تطيعوا الله فيما يأمركم به وفيما ينهاكم عنه، وتطيعوا رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم فيما يأمركم به وفيما ينهاكم عنه، فتفعلوا المأمور، وتتركوا المنهي؛ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا [الحجرات:14] لا ينقصكم من أعمالكم شيئاً، مع علمنا ما بقلوبكم مما أتيتم له، ولكن ستؤمنون، فأطيعوا الله وأطيعوا الرسول، وسيوفيكم الله أجر أعمالكم ولا ينقصكم من عملكم شيئاً أبداً، وهذه بشرى لهم أيضاً.

    ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الحجرات:14] هذه بشرى زفت إليهم أيضاً، فأعلمهم أن الله غفور لعباده التائبين، رحيم بهم، وباب الله مفتوح.

    فالله غفور لكل من يتوب إليه، مهما كانت ذنوبه، مهما كثرت وعظمت يغفرها الله لقدرته على ذلك، ما هو بعاجز عن أن يغفر ذنباً من الذنوب، كل الذنوب بيده يغفرها، رحيم بكل المؤمنين والمستقيمين في الدنيا والآخرة، هذه صفاته التي تتجلى في رحمته بين عباده.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا ...)

    ثم قال تعالى لهم: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ [الحجرات:15] بصدق وحق، لا بالادعاء والنطق، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ [الحجرات:15] الكمّل في إيمانهم، الصادقون فيه من هم؟

    إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [الحجرات:15] أولاً، آمنوا بأن لا إله إلا الله، وآمنوا بأن محمداً رسول الله، وقالوا: نشهد أن لا إله إلا الله ونشهد أن محمداً رسول الله، قالوها بألسنتهم وهي موجودة في قلوبهم.

    ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا [الحجرات:15] ما شكوا بعد ذلك، أما من قال: أعلم أنه لا إله إلا الله، أعلم أن محمداً رسول الله لعام أو ساعات، ثم شك فقال: كيف يكون الله الإله الأوحد؟ كيف يكون محمد رسول الله؟ إذا حصل شك بطل الإيمان، لا إيمان مع الشك: ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا [الحجرات:15]، فمن ارتاب وشك فيما كان يعتقده هبط، ما أصبح مؤمناً أبداً.

    إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ [الحجرات:15] بصدق وحق الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا [الحجرات:15] هذا أولاً.

    وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [الحجرات:15] وجاهدوا أيضاً أنفسهم فحملوها على طاعة الله وطاعة رسوله بفعل المحاب وترك المكاره، وجاهدوا مع رسوله المشركين والكافرين، ودفعوا الأموال في ذلك، هؤلاء المؤمنون بحق.

    الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [الحجرات:15] لا في سبيل عنصرية ولا قومية ولا عربية ولا دينار ولا درهم، في سبيل الله، من أجل الحصول على رضا الله عز وجل.

    أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات:15] هذا الطابع الأخير، فأولئك المذكورون هم الصادقون في دعوى إيمانهم، إذا قالوا: آمنا فكما قالوا.

    هكذا يقول تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحجرات:15] في دعواهم الإيمان، وحقاً إنهم مؤمنون، فاللهم اجعلنا منهم.

    هكذا علمهم ليعرفوا الإيمان كيف هو، لا دعوى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السموات وما في الأرض ...)

    ثم قال تعالى: قُلْ [الحجرات:16] يا رسولنا لهم: أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ [الحجرات:16]؛ لأنهم يباهون ويصرخون: نحن مؤمنون، آمنا، يقولون ذلك بالادعاء، فقل لهم: أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في قلوبكم وهو خالقها؟

    قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الحجرات:16]، فتأدبوا، كانوا غلاظاً في أقوالهم وكلامهم، كأنهم يمنون على الله وعلى رسوله بالإيمان، فيقول لهم: الله عليم بما في قلوبكم.

    أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [الحجرات:16] فالسانح في الهواء كالسابح في الماء كالسائح في الغبراء، الكل معلوم لله عز وجل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم ...)

    ثم قال تعالى عنهم: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا [الحجرات:17] يمنون عليك يا رسولنا، يمن عليك هؤلاء الأعراب من بني أسد أنهم أسلموا، قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ [الحجرات:17] أرادوا أن يتعنتروا ويتفوقوا على الرسول صلى الله عليه وسلم، فقالوا: أسلمنا لأجلك ولكذا وكذا! والسورة هذه كلها آداب وأخلاق.

    فقال تعالى: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [الحجرات:17] لا تمنوا علي أنكم أسلمتم، الله هو الذي يمن عليكم أن هداكم وآمنتم وأسلمتم، وهذا تأديب عجيب، فسبحان الله! فالذين ما يجتمعون على كتاب الله طول حياتهم أموات غير أحياء، ما يشعرون بالحياة أبداً.

    يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا [الحجرات:17] يا رسولنا، قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [الحجرات:17] في دعواكم الإيمان.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الله يعلم غيب السموات والأرض والله بصير بما تعملون)

    ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [الحجرات:18]، ما غاب في السماوات ولا في الأرض شيء إلا والله يعلمه من الذرة إلى المجرة، فكيف بكفر كافر أو إيمان مؤمن في قلبه؟ إن الله يعلم غيب السماوات والأرض، لا يخفى عليه شيء، وهل الخالق الذي يخلق الشيء ينساه ولا يعرفه؟

    ومن هنا يجب أن نخاف الله وأن نرهبه، وأن نرغب فيه ونطمع فيه، وهو معنا يسمع ويبصر، وهو معنا حيثما كنا، ونحن بين يديه، فيجب أن نخافه ونرهبه فنطيعه ونحبه، ونطيع من أمرنا بطاعته وهو رسوله صلى الله عليه وسلم.

    إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [الحجرات:18] بصير يبصر ما تعملونه من أي عمل بأيديكم، بألسنتكم، بقلوبكم، بأي حال.

    ومعنى هذا: أنه يجب أن نرهب الله، وأن نخافه، وإذا رهبناه وخفناه يجب أن نطمع فيه، وأن نرغب فيما عنده وما لديه، وأن نوقف حياتنا عليه، لا نأكل إلا من أجله، لا نشرب إلا من أجله، لا نتزوج إلا من أجله، لا نطلق إلا من أجله، لا نبني ولا نهدم إلا من أجله، لا نزرع ولا نحصد إلا من أجله؛ إذ حياتنا يجب أن تكون وقفاً عليه.

    واسمعوا قوله تعالى لرسوله: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163].

    فالذي يوقف حياته على الله هل يكذب، يسرق، يزني، يلوط، يفجر، يعق والديه، يخون، يغش؟ والله! ما كان؛ لأن حياته وقف على الله عز وجل، فهو مع الله، إن أمره أن يقول قال، وإن أمره بالسكوت سكت، وإن أمره بالمشي مشى، وإن أمره بالقعود قعد، وهكذا حياته وقف على الله عز وجل، هذا هو العبد الصالح، هذا ولي الله الذي لا يخاف ولا يحزن لا في الدنيا ولا في القبر ولا يوم القيامة، واذكروا قوله تعالى: أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62].

    1.   

    الخطأ الواقع من بعض أفراد الأمة المتمثل في قصر الولاية على الأموات

    وقد عاشت أمتنا -والله- قروناً أكثرهم لا يفهمون من الولي إلا من كان على قبره قبة ويحلف به ويُذبح له، هذه لطيفة كررناها مرات، لو تدخل إلى قرية وتقول: أنا جئت من قرية كذا فدلوني على ولي من أولياء القرية هذه؛ فوالله! ما يأخذون بيدك إلا إلى قبر، ولا يفهمون أن ولياً حياً بينهم!

    لو تدخل القاهرة المعزية قبل فترة من الزمان فتقول: أنا جئت من الشام أريد أن أزور ولياً من الأولياء؛ فوالله! ما يأخذون بيدك إلا إلى قبر، ما يعرفون ولياً بين الناس حياً، ومن ثم يزنون بنسائهم، يأكلون أموالهم، يشربون الخمر، يفعلون المعاصي، ولو علم أن هذا ولي فلن يستطيع أن يتكلم فيه بكلمة أو ينظر إليه بنظرة شزر.

    وهذه مكيدة من مكائد الثالوث الأسود: اليهود والنصارى والمجوس، سلبوا الولاية من الأحياء ووضعوها على الأموات، فالميت ولي والحي ما هو بولي، فاشرب معه الخمر، واسرقه وسبه فما يضرك ذلك.

    وإليكم صورة: كنا في قرية مع بعض المشايخ، فحدث أحدهم وقال: قال فلان: كنت إذا زنيت لا نمر بالزقاق أو الشارع الفلاني؛ لأن فيه سيدي فلاناً الولي!

    يزني بامرأة مؤمن في القرية ويفجر بها، وحين يمشي لا يمشي في الشارع الذي فيه الولي! أرأيتم إلى أين هبطنا؟

    وإن تعجبت وقلت: كيف هذا؟ فإنا نقول: أما حكمتنا بريطانيا وإيطاليا وأسبانيا وسادونا وهبطوا بنا، لو كنا ربانيين أولياء الله فهل سيسلطهم الله علينا؟ لا والله.

    أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ [يونس:62]، ومن هم أولياء الله؟

    كل مؤمن تقي ذكر أو أنثى هو لله ولي، سواء كان أبيض أو أسود، فقيراً أو غنياً.. قل ما شئت، كل مؤمن تقي هو لله ولي، يجب أن تحترمه وأن تعظمه وألا تؤذيه وألا تضره؛ لأنه ولي الله، إذ قال تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [يونس:63-64]، فاللهم اجعلنا من أوليائك وصالحي عبادك يا رب العالمين.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: بيان طبيعة أهل البادية، وهي الغلظة والجفاء والبعد عن الكياسة والأدب ].

    هذه حقيقة إلى اليوم، فطبيعة أهل البادية الغلظة والشدة، ما يكونون لينين ولا أرقاء، بل غلاظ قساة، هذه الطبيعة في كل زمان، وهذه الآية دليل وشاهد على ذلك.

    فلهذا ينبغي أن ننهي البادية، ورحم الله عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود ، تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جنته، عمل جهده في تحويل البادية إلى مدن وحضر، وكان يبعث إليهم علماء يعلمونهم في الليل والنهار.

    [ ثانياً: بيان الفرق بين الإيمان والإسلام إذا اجتمعا، فالإيمان من أعمال القلوب، والإسلام من أعمال الجوارح، وإذا افترقا فالإيمان هو الإسلام، والإسلام هو الإيمان.

    والحقيقة: هي أنه لا يوجد إيمان صحيح بدون إسلام صحيح، ولا إسلام صحيح بدون إيمان صحيح، ولكن يوجد إسلام صوري بدون إيمان، وتوجد دعوى إيمان كاذبة غير صادقة ].

    فكل مؤمن صادق الإيمان هو مسلم؛ إذ لا يؤمن ولا يسلم قلبه ووجهه لله أبداً إلا من آمن حق الإيمان وصدق التصديق الكامل، ما يستطيع أن يخرج عن طاعة الله أبداً، فهو مسلم، وقد يكون الرجل يدعي الإسلام وما هو بمؤمن، مسلم ولكن ما آمن، ما في قلبه إيمان بالله ولقائه.

    [ ثالثاً: بيان المؤمنين حقاً، وهم الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم ].

    فالمؤمنون بالصدق والحق هم الذين آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا في سبيله، ثم لم يرتابوا أبداً ولا لحظة، ولا حصل لهم شك في إيمانهم، كما بين تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [الحجرات:15].

    [ رابعاً: بيان حكم المن، وأنه مذموم من الإنسان، ومحمود من الرحمن عز وجل، وحقيقة المن هي: عد النعمة وذكرها للمنعم عليه وتعدادها المرة بعد المرة ].

    هذا المن يفعله الجهال، يقول أحدهم: تذكر ذاك اليوم الذي كنت عندنا وماذا فعلنا لك؟ هذه العمامة من اشتراها لك؟ هذه السيارة من أعطاكها؟ هذا المن مذموم، وهو في حق الله محمود، يمن على من يشاء من عباده، أما أن تعطي المرء شيئاً وتمن فتقول: أما أعطيناك القلم الفلاني، أركبناك في كذا؛ فهذا ما يجوز أبداً، المن منا نحن لا يجوز، هو خلق سيئ، لكن من الله هو محمود وهو تعالى أهل لذلك.

    [ خامساً: بيان إحاطة علم الله بسائر المخلوقات، وأنه لا يخفى عليه من أعمال العباد شيء ].

    بيان علم الله وإحاطته بكل المخلوقات من الذرة إلى المجرة، السانح في الهواء كالسابح في الماء كالسائح في الغبراء، الكل عند الله عز وجل معلوم.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.