إسلام ويب

تفسير سورة الحجرات (1)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • النبي صلى الله عليه وسلم هو حبيب الله ومصطفاه، وقد جعل الله عز وجل له مقاماً عالياً وقدراً كبيراً، وأمر المؤمنين بحفظ هذا المقام والمكانة، وذلك بخفض الصوت عند الكلام معه عليه الصلاة والسلام، وألا يقدموا قولاً على قوله، ولا حكماً على حكمه، سواء في حياته أو بعد مماته، وذلك بالتزام سنته وهديه، وأن التزام ذلك المنهج علامة الإيمان والتقوى.

    1.   

    حد المفصل وذكر ما تشرع القراءة به من السور في الصلوات

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فها نحن مع فاتحة سورة الحجرات المدنية، ومع هذه الآيات الثلاث، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوتها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [الحجرات:1-3].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هذه السورة المسماة بالحجرات هي بداية مفصل القرآن، وأهل العلم وأهل الفقه يرون أن صلاة الصبح يقرأ فيها بما بعد الحجرات إلى سورة عبس، وصلاة الظهر والعشاء من عبس إلى الضحى، وصلاة المغرب من الضحى إلى الناس.

    ولعل هذا مأخوذ عن صلاته صلى الله عليه وسلم بقصار المفصل، فالمفصل يبتدئ طواله من هذه السورة سورة الحجرات، وينتهي بسورة عبس، ومتوسطه من عبس إلى سورة الضحى، وقصاره من الضحى إلى الناس، فلو أن الإمام يلتزم بهذا فحسن، وليس بواجب، ولكن من باب الأفضل والأولى.

    والرسول صلى الله عليه وسلم أرشد إلى أن نصلي بالضحى، و إِذَا السَّمَاءُ انفَطَرَتْ [الانفطار:1] بحسب حال الأمة، وقال للصاحب: ( أفتان أنت يا معاذ ؟ )، أفتان تفتنهم؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم)

    هذه السورة المباركة مفتتحة بهذا النداء الإلهي: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [الحجرات:1] نقول: لبيك اللهم لبيك، نداء إلهي موجه إلى أهل الإيمان خاصة، لماذا؟ لأنهم أحياء، ما سبب حياتهم؟ إيمانهم بالله ولقائه، والإيمان برسوله وكتابه، الإيمان بمنزلة الروح صاحبه حي وفاقده ميت.

    وقد نادانا الرحمن في كتابه نيفاً وثمانين نداء بـ(يا أيها الذين آمنوا)، نادانا ليقول لنا: لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [الحجرات:1]، ومعنى هذا: يجب أن نعرف ما في كلام الله وكلام رسوله، ينبغي أن نكون علماء نعرف ما في كتاب الله من شرائع وأحكام وما في هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ثم لا نقدم شيئاً على كتاب الله أو سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، والذي لا يعلم شيئاً من الكتاب ولا من السنة كيف لا يقدم عليهما غيرهما؟ سيقدم عشرات المرات.

    ومعنى هذا أننا لا نستطيع أن نقدم على الله شيئاً، بيان ذلك: لما ذبحوا في الأضحية قبل صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم وقبل أضحيته أمروا أن يعيدوها، لأنهم قدموا.

    فلو أنك الآن تقوم لتصلي العشاء ما صحت صلاتك؛ لأنك قدمت، ولو قلت: أنا سأحج بعد أسبوعين، آتي إلى مكة وأطوف بالبيت وأنزل بعرفة في غير أيام الحج فما هو بحج.

    لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [الحجرات:1] لا عقيدة ولا عملاً ولا قولاً، نمشي دائماً وراء هذا النور الإلهي: قال الله وقال رسوله.

    سبب نزول قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم)

    وإليكم ما يوضح ذلك المعنى، قالوا: سبب نزول هذه الآية: أن وفداً من بني تميم قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، فقال أبو بكر : أمّر عليهم القعقاع بن معبد ، فقال عمر : لا، أمر عليهم الأقرع بن حابس ، فقال أبو بكر : أتريد أن تخالفني؟ فقال عمر : لا، فارتفعت أصواتهما، فنزلت الآية: لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [الحجرات:1]، فالذي يعين هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا أبو بكر ولا عمر ، هو الذي يعين الأمير على هذه الجماعة، فما رضي الله لهما ذلك.

    لزوم العلم لاجتناب التقديم بين يدي الله ورسوله

    ومعنى هذا أنه ينبغي أن نتعلم، وأن نعرف محاب الله ومكارهه، وأن نعرف ما أمر الله به وما نهى عنه، وما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم وما نهى عنه، ومن ثم لا نقدم رأينا ولا رأي زيد ولا عمرو على ما قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم.

    ويشهد لهذا حديث معاذ بن جبل لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، قال: ( يا معاذ ! بم تحكم؟ قال: أحكم بكتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو ).

    ومعنى هذا أنه لا بد من العلم بالكتاب والسنة، وبعد ذلك إذا ما وجدت فيهما فلك أن تجتهد، واجتهادك قائم على علمك بالكتاب والسنة، وترى أن هذه الحادثة ألصق بكذا وألصق بكذا من الكتاب والسنة، أما أن نفتي بدون كتاب ولا سنة فهذا لا يجوز.. لا يجوز.. لا يجوز، وعلى الذي اجتهد فما وجد في الكتاب ولا في السنة في حادث من الأحداث وحكم إذا تبين له ذلك بعد يوم أو عام في كتاب الله وسنة رسوله؛ يجب عليه أن يعلن عن خطئه وعودته، لا بد أن يعلن أنه كان مخطئاً أو أخطأ في كذا، والصواب هو كذا وكذا.

    ومن ثم كان التشريع لله ورسوله، ما بقي من يقول: أنا أهل لأن أشرع لكم، وحسبنا في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ( إياكم ) احذروا، ( إياكم ومحدثات الأمور ) التي تحدث خارجة عن الكتاب والسنة، ( فكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة )، ولهذا يحفظ الدين كما نزل وبينه المصطفى ويعمل به إلى يوم الدين، فإن فتحنا باباً للبدع فستصبح الفرائض والسنن بلا حساب.

    والنص واضح: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [الحجرات:1] آراءكم وفهومكم وعلمكم وما تريدون، إذا كان الله قد قال فما بقي لك قول، وإذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم فما بقي لك قول، حكم الله فما بقي لك حكم، حكم رسوله صلى الله عليه وسلم فما بقي لك حكم، لا بد من الانقياد.

    وقد علمتم أننا لو قمنا نصلي الصبح في غير وقتها فهل تصح صلاتنا؟ ما تصح؛ لأننا قدمنا ما لم يقدمه الله عز وجل، حتى الأضحية لما ضحوا قبل الرسول صلى الله عليه وسلم أمرهم بأن يعيدوا الأضحية.

    فاللطيفة هنا هي: أن علينا أن نلم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بعد ذلك لا نقول إلا ما علمناه عن الله وعلمناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    كيفية التقوى وميدان تحصيلها

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ [الحجرات:1] أمرنا بتقواه، فكيف نتقيه؟ وبم نتقيه؟

    الجواب: نتقيه بالإيمان به، وبطاعته وطاعة رسوله، كل مؤمن تقي هو لله ولي، هذه قاعدة، وكل كافر هو عدو الله وليس لله بولي، وكل فاجر ليس بولي لله، بل هو عدو الله، فلا بد من الإيمان والتقوى.

    وَاتَّقُوا اللَّهَ [الحجرات:1]: خافوه فأطيعوه، وفيم نطيعه؟ في أوامره، أما أمرنا بالصلاة والزكاة والصيام وبر الوالدين والإحسان والقول المعروف؟ أوامر أمر بها يجب أن نطيعه فيها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بأوامر كذلك نطيعه فيها، ونهى الله تعالى عن أشياء كثيرة من الاعتقادات، من الأقوال، من الأفعال، من الصفات، من الذوات، نهى عنها وحرمها فيجب أن نتجنبها ونبتعد عنها بعد معرفتها، وبذلك يمكننا أن نتقي ربنا، أي: نتقي عذابه بعد سخطه ونقمته.

    دلالة قوله تعالى: (إن الله سميع عليم)

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الحجرات:1]، سميع لأقوالكم، من قال كلمة فقد سمعها الله، فاحذر أن تقول وتظن أن الله ما يسمع، والله! ما نقول كلمة إلا سمعها، سميع عليم بأعمالكم ظاهرة أو باطنة، صغيرة أو كبيرة، كل الأعمال التي نعملها والله! إن الله بها لعليم، والعالم كله بين يديه.

    إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الحجرات:1] فخافوه، فاتقوه، فارهبوه، فأطيعوه ولا تعصوه؛ حتى تنجوا وتكملوا وتسعدوا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ...)

    ثم قال تعالى في نداء آخر: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [الحجرات:2] لبيك اللهم لبيك، لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ [الحجرات:2]، هذا كان على عهده صلى الله عليه وسلم، حرم الله على المؤمنين والمؤمنات إذا كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس أن يرفعوا أصواتهم فوق صوته، حتى أصبح أبو بكر يسارُّ النبي صلى الله عليه وسلم في أذنه، أما ثابت بن قيس رضي الله عنه فلما نزلت هذه الآية لزم بيته يبكي، فتفقده الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: أين فلان؟ فجيء إليه فوجدوه في بيته يبكي، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: خشيت أن أكون من أهل النار، أنا أرفع صوتي فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم.

    فجيء به إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وبشره الرسول بالجنة، وطمأنه برضا الله والجنة؛ وذلك لإيمانه الحق الذي حمله على البكاء والعكوف في بيته، ما استطاع أن يمشي، خاف من عذاب الله؛ لأنه يرفع صوته.

    الحالات المطلوب فيها خفض الصوت

    إذاً: يقول تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ [الحجرات:2]، يجب أن يكون دون صوت النبي، والرسول الكريم قلما يرفع صوته في أدب، لكن يجب أن يكون صوتي دون صوته، ولا يكون مساوياً له.

    ومن هنا فهذه الحقيقة الأدبية العلمية ينبغي أيضاً أن نستعملها، إذا ذكرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا ذكرنا حديث رسول الله، إذا قلنا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فينبغي ألا نرفع أصواتنا ولا نصيح، إذا قلنا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكلمنا فلا ترفع صوتك فوق هذا، كأنك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ الحديث هو صوته، هو كلامه.

    ثالثاً: في المسجد النبوي الشريف، هذا مسجد النبي الذي رزقنا الله الوجود فيه، ينبغي ألا نرفع أصواتنا فيه كأننا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخاصة عند الحجرة الشريفة وفي الروضة الشريفة، ما نرفع أصواتنا أبداً، وهذا الأدب موجود والحمد لله، ما تسمع أصواتاً في الروضة ولا حول الحجرة الشريفة، وينبغي أن نحافظ على هذا.

    وقال أهل العلم: ينتقل هذا إلى العلماء وأفاضل المؤمنين، فإذا كنت معهم وفي مجلسهم فتأدب ولا ترفع صوتك معهم، وهذا أدب موجود، فالإنسان ما يرفع صوته مع أبيه أبداً، ما يرفع صوته مع شيخه، ما يرفع صوته مع المؤمنين، لماذا؟ لأنه أدب اختاره الله لنا وأمرنا به ودعانا إليه، فلم لا نستجيب؟

    معنى قوله تعالى: (ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض)

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ [الحجرات:2] ما نتكلم مع الرسول صلى الله عليه وسلم كما نتكلم مع علي أو عثمان أو عمر أبداً، كلام خاص، أدب خاص، صورة خاصة، حين تكون مع أبي بكر أو عمر أو عثمان أو فلان تتكلم معهم وترفع صوتك أو تجهر بقولك، لكن مع الرسول صلى الله عليه وسلم لا، وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ [الحجرات:2] كما تجهرون لبعضكم.

    وقد علمتم أن أبا بكر وكثيراً من الأصحاب أصبحوا يسرون الحديث مع الرسول صلى الله عليه وسلم، كأنما يقولون في أذنه كلاماً، لا يرفعون أصواتهم.

    فهيا بنا نمتثل نحن ذلك، أولاً: إذا ذكر بين أيدينا رسول الله بأن قال القائل: قال رسول الله؛ فيجب أن نكون متأدبين كأننا مع رسول الله، ما نصرخ ولا نرفع أصواتنا.

    ثانياً: ما دمنا في مسجده وقريباً من حجرته وقبره نتأدب كأننا بين يدي رسولنا صلى الله عليه وسلم، ما نرفع أصواتنا.

    ثالثاً: إذا كنا مع أبوينا، مع الصالحين منا، مع علمائنا، مع أفاضلنا ينبغي أن نتأدب ونعرف بالأدب، بانخفاض الصوت وعدم الصياح وعدم الضجيج.

    هذه يجب أن نتصف بها وهي سهلة وميسرة على من رغب فيها ودعا الله بها.

    معنى قوله تعالى: (أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون)

    ثم قال تعالى: أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات:2] أي: حتى لا تحبط أعمالكم وتبطل وأنتم لا تشعرون، لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ [الحجرات:2] لماذا؟ خشية أن تحبط أعمالكم وتبطل، وهذا معناه أنه أدب واجب مع رسول الله، فمن لم يتأدب مع رسول الله تحبط أعماله، كما أن الشرك يحبط العمل، كذلك الجهر ورفع الصوت مع الرسول صلى الله عليه وسلم يحبط العمل، اللهم إلا إذا كان رفع الصوت على صوت رسول الله باستهزاء أو بسخرية فهذا كفر، إذا رفع صوته مستهزئاً أو ساخراً أو غير مبال فوالله! لقد كفر وحبط عمله، وهو في جهنم.

    أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ [الحجرات:2] بذلك ولا تعرفون.

    وأخذ بهذا أصحاب المصطفى، وعاشوا على ذلك حتى توفاه الله بين أيديهم وبقوا على الآداب حتى توفاهم الله عز وجل.

    وكذلك أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم إذا ذكرناهم يجب أن نذكرهم بأدب واحترام وإجلال وإكبار كما قال مالك وغيره، وقد عرفنا أن من يطعن في الصحابة يكفر، الذي يسب الصحابة أو يشتمهم كفر؛ لقوله تعالى: لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ [الفتح:29] فمن اغتاظ بـأبي بكر أو عمر أو بـعثمان أو علي أو فلان أو فلان أو عائشة أو خديجة كفر؛ لأنه لا يغتاظ بذلك إلا الكافر.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ...)

    ثم قال تعالى وقوله الحق: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [الحجرات:3] هذه بشرى زفت إليهم وإلينا إن شاء الله معهم.

    إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ [الحجرات:3] يخفضون أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ [الحجرات:3] ما يرفعون أصواتهم، كما قلت لكم، فالآن لو نمشي إلى الروضة أو ما حولها لا نرفع أصواتنا، نتأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ [الحجرات:3] معنى الغض: الخفض، غض بصره، وغض صوته، وهذا شعارنا، هذا وصفنا، هذه آدابنا الإسلامية، ما ترانا نرفع أصواتنا إلا إذا كان هناك موعظة أو درس أو أذان أو ما إلى ذلك، أو إذا كنا في الحرب فنقول: الله أكبر بأعلى الأصوات، فالصراخ هنا مأذون فيه مشروع، أذن فيه الرسول صلى الله عليه وسلم، أما في حال الأمن والسلم وفيما بيننا فالمؤمنون الصالحون أولياء الله ما يرفعون أصواتهم إلا من ضرورة فقط، دائماً أصواتنا في آداب واحترام، وهذه هي الآداب الإسلامية، وهذا هو الخلق الإسلامي، لسنا كالكافرين والمشركين والفوضويين وأهل الباطل والإجرام، آدابنا عامة.

    هكذا يقول تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى [الحجرات:3] بشرهم بهذا، امتحن قلوبهم وشرحها ووسعها لتدخل التقوى فيها فيصبحوا من أهل التقوى، هكذا يقول تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [الحجرات:3] أي: شرحها ووسعها لتحمل التقوى.

    لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ [الحجرات:3] بشرى لهم، لهم مغفرة من الله لذنوبهم، وإن كانت شركاً أو كفراً لعشرات السنين؛ إذ من أسلم لا يطالب بما مضى في أيام الشرك والكفر، وعدهم بمغفرة ذنوبهم والأجر العظيم ألا وهو الجنة دار السلام، الأجر العظيم ما هو بمائة ألف أو مليار دولار، الأجر العظيم والله! إنه لهو الجنة دار السلام، هذا الأجر العظيم الذي يعطيه الله لمن آمن به واتقاه، فاللهم اجعلنا منهم.. اللهم اجعلنا منهم.. اللهم اجعلنا منهم، واحشرنا في زمرتهم وارض عنا كما رضيت عنهم.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين.

    قال: [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: لا يجوز للمسلم أن يقدم رأيه أو اجتهاده على الكتاب والسنة، فلا رأي ولا اجتهاد إلا عند عدم وجود نص من كتاب أو سنة، وعليه إذا اجتهد أن يكون ما اجتهد فيه أقرب إلى مراد الله ورسوله، أي: ألصق بالشرع، وإن ظهر له بعد الاجتهاد نص من كتاب أو سنة عاد إلى الكتاب والسنة وترك رأيه أو اجتهاده فوراً وبلا تردد ].

    علينا ألا نفتي ولا نقول ولا نعمل إلا على ضوء كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لا نفتي بفتيا ولا نقول قولاً ولا نعمل عملاً إلا على نور الكتاب والسنة، ومعنى هذا: أنه يجب أن نتعلم، لم نعيش أربعين وخمسين سنة ما نجلس في حلقة كهذه؟ كيف نتعلم؟ يجب أن نتعلم.

    فلا يحل لأحدنا أن يقول أو يعمل بدون علم من الكتاب والسنة، أقوالنا وأعمالنا كاعتقاداتنا كلها مردها إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والذي اجتهد وعرف ما في الكتاب والسنة وما وجد الدليل للقضية الحادثة واجتهد عليه أيضاً إذا ظهر له الدليل وبلغه أن يلقي ذلك العمل أو القول ويعود إلى الصواب ويقول: قال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم، ولو بعد أربعين سنة.

    [ ثانياً: بما أن الله تعالى قد قبض إليه نبيه ولم يبق بيننا رسول الله نتكلم معه أو نناجيه فنخفض أصواتنا عند ذلك؛ فإن علينا إذا ذُكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيننا، أو ذُكر حديثه أن نتأدب عند ذلك، فلا نضحك ولا نرفع الصوت، ولا نظهر أي استخفاف أو عدم مبالاة، وإلا يخشى علينا أن تحبط أعمالنا ونحن لا نشعر ].

    إي والله، الآن توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس معنا، ولكن معنا حديثه كصوته، فيجب أن نتأدب مع ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع ذكر حديثه، لا نرفع أصواتنا، لا نضحك، لا نسخر كما يفعل الجهال والضلال، إذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نسكن ونستقر ونهدأ ونتكلم بالأدب؛ لأن فقدنا إياه ليس مانعاً أن نتأدب معه، نتأدب معه أيضاً كأنه بيننا حين يذكر أمره أو نهيه أو بشارته أو نذارته.

    [ ثالثاً: على الذين يغشون مسجد رسول اله صلى الله عليه وسلم ألا يرفعوا أصواتهم فيه إلا لضرورة درس أو خطبة أو أذان أو إقامة ].

    فهذا المسجد مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من شرقه إلى غربه كأنما الرسول بين أيدينا، لا نرفع أصواتنا فيه إلا لخطيب أو مدرس أو مؤذن، أما ونحن جالسون فنتكلم بالسر في أي وقت من أوقاتنا وفي أي مكان من المسجد النبوي، تأدباً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتزاماً بأمر الله عز وجل: لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ [الحجرات:2]، وقال لنا: خشية أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون، فلنتق الله عز وجل ولنصبر على هذه الآداب الإسلامية والأخلاق المحمدية، وسنسعد إن شاء الله تعالى في الدنيا والآخرة.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.