إسلام ويب

تفسير سورة الجمعة (1)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يمتن الله عز وجل على عباده أن بعث فيهم رسولاً منهم، يعرفون حسبه ونسبه وصدقه، يدعوهم إلى عبادة الله سبحانه وتعالى وتوحيده، ويحذرهم من الشرك ووسائله، وهو سبحانه الذي وفقهم لاتباعه والاهتداء بهديه، فيخرجون به من عمايات الشرك والضلال إلى نور الإيمان، وقد وعد الله هؤلاء الصحابة الذين ناصروا رسوله الكريم وعزروه أن يدخلهم الجنة، وليس هم فقط بل وأبناءهم الذين لم يلحقوا بهم ممن ساروا على نهجهم وآمنوا بمثل ما آمنوا به.

    1.   

    فضل يوم الجمعة

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: ها نحن اليوم مع سورة الجمعة المدنية، وآياتها إحدى عشرة آية، وسندرس اليوم أربع آيات منها، فهيا بنا نصغي مستمعين تلاوتها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الجمعة:1-4].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: بسم الله الرحمن الرحيم: يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [الجمعة:1]، بين يدي شرح هذه الآيات أذكركم بأن هذا اليوم -يوم الجمعة- يوم أقسم الله تعالى به في قوله: وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ * وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ * وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ [البروج:1-3]. فالشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة. ويوم الجمعة يروي مسلم عن أبي هريرة في فضله فيقول: ( يوم الجمعة خير يوم طلعت عليه الشمس، فيه خلق الله آدم، وفيه أنزله الجنة، وفيه -أي: في يوم الجمعة- أخرجه منها ). فيوم الجمعة أفضل الأيام.

    وهذه السورة إن شاء الله نجد فيها من العلم والمعرفة بهذا اليوم الكثير.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يسبح لله ما في السموات وما في الأرض ...)

    قال تعالى: يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [الجمعة:1]. يخبر تعالى هنا وهو الصادق المصدوق بأنه يسبح له ما في السماوات وما في الأرض من كل الكائنات، وهو ما قال: يسبح لله من في السماوات ومن في الأرض، بل قال: مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [الجمعة:1]. لأن الكائنات منها ما ينطق ويتكلم، ومنها ما لا ينطق ولا يتكلم، ولكن كل الموجودات في السماوات والأرضين تسبح الله عز وجل.

    وتسبيح الله: تقديسه وتنزيهه من أن يكون له نظير أو مثيل، أو من أن يكون له ولد كما يقول المشركون، أو من أن يكون له شركاء، فهو منزه مقدس عن كل نقص وعيب. والكائنات تشهد بذلك، فمثلاً: لما تنظر إلى الشمس فستجد أن الذي خلقها وأضاء نورها وأودع فيها حرارتها لن يكون إلا عليماً قديراً حكيماً، ولا يساويه ولا يعادله كائن في الكائنات، ألا وهو الله عز وجل، فهي تسبح بلسان الحال. وهكذا كل ما في السماوات والأرض ينزه الله عن الشريك والنظير والمثيل، وينزه الله عن النقص والعجز والضعف، وينزه الله عن كل مكروه، فهو منزه مقدس، كما قال تعالى: يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ [الجمعة:1] من الكائنات.

    معنى اسمي الله الملك والقدوس

    قال تعالى: الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [الجمعة:1]. وهاتان أربع صفات من صفات الله، أو أربعة أسماء من أسماء الله.

    والملك هو: الذي يملك كل شيء. والملكوت في السماوات والأرض كل ذلك ملك الله، والله الملك فيه، ولا ملك حق إلا الله عز وجل. فهو الملك الذي يملك كل الكائنات، وهو خالقها ومدبر أمرها، فهي ملكه، وهو ملك كل شيء.

    وقوله: الْقُدُّوسِ [الجمعة:1]، أي: المنزه المطهر من كل عيب ومن كل نقص، فهو المقدس المنزه المطهر من كل نقص وكل عيب. والعيوب في بني آدم وفي الجان وفي غيرهما، وأما الله عز وجل فهو مقدس منزه من ذلك، ولا عيب أبداً معه؛ إذ هو خالق كل شيء، ومالك كل شيء، وهو رب كل شيء. فهو مقدس منزه مطهر.

    معنى اسمي الله العزيز والحكيم

    قال تعالى: الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ [الجمعة:1]. والعزيز هو دائماً الغالب، الذي لا يغلبه غالب، والذي لا يمتنع عنه شيء أراده أبداً، والذي ينتقم من أعدائه، وينزل بهم البلاء، ويعذبهم في الدنيا والأخرى؛ وذلك لعزته وكمال عزه.

    والحكيم الذي يضع كل شيء في موضعه. وهو أوجد السماوات السبع، وأوجد الأرضين السبع، وأوجد الجن، وأوجد الملائكة، وأوجد بني آدم والحيوانات، وكل هذه المخلوقات، وقد أوجدها بحكمة.

    ومن مظاهر الحكمة القريبة: قف الآن في الحلقة وانظر، فستجد أمامك ألف شخص، ولن تجد اثنين لا يفرق بينهما، بل لو تجتمع البشرية كلها في صعيد واحد لن تجد اثنين لا يميز بينهما، مع أن الذات هي هي، فهي مكونة من عينين وأنف، وفم وجسم، ولكن كل واحد له ميزته. ولولا حكمة الله لكان هذا يدخل على بيت هذا، وهذا يأكل مال هذا يقول: أنا هو. ولكن الله هو الذي فعل هذا العجب، ووالله إنه للحكيم العليم، الذي يضع كل شيء في موضعه. وهو إن عذب فلحكمته، وإن رحم فلحكمته، وإن أعطى فلحكمة، وإن منع فلحكمة، ولا يخرج شيء من أفعاله عن الحكمة أبداً. فهو الحكيم.

    هذه أربع صفات، وهي: الملك القدوس العزيز الحكيم. وأسماء الله مائة اسم إلا اسم. وهؤلاء من أسمائه وصفاته.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلوا عليهم آياته...)

    قال تعالى: هُوَ [الجمعة:2] جل جلاله وعظم سلطانه لا غيره الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [الجمعة:2]. والأميون هم: العرب. وسموا بالأميين لأنهم لا يقرءون ولا يكتبون. والأمي هو: الذي ينسب إلى أمه، أي: هو كما ولدته أمه ما يعرف قراءة ولا كتابة. والعامة يقولون: فلان أمي، أي: ما يقرأ ولا يكتب، كأنما ولد الآن. فالعرب أميون وإن كان بعضهم يكتب ويقرأ، ولكن العبرة بالأغلبية، فأكثرهم أميون، لا يقرءون ولا يكتبون كاليهود والنصارى. ولذلك قال تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا [الجمعة:2]. ألا وهو محمد صلى الله عليه وسلم. فقد نبأه وأرسله، فهو نبي الله ورسوله، فنبأه في غار حراء، وأرسله بعد ذلك إلى الناس كافة.

    وقوله: رَسُولًا مِنْهُمْ [الجمعة:2]، أي: من العرب. وقد قال العلماء: لا توجد قبيلة من قبائل العرب إلا وللرسول نسب فيها، اللهم إلا قبيلة تغلب، وهذه نصرانية، فلم يعطها الله هذا النور؛ لأنهم نصارى متنصرون، فقبيلة تغلب نصرانية، وباقي القبائل كلهم نسب الرسول موجود فيهم من أم أو أب، وهكذا إليه صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال تعالى: بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [الجمعة:2]، أي: مأخوذ منهم، وهو: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، وهاشم من قريش، وقريش من عدنان بن إسماعيل بن إبراهيم.

    فهو جل جلاله وعظم سلطانه العزيز الحكيم، الملك القدوس، الذي يسبح له من في السماوات ومن في الأرض، فـ هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ [الجمعة:2]. وآيات الله هي القرآن. فكان صلى الله عليه وسلم يتلو على الناس القرآن، ويقرأ الآيات عليهم، ويقرأ السورة عليهم، والآيات كلها هدى، وكلها علم ونعمة ومعرفة، فيستفيدون منها، ويهتدون على الأقل ويصلحون. فالرسول صلى الله عليه وسلم يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ [الجمعة:2]. ومعنى يزكيهم: يطهرهم من الذنوب والآثام، ويطهرهم من المفاسد والشرور والآثام.

    والتزكية تكون في النفس، والرسول يزكيهم، أي: يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر. فإن فعلوا المعروف زكت نفوسهم، وإن تركوا المنكر بقيت هذا الزكاة، ولم تخبثت.

    فهو يزكيهم، أي: يأمرهم بالصلاة .. بالزكاة .. بالذكر .. بالعبادة. فكل هذه مزكية للنفس. وهو يزكيهم تزكية حقة، فهو يزكيهم ويطيبهم ويطهرهم، حتى أصبحوا أولياء الله، وهم أهل الجنة، وهم أصحابه رضوان الله عليهم. فهو الذي بعث فيهم رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [الجمعة:2]. والكتاب: القرآن، والحكمة: السنة النبوية، وهي مفسرة للقرآن، ومبينة للهدى في القرآن، ومبينة للناس طريق السلامة، وطريق النجاة من خسران الدنيا والآخرة. فالحكمة هي السنة النبوية، فهي حكمة؛ لأن الرسول حكيم والله، يضع كل شيء في موضعه.

    إذاً: هكذا يقول تعالى ممتناً علينا: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ [الجمعة:2]، أي: يقرأ عليهم القرآن؛ ليحفظوه ويفهموه، ويعملوا بما فيه؛ فيكملوا ويسعدوا. وَيُزَكِّيهِمْ [الجمعة:2]، أي: يبعدهم عن النجاسات والأوساخ القلبية والبدنية. وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [الجمعة:2]. وهذا صحيح، فعصر الصحابة ما رأت الدنيا أبداً مثله في العلم والحكمة والمعرفة، لا على عهد موسى، ولا على عهد إبراهيم. وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الجمعة:2]. وهذا صحيح، فقد كانوا في ضلال مبين، يعبدون الأصنام، من اللات والعزى ومناة، وما إلى ذلك، ويقتلون البنات، ويفعلون الأعاجيب. فقد كانوا في ضلال كامل، وشرك وكفر، وفسق وفجور، ومع هذا صفوا وطابوا وطهروا تمام الطهر بتزكيته صلى الله عليه وسلم لهم. فقد كان يُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الجمعة:2]. وهذا صحيح. فمن يوم ما مات العلماء من بقايا إسماعيل والعرب يتخبطون في الجهل والشرك والكفر، والعياذ بالله. حتى بعث الله فيهم رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم، فكان يتلو عليهم القرآن، وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ [الجمعة:2]، ويزكيهم في أخلاقهم وآدابهم، فكملوا وسعدوا، وهم أكمل الخلق وأسعدهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ...)

    قال تعالى: وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ [الجمعة:3]. فأصحاب الرسول وأولادهم هؤلاء شاهدوا الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن جاء بعد أولادهم وهم أحفادهم إلى يوم القيامة هم الآخرون الذين جاءوا من بعد رسول الله وأصحابه، وهم الذين عناهم تعالى هنا بقوله: وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ [الجمعة:3]، أي: ما أدركوهم، فالصحابة ماتوا، وأولادهم أصلهم صحابة وقد ماتوا، فجاء أحفادهم، وجاء من بعدهم وما أدركوهم، وما لحقوا بهم، ومع هذا فكل من آمن وعمل صالحاً وكل من علم وعمل بما عمل وكل من زكى نفسه وطيبها وطهرها فهو مع هذه الأمة الطاهرة النقية الزكية، وهو من أهل الجنة، كما قال تعالى: وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ [الجمعة:3].

    ثم قال تعالى: وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الجمعة:3]. والعزيز أي: الغالب الذي لا يمانع فيما يريده، والحكيم أي: في تصرفاته .. في إعطائه ومنعه .. في إرساله الرسول .. في إنزاله الكتاب. وكل ذلك لحكمة، وهي كمال الإنسان وسعادته إن عمل بهذه الحكمة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ...)

    قال تعالى: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ [الجمعة:4]. فالإيمان الصحيح والعمل الصالح مع البعد عن الكفر والشرك والفسق والفجور هذا فضل الله يؤتيه من يشاء، وكذلك من فضل الله الإيمان الصحيح الخالي من الخرافات والضلالات، والأباطيل والتراهات، والإيمان الذي يوافق إيمان رسول الله وأصحابه ولا يخالفهم، وكذلك العمل الصالح المزكي للنفس، وهو ما بينه رسول الله لأمته، وتعبدهم الله به. فهذا فضل الله. فقولوا: اللهم اجعلنا من أهل فضلك. اللهم اجعلنا من أهل فضلك يا ذا الفضل العظيم! اللهم يا ذا الفضل العظيم! اجعلنا من أهل فضلك، وألحقنا بالصالحين من النبيين والصديقين والشهداء في الجنة، يا رب العالمين!

    وقوله: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ [الجمعة:4]، أي: من يشاء الله. والذي يشاء الله أن يؤتيه الفضل هو من طلبه، والذي يقرع باب الله ويلازمه، ويدعو الله ليل نهار أن يهديه، وأن يزكي نفسه، وأن يطيبها، وأن يطهرها يستجيب الله له، ومن أعرض واستكبر وتنكر وحارب دعوة الحق وأعرض عنها فلن يهديه الله. هذه سنة الله عز وجل. فهو يهدي من يشاء، وهم ليسوا البيض أو السود من الناس، وإنما يهدي من طلب الهداية، وقرع باب الله، وقال: رب! اهدني .. رب! أصلحني .. رب! اغفر لي .. رب! ارحمني .. رب! علمني .. رب! هذبني، فيستجيب الله له ويهديه، ومن أعرض أعرض الله عنه. فلا ننسى هذه أبداً. فذلك فضل الله يعطيه من يشاء هو. والذين شاء الله هدايتهم هم الطالبون للهداية، المريدون لها، الباحثون عنها، الذين يسافرون من الشرق إلى الغرب يطلبون الهداية. هؤلاء الذين يهديهم الله، وأما من يُقرأ الكتاب عليه ويُعرض برأسه هكذا ويُنادى باسم الله ولا يستجيب فهذا الذي ما شاء الله هدايته، ولا يهديه أبداً. ومعنى هذا: ألا نفارق سؤال الله أبداً الهداية في الصلاة وفي غيرها. اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا برحمتك شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت اللهم وتعاليت.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات ] الآن مع هداية الآيات:

    [ من هداية ] هذه [ الآيات ] التي تدارسناها:

    أولاً: تقرير التوحيد ] وأنه لا إله إلا الله، أي: لا يوجد من يُعبد إلا الله؛ إذ هو خالق كل شيء، ومالك كل شيء، وبيده كل شيء، فهو الذي يُعبد، ولا يعبد غيره. والتوحيد هو: أن تفرد الله بالعبادة.

    ومن مظاهر العبادة: الدعاء، والرسول يقول: ( الدعاء هو العبادة ). وفي رواية: ( الدعاء مخ العبادة ). ولكن الحديث الصحيح هو: ( الدعاء هو العبادة ). فمن دعا غير الله فقال: يا رسول الله! أو يا فاطمة ! أو يا حسين ! أو يا عبد القادر ! أو يا كذا فوالله إنه قد أشرك، والعياذ بالله، أي: أشرك بالله هذا المخلوق، فرفعه إلى كمال الله عز وجل، ودعاه كما يدعى الله.

    وكذلك من مظاهر العبادة: الحلف. والعامة يحلفون بكل شيء؛ لجهلهم، والعياذ بالله. ومن حلف بغير الله فوالله قد أشرك بالله هذا المحلوف به، ورفعه وجعله مثل الله حتى حلف به، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: ( إن الله ورسوله ينهيانكم أن تحلفوا بآبائكم، ومن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت ).

    وكذلك: هذه النذور عند العوام وخاصة النساء عندما ينذرون ويقولون: يا سيدي فلان! إذا تحقق لي كذا أفعل لك كذا. فهذه النذور كلها عبادة، ولا تصح إلا لله. فلا ننذر إلا لربنا، فنقول: رب! إن فتحت علي بكذا صمت يوم كذا، أو تصدقت بكذا. والله يحب هذا النذر. وأما أن تنذر لمخلوق ميت أو حي فهذا خطأ.

    إذاً: من هداية هذه الآيات: تقرير التوحيد، أي: أنه لا يعبد إلا الله، وأن الله ذو الجلال والكمال، أي: متصف بصفات الكمال والجلال، لا عيب فيه ولا نقص أبداً، بل هو القدوس العزيز الحكيم.

    [ ثانياً ] من هداية هذه الآيات التي تدارسناها: [ تقرير النبوة المحمدية ] فوالله إن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب لرسول الله، فقد قال تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ [الجمعة:2]. وهو محمد. فالآيات تقرر أن محمداً رسول الله.

    [ ثالثاً: بيان فضل الصحابة على غيرهم ] وهذه حقيقة. فلا يوجد من هو أفضل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قال تعالى: وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ [الجمعة:3]. فهم ما يلحقونهم. فالصحابة أفضل هذه الأمة. ولهذا من يسب صحابياً -والعياذ بالله- هلك، ومن يطعن في صحابي أو ينتقده يهلك، ومن كفر صحابي كفر وخرج من الإسلام. فقد دلت الآية على فضل الصحابة، فقد قال تعالى: ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ [الجمعة:4].

    [ رابعاً ] وأخيراً: [ شرف الإيمان والمتابعة للرسول وأصحابه رضي الله عنهم ] وشرف من يمشي وراءهم، ويقتدي بهم، ويعبد الله كما عبدوه، ويطيع الله كما أطاعوه، ويعلم مثل ما علموا وعملوا، فيكون مثلهم بإذن الله. وهذا هو فضل الله.