إسلام ويب

تفسير سورة التحريم (3)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من رحمة الله عز وجل وعظيم حكمته أنه سبحانه يخرج الحي من الميت، ويخرج المؤمن من كنف الكافر، وعكسه صحيح، وقد ضرب الله مثلاً لهذا وذاك بامرأة نوح وامرأة لوط وامرأة فرعون، فقد كان نوح ولوط نبيين ورسولين لكن زوجتيهما لم يدخل نور الإيمان قلبيهما فبقيتا على الكفر والضلال، وأصابهما ما أصاب الظالمين من قومهما، أما فرعون الذي امتلأ قلبه ظلمة وفجوراً فقد أخرج الله من بيته امرأة مؤمنة، فنجاها الله من فرعون وعمله وأسكنها جنته بفضله ورضوانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: ها نحن مع خاتمة سورة التحريم المدنية المباركة، ومع هذه الآيات الأربع، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ * وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ [التحريم:9-12].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جلّ ذكره: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [التحريم:9]، هذا النداء الإلهي موجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يشمل من يحكم المسلمين ويسوسهم، فهو كذلك يجب عليه أن يقوم بهذا الواجب. فهذا الخطاب موجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام كان يجاهد، فإذا توفاه الله فمن حلّ محله وقام مقامه من حكام المسلمين يطالبون بهذا الطلب، وكذلك فعلوا، فقد جاهد أبو بكر وجاهد عمر، وجاهد عثمان وجاهد علي، وجاهد الأصحاب وأبناؤهم حتى انتشر الإسلام في العالم، وقد فعلوا هذا امتثالاً لقوله تعالى: جَاهِدِ الْكُفَّارَ [التحريم:9].

    معنى الكافر

    الكفار جمع كافر، وهو الجاحد إما لألوهية الله كمشركي العرب، وإما لربوبيته كالملاحدة والعلمانيين، وإما لرسوله صلى الله عليه وسلم، وإما لشرعه ودينه. فكل جاحد كافر، ولو جحد أحد السامعين وقال: إن محمداً ليس برسول كفر، ولو جحد أن هذه الآيات ليست من كلام الله كفر، وهكذا. فكل من جحد من شرع الله شيئاً فهو كافر؛ لأن الكفر هو: الجحود والتغطية. وعندنا اليوم في السيارة نسمي العجلة: الكفرة؛ لأنها تغطي ما بداخلها. فكل من جحد ما شرع الله فهو كافر جاحد مغطٍ للحق.

    كيفية جهاد المنافقين

    قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ [التحريم:9]. والمنافقون هم الكفار، وهم معروفون من اليابان إلى أمريكا، والمنافقون يكونون موجودين بيننا، ويدعون أنهم مسلمون، ويقولون: إننا مسلمون، وقد يشهدون معنا الصلاة والجهاد، وهم ما آمنوا بالله ولا بلقائه، وما آمنوا بالله ولا برسوله، ولا آمنوا بالله ولا بشرعه. وهؤلاء المنافقون كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه المدينة، وكانوا من العرب واليهود، وكانوا يدعون الإسلام، فأمر الله رسوله أن يجاهدهم بأن يبذل الطاقة والقدرة على هدايتهم، وردهم إلى الصواب والرجوع بهم إلى الإيمان والإسلام، وأن يقيم الحدود عليهم في المدينة، ويغلظ لهم القول، ولا يلينه لهم أبداً؛ لعلهم يرجعون ويتوبون، وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووالله ما قصر في هذا، فقد امتثل أمر الله وفعل.

    نصيحة لحكام المسلمين أن يتوحدوا

    يبقى على المسئولين على الأمة الإسلامية أنه يجب عليهم أن يجتمعوا في الروضة الشريفة، أو يجتمعوا في الكعبة المكرمة، وهم ثلاثون شخصاً أو أربعون، ويبايعون إماماً منهم؛ ليكون إماماً المسلمين، ويقدم لهم الدستور الإسلامي الجامع للعقيدة والآداب، والأخلاق والعبادات والأحكام، ويطبقه المسلمون في بيوتهم وفي بلادهم، ومن ثمّ يصبحوا أمة قوية قادرة، ثم يخاطبون الدولة الكافرة ويقولون: تدخلون في الإسلام أو نقاتلكم، فإن لم تدخلوا في الإسلام فاسمحوا لنا أن ندخل دياركم، وننشر الإسلام بين أفرادكم، فإن قالوا: نعم، فندخل ولا نقاتلهم، وإن رفضوا وقالوا: لا نريد الإسلام ولا من يقول به عندنا فحينئذٍ يعلن الحرب عليهم ويقاتلون؛ حتى يسلموا ويستسلموا. هذا هو الواجب.

    الواجب على المسلمين اليوم الدعوة لا الجهاد

    من لطائف العلم: أننا في هذه الظروف لو اجتمع المسلمون فلا يقاتلون الكفار؛ لأن بلاد الكفار مفتوحة للإسلام من اليابان والصين إلى أمريكا وأوروبا، فالمساجد والدعوة إلى الله موجودة فيها، والناس يدخلون في الإسلام والله العظيم. وفرنسا فيها ثلاثة آلاف مسجد، وبريطانيا فيها كذا، وحتى إيطاليا، وحتى أسبانيا التي حاربت الإسلام ومسحته.

    فالواجب إذاً: أن تتكون لجنة عليا من العالم الإسلامي، وتفتح كلية في المدينة النبوية أو في مكة المكرمة، وتضع منهجاً خاصاً لتعليم الدعوة ونشرها، ويتخرج الطالب منها بعد سنتين فقط، وتنشر المسلمين الدعاة في العالم بأسره. ونفقة هذه اللجنة ومالها تجمعه من زكاة المسلمين. فيعلنون أيما مؤمن أو مؤمنة وجبت عليه الزكاة فعليه أن يعلم أن سبعها يجب أن يقدم لهذه اللجنة، ويعلن هذا في بلاد المسلمين في الشرق والغرب، فمن وجبت عليه زكاة فسبعها يضعه في صندوق الدعوة، وبذلك نصبح قادرين على أن نرسل الآلاف من الدعاة في الشرق والغرب بلغات متعددة، ونكون قد أدينا هذا الواجب، وجاهدنا الكفار، وأدخلناهم في الإسلام، ويدخلون في الإسلام. وننشر هذا في رسالة. ولكنهم ما فعلوا شيئاً. فيجب أن يتحد المسلمون، وأن يبايعوا إماماً لهم، وأن يطبقوا شرع الله في دستور يقدم لهم، وإذا كانوا جهلاء ما يعرفون فقد بينا الدستور وكتبناه، وبينَّا ماذا فيه، فيقدم لهم ويطبقونه على إخوانهم المسلمين. وما هي إلا أربعين يوماً وإذا أنوار الله تلوح في العالم الإسلامي، ثم يفتح الله الباب ويدخل المسلمون بلاد الكفر، ويدعون إلى الله، ويبنون المساجد، ويدخل الناس في الإسلام نساء ورجالاً. وقبل أمس صلينا على بريطاني مات في المدينة.

    إذاً: على الرابطة والندوة الإسلامية أن يكونوا لجنة عالمية إسلامية، فتجمع سبع الزكاة من كل مؤمن ومؤمنة في كل قرية وفي كل حي، ويجب على المسلمين أن يدفعوا هذا السبع، وينشئون كلية تشتمل على ألف طالب إلى خمسمائة، ويتخرج كل عامين مجموعة، ويبعثون بهم على نفقاتهم إلى الصين .. إلى اليابان .. إلى الأمريكيتين، وبذلك نكون قد خلفنا رسول الله، وقمنا بما كان يقوم به رسول الله.

    هكذا يقول تعالى هنا: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [التحريم:9]. فمأواهم الذين يأوون إليه ويصيرون إليه بعد موتهم والله جهنم. فـ بِئْسَ الْمَصِيرُ [التحريم:9] جهنم يصير إليها الإنسان الآدمي، أي: أن يدخل جهنم، ويخلد فيها أبداً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط...)

    قال تعالى: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ [التحريم:10]. فيا أهل مكة! اسمعوا هذا، ولا تقولوا: نحن أقرباء محمد، وأن هذا عمه، وهذا ابن خاله، أو هذا ابن خالتي، وسندخل الجنة بالقرابة، فقد بين تعالى أن القرابة ما تنفع، وضرب لهذا هذا المثل العجيب، فقال: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ [التحريم:10]. فامرأة نوح كانت كافرة، وامرأة لوط كانت كافرة والله العظيم، فما نفع نوح امرأته ودخلت الجنة، ولا نفع لوط امرأته ودخلت الجنة، فهذا والله ما كان، بل إنهما في جهنم، ولذلك قال تعالى: اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ [التحريم:10]. ألا وهما نوح ولوط عليهما السلام، فكانتا تحتهما فَخَانَتَاهُمَا [التحريم:10]، أي: خانت امرأة نوح، فقد كانت تنشر الباطل، وتحرش وتحرض عليه، وتقول للأعداء ما تقول، وتسب نوحاً أمامهم. وامرأة لوط كانت في الليل تعلن بالنار، فكانت تشعل النار في الليل؛ حتى يعرف المجرمون أن في بيت لوط ضيوفاً فيأتونه، وإذا كان الضيف في النهار فكانت تدخن الدخان؛ حتى يشاهدوه، وتعلمهم بذلك أن ضيفاً أو ضيوفاً في بيت لوط، فأتوا إليهم؛ لتفجروا بهم، هذه هي خيانتها. ففي النهار كانت تدخن الدخان؛ لأن النار ما تنفع في النهار.

    هذا معنى قوله: فَخَانَتَاهُمَا [التحريم:10]، أي: خانتا نوحاً ولوطاً. فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا [التحريم:10]. وهذا مثل عجيب، فلا يبقى من يقول: أنا أبي مؤمن .. أبي مسلم .. أبي كذا، وسأدخل الجنة مع أمي وأبي، أو أن تقول امرأة: زوجي رجل صالح، فهذا ما ينفع، فقد ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ [التحريم:10]. والعبد الصالح هو الذي آمن بالله ولقائه، وعبد الله بما شرعه له، وبذلك يصلح ولا يفسد أبداً. والعبد الفاسد هو الكافر بالله ولقائه، والذي يعيش على غير منهج الحق، وهداية الرب فيما يشرع ويبين.

    ويروى أن اسم امرأة لوط والهة، وامرأة نوح واغلة، وغير مهم اسميهما. وقد قال تعالى: فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا [التحريم:10] أبداً، بل عذبهما الله في جهنم عذاباً أبدياً، فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ [التحريم:10] لهما يوم القيامة: ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ [التحريم:10]. فلا تقول: هي امرأة نبي الله ورسوله، فلن تعذب. فلا يقبل هذا.

    وقد عرفتم أن السر في ذلك هو قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]. فكن ابن من شئت، أو كن أباً لمن شئت، أو كوني امرأةً لمن شئتِ، فليس العبرة في هذا أبداً، بل العبرة بزكاة نفسك وطهارتها، فإن زكت النفس وطابت وطهرت وأصبحت كأرواح الملائكة فهذه يقبلها الله في الملكوت الأعلى، وتجاوره في الجنة دار النعيم، وإذا كانت خبيثة منتنة عفنة ممتلئة بأوضار الشرك والكفر والذنوب والآثام فوالله ما تدخل الجنة. هذه هي الحقيقة.

    ولا بأس أن نقول: إذا كان الأب صالحاً والابن معه بعض الضعف في الصلاح فالله عز وجل يلحقه بأبيه، ولا بأس، وإذا كان الابن فيه ضعف وليس من أولياء الله الحق فالله عز وجل إذا أدخله الجنة يلحقه بأبيه، وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الطور:21]، واتبعناهم بهم، فيؤمنوا كما آمن آباؤهم، ولكنهم فيهم ضعف في العبادة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وضرب الله مثلاً للذين آمنوا امراة فرعون...)

    قال تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا [التحريم:11]. ومثل الذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط، والآن امرأتان مؤمنتان، وهما امرأة فرعون ومريم، فقال تعالى: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ [التحريم:11]. وهي آسية بنت مزاحم عليها السلام، إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [التحريم:11]. وهم الأقباط. وقالت هذا لما حكم بقتلها؛ إذ لم تستجب له ولم تطعه، فذكر ذلك لرجاله، فقالوا: اقتلها، فربط رجليها في حبل ويديها في حبل، وأراد أن يطلق عليها صخرة من مكان عالٍ، فدعت ربها فتحت رأسها وإذا بها والله ترى قصرها في الجنة، فضحكت، فأطلقوا الصخرة وهي ميتة، فقبل أن يطلقوها فاضت روحها. هذه آسية بنت مزاحم امرأة فرعون الجبار الطاغية، فقالت: رَبِّ [التحريم: 11]! أي: يا رب! ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ [التحريم:11]. فنجاها. وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [التحريم:11]. وقد أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم أنها رفعت رأسها فرأت قصرها في الجنة فضحكت، وماتت وهي تضحك.

    وقولها: وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [التحريم:11]، هم الأقباط المجرمين الذين كانوا مع فرعون. فاستجاب الله لها ونجت ونجحت. وفرعون زوجها لا يدخل الجنة معها، لأن امرأته دخلت الجنة، فهو ما يدخل، كما أن امرأة نوح لا تدخل الجنة، لأن نوحاً يدخل الجنة. ففرعون ما يدخل أبداً؛ لأن العبرة بأن تزكي نفسك يا عبد الله! وتطهرها بالإيمان وصالح الأعمال، وإبعادها عن الشرك والفتنة والضلال، وبذلك تكون أهلاً للجنة دار السلام.

    فقوله تعالى هنا: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ [التحريم:11]! أي: يا رب! ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنَ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ [التحريم:11]. وعمل فرعون هو الكفر، والعياذ بالله، فقد كان يأمر الناس بعبادته، فكان يلزم امرأته بعبادته فأبت أن تعبده، فاشتكى إلى الرجال، فقالوا: اقتلها ما دامت رفضت عبادتك.

    ولما دعت وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [التحريم:11] استجاب الرحمن لها ونجاها، وما زال الله يستجيب لأوليائه من المؤمنين والمؤمنات، وينجيهم من كل كرب وهمٍ وغم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها ...)

    قال تعالى: وَمَرْيَمَ [التحريم:12]. هذا المثل الثاني. ومريم بنت عمران عليها السلام هي أم عيسى عليه السلام. ومريم بمعنى: أمة الله، وهي أم عيسى عليه السلام.

    فقال تعالى: وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا [التحريم:12]. فهي والله ما زنت، ووالله ما وطأها فحلٌ أبداً، لا بالزواج ولا بالزنا. وهي قد أحصنت فرجها وحفظته وصانته؛ لأن الزنا من أكبر الفواحش ومن أكبر الذنوب والآثام، وصاحبه ما يفلح أبداً، سواء كان امرأة أو رجلاً.

    ومعنى: أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا [التحريم:12]، أي: حفظته وصانته، فما زنت ولا فجرت ولا تزوجت أبداً، بل أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ [التحريم:12]، أي: في فرجها مِنْ رُوحِنَا [التحريم:12]. والذي نفخ فيه هو جبريل عليه السلام المعروف بالروح الأمين، والروح جاء بها من عند الله؛ لأن الله جمع الأرواح كلهم من ظهر آدم. والآن إذا بلغ الولد في بطن أمه أربعة أشهر يأتي الملك بالروح وينفخها في جسمه، وهي كذلك جاء جبريل بالروح ونفخها في كم درعها، وما دنا منها ولا نجسها، بل نفخ في الكم، فسرت النفخة في جسدها على الفور، وتخلق عيسى على الفور، وبعد ساعة ولدته، وهذه آية من آيات الله. فقال تعالى: وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا [التحريم:12]. فيا نساء المؤمنات! اقتدين بـمريم، وائتسين بها، فلا فجور ولا زنا، وابتعدن عن موجباته ومقتضياته من الأغاني والمزامير، ومشاهدة الرجال والفحول على التلفاز، وسماع كلامهم، والخروج إلى الشوارع، والنظر إليهم. فهذه عوامل الزنا، فابتعدن عنها يا مؤمنات! والزمن بيوتكنّ، واعبدنّ ربكنّ، وما هي إلا أيام وأنتنّ في دار السلام. فائتسين بـمريم، واقتدين بها، فقد قال تعالى عنها: وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ [التحريم:12]. فقد صدقت بما أخبر تعالى به، وصدقت بكتب ربها التي أنزلها من التوراة والإنجيل والزبور، وحتى القرآن قبل ما ينزل، فهي مؤمنة. وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ [التحريم:12]. ولم يقل: من القانتات، بل قال: مِنَ الْقَانِتِينَ [التحريم:12]؛ لأن الرجال أولاً، والنساء يذكرن معهم. والقنوت: العبادة والإذعان لله تعالى والطاعة الكاملة. فالقانت: المطيع العابد. هذا هو القانت، والقانتة كذلك، ومريم كَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ [التحريم:12].

    اللهم ألحقنا بهم مؤمنين صادقين، اللهم ألحقنا بهم صالحين ربانيين.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات ] الآن مع هداية الآيات:

    [ من هداية ] هذه [ الآيات:

    أولاً: وجوب الجهاد في الكفار بالسيف، وفي المنافقين باللسان، وعلى حكام المسلمين القيام بذلك؛ لأنهم خلفاء النبي صلى الله عليه وسلم في أمته ] فقد فعل ذلك رسول الله، وامتثل أمر ربه، وفعل ذلك خلفاؤه. والمسئولون في العالم الإسلامي مطالبون بهذا إلى اليوم. وقد قلت لكم: لا حاجة إلى السيف والجهاد اليوم، ولا المدفع ولا الصاروخ؛ لأن الكفار فتح الله أبواب بلادهم، فتفضلوا. وإذا منعوا وطردوا المؤمنين وقالوا: لن يدخل أحد، ولا نقبل إسلاماً، فهنا يتعين علينا جهادهم، وأما والأبواب مفتوحة، فعجلوا أيها المؤمنون! فاجمعوا مليارات الدنانير، وابعثوا بالعلماء الربانيين بالآلاف في الشرق والغرب؛ حتى تؤدوا هذا الواجب.

    [ ثانياً: تقرير مبدأ لا تزر وازرة وزر أخرى ] ولا تحمل نفس مذنبة ذنب أخرى أبداً [ فالكافر لا ينتفع بالمؤمن يوم القيامة ] فالذنب الذي أصبته في قلبك ما ينتقل إلى أمك ولا إلى زوجتك ولا إلى أخيك أبداً، ولا تحمل أنت ذنب آخر أبداً، بل كل من أذنب ذنباً يتحمله. وكيفية تحمله كما عرفتم: أن نفسه تخبث وتنتن وتتعفن، فيكذب ويفجر، ويخون ويغش، ويزني ويفجر، وهكذا؛ وهذا لظلمة نفسه، والعياذ بالله. فإذا كان كذلك فلا يضر ذلك أباه ولا أمه ولا إخوانه أبداً، وإذا طابت نفسه وزكت وطهرت وكان أبوه خبيثاً منتناً أو أمه فلا ينتفعون بذلك أبداً. فلا تزر وازرة وزر أخرى. وهذه امرأة نوح وامرأة لوط في جهنم، وهما امرأتان لنبيين ورسولين. وهذه مريم وآسية لم تتأذيا بما نسب إليهما.

    [ ثالثاً: المؤمن لا يتضرر بالكافر ] فما دمت مؤمناً طيباً طاهراً ما يضرك زوجتك كافرة، أو أبوك الكافر، أو أخوك أو كونك في بلاد الكفر أبداً. فالمؤمن الصادق لا يتأذى ولا يتضرر بكافر بنص هذه الآية الكريمة، فلم تتأذ آسيا بزوجها فرعون [ ولو كانت القرابة روحية نبوة أو إنسانية، أو أبوة، أو بنوة، فإبراهيم لم يضره كفر آزر ] فإبراهيم عليه السلام أبوه كافر ومن أكبر الكفار، والعياذ بالله، ولم يتأذ به. فـآزر من أقبح الكفار وأسوئهم، وابنه إبراهيم عليه السلام ما تأذى به [ ونوح لم يضره كفر كنعان ابنه ] فقد كان كنعان بن نوح كافر من بين أولاده، ولم يتأذ نوح من كفر ولده [ كما أن آزر وكنعان لم ينفعهما إيمان وصلاح الأب والابن ] ولكن ما ننسى درس البارحة، وهو: أن علينا أيها المؤمنون! أن نربي أولادنا وأزواجنا على الإسلام؛ لقوله تعالى: قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا [التحريم:6]. فعليك أن تؤدب زوجتك، وأن تصلحها، وأن تربي أولادك على الإسلام، وترعاهم حتى يسلموا، ويؤمنوا ويدخلوا الجنة.

    قال: [ هذا وقرابة المؤمن الصالح تنفع المؤمن دون الصالح؛ لقوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الطور:21] ] وقد بينت لكم هذا، وهو أن يكون الولد أقل إيماناً وأقل صلاحاً من والده، فيدخل الجنة، فيرفعه الله إلى أبيه، وينزل معه في مكانٍ واحد، كما قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الطور:21].