إسلام ويب

تفسير سورة التحريم (2)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن من صفات المؤمنين الصادقين أنهم يحرصون على مرضاة ربهم، ويجتنبون ما يسخطه ويعرضهم لنقمته، فهم يقون أنفسهم من عذابه وناره، ولا يكتفون بأن يصلحوا في أنفسهم بل ويصلحون أهليهم وذرياتهم، كما أن الواحد منهم إذا وقع في ذنب أو معصية سارع إلى التوبة والندم، وعزم على الإقلاع وعدم العود في ذلك، وبهذا يستحقون الكرامة عند الله، والفوز بجنانه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد: ها نحن مع سورة التحريم المدنية المباركة، ومع هذه الآيات، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التحريم:6-8].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جلّ ذكره: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6]. هذا النداء الإلهي أحد النداءات الإلهية الموجهة إلى أهل الإيمان بالله ولقائه، والإيمان بالله ورسوله، والإيمان بقضائه وقدره، فيا من آمنتم بالله رباً، وبمحمدٍ رسولاً، وبالإسلام ديناً، ويا أيها المؤمنون! إنكم أحياء بإيمانكم، فاسمعوا ما يأمركم الله به. قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [التحريم:6]! فلنقل: لبيك اللهم لبيك، فهو يقول لنا: قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا [التحريم:6]، أي: اجعلوا بينكم وبين أنفسكم وأهليكم وقاية، تقيكم من عذاب الله.

    وقوله: قُوا أَنفُسَكُمْ [التحريم:6]، أي: احفظوها وقوها، واجعلوا بينها وبين النار وقاية؛ حتى ما تدخلونها، فـ قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ [التحريم:6]. والمراد من الأهلين الزوجة والولد، والزوجات والأولاد، فهم الأهل من بنين وبنات. فهنا يطلب الله تعالى منا أن نقي أنفسنا وأهلنا من عذاب النار، ونقيهم منها بالإيمان وصالح الأعمال، وبالابتعاد عن الشرك والفسق والفجور، وأن نقيهم بالعمل الصالح، وترك العمل الفاسد؛ إذ النفس البشرية تزكو وتطيب وتطهر بالإيمان والعمل الصالح، وتخبث وتتعفن بالشرك والمعاصي.

    وهذا النداء الكريم موجه إلى المؤمنين؛ لأنهم أحياء يسمعون ويعون، فيناديهم ربهم بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا [التحريم:6]، أي: احفظوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا [التحريم:6] من النار، وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6]، وليس فيها حطب ولا خشب ولا فحم، بل فقط البشر الكافرين والأصنام التي كانوا يعبدونها.

    بيان كيف نقي أنفسنا وأهلنا من النار

    نقي أنفسنا من النار كما هو مبين في كتاب ربنا وعلى لسان رسولنا بالإيمان الصحيح، وبالعمل الصالح النافع، وبالبعد عن الشرك والذنوب والآثام، فلا توق النفس إلا بهذا يا عبد الله! فآمن حق الإيمان، واعمل الصالحات التي أوجبها الله وفرضها عليك، وابتعد عمّا يغضب الله من الشرك والكفر، والذنوب والآثام؛ حتى تكون نفسك زكية طاهرة، وبذلك تكون قد وقيتها من عذاب النار.

    ونقي أهلنا بأن نعلمهم الإيمان وصالح الأعمال، ونحثهم على ذلك، ونحضهم عليه، ونوصيهم به وصية عند الموت، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كانت عائشة نائمة يأتي بالماء ويرش وجهها بالماء؛ لتستيقظ لتصلي.

    إذاً: يجب أن نطبق هذا الأمر، وأن نقي أنفسنا وأهلينا من النار، وذلك بالإيمان وصالح الأعمال، والبعد عن الشرك والذنوب والآثام، ونقي أولادنا وأزواجنا بتعليمهم .. بتربيتهم .. بتوجيههم .. بإنكار المنكر عليهم .. بأمرهم بالمعروف، ولا نهملهم ولا نضيعهم، ولنعلم أننا مسئولون عنهم. فيجب أن نقيهم من عذاب النار. ولا أحد يسره أن يحترق ولده أو تحترق زوجته. إذاً: فلا يجوز إهمالهم أبداً، فلا نهمل أنفسنا، ولا نهمل أولادنا وأزواجنا.

    بيان ما به تزكو النفس

    الإيمان والعمل الصالح بهما تطيب النفوس وتطهر، الشرك والذنوب والآثام بهما تتدسى النفس وتنتن وتتعفن، ولا تنسوا دائماً ذلك الحكم الإلهي، وهو قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]. ولا أحد يعقب على الله. فكن ابن من شئت، أو أباً لمن شئت، فإذا لم تزك نفسك وتطيبها وتطهرها والله ما تدخل الجنة دار السلام، وقد علمنا أن آزر أبا إبراهيم في جهنم، ولم ينفعه أن ولده نبي ورسول وأبو الأنبياء. فهذه هي الحقيقة، وهي: أنه قد أفلح من زكى نفسه، وطيبها وطهرها بأدوات العلم وصالح الأعمال، وبإبعادها عن الشرك والذنوب والآثام، حتى يتوفاه الله ونفسه طاهرة زكية. هذا الذي أفلح، وفاز بالنجاة من النار ودخول الجنة دار الأبرار. ومن دساها وخبثها وعفنها وصبّ عليها أطنان الذنوب والآثام حتى تعفنت وأصبحت مظلمة منتنة فلا يرضى الله عنها، ولا يدخلها الجنة مع الأبرار أبداً. ولذلك قال تعالى هنا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا [التحريم:6] الذي تتقد به، وليس هو حطب ولا خشب، ولا فحم ولا بنزين، ولا غير ذلك، ولكن وقودها الكافرون المشركون وأصنامهم التي كانوا يعبدونها، كما قال تعالى: وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6].

    معنى قوله تعالى: (عليها ملائكة غلاظ شداد ...)

    قال تعالى: عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6]، أي: على هذه النار سدنة وخزنة، وعددهم تسعة عشر زابناً، وهذا الزابن أو الخازن المسئول ( ما بين كتفيه مسيرة عام ). وهذا حديث صحيح، وفي حديث آخر: ( ما بين كتفيه كما بين المشرق والمغرب ). وأقول الآن: من أقصى الشرق إلى أقصى المغرب مسيرة سنة، ويمكننا أن نجرب هذا بأن نقيس المسافة من أمريكا إلى المدينة كم شهراً، ثم من المدينة إلى الصين، ثم من الصين إلى اليابان، وسنجد أن ما بين كتفي الزابن من الزبانية التسعة عشر كما بين المشرق والمغرب، أي: مسيرة سنة.

    وقوله: عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ [التحريم:6] القلوب، ولا رحمة في قلوبهم أبداً، بل هم يعذبون ويحرقون بالنار، ولا رحمة في قلوبهم. فهم شِدَادٌ [التحريم:6] أقوياء صعاب، والقوة في أيديهم، ويفعلون ما يستطيعون. والذي نصبهم على النار ووظفهم فيها هو الله، فهو الذي قال: عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ [المدثر:30]. وهم لا يَعْصُونَ اللَّهَ [التحريم:6] أبداً مَا أَمَرَهُمْ [التحريم:6]. فإذا قال لهم: أدخلوا فلاناً النار فيدخلونه ويحرقونه، ويقول لهم: صبوا عليه العذاب فيصبون عليه، فهم ما يعصون الله أبداً، كما قال تعالى: لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [التحريم:6]. وإذا لم يأمرهم الله بعذاب شخص ما يعذبونه، بل لابد لهم من طاعة الله وأمر الله.

    وهذا النداء لنا أيها المؤمنون! فقولوا: الحمد لله، ولنؤمن بالله، ولنبتعد عن معاصي الله، فنكون أهلاً لهذا النداء المبارك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم ...)

    غيرنا من الكفار خلقهم الله ورزقهم، وهو يناديهم تعالى فيقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا [التحريم:7]! ولكن هذا النداء اليوم ليس كنداء المؤمنين والمؤمنات، بل هذا وهم عند باب جهنم، وهم يعتذرون: رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا [الأحزاب:67]. فيقول: لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ [التحريم:7]. وما شرفهم بالنداء في الدنيا أبداً، بل كان الشرف بالنداء هو الذي فاز به المؤمنون، وهذا في تسعة وتسعين نداء في القرآن الكريم.

    وهنا يقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا [التحريم:7]! ومعنى كفروا: جحدوا وغطوا. والكفر هو: التغطية والجحود. وهم كفروا بالله، وما آمنوا به رباً وإلهاً، أو آمنوا به رباً ولم يؤمنوا به إلهاً، أو آمنوا بالله وما آمنوا بشرعه ولا برسوله، أو آمنوا برسوله ولم يطيعوه ولم يحبوه، أو آمنوا بالشرع ولم يعملوا به، فهم بذلك كفرة، فهم قد غطوا الشرع وستروه وجحدوه، ولذلك قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ [التحريم:7]، ولا يقبل لكم عذر أبداً، وهذا عندما يعتذرون يوم القيامة، فيقال لهم: إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [التحريم:7]. وقد كان يعمل الكافرون اليوم كما نشاهدهم ونراهم هو الظلم والفسق، والفجور والشرك، والباطل والموبقات، وكل الخبائث يعملونها، ويجزون بها، كما قال تعالى: تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [التحريم:7]. ولو آمنوا وعملوا الصالحات وابتعدوا عن الشرك والذنوب والمعاصي والآثام لزكت نفوسهم، ولطابت وطهرت، وأصبحوا أهلاً لأن يدخلوا الجنة دار النعيم المقيم، ولكن ما داموا كفروا وجحدوا وتنكروا ورفضوا وما قبلوا، وحاربوا رسول الله وحاربوا أولياء الله، وما استجابوا أبداً حتى ماتوا على الشرك والكفر، والذنوب والآثام، فهؤلاء مصيرهم أنهم يحاولون أن يعتذروا ولا يقبل الله عذرهم. بل إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ [التحريم:7]. ونحن ما ظلمناكم أبداً، وما نجزيكم إلا بعملكم، ولما كان عملكم كفراً وشركاً وذنوباً وآثاماً وظلماً والعياذ بالله فستجزون بذلك، كما قال تعالى: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ [الزخرف:76]. فما ظلمهم الله، ولكن يجزون بما كانوا يعملون، فربك لا يظلم أحداً أبداً، بل يجزيهم بعملهم وكفرهم، وشركهم وفسقهم وفجورهم، وهذا هو سبب ظلمة نفوسهم ونتنها وعفنها، فهم ليسوا بأهل أن يجاوروا الله والملائكة والنبيين في دار السلام، وما هم أهل لذلك، فهم في عفن ونتن، فهم لا مصير لهم إلا عالم الشقاء جهنم وبئس المصير.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحاً...)

    تفضل الله علينا بنداء ثانٍ والحمد لله أيها المؤمنون ويا أيتها المؤمنات! فالرب يناديكم، ووالله لولا إيمانكم ما ناداكم، ولا كنتم أهلاً لذلك، ولكن هذا بسبب الإيمان يا من آمنتم بالله رباً، وبمحمدٍ رسولاً، وبالدار الآخرة حق، وبالعمل والجزاء على العمل، فيا أيها المؤمنون الصادقون! يدعوكم ربكم ويقول لكم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [التحريم:8]! فلنقل: لبيك اللهم لبيك. تُوبُوا إِلَى اللَّهِ [التحريم:8]. فهيا نتوب، أي: نرجع. فمن انحرف منا شبراً واحداً فيجب أن يرجع، ومن بعد ميلاً فيجب أن يرجع، ومن بعد إلى أميال فيجب أن يعد توبة، فـ تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا [التحريم:8]. وليست توبة فيها الشك، بأن يتوب اليوم ويفسق غداً، أو يتوب الليلة وغداً يفجر ويكفر، بل توبة نصوحاً.

    معنى التوبة النصوح وما يلزم لتحقيقها

    قال العلماء في تفسير التوبة النصوح ستة عشر قولاً، أجودها وأحسنها: أن التوبة النصوح هي التي لا يعود صاحبها إلى الذنب أبداً، كما لا يعود الحليب في الضرع، فإذا حلبنا اللبن من الضرع فمستحيل أن يعود إليه. وإذا خرج اللبن من الضرع فوالله ما يعود. وكذلك صاحب التوبة النصوح والله ما يعود إلى ما تاب منه وابتعد عنه أبداً كيفما كانت الأحوال. هذه هي التوبة النصوح.

    ولازمها: أن يتقي العبد الله، فيفعل ما أمره بفعله، ويترك ما أمره بتركه، ويتعلم ذلك ويعرفه، حتى يستطيع أن يتقي الله، وأن يزكي نفسه، وأما الجهلة أما الذين لا يعرفون ما أحلّ الله فلا يمكنهم أن يأكلوا ما أحل الله، وهم لا يعرفون ما حرم، ولا يمكنهم أن يتركوا ما حرم، وهم لا يعرفون ما أوجب، ولا أن يفعلوا ما أوجب، بل لابد من العلم. ووالله الذي لا إله غيره أنه لابد لكل من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله أن يتعلم، وإلا لما أمكنه أن يغتسل، ولا أن يتوضأ، ولا أن يبر والديه، ولا أن يتكلم بالخير، ولا أن يفعل المعروف، ولا أن يؤدي الواجبات، ولا أن يتجنب المنهيات. بل لابد من العلم، وقد قال الرسول في كلماته الخالدة: ( طلب العلم فريضة على كل مسلم ). فطلب العلم فريضة مفروضة على كل مسلم، وأخته تابعة له. وهذا العلم ليس علم الصناعة ولا السلاح، ولا الزراعة ولا السحر ولا الدجل، بل هذا العلم هو أن تعرف ما يحبه الله فتفعله، وتعرف ما يكره الله فتتركه فقط. ومحاب الله ومكارهه لا توجد والله إلا في كتابه القرآن العظيم، فجميع ما يكره الله وحرمه موجود في القرآن والسنة النبوية، ورسول الله فسّر ذلك وبينه.

    إذاً: فالعلم قال الله وقال رسوله، والعلم مصدره الكتاب والسنة. وهذا شأن السلف الصالح. اللهم اجعلنا منهم. فعلينا أن نعبد الله بما شرع لنا عبادته في كتابه، وبينها لنا رسوله صلى الله عليه وسلم، ونجتنب النظرة المحرمة، والكلمة الباطلة التي حرمها الله، وحرمها رسوله صلى الله عليه وسلم. وباب التوبة مفتوح لا يغلق حتى تغرر الروح في الحشرجة، وهنا يغلق باب التوبة. فعلى من هو مذنب ذنباً أن يتوب منه، ويتخلص منه بتوبة صادقة، وهو عازم على أن لا يعود إلى هذا الإثم أبداً. وهنا تكون توبته حقاً توبة نصوحاً. فكلما ذكر ذنبه الماضي يستغفر الله ويندم عليه. وهكذا يكرمنا ربنا، فله الحمد وله المنة.

    ثواب التوبة النصوح

    ينادينا ربنا بعنوان الإيمان، فيقول: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [التحريم:8]. و عَسَى [التحريم:8] واجب في القرآن. فإذا نسب لفظ عسى إلى الله فهو بمعنى الوجوب، أي: وجب إن أنتم آمنتم واتقيتم وأطعتم ربكم وما عصيتم، فربكم يقضي لكم بأن يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [التحريم:8]. فأولاً: تكفير السيئات ومحوها. وذلك بعدما طابت النفس وطهرت، ثم يدخلون الجنة. وأنت ما تدخل المسجد حتى تتوضأ وتغتسل، وكذلك الجنة أولاً يمحو الله السيئات ثم يدخل عبده الجنة، كما قال تعالى: عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [التحريم:8]. وربنا هو الله، فهو خالقنا ورازقنا، وخالق الأكوان والعوالم كلها، ورافع السموات فوقنا، وباسط الأرض تحت أرجلنا، وهو الذي به نسمع ونبصر، وبه نقول وننطق، وهذا هو الله جلّ جلاله، ذو الأسماء الحسنى والصفات العلى، فله مائة اسم إلا اسم واحد. هذا هو الله ربنا، أي: خالقنا ورازقنا، ونحن مخلوقون ومرزوقون، وهو الذي خلقنا، وخلق آباءنا أمهاتنا، وخلق أمريكا والصين، واليابان والروس عليهم لعائن الرحمن.

    وهو الذي قال هنا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا [التحريم:8]. فلا نتذبذب بأن تتوب اليوم وتعود غداً للإثم. عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [التحريم:8]. وهذا وعده. وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ [التحريم:8] جمع جنة، تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [التحريم:8]. وأنهار الجنة أربعة. ويكون هذا يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا [التحريم:8]، أي: يا ربنا! أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التحريم:8]. ووالله لنقفن هذا الموقف. اللهم اجعلنا منهم. فحقق إيمانك فقط يا عبد الله!

    ثم قال تعالى أنه بعد تكفير السيئات: يُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ [التحريم:8]، جمع جنة، وهي البساتين، تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ [التحريم:8]. ففيها نهر الخمر، ونهر العسل، ونهر اللبن، ونهر الماء. والنبي والذين آمنوا معه ونحن إن شاء الله وكل مؤمن ومؤمنة منهم نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ [التحريم:8] وهم في طريقهم إلى الجنة على الصراط، ويحرمه المنافقون؛ لذلك يقول المؤمنون: رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا [التحريم:8]. وهذا لما شاهدوا المنافقين قد انطفأ النور من بين أيديهم بعدما دخلوا الصراط، فيقولون: رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا [التحريم:8]. ويقول لهم المنافقون: انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا [الحديد:13]. فيرجعون وراء.

    وقال هنا عن المؤمنين: نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ [التحريم:8]. فهو عن يمينك وعن شمالك، وأمامك ووراءك، وهذا النور على الصراط المستقيم يمشون عليه إلى أن يصلوا إلى باب الجنة، فإذا وصلوا إلى باب الجنة يقولون: رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التحريم:8]، أي: لا يعجزك أن تغفر ذنوبنا مهما ما كانت، وقد أكرمت وأنعمت علينا، وها نحن أمام الجنة، فكفر ذنوبنا، وأدخلنا الجنة. وعندما يصلون إلى باب الجنة يحاسبون، فيؤخذ من حسنات هذا إلى سيئات هذا، حتى يدخلوها طاهرين أنقياء، ليس بهم شيء. إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [التحريم:8].

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال: [ هداية الآيات ] الآن مع هداية هذه الآيات:

    [ من هداية ] هذه [ الآيات ] المباركة:

    [ أولاً: وجوب العناية بالزوجة والأولاد، وتربيتهم وأمرهم بطاعة الله ورسوله، ونهيهم عن ترك ذلك ] فيجب علينا أن نقي أنفسنا من عذاب الله، وأن نقي أنفس أبنائنا وأزواجنا، وذلك بتعليمهم وهدايتهم، وتربيتهم ونصحهم وتوصيتهم؛ حتى نقيهم بإذن الله عذاب جهنم. فقد أمرنا الله بهذا، فعلينا ألا نعصيه، فقد قال تعالى: قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [التحريم:6].

    [ ثانياً: وجوب التوبة الفورية على كل من أذنب من المؤمنين والمؤمنات، وهي الإقلاع من الذنب فوراً، أي: تركه والتخلي عنه، ثم العزم على ألا يعود إليه في صدق، ثم ملازمة الندم والاستغفار، كلما ذكر ذنبه استغفر ربه، وندم على فعله، وإن كان الذنب متعلقاً بحق آدمي كأخذ ماله، أو ضرب جسمه، أو انتهاك عرضه، وجب التحلل منه حتى يعفو ويسامح ] فعلى كل من يذنب ذنباً أن يتوب، ويواصل التوبة، وإذا انقطع اليوم يعود غداً إلى التوبة ويواصلها حتى يلقى الله، والتوبة يجب أن تكون نصوحاً. فعلى صاحبها ألا يعود إلى الإثم الذي ارتكبه، ولا يعود إلى الذنب الذي قارفه أبداً، كما لا يعود اللبن إلى الضرع، وكلما ذكر ذنبه استغفر ربه، وندم على ما فعل فيما مضى، ويعيش على هذا المبدأ حتى يلقى الله عز وجل ونفسه طيبة طاهرة.

    وثانياً: إذا كان ظلم مؤمناً فيجب أن يتخلص من ظلمه في الدنيا، ويطلب العفو منه. وقد قالوا: على من وجب عليه حد أن يقدم نفسه؛ ليقام عليه الحد في الدنيا، ومن سبّ أو شتم مؤمناً فيأتي ويطلب السماح منه، ومن أخذ مال امرئٍ ظلماً وعدواناً فيرد ذلك المال، فإن عجز فيطلب العفو من صاحبه. وبهذا تكون التوبة نصوحاً.