إسلام ويب

تفسير سورة الأحقاف (5)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الذين يكذبون بآيات الله، ويعصون أنبياءه وأهل التقوى والصلاح من عباده، أولئك الذين كتب الله عليهم الخسران في الدنيا، والشقاء في الآخرة، حيث يعرضون على النار، فيبحثون عما ينجيهم من حرها وسعيرها، من حسنات وأعمال طيبات، فلا يجدون في رصيدهم إلا الكفر والعناد، والمعاصي والسيئات، فويل لمن خفت موازينه، وأغواه عن الحق والهدى قرينه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والذي قال لوالديه أف لكما أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فها نحن مع سورة الأحقاف سابعة آل حم، ومع هذه الآيات، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوتها، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ * وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ [الأحقاف:17-20].‏

    عموم الآية وبيان ما روي فيمن نزلت فيه

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ [الأحقاف:17] الآية عامة، ولكن بعض أهل العلم من السلف يقولون: نزلت في عبد الله بن أبي بكر الصديق ، وبالأمس كان الصديق يدعو: رب أصلح لي ذريتي، فلا عجب أبداً أن يكون ابن أبي بكر قبل دخول الإسلام ينكر البعث والجزاء والدار الآخرة كسائر المشركين، ولا مانع أن يحتج بمن مضى من المشركين ممن عرفهم، ومع هذا فالآية عامة تتناول أصحابها في الزمن الأول والزمن الحاضر والآتي ممن وقف هذا الموقف.

    قال تعالى: وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ [الأحقاف:17] أي: لأمه وأبيه، أُفٍّ لَكُمَا [الأحقاف:17] لماذا؟ لأنهما يدعوانه إلى التوحيد، إلى الإيمان، إلى عبادة الله، إلى ترك الفسق والفجور، فيرد عليهما بعنف وشدة: أف لكما، لماذا؟ أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ [الأحقاف:17] أتعدانني أن أخرج بعد موتي حياً لنحاسب ونجزى بعملنا هذا؟ وهذا قول الملاحدة والعلمانيين والمشركين، يقولون: هذا ليس من الحضارة في شيء، وليس من العلم في شيء، هذا جهل وبداوة!

    قال: أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي [الأحقاف:17] أمم مضت ما عاد ولا واحد منها. وهل قيل لهم: أنتم تعودون الآن؟ فالعودة بعد نهاية هذه الدورة، حين تنتهي هذه الحياة تماماً، حينئذ نعود من جديد، أما الذين يموتون اليوم فما يعودون أبداً، لو عادوا لما كانت الحكمة في الحياة والموت، وهذا فهم سيئ وباطل.

    معنى قوله تعالى: (وهما يستغيثان الله ويلك آمن إن وعد الله حق)

    قال تعالى: وَهُمَا [الأحقاف:17] أي: الأب والأم يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ [الأحقاف:17] ليهدي ولدهما ويدخل في الإسلام ويطيب ويطهر ويدخل الجنة معهما، ومعنى (يستغيثان): يطلبان الله عز وجل أن يهدي ولدهما الذي قال لهما: أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي [الأحقاف:17]، يقول هذا كل علماني مشرك شيوعي، ويقولونه الآن أيضاً، وهكذا.

    وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ [الأحقاف:17] ويلك، ستهلك، آمن! هكذا الوالدان الصالحان -الأم والأب- يقولان: وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ [الأحقاف:17] فلا بد أن تحيا، لا بد أن تحاسب، لا بد أن تجزى -والعياذ بالله تعالى- بكفرك وفسقك وفجورك، لا تكذب وعد الله، لا بد من الحياة الثانية بعد نهاية الأولى.

    دلالة الآية الكريمة على إيمان البشرية قديماً بالبعث

    قال تعالى: فَيَقُولُ [الأحقاف:17] هذا الملحد العلماني الكافر: مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ [الأحقاف:17]، هذا الذي تدعوان إليه وتطالباني به ما هو إلا حكايات قديمة مسطرة مكتوبة يتناقلها الناس.

    وهنا لطيفة علمية حضرتني: وهي أن البشرية ما نفت وجود الله أبداً؛ لأنهم يتوارثون الإيمان من آدم جيلاً بعد جيل، كذلك عقيدة البعث والجزاء كانت بين الأمم لا تنسى، كل زمان فيه من يؤمن بذلك، يتوارثونه، عقيدة أن الدار الآخرة حق وأن الجزاء يتم فيها، وأن هذه الحياة تنتهي، هذا أيضاً قديم بين الأمم، فالأمة قد تكون كافرة لكن ما تكذب بالبعث، فلهذا قال: مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ [الأحقاف:17] فمعناه: أنهم يتناولونه ويتبادلونه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين)

    وقد أسلم ابن أبي بكر وكان من أولياء الله الصالحين، لكن غيره حكم الله تعالى عليه فقال: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ [الأحقاف:18] أي: ليدخلن جهنم وسيخلدون فيها.

    أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ [الأحقاف:18] من الكافرين المكذبين بالبعث والجزاء، ومن الفاسقين الفاجرين أمم مضت من الإنس ومن الجن، والجن أكثر فسقاً وفجوراً من الإنس، ويكفيهم أن الشيطان منهم.

    أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ [الأحقاف:18] خسراناً أبدياً، خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، كما قال تعالى: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ [الزمر:15] بحق وصدق الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر:15]، ما هو بخسران الدنيا من وظيفة أو زوجة أو ولد، بل يخسر نفسه وأهله كما بينت غير مرة، يوضع في صندوق من حديد ويلقى في أتون الجحيم ملايين السنين لا يتكلم ولا ينطق ولا يأكل ولا يشرب وهو حي في جهنم.

    قال تعالى: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ [الأحقاف:18] وهو وجوب دخول النار والخلود فيها لكفرهم وشركهم، فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ [الأحقاف:18] في علم الله وقضائه، محكوم عليهم بالخسران، فلهذا ما يؤمنون ولا يهتدون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون)

    ثم قال تعالى في خبر آخر: وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا [الأحقاف:19] ولكل من أهل الجنة درجات، ولأهل النار درجات، درجات أهل الجنة واحدة فوق واحدة عالية، ودرجات النار دركات، درجة تحت درجة إلى أسفل سافلين والعياذ بالله تعالى.

    فدرجات أهل الجنة درجة فوق أخرى في علو وارتفاع، ودرجات أهل النار هي الدركات في الدرك الأسفل من النار، درجة تحت أخرى إلى أسفل سافلين.

    فهذا الخبر -والله- كما سمعتم، ولكل من المؤمنين والكافرين درجات، هكذا يقول تعالى: وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا [الأحقاف:19] هذه الدرجات التي يتلقونها ويعطونها بسبب عملهم الذي عملوه من الصالحات أو من الفاسدات، من الشرك والكفر والباطل أو الإيمان والتوحيد والعمل الصالح.

    ثم قال تعالى: وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [الأحقاف:19] ليوفيهم الله تعالى أعمالهم كاملة ما فيها نقص أبداً، والله! ما تنقص لك حسنة، ولا تزاد عليك سيئة، الذي تعمله توفاه، فلا تفهم أبداً أن تؤخذ حسنة من حسناتك أو توضع سيئة على سيئاتك، اللهم إلا من جاء وقد أساء إلى الناس، زنا بامرأة هذا، أكل مال هذا، سفك دم هذا.. فعل وفعل، هذا يؤتى وله حسنات فتؤخذ حسناته لمن ظلمهم واعتدى عليهم، حتى إذا لم تبق له حسنة بالمرة فحينئذ يؤخذ من سيئات الذين ظلمهم ويوضع عليه ويرمى في جهنم، بهذا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، يؤتى بالعبد الظالم فتؤخذ حسناته وتعطى لمن ظلمهم، فإذا ما بقيت له حسنة فكيف يدخل الجنة؟ لا يدخل، فإذا بقيت حقوق عليه أيضاً فماذا يفعلون؟ يؤخذ من سيئات الآخرين المظلومين وتوضع عليه، فيهلك ويدخل جهنم والعياذ بالله تعالى.

    قال تعالى: وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [الأحقاف:19]، لا ينقص الله حسنة من حسناتك، ولا يزيد سيئة عليك ما عملتها، والله! ما كان ذلك ولن يكون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها ...)

    ثم قال تعالى: وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ [الأحقاف:20] الذين كفروا بالله ولقائه، بالله ورسوله، بالله وكتابه، بالله وشرعه، بالله ووعده، بالله ووعيده، جحدوا هذا كله واستمروا على الشرك والكفر والخبث والشر والفساد، يعرضون كما تعرض البهائم على ماء، يعرضون هكذا مدفوعين على النار، وحين يعرضون ماذا يقال لهم؟

    يقال لهم: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا [الأحقاف:20] هذا التوبيخ، هذا التأنيب، هذا التأديب، هذه الإهانة والإذلال لهم: أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا فما بقي لكم شيء؟

    ومعنى هذا أنهم كانوا يأكلون ويشربون المحرمات، ويفجرون ويأتون كل شهوة من الشهوات، فأذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا، واستمتعوا بها.

    هنا يذكر أن عمر رضي الله تعالى عنه دعاه وال من ولاته في الشام وقدم له ألواناً من الطعام، فارتعدت فرائص عمر وقام في غضبة، فقال: يا أمير المؤمنين! اطعم، كل يا أمير المؤمنين. قال: أما قال تعالى: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ [الأحقاف:20]، وقد قال: لو شئت لأكلت أطيب طعامكم ولبست ألين لباسكم، ولكني أستبقي طيباتي ليوم القيامة.

    وهنا -معاشر المستمعين- نقول: لا يحرم علينا أكل الطيبات أبداً، لكن إذا ما توافرت لنا ما نوفرها بالكذب والخيانة والسرقة والتلصص والإجرام لنأكل الطيبات، لا ننغمس فيها انغماساً كلياً وننسى أنفسنا فنصبح هالكين -والعياذ بالله تعالى- منغمسين في الشهوات والأطماع والمفاسد، فإذا أكلت طيباً وتوافر لك ويسره الله فكل واحمد الله تعالى واشكره على ذلك، سواء كان لباساً أو طعاماً أو مركوباً، لكن الذين ينهمكون في هذه الشهوات وينغمسون في هذه اللذات معرضين عن حمد الله وذكره وشكره؛ هؤلاء -والعياذ بالله تعالى- هم أصحاب هذا الحكم الإلهي: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ [الأحقاف:20] إذاً تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ [الأحقاف:20] عذاب الإهانة والذل والصغار والاحتقار، ما هناك عزة ولا كرامة في جهنم.

    معنى قوله تعالى: (فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون)

    فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ [الأحقاف:20] بسبب ماذا؟ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ [الأحقاف:20]، وهنا صفة الكبر يبرأ منها كل مؤمن ومؤمنة، نبرأ إلى الله من صفة الكبر، والكبر والاستكبار معروفان، يتكبر عن أن يتكلم مع هؤلاء، يتكبر أن يطعم مع هؤلاء، يتكبر أن يماشي هؤلاء، يتكبر أن يساكن هؤلاء.. روح خبيثة منتنة تطغى في نفسه فترفعه فيتعالى ويتكبر فينكر الحق ولا يعترف به لأهله.

    والذين لا يعبدون الله فلا يصومون ولا يصلون ولا يرابطون أليس هذا استكباراً؟ يقول: كيف أخرج مالي وأعطيه لكذا؟ كيف أذل نفسي مع الفقراء فأصلي معهم؟ كيف أسجد على الأرض؟ هذا هو الكبر.

    فهؤلاء يقال لهم يوم القيامة: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا [الأحقاف:20] هذه القريبة الموجودة، وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا [الأحقاف:20] أي: تمتعتم بها، فَالْيَوْمَ [الأحقاف:20] وهو يوم القيامة، يوم يعرضون على النار، فَالْيَوْمَ [الأحقاف:20] إذاً تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ [الأحقاف:20]، هو جزاؤكم على كفركم وفسقكم وفجوركم واستكباركم في الدنيا، تجزون عذاب الهون بسبب ماذا؟ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ [الأحقاف:20]، كيف تتكبر وبطنك مملوء بالخرء والبول؟ كيف تتكبر وأنت غداً تخرج روحك وترمى في المقبرة؟ ما معنى التكبر؟ كيف يستكبر حتى لا يعبد الله ولا يعترف لله بحق، ولا يعطي حق الله عز وجل ولا حق عباده؟ كل ذلك من الشعور بالكبر والعياذ بالله.

    قال تعالى: فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ [الأحقاف:20] ما لكم حق في الكبر، الكبرياء حق الله، الكبرياء لله، ومن أراد أن يتكبر نازع الله في هذا الحق ولا حق له في الكبر أبداً؛ إذ هو نطفة منتنة عفنة، ثم ينتقل إلى الأرض جسماً نتناً عفناً، فكيف يتكبر؟

    حقيقة الفسق وأثره على النفس

    وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ [الأحقاف:20] ما هو الفسق يرحمكم الله؟ أتعرفون الفويسقة؟ هذه أخبر عنها الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي فأرة صغيرة تدخل في البيوت فتسحب فتيل المصباح على أهل البيت وهم نيام.

    إذاً: فالفسق هو الخروج عن طاعة الله ورسوله، أيما إنسان ذكراً أو أنثى يخرج عن طاعة الله فوالله! لقد فسق كما تفسق الفأرة، فالذين يتركون ما أوجب الله فسقوا، والذين يرتكبون ما حرم الله فسقوا، فطاعة الله وطاعة رسوله هي تقوى الله عز وجل، ومعصية الله ومعصية رسول الله هي -والله- الفسق والعياذ بالله تعالى.

    قال لهم: وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ [الأحقاف:20] لأنكم لما فسقتم خبثت أرواحكم وأنتنت أنفسكم وما أصبحت أهلاً لرضا الله ولا لجواره في الجنة.

    وهكذا -معاشر المستمعين والمستمعات- يتقرر لدينا أن ترك واجب من الواجبات، وأن فعل محرم من المحرمات يدسي النفس ويخبثها ويعفنها وينتنها، فيسخط الله عليها ولا يرضى عنها، فعلينا أن نحافظ على زكاة أنفسنا وطهارتها، فلا نكذب، فلا نخون، فلا نخدع، فلا نغش، فلا نترك فريضة، فلا نفعل محرماً أبداً، ومن زلت قدمه يوماً من الأيام فعليه بالتوبة النصوحة العاجلة على الفور، يستغفر الله ويندم، يستغفر الله ويبكي، يستغفر الله ويؤدي ذلك الواجب أو الحق، فيزول ذلك الأثر من نفسه.

    وقد سبق حكم الله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا [الشمس:9-10]، ومن فضل الله تعالى علينا أنه فتح لنا باب التوبة، باب التوبة مفتوح لا يغلق حتى تطلع الشمس من مغربها، مهما كانت الذنوب، لكن يا أبناء الإسلام ويا نساء المؤمنات! لا نقول: ما دامت التوبة بابها مفتوح فسنتوب، والله! ما حل لك أن تقول هذه الكلمة، يجب أن تقول: الآن أتوب، لا تقل: غداً أتوب أو بعد غد، أو حتى أتزوج أو حتى أتوظف أتوب، التوبة تحدثها على الفور.

    ومن التوبة عزمك على ألا تعود لهذا الإثم، وأن تقلع عنه فوراً، فخاتم من ذهب في يدك ترميه من الآن، وفي جيبك علبة من السجائر ترميها الآن عند الباب.. وهكذا، فباب التوبة مفتوح، لكن ليس بالتراخي: سأتوب، سأتوب، هذا وسواس الشيطان والعياذ بالله تعالى.

    هكذا يقول تعالى لهم: وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ [الأحقاف:20] أي: بسبب فسقكم الذي كنتم تفسقون، أي: تخرجون عن طاعة الله وطاعة رسوله، وذلك بترك الواجبات وفعل المنهيات والمحرمات بدون توبة تبتموها، فما زكت نفوسكم ولا طابت، إذاً: نفوسكم خبيثة، فادخلوا جهنم خالدين فيها والعياذ بالله تعالى.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    والآن مع هداية الآيات.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: حرمة عقوق الوالدين وأنه من الكبائر ].

    من هداية هذه الآيات التي تدارسناها الآن واستجاب الله لنا فغشيتنا الرحمة وحفتنا الملائكة وذكرنا الله فيمن عنده، من هداية هذه الآيات: حرمة عقوق الوالدين، فلا يحل لأحد أن يعق أمه أو أباه أبداً، والعق ما هو؟ القطع، بحيث لا يطيعهم ولا يبرهم، وضده الإحسان والبر، فعقوق الوالدين كبيرة من كبائر الذنوب، ويكفينا فيه هذه الآية.

    [ ثانياً: بيان حنان الوالدين وحبهما لولدهما، وبذل كل ما يقدران عليه من أجل إسعاده وهدايته ]، أما سمعتم ما قال تعالى؟ وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ [الأحقاف:17] إن وعد الله حق، يا ولدي، يا بني! يقولان ذلك حتى يستجيب ويتوب، فحنان ورحمة الأبوين إلى يوم القيامة تجلت في هذه الآية الكريمة.

    [ ثالثاً: التحذير من الانغماس في الملاذ والشهوات والاستمتاع ].

    من هداية هذه الآيات: التحذير الإلهي من الانغماس في الملاذ والشهوات وأوساخ الدنيا في هذه الحياة، والله! إنه لتحذير إلهي من أن ننغمس في الشهوات من الزنا والفجور والربا والطعام الحرام والشراب الحرام واللباس الحرام وما إلى ذلك اتباعاً لهوى النفس والشيطان، فلا بد أن نتنزه عن هذه المفاسد ونترفع فوقها، ولا ننغمس في هذه الأباطيل والشهوات كما انغمس الضلال والجهال، فقد حذرنا الله من هذا.

    [ رابعاً: التحذير من الكبر والفسق، وأن الكبر من أعمال القلوب، والفسق من أعمال الجوارح ].

    من هداية هذه الآيات: حذرنا الله من الكبر كما بينت لكم، لا تتكبر أبداً ولا يظهر عليك التكبر في حياتك كلها، تواضع ولن جانبك وأنت عبد الله، ما هناك الانتفاش والانتفاخة والكبرياء، لا في مشيتك ولا في قولك ولا في عملك، والتحذير أيضاً من الفسق -والعياذ بالله تعالى- والخروج عن طاعة الله وطاعة رسوله، فويل للفاسقين الذين خرجوا عن طاعة الله والرسول، هم الفاسقون، مصيرهم الهون والدون والعذاب الأليم والعياذ بالله تعالى.

    [ خامساً: مدى فهم السلف الصالح لهذه الآية: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا [الأحقاف:20] ].

    فقد فهمها عمر كما قدمنا؛ حيث وضع الطعام فهذا حلوى وهذا زبدة وهذا كذا، فقال: لا نأكل هذا الأكل، لم؟ قال: أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا [الأحقاف:20]، فالسلف الصالح عرفوا هذا وأصبحوا يتنزهون عن كثرة الطعام والشراب وألوانهما.

    قال: [ قرأ يزيد حتى بلغ: وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ [الأحقاف:20] ثم قال: تعلمون -والله- أن أقواماً يسترطون حسناتهم، استبقى رجل طيباته إن استطاع، ولا قوة إلا بالله ].

    هذا يزيد من التابعين قال: العجب منكم، ناس يسترطون حسناتهم في الدنيا فما يبقى لهم حسنة.

    قال: [ روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول: لو شئت لكنت أطيبكم طعاماً وألينكم لباساً، ولكن أستبقي طيباتي ].

    أستبقي طيباتي ليوم القيامة بعد الموت، ما نأخذها الآن، فلهذا كان يلبس الخشن، يأكل الخشن، ما يطالب بالحرير ولا بالفضة ولا بكذا، رضي الله عنه وأرضاه.

    [ وذكر أنه لما قدم الشام صُنع له طعام لم ير قبله مثله، فقال: هذا لنا، فما لفقراء المسلمين الذين ماتوا وهم لا يشبعون من خبز الشعير؟ ].

    إذا كان هذا لنا فما للفقراء والمساكين الذين ما وجدوا حتى خبز الشعير؟ كيف نأكل هذا اللون من الطعام؟

    [ فقال له خالد بن الوليد : لهم الجنة. فاغرورقت عينا عمر رضي الله عنه وقال: لئن كان حظنا الحطام وذهبوا بالجنة لقد باينونا بوناً بعيداً ]، فماذا بقي لنا؟ رضي الله عنهما وأرضاهما.

    نسأل الله تعالى أن يوفقنا في حياتنا أن نتخلى عن الكبر والفسق والفجور والشرك والباطل، وأن نعبد الله عز وجل ليلاً نهاراً حامدين شاكرين ذاكرين؛ حتى تطيب أنفسنا وتطهر ويتوفانا الله ونحن صالحون، فننقل إلى عالم السعادة، فنلقى الصالحين ونعيش معهم إلى يوم القيامة.

    والآن نسمع الآيات مرة ثانية، وتأملوا معانيها.

    قال تعالى: وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتْ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ [الأحقاف:17]، وما زال الملاحدة اليوم يقولون هذا الكلام، ويقولون: هذا تخلف حضاري، تخلف علمي!