إسلام ويب

تفسير سورة يونس (6)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن من سيما الكفار وصفات الجهال أنهم يجادلون في آيات الله بغير علم، ويطلبون من أنبياء الله المعجزة تلو الأخرى، والآية في إثر الآية، وما يريدون بذلك اليقين ولا الإيمان، وإنما رغبة منهم في المماطلة والمراوغة، فبعد أن جاءهم النبي الخاتم، بالآية الباهرة والدليل القاطع، ألا وهو القرآن الذي أثبت عجزهم، وبين لهم عيّهم وضعف بيانهم وهم الفصحاء الأقحاح، بعد ذلك طلبوا إلى النبي قرآناً آخر، فبئساً لعقول لا تنفع أصحابها، وتعساً لأفهام تنكب بهم عن طريق الهداية والصلاح.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة -ليلة الإثنين من يوم الأحد- واللتين بعدها ندرس كتاب الله عز وجل، رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة يونس بن متى المكية، والتي تعالج التوحيد، والوحي، والبعث الآخر، ثلاث عقائد من عقائد المسلمين: التوحيد، وإثبات النبوة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، والبعث الآخر والحساب والجزاء.

    وها نحن مع هذه الآيات الأربع، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة ثم نتدارسها إن شاء الله تعالى، والله نسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ * فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ * وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ [يونس:15-18].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! أعيد إلى أذهانكم تذكيراً للناسين وتعليماً لغير العالمين أن السور المكية التي نزلت بمكة تعالج قضايا الاعتقاد، وهي هنا: التوحيد، والوحي المنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والبعث الآخر والجزاء وما يتم فيه.

    فقول ربنا جل ذكره: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ [يونس:15] المراد من الآيات البينات هي آيات القرآن، والتالي لها بمعنى القارئ هو المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم، والذين تتلى عليهم وتقرأ هم مشركو قريش، خاصة النفر المتوغلين في الشرك والشر والعياذ بالله.

    يقول تعالى مخبراً عنهم: وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ [يونس:15] أي: واضحة، لا لبس فيها ولا غموض، دالة على المعنى الذي أنزلت من أجله، قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا [يونس:15] تكلم الذين لا يؤمنون بالبعث الآخر، لا يؤمنون بالحياة الثانية وما يجري فيها من الحساب والجزاء إما بالنعيم المقيم أو بالعذاب الأليم، فهي تقرر الوحي والبعث الآخر.

    قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ [يونس:15] قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: إن أردت أن نؤمن بك ونتبعك على ما جئت به فائتنا بقرآن غير هذا الذي فيه سب آلهتنا وشتمهم وانتقاصهم والدعوة إلى عدم الاتباع لهم ومحاربتهم، أو اترك القرآن كما هو وبدل الآيات التي فيها نقد وطعن لآلهتنا كاللات والعزى ومناة وما إلى ذلك، بدلها وليبق القرآن عندك!

    هذا اقتراح قدمه عشرة طغاة من أولئك المشركين، اقترحوا على الرسول هذا: إما أن يبدل القرآن بالكلية، أو يبقيه ولكن يحذف الآيات التي فيها انتقاص لآلهتهم وعدم الاعتراف بها، هكذا قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم، والله يحكي قولهم ويقرره في هذا الكتاب.

    قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا [يونس:15] لو كانوا يؤمنون بالبعث الآخر ولقاء الله والحساب والجزاء فوالله! لن يقولوا هذه القولة الفاحشة، فالرسول لا قدرة له على أن يبدل الكتاب أو يغيره أو يأتي بكتاب آخر، لكن العمى والضلال حملهم على مثل هذا القول الباطل، إذ قالوا: ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ [يونس:15] أنت بين خيارين: ائتنا بقرآن غير هذا القرآن بكامله، أو بدل الآيات التي فيها الطعن والنقد لآلهتنا، وبذلك نتبعك ونصدقك فيما تقول به.

    معنى قوله تعالى: (قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي)

    فأمره تعالى أن يرد عليهم قائلاً: قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي [يونس:15] لا قدرة لي على هذا، وهل يستطيع أن يبدله؟ كلا. ولو اجتمعت البشرية فهل تقدر على تبديل القرآن بقرآن؟

    قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي [يونس:15] ما يكون أبداً وليس من شأني ولا يتم هذا لي أن أبدله من تلقاء نفسي، كل ما في الأمر: إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ [يونس:15] فقط، لا أملك أن ينزل علي القرآن أو لا ينزل، أنا مأمور باتباع ما يوحيه الله إلي ويأمرني به أو ينهاني عنه، أما أنني أملك هذا فأغير وأبدل في كلام الله أو أستبدله بكتاب آخر كالتوراة والإنجيل؛ فهذا ليس من شأني، وهو كذلك.

    إِنْ أَتَّبِعُ [يونس:15] أي: ما أتبع إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ [يونس:15]، ومن الموحي إليه؟ هو الله جل وعلا، والوحي: الإعلام السريع والخفي، إذ الرسول قد يكون بين الناس جالساً ويتلقى الوحي، إعلام سريع خفي لا يعرفه غير من يوحى إليه.

    معنى قوله تعالى: (إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم)

    ثم قال: إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [يونس:15] أخاف إن عصيت ربي فبدلت كلامه وحرفته كما تحبون وتريدون، أنا أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم ألا وهو عذاب يوم القيامة، وفي هذا الجزء تقرير للبعث الآخر والحياة الثانية والجزاء الذي يتم فيها.

    إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي [يونس:15] خالقي ومالك أمري ومرسلي والموحي إلي، أخاف إن عصيته عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [يونس:15] ألا وهو يوم القيامة، يوم تقوم الخليقة من قبورها للحساب ثم الجزاء.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به ...)

    ثم أمره تعالى أيضاً أن يقول لهم: قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ [يونس:16] لو شاء الله أنني لا أتلوه عليكم لما تلوته عليكم، لو شاء الله أن لا ينزله لما أنزله، لكن شاء الله أن ينزل كتابه وأن يأمرني بقراءته عليكم وتلاوته لتعلموا وتفهموا وتعملوا.

    قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ [يونس:16] أي: هو الله تعالى بِهِ [يونس:16] أي: ولا أعلمكم به، ولكن اقتضت حكمته ورحمته أن يختار منكم رجلاً ويوحي إليه ما به يكمل المؤمنون ويسعدون ويشقى المكذبون ويهلكون، وهذا سر الحياة بكاملها، فما علة الحياة الأولى؟ العمل بما يزكي النفس أو يخبثها، وما سر الحياة الثانية؟ للجزاء على العمل في الدنيا.

    قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ [يونس:16] أي: ما قرأته -أي: القرآن- عليكم، وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ [يونس:16] أي: لو شاء الله ما أعلمكم به بالمرة.

    معنى قوله تعالى: (فقد لبثت فيكم عمراً من قبله أفلا تعقلون)

    فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ [يونس:16] العمر بمعنى الحياة، حياة المرء التي يقضيها تسمى عُمُراً، يقصر ويطول.

    فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ [يونس:16] هذا برهنة وتدليل على أنه يتلقى العلم من الله، لا يملك شيئاً أبداً إلا ما يعطيه الله عز وجل، فكيف تقولون له: بدل هذا القرآن بقرآن آخر؟ أو بدل فيه الآيات التي ما توافقنا لأنها تقدح وتسب أو تشتم آلهتنا؟ فهذا لا يملكه هو.

    فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا [يونس:16] وهو أربعون سنة، إذ عاش صلى الله عليه وسلم أربعين عاماً لم يعرف شيئاً عن الدين، عن الإسلام، عن الآخرة، ما أوحي إليه بشيء حتى بلغ الأربعين من عمره وفاجأه الوحي في غار حراء، ورأى في المنام، فستة أشهر والوحي منام، ثم بعد ذلك صار جبريل يأتيه ويوحي إليه، فهل الذي عاش أربعين سنة ما تكلم بوحي ولا قرآن ولا حكمة تقولون عنه الآن: افترى وكذب وقال وقال؟ كل ما في الأمر حقيقة واحدة ثابتة، وقد حصلت حادثة معنية وهو صلى الله عليه وسلم في الخامسة والثلاثين، فإنه لما جددت قريش بناء الكعبة البيت العتيق وانتهوا في الجدار إلى موضع الحجر الأسود اختلفوا من هي القبيلة التي تشرف بأن تتناول الحجر وتضعه في مكانه؟ فتنافسوا في هذا، كل قبيلة تقول: نحن أحق بهذا، فاختلفوا وتنازعوا، فماذا يفعلون، البناء متوقف على وضع الحجر ثم يوضع البناء فوقه، فقالوا بعد إرشاد من أرشد: نحكم أول رجل يدخل علينا، فكان أول من دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: هذا محمد الأمين. وكان معروفاً بالأمانة، لا يشك في هذا أحدهم، الصدق شعاره وطابعه، قالوا: هذا الأمين نحكمه، فحكموه، فأمر أن يؤتى بخرقة واسعة كبيرة وأن تتناول كل قبيلة طرفاً منها، ووضع الحجر في تلك الخرقة وحملوه ثم تناوله ووضعه بيديه الشريفتين في مكانه.

    هذا تم له في الجاهلية قبل الإسلام، وقبل هذه الحادثة لا شيء، كان فقط معروفاً بالطهارة والصدق والوفاء، لكن ما أوحي إليه ولا عرف شيئاً عن الدين.

    ولا ننس أيضاً: أنه كان يكره الشرك والمشركين قبل الإسلام، ومن ذلك أنه في ليلة من الليالي علم أن عرساً وحفلاً سيقام في مكة وهو خارج مكة يرعى الغنم مع صديق له، فقال لصديقه: هل تسمح لي أن أذهب الليلة لأحضر هذا الحفل وأنت ترعى غنمي مع غنمك؟ فأذن له، فذهب وجلس في الساحة التي يقام فيها الحفل فأخذه النوم فنام فلم يستيقظ إلا بحر الشمس، فلم يشهد الحفل ولا الأغاني ولا الرقص ولا عادات الجاهلية قط، صرفه الله صرفاً كاملاً، جاء قبل غروب الشمس أو بعده قبل الحفل فأخذته السنة من النوم فنام فلم يستيقظ إلا على حر الشمس.

    وأخرى أيضاً لا ننساها: لما كانوا يبنون الكعبة كان يحمل الحجارة على عاتقه وهو بدون رداء، فرحمه عمه العباس فقال: أي محمد! ضع طرف إزارك على كتفك واحمل الحجارة على كتفك فلا تضرك. فوضعه على كتفه فبدت عورته فخر صعقاً، ما رضي أن تكشف عورته فوقع على الأرض.

    والشاهد عندنا في قوله تعالى: قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ [يونس:16] في أربعين سنة ما قلت لكم شيئاً ولا أمرت ولا نهيت ولا أعلمت ولا أخبرت.

    قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ [يونس:16] فلو كان هناك عقلاء يفهمون أن الذي عاش أربعين سنة ما قال ولا أمر ولا نهى فكيف بعد الأربعين سنة يدعي ويقول كذا وكذا لولا أنه أوحي إليه بعد الأربعين وعلم وأمر أن يعلم، فهذه حجة قاطعة لكن ينتفع بها العقلاء، أما الذين لا عقول لهم، أو شهواتهم تقودهم حيث شاءوا؛ فلا يفهمون هذا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو كذب بآياته ...)

    ثم قال تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ [يونس:17]؟ والله! لا أحد، لا أحد أظلم من إنسان يكذب على الله ويقول: أوحى إلي وأمرني ونهاني والله ما أوحى إليه ولا أمره، أو من إنسان كذب بآيات ربه وهي تنزل وتتلى وهو ينكرها ويجحدها ولا يؤمن بها، هذا إخبار الله تعالى وهو الواقع، لا أحد أظلم من رجلين: أحدهما كذب بآيات الله، والثاني افترى على الله وكذب عليه، إذ قال تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ [يونس:17]، لو قيل لك: من أظلم الظالمين؟

    فالجواب: الذي كذب بآيات الله والذي افترى وكذب على الله وقال: أوحى إلي أو أمرني وهو لم يأمره ولم يوحِ إليه، فالرسول صلى الله عليه وسلم مبرأ من هذه التهمة، وهي أن القرآن من نفسه ومن عنده ويستطيع استبداله بغيره، أو حذف آيات وإثبات أخرى، فهذه النظرية مردودة من أساسها.

    معنى قوله تعالى: (إنه لا يفلح المجرمون)

    ثم قال تعالى: إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ [يونس:17] من هم المجرمون؟ هل هم بيض أم سود؟ عرب أم عجم؟

    المجرمون: واحدهم مجرم، أجرم على من؟ أعلى ولده فقتله، أم على ماله فأحرقه؟ أجرم علام؟ على نفسه، صب عليها أطنان الذنوب والآثام فاسودت وتعفنت وتلطخت وأصبحت مبغوضة لله وملائكته، فصاحبها لن يفلح ولن يفوز ولن يساكن الأبرار في دار السلام، وذلك لخبث نفسه.

    والنفس تخبث بالذنوب والمعاصي، فالذي يكذب على الله ويقول: قال الله أو أمر الله أو نهى الله وحرم الله؛ هذه الكذبة تلطخ نفسه ويكون قد أجرم على نفسه أشد الإجرام، كالذي يأتيه وحي الله وأمر الله وكلامه فيكذب به ويقول: ما نؤمن بهذا، هذا خرافة أو ضلال أو ما إلى ذلك.

    فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ [يونس:17]، اللهم أعذنا من أن نكون من المجرمين الذين يجرمون على أنفسهم بما يفعلونه من إجرام في الناس، فيكذبون ويسرقون ويزنون ويقتلون، كل ذلك إجرام على أنفسهم.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    إذاً: خلاصة الدرس أنا عرفنا -معشر الأبناء والإخوان- أن المشركين كانوا يلحون على رسول الله ويطالبونه بتبديل القرآن بقرآن آخر، أو بتبديل بعض الآيات بآيات أخرى، تلك الآيات التي فيها إنكار الشرك والمشركين وذكر الآلهة الباطلة، هؤلاء طغاة أهل مكة أهلكهم الله.

    ثانياً: علة إنكارهم وتكذيبهم هي كفرهم بيوم القيامة، تكذيبهم بالبعث الآخر والجزاء فيه على العمل، إذ قال تعالى: قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا [يونس:15]، أما الذين يأملون ويرجون لقاء الله والوقوف بين يديه فلا يقفون موقفاً شائناً أبداً، لا ظلم ولا اعتداء ولا إجرام، لا على أنفسهم ولا على غيرهم، لأنهم مؤمنون بيوم القيامة وهو الركن الخامس من أركان العقيدة الإسلامية.

    ثم قوله تعالى: قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ [يونس:16] هذه حجة تقطع كلامهم وتفصل ما عندهم عن الحق، لم؟ لأن الرسول عاش أربعين سنة معهم ما تكلم بقرآن ولا بوحي ولا أمر ولا نهى، أبعد الأربعين سنة يفتري ويكذب؟ ثم يأتي بهذه العلوم والمعارف التي لو تجتمع الخليقة كلها لما أتوا مثلها: قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ [يونس:16] أي: ولا أعلمكم الله به؛ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ [يونس:16].

    وفي الآية تقرير مبدأ أن ذا العقل هو الذي يخاطب بالعلم ويفهم، والذي لا عقل له لأنه فسد أو تملكه الشيطان بما زين وحسن له من أباطيل فهو لا يعي ولا يفهم، وإلا فهذا الكلام كان يصعق أحدهم عند سماعه.

    وأخيراً عرفنا من أشد الناس ظلماً؟ رجلان: أحدهما كذب على الله، والثاني كذَّب الله وكذب بآياته، فالظلم كثير والظالمون كثر، ولكن أظلمهم رجلان: رجل كذب على الله أو قال: أحل الله، حرم الله، أمر الله، شرع الله، الله وصفه كذا، الله يفعل كذا، وكله كذب على الله، هذا شر الخلق، وآخر: كذَّب بما جاء عن الله فلم يؤمن بآيه ولا بكتابه ولا بوحيه، وكلما بينت له أمر الله يكرهه، وإن نهيته لا يقبل الانتهاء، وهكذا، فهذان الرجلان لا أظلم منهما؛ بدليل قوله تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ [يونس:17] والاستفهام للنفي، فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ [يونس:17].

    ثم أخبر تعالى أن هؤلاء المجرمين لا يفلحون، وما المراد بالفلاح؟ هل هو كسبك شاة أو بعيراً؟ هل نجاحك في امتحاناتك؟ في تجارتك؟ ما الفلاح؟

    الفلاح هو الفوز، قال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس:9] أي: زكى نفسه، فالفلاح: الفوز، والفوز قال تعالى في بيانه: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [آل عمران:185]، يا عاملون! متى توفون أجوركم؟ يوم القيامة، فلهذا اعملوا ما طاب لكم من خير أو شر فالجزاء ليس في الدنيا، فهذه دار عمل، الجزاء بعد الموت.

    فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ [آل عمران:185] فما الفوز؟ النجاة من النار ودخول الجنة دار الأبرار، فاز فلان بن فلان، أي: نجا من عالم الشقاء وارتقى إلى عالم السعادة واستقر في النعيم المقيم.

    والله تعالى أسأل أن يجعلنا وإياكم من الفائزين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.