إسلام ويب

تفسير سورة يونس (33)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن أنبياء الله ورسله مكلفون بتبليغ دينه وإيصال رسالته إلى الناس، أما التوفيق والهداية فهي بيد الله وحده، وقد وجه الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يستقيم على الدين الحنيف، ولا يلتفت إلى ما يئول إليه أمر المشركين، الذين يدعون من دون الله أصناماً وأوثاناً، لا تملك لهم ضراً ولا نفعاً، ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً.

    1.   

    تآمر اليهود والنصارى على المسلمين بصرفهم عن القرآن

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة -ليلة الأحد من يوم السبت- والليالي الثلاث بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه ألفاً وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وبين يدي الدرس ألفت النظر مذكراً الناسين ومعلماً غير العالمين، بأن الثالوث الأسود المكون من المجوسية واليهودية والصليبية تآمروا ضد الإسلام والمسلمين، واغتاظوا لانتشار دعوة الله في العالم واستضاءة البشرية بنور الله، فمكروا فصرفوا الأمة الإسلامية عن مصدر روحها وحياتها وهدايتها، فالقرآن روح ولا حياة إلا بالروح، والقرآن نور ولا هداية إلا بالنور، ولنقرأ لذلك قول الله تعالى من سورة الشورى: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى:52] أليس هو القرآن؟ أما سماه روحاً؟

    عرف اليهود والنصارى والمجوس هذا فصرفوا أمة الإسلام عن كتاب الله، وحولوه إلى الموتى، فمضت قرون عديدة والمسلمون يقرءون القرآن ليلة الموت فقط، وإلى الآن يقرءونه ليالي العزاء، أما أن يجتمع اثنان أو ثلاثة أو أهل البيت أو جماعة يعملون في مركز، يجتمعون ربع ساعة على آية يدرسونها ويتدارسونها بعد تلاوتها؛ فما كان هذا أبداً، ومن قال: هو موجود فليشر إليه، إلا نادراً، مع أن هذا الحديث واضح الدلالة: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم )، فحولوه إلى الموتى، وهل الموتى ينتفعون بالقرآن؟ من يقول: نعم؟ اقرأ القرآن على ميت بين يديك فهل سيقوم ليتوضأ ويصلي؟ يقوم ليستغفر الله ويندم على ذنوبه؟ ماذا ينتفع به؟ فالقرآن يقرأ على الأحياء ليزيد حياتهم ونورهم وهدايتهم.

    1.   

    تقرير قضايا العقيدة في السور المكية

    وها نحن مع سورة يونس المكية المباركة الميمونة، وقد علمنا أن المكيات -أي: السور التي نزلت بمكة- هذه السور العديدة الكثيرة تعالج قضايا العقيدة، ليس فيها بيان حلال ولا حرام، لا واجب ولا فرض ولا سنة، وإنما تقرر العقيدة أولاً وتصفيها وتحققها، فإذا سلمت عقيدة العبد فمره فإنه يفعل، انهه فإنه يترك، بشره فإنه يفرح، خوفه فإنه يخاف، أما قبل حياته فكيف يستجيب وهو ميت؟

    وأعظم أركان العقيدة التي عالجتها المكيات هي أولاً: توحيد الله عز وجل بأنه لا إله إلا هو، فلا يعبد سواه، لا في الملكوت الأعلى ولا الأسفل، وهذا تحقيق: لا إله إلا الله.

    ثانياً: تقرير النبوة المحمدية وإثباتها؛ لأن من لم يؤمن بنبوة رسول الله كيف يعبد الله، كيف يتقرب إلى الله، وبماذا يتقرب إلى الله؟ لا بد من الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته، إذ ذلك يفرض عليك أن تمشي وراءه، وأن تقول ما يقول وتعمل ما يعمل، كما تترك ما يترك؛ لأنه أسوتك وقدوتك في الحياة.

    الركن الثالث: ركن البعث الآخر والحياة الثانية وما يتم فيها من جزاء على الكسب في هذه الدنيا.

    وتقرر عندنا أنه: لو سئلت عن سر هذه الحياة ةعن علة وجودها لكان الجواب: من أجل أن يعبد الله، واقرءوا لذلك قول الله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، فإذا عبده العابدون وكفره الكافرون فأين يتم الجزاء؟ هل في هذه الدنيا؟ لا والله، بل في يوم آخر، في حياة أخرى خالدة باقية لا تنتهي، ألا وهو يوم القيامة والدار الآخرة، فما الذي يجري في يوم القيامة؟ الحساب والجزاء فقط، هذه دار عمل، وتلك دار جزاء، هذا هو السر والحقيقة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ...)

    وها نحن مع هذه الآيات الثلاث، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة، ثم نتدارسها إن شاء الله.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ * وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [يونس:104-107].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي [يونس:104].. الآية، بعدما بين تعالى الطريق؛ طريق الهدى وطريق الضلال، وحذر وأنذر وبشر ووعد وأوعد في السورة كلها ختمها بهذا البيان، فأمر رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم أن يعلنها واضحة صريحة: يَا أَيُّهَا النَّاسُ [يونس:104]، وأول من ينادى ويناله النداء: أهل مكة وسائر العرب من حولها.

    يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي [يونس:104]، الذي هو دين الله الحق، الذي هو الإسلام؛ دين إبراهيم والأنبياء من بعده والمرسلين، إن كنتم في شك منه فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ [يونس:104]، إن كنتم في شك من ديني تريدون أن أعبد معكم دينكم الباطل؛ فأنا لست أبداً -والله- في شك، ولكن إذا تصورتم هذا وفهمتموه لنعود إليكم فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ [يونس:104].

    وهنا لطيفة في الوفاة: فكيف يموت الإنسان؟ لو ما شاء الله أن يموت فكيف سيموت؟ البشرية كلها لو اجتمعت على أن تميت من لم يشأ الله موته فوالله! ما استطاعوا ولا قدروا عليه، فالحياة كالموت كلاهما من فعل الله، ما تقدر البشرية على إحياء ميت ولا تقدر على إماتة حي أبداً، فهذه وحدها كافية في أن يتعرف الناس إلى ربهم؛ ليحبوه ويعبدوه ويطيعوه، ويعرضوا عن عبادة من سواه من هذه الكائنات والمخلوقات.

    معنى قوله تعالى: (وأمرت أن أكون من المؤمنين)

    قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ [يونس:104]، يميتكم، هذا الذي أعبده، بم يعبده يا عباد الله؟

    بالإيمان والتقوى، بالإيمان والاستقامة، بالإيمان والطاعة، بفعل ما يحب الله، وترك ما يكره الله من اعتقاد أو قول أو عمل أو صفة أو ذات، في ذل وانكسار واستكانة بين يديه، وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [يونس:104]. وهكذا ينتزع من نفوسهم وساوس الشر، ويؤيسهم من أنه لن يستجيب لهم، ولكن هم يجب أن يستجيبوا له ليؤمنوا كما آمن ويعبدوا الله وحده كما يعبد.

    وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [يونس:104]، ومن هم المؤمنون الذين أمر الله رسوله أن يكون منهم؟ الذين آمنوا بأنه لا إله إلا الله، وأن لقاءه حق، وأن الجزاء في الدار الآخرة حق؛ ذاك الإيمان المستلزم لتصديق الله تعالى في كل ما أخبر به، استطعت أن تدركه بعقلك أو عجزت عن إدراكه، لا يصح إيمان ولا يكون إيمان حق حتى تصدق الله تعالى في كل ما أخبر به من الغيب والشهادة، ومن أراد أن يؤمن ببعض ويكفر ببعض فوالله! ما هو بمؤمن وليس بمؤمن، فكل ما جاء عن الله في كتابه، وعن رسوله من أخبار الغيب يجب التصديق به واليقين فيه، وإلا فلا إيمان، ولكنه الكفر والعياذ بالله تعالى.

    فالمؤمنون من عهد آدم إلى اليوم هم المصدقون الله بما أخبر به من شأن الغيب والشهادة، وأخبار رسول الله كأخبار الله، بل هي من أخبار الله عز وجل، فلا ترد خبراً عن رسول الله أبداً بحال من الأحوال؛ ذلكم الإيمان هو التصديق الجازم القاطع الخالي من الشك والريب بكل ما أخبر الله به وأخبر به رسوله صلى الله عليه وسلم من الغيب والشهادة.

    هذا رسول الله يقول لهم: وَأُمِرْتُ [يونس:104] أي أمرني ربي أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [يونس:104] لا من الكافرين، وفي هذا توجيه عجيب: فالرسول يأمره ربه أن يكون من المؤمنين، وأنتم تطمعون فيه أن يكون من المشركين؟! الرسول يؤمن وأنتم لا تؤمنون؟! فهذه الآيات صفعات على وجوه المشركين في مكة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأن أقم وجهك للدين حنيفاً ولا تكونن من المشركين)

    ثم قال تعالى: وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ [يونس:105] أي: وأمرني وأوحى إلي قال لي: أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا [يونس:105]، لا تلتفت عن الإسلام، لا يهودية ولا مجوسية ولا نصرانية، ولا شرك ولا باطل، أقم وجهك للدين حنيفاً مائلاً عن كل دين إلى دين الإسلام الذي هو الدين الحق، ولا دين ينفع سواه.

    وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلا تَكُونَنَّ [يونس:105] يا رسولنا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يونس:105]، هذا من باب: إياك أعني واسمعي يا جارة، إذا كان رسول الله يوجه إليه هذا الخطاب؛ فنحن المأمورون به، أما الرسول فمعصوم، وهيهات هيهات أن يخطر بباله شك أو يقع في شرك، ولكن باب: إياك أعني واسمعي يا جارة، وهذا مثل عند العرب، فنحن المأمورون أن نؤمن حق الإيمان وألا نكون من المشركين.

    حقيقة الشرك والمشركين

    ومن هم المشركون؟

    الذين يدعون غير الله، كل من سأل حاجته من غير ربه فقد أشرك، الذين يطلبون حوائجهم من أصنام أو أحجار أو ملائكة أو أنبياء أو رسل أو صالحين: أعطني كذا وافعل بي كذا، وأعني على كذا؛ ذلكم -والله­- هو المشرك، وإن كان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، كل من يتقرب إلى غير الله بالذبح له أو النذر له، أو بدعائه أو الاستغاثة به، أو الحب من أجله أو الكره من أجله؛ فقد أشرك وهو من المشركين.

    ولما صرفونا عن القرآن مضت مئات السنين والمسلمون بينهم مشركون، هذا يقول: وحق سيدي فلان، هذا يقول: هيا بنا نزور سيدي فلاناً، يركب الطائرة من بلد إلى بلد لزيارة قبر، والرسول يقول: ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد )، ولو كانت هذه الزيارة لله فوالله! ما فعلوها، لكن فيها طمع، رجاء أنهم يدعون عنده ويستجاب لهم، هذا هو التوسل، هذه هي الاستغاثة، وذلك كله يتنافى مع كلمة: لا إله إلا الله.

    فقوله تعالى مما أوحاه إلى رسوله: وَلا تَكُونَنَّ [يونس:105] يا رسولنا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يونس:105]، من هم المشركون؟ أهم بيض أو سود، حمر أم صفر؟

    المشركون الذين يعبدون مع الله غيره، أشركوا عباداً من عباد الله في عبادة الله عز وجل، أولئك هم المشركون، فلا يصح أبداً لمؤمن يشهد أن لا إله إلا الله أن يقبل على ميت ويقول: يا سيدي فلان، أو يشد رحله وينزل بساحته حول قبره أو ضريحه ويقول: يا سيدي فلان! أستشفع بك، أو أستغيث بك، ومن فعل هذا فوالله! لقد أشرك، وكم وقع لنا من آباء وإخوان وأمهات في هذه القرون المظلمة، فمن يوم أن أبعدونا عن القرآن والشرك ظاهر، اللهم إلا هذه السنيات في حدود الخمسين سنة حين انتشرت دعوة التوحيد بواسطة المواصلات العجيبة والاتصالات الغريبة، والكتب والطباعة المتوافرة والإذاعات، فانتشرت كلمة التوحيد، وإلا فقبل سبعين سنة والدنيا ظلام، اذهب إلى دمشق، إلى القاهرة، إلى عواصم العالم الإسلامي واسألهم عن الولي فسيأخذونك إلى ضريح فقط يبكون بين يديه.

    إذاً: هيا نحمد الله، فالحمد لله، الحمد لله، ما أصبحنا نسمع واحداً يحلف بغير الله أبداً، ولا أحد يقول: يا سيدي فلان أو يا أهل البلاد، أو يا فلان ويا فلان، فالحمد لله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذاً من الظالمين)

    ثم قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ [يونس:106]، والرسول لا يدعو من دون الله، ولكن نحن المقصودون بذلك.

    يا معشر المستمعين والمستمعات! يقول الله لرسوله ناهياً له عن دعاء غير الله: وَلا تَدْعُ [يونس:106]، أي: تطلب حاجتك من دون الله، مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ [يونس:106]، وهل هناك من ينفع أو يضر من الحجارة والتماثيل والأصنام والقبور والموتى والكواكب؟ والله! ما فيها ما ينفع أو يضر.

    وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ [يونس:106] من غير الله مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ [يونس:106] أيها السامع وركبت هواك فَإِنَّكَ إِذًا [يونس:106] والله مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس:106]، فمن يدعو غير الله يكون من الظالمين أو من المشركين، والظلم الأعظم هو الشرك بالله، واقرءوا قول الله تعالى عن لقمان الحكيم وهو يوصي ولده ويعظه ويذكره: يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]، ما وجه الظلم العظيم؟

    إليكم هذا المثل: يأخذك مؤمن أو كافر على راحلته، على طيارته، على سيارته، وينزلك فلة أو قصراً فيه مظاهر الجمال والكمال، والخدم حولك، أنواع الأطعمة والأشربة تقدم لك، ولا تقول للمنعم: جزاك الله خيراً، وتقول لغيره: جزاكم الله خيراً! لا تحمد ولا تشكر صاحب القصر والنعيم، وتحمد وتشكر أولئك الذين معك من دونه، فهل هذا ظلم أو لا؟ إنه ظلم بشع؟

    والله يخلق الكون كله من أجلك، ويخلقك ويرزقك، ثم لا تدعوه ولا تستغث به، ولا تذكره، وتعرض عنه وتلتفت إلى غيره؛ طامعاً راجياً راغباً، أي ظلم أفظع من هذا الظلم؟ والله! إن الشرك لظلم عظيم؛ لأن الظلم في لغة العرب: وضع الشيء في غير موضعه، من هو الظالم؟ الذي ضرب فلاناً، هل هذا الضرب يستحقه فلان؟ لا، فهو ظالم، وسلب فلاناً ماله، هل هذا السلب يستحقه فلان؟ لا، فهو ظالم، أو يزحزح الجالسين ويقول: سأنام بينكم وهو في حلقة علم، فهل هذا موضع النوم أم موضع الذكر والتعلم؟ أو يخرج عند باب المسجد ويفرز البول والغائط.

    إذاً: الظلم دائماً وأبداً: وضع الشيء في غير موضعه، فالذين يؤلهون أصحاب القبور وينادونهم ويستغيثون بهم ألهوهم، جعلوهم مثل الله عز وجل يسمعون النداء ويجيبونه ويعطون ويدفعون عمن دعاهم، فسلبوا صفات الله كلها ووضعوها على هؤلاء الموتى، وهكذا يقول تعالى وقوله الحق: فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس:106].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله ...)

    ثم يقول تعالى مخاطباً رسوله -ونحن المعنيون-: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ [يونس:107] يا عبد الله، يا أمة الله، فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ [يونس:107]، كم من مريض عالجوه وطاروا به في السماء ووضعوه في الأرض وما شفاه الله، فلن يشفى أبداً، وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ [الأنعام:17]، أي: بكل ما يضرك من مرض أو فقر أو حاجة أو كذا، فلا كاشف لذلك الضر إلا هو، وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ [يونس:107]؛ مالاً أو جاهاً أو عافية، فهل هناك من يرده؟ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [يونس:107].

    إذاً: ما بقي لنا من نلتفت إليه بقلوبنا فضلاً عن وجوهنا وألسنتنا إلا الله، وَهُوَ الْغَفُورُ [يونس:107] لمن تاب الرَّحِيمُ [يونس:107] بالمؤمنين، هذا الذي يعبد، هذا الذي يستغاث به، هذا الذي يحب من أجله، هذا الذي نحيا له ونموت له: قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163].

    هكذا يجب أن تكون قلوبنا يا معشر المستمعين والمستمعات، ليس فيها من نرهب ولا من نرجو إلا الله، موقنين أنه إذا مسنا بشرٍّ فلا يستطيع أحد أن يزيله، وإذا مسنا بخير لا يستطيع أيضاً أن يرده ويدفعه، فلا ملجأ إلا إلى الله، لا مرجع لنا إلا الله، فقولوا: آمنا بالله.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    اسمعوا الآيات مرة ثانية: قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا [يونس:104-105]، مائلاً عن كل الأديان الباطلة إلا الدين الحنيف، وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [يونس:105]، الرسول يواجه بهذا الخطاب ونحن المعنيون والمقصودون.

    وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ [يونس:106]، والذين يقولون: يا فاطمة ! يا حسين ! يا علي ! يا رسول الله يا ويلهم؛ فقد أشركوا بربهم وكفروا وهم لا يشعرون، ولا سيما عندما يعرفون ذلك ويبلغهم ويصرون عناداً ومكابرة، لن يفلحوا إلا أن ينقذهم الله بتوبة قبل موتهم، فالله يقول: وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ [يونس:106].

    وإن كنت تريدون البرهنة فقف أمام قبر الحبيب صلى الله عليه وسلم وناده: يا رسول الله! إني مريض، يا رسول الله! إني في حاجة، يا رسول الله! ردني إلى أهلي، يا رسول الله! اسأل الله لي كذا وكذا، وافعل ذلك أربعاً وعشرين ساعة، فهل ستسمع نداء؟ هل سيجيبك؟ هل سيعطيك شيئاً؟ والله! ما كان، وكل ما في الأمر أنك أغضبت الله عز وجل، إذ أقبلت على عبد من عباده وأصبحت تسأله كما تسأل الله عز وجل جل جلاله وعظم سلطانه.

    وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس:106] الذين يضعون الأشياء في غير موضعها، فالدعاء لا يسمعه إلا الله حيثما كنت، وناد: يا عبد القادر ! فوالله! ما يسمعك ولو كنت فوق قبره، أما أن يمده ويسخر لك الكون ويعطيك فهيهات هيهات! ولكن الذي يدعى ويرغب فيما عنده ويبكى بين يديه هو الله الذي أنعم علينا بحياتنا ووجودنا.

    وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ [يونس:107]، ارجع إلى الله، استعمل الأدوية واسأل الله وابك بين يديه وتضرع فهو الذي يشفيك، وإن يردك بخير فهل هناك من يرده؟ والله! لا يرده أحد، لو يجتمع أهل البلاد كلهم على أن يردوا خيراً أراده الله فوالله! ما قدروا، ولا بد أن يصل إليك بإذن الله عز وجل: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ [يونس:107] أي: بفضله مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [يونس:107]، أما غيره فلا يغفر ولا يرحم، فكيف يعبد ويدعى ويسأل؟ والله هو الغفور لذنوب عباده الرحيم بالعباد المؤمنين منهم.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.