إسلام ويب

تفسير سورة يونس (24)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • قصص الأنبياء تتضمن دعوة للنبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين للصبر والمصابرة، واستمرار الدعوة والمجاهدة، فهذا نوح عليه السلام لبث في قومه يدعوهم إلى الله تسعمائة وخمسين عاماً، فدعاهم ليلاً ونهاراً، سراً وإعلاناً، ومع ذلك ما آمن معه إلا قليل، فأنجاه الله ومن معه في الفلك، وأغرق الذين استمروا على الكفر والشرك.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة -ليلة الأربعاء من يوم الثلاثاء- ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه ألفاً وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ) .

    وها نحن ما زلنا مع سورة يونس بن متى عليه السلام السورة المكية، وقد عرفتم أن السور المكية تعالج العقيدة بقضاياها، ومن أعظم ذلك: التوحيد، وإثبات النبوة لخاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم، والبعث الآخر وما يتم فيه من حساب وجزاء إما بالنعيم المقيم أو بالعذاب الأليم.

    وها نحن مع هذه الآيات الثلاث، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة ثم نتدارسها إن شاء الله، والله نسأل أن يفتح علينا وينفعنا بما نعلم.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ * فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ [يونس:71-73].

    تسلية رسول الله وحمله على الصبر بذكر قصص الأنبياء

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ [يونس:71] من الآمر؟ الله، من المأمور؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم، بم أمر رسول الله؟ بأن يتلو على قومه قصة نوح، لماذا؟ ليقوى على إبلاغ دعوته وليتحمل ما تحمل نوح من قبل، وليكون القصص أيضاً سبب هداية القوم الكافرين، والله يقول: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [يوسف:3]، ويقول وقوله الحق: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ [هود:120].

    فالرسول صلى الله عليه وسلم في موقفه ذلك الحرج المتعب المؤلم -كما عايشناه في الآيات- في حاجة إلى من يصبره ويحمله على الصبر والثبات، ولذلك قص عليه تعالى قصة نوح وقومه، فقال لرسوله صلى الله عليه وسلم: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ [يونس:71] أي: اقرأ على قومك، فلا يتلو الكتاب إلا إذا قرأه.

    وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ [يونس:71] ما قال: خبر نوح، بل نبأ عظيم، أحداث ألف سنة إلا خمسين عاماً، وأنزل الله تعالى في هذه القصة سورة بكاملها تسمى سورة نوح بين المعارج والجن، وقص قصته في الكثير من السور.

    بعثة نوح لدعوة قومه بعد ظهور الشرك

    وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ [يونس:71] الذين أرسل فيهم ونبأ بينهم وكانوا مشركين يعبدون اللات يعبدون وداً ويغوث ويعوق ويسوع ونسراً، وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا [نوح:23].

    وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ [نوح:23] أي: لا تتركن، هذا القول قاله الرؤساء لأقوامهم من جماعة الشرك: لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ [نوح:23] بالعموم، وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا [نوح:23]، وعلمنا المصطفى صلى الله عليه وسلم في حديث الصحيح أن هؤلاء الخمسة كانوا أولياء من عباد الله الصالحين: يغوث ويعوق ونسر وود وسواع، كانوا أولياء كما نحن عندنا الأولياء، فلما ماتوا أيام التوحيد والعلم رأى أهل البلاد أن يضربوا عليهم قباباً وأن يضعوا تماثيل تمثلهم من أجل أنهم إذا شاهدوهم يخشعون ويذكرون الله ويبكون.

    فعلوا ذلك ومضى زمان وأخذ العلماء يموتون والعلم ينقص، ثم جاء جيل فقال: هؤلاء نعبدهم كما كان يعبدهم آباؤنا! فعبدوهم بدعائهم والاستغاثة بهم والنذر لهم والحلف بهم والعكوف حولهم؛ إذ هذه هي العبادة، مع حبهم وتعظيمهم وحب من يعظمهم ويحبهم وبغض من يبغضهم ويكرههم.

    فأرسل الله تعالى نبيه ورسوله نوحاً عليه السلام فقاومهم ألف سنة إلا خمسين عاماً وهو يدعو الليل والنهار، يدعو سراً وعلانية، وأذاقوه مر العذاب، ضربوه، سخروا منه وآذوه، وصبر، والله يقويه ويشد من ساعده حتى صبر هذه الفترة من الزمان: ألف سنة إلا خمسين عاماً.

    إعلام نوح قومه بطريق الخلاص منه لعظيم توكله على الله تعالى

    فهنا قال تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ [يونس:71] والقوم يطلق في الحقيقة على الرجال والنساء، من يقومون بالأمر معه، يقول لهم: يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي [يونس:71] بينكم وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ [يونس:71] إياكم، إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي [يونس:71]، ما أطقتموه وما استطعتم أن تصبروا على رؤيتي والنظر إلي وأنا أدعوكم وأنتم تعرضون وتتكبرون، وعظم عليكم وما استطعتم وما أطقتم مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ [يونس:71] فاعلموا أني على الله توكلت وفوضت أمري إليه وهو ناصري، وعليه فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ [يونس:71] لا تختلفوا، وادعوا شهداءكم وآلهتكم وشركاءكم، ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً [يونس:71] انتبهوا، لا تختلفوا عند الضربة فتتنازعوا، ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ [يونس:71] لتتخلصوا من وجودي، وَلا تُنْظِرُونِ [يونس:71] ولا تمهلوني.

    فأعلمهم إذا أرادوا أن يتخلصوا منه وبين لهم الطريق وهو موقن أن الله حافظه وأن الله كالؤه وناصره، لكن من باب أن يقف بهم على الحقيقة علهم يرجعون وقف وحده فيهم يقول لهم: فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ [يونس:71] ادعوهم وأحضروهم، وأحذركم أن تختلفوا، واضربوني ضربة واحدة ولا تنتظروني.

    قال تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي [يونس:71] بينكم، ما استطعتم أن تصبروا على سماع هذه الدعوة، وهي أن يعبدوا الله وحده فقط وأن يتخلوا عن عبادة الأوثان والأصنام، إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله؛ إذ كان يذكرهم بنعم الله وآياته لعلهم يتوبون أو يرجعون.

    إذاً: فعلى الله وحده توكلت واعتمدت وفوضت أمري إليه، إذاً: فأجمعوا أمركم وادعوا شركاءكم ثم احذروا فلا يكن أمركم عليكم غمة في خفاء وظلمة، بل على وضوح وبيان، واضربوني ضربة واحدة ثم لا تنظروني.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله ...)

    ثم قال لهم: فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ [يونس:72] فإن توليتم وأعرضتم فما قبلتم دعوة التوحيد وأبيتم إلا الإصرار على الشرك والكفر فما سألتكم من أجر حتى تقولوا: ما عندنا أبداً ما نعطيكه، أنت تعيش على حساب هذه الدعوة.

    قال: فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ [يونس:72] مقابل ما أدعوكم إليه، أنا مأمور من قبل ربي وسيدي أن أبلغ لكم الطريق وأوضح لكم السبيل لتنجوا وتسعدوا، فلو كنت آمركم بأن تدفعوا مالاً أو تعطوني مقابلاً لكنتم معذورين، ولكن فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ [يونس:72] هو الذي يوفيني أجري في الدنيا أو في الآخرة، أما أنتم فلا أسألكم ديناراً ولا درهماً.

    قال العلماء: في هذه الآية دليل على أن الداعية لا يقبل أجراً ولا يطالب المدعوين بالمال، فإن حصل من طريق أوقاف أو كذا فلا بأس، أما أن يقول: أعطوني حتى أعلمكم فلا يجوز.

    معنى قوله تعالى: (وأمرت أن أكون من المسلمين)

    فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس:72] وأمرني ربي أن أكون من المسلمين القلوب والوجوه والأعمال لله، فها هو تعالى أمرني أن أدعوكم وأمرني بالصبر فأنا صابر على أذاكم، أمرني بالبقاء على دعوتي فأنا باق لأنني من جملة المسلمين، الذين أسلموا قلوبهم لله ووجوههم: وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ [النساء:125]، إسلام القلب لله أن يكون قلبك لا يفكر إلا في رضا الله، لا هم أبداً يحمله إلا أن يرضى الله عنك، هو الذي تلجأ إليه وترجع إليه، هو الذي تدعوه وتطرح بين يديه فيغفر ذنبك ويقضي حاجتك ويفرج همك ويزيل غمك، هو فقط أما سواه فلا.

    وأما إسلام الوجه لله فإنك لا تنظر إلا إلى الله ولا تعرض لغير الله، لا تذل ولا تنكسر ولا تطمع ولا ترجو ولا ترغب في أحد إلا الله عز وجل، بمعنى أنك أسلمت نفسك له، إن قال: قل قلت، إن قال: اسكت سكت، إن قال: كل أكلت، إن قال: صم صمت، هذا هو الإسلام.

    وقواعد الإسلام خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، إيتاء الزكاة، صوم رمضان، حج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلاً، من جاء بهذه القواعد الخمس أسلم، ومن رفض واحدة فما أسلم وما هو بمسلم، فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس:72] هذا نوح قبل أن يكون منكم أيها المسلمون، هذه فضيلة لا حد لها، ألسنا مسلمين؟! نوح يسأل الله أن يكون معنا من المسلمين إن صدقنا في إسلامنا قلوبنا لله وجوهنا له تعالى.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فكذبوه فنجيناه ومن معه في الفلك وجعلناهم خلائف ...)

    ثم قال تعالى: فَكَذَّبُوهُ [يونس:73] ما صدقوه في أي قضية من قضايا الدعوة، في أي مسألة من مسائل التوحيد، كذبوه، فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ [يونس:73] الفلك أول فلك عرفته البشرية وصنعه نوح بقدومه ويده وجبريل يرشده، فكان الفلك أو السفينة على سطح الأرض لا ماء ولا بحر، وكان يمر به الصعاليك ويقولون: يا نوح! هذه السفينة ستنقلها إلى البحر أو تنقل البحر إليها! يستهزئون به ويسخرون.

    ودقت الساعة وأمره الله أن يحمل نفسه وأسرته والمؤمنين، وكانوا نيفاً وثمانين نسمة بين رجل وامرأة فقط، ثم تدفقت المياه من السماء ومن الأرض، واقرءوا لذلك فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ [القمر:10-13] أي: مسامير وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ [القمر:13].

    إذاً: قال تعالى هنا: فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلائِفَ [يونس:73] إذ كل من على الأرض انتهى وجوده وغرق وهلك، فمن هم الذين جعلهم خلائف؟ أصحاب السفينة، ومنهم توالدت البشرية، من أولاد نوح: سام وحام ويافث. ‏

    معنى قوله تعالى: (وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا فانظر كيف كان عاقبة المنذرين)

    وَجَعَلْنَاهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا [يونس:73] عن آخرهم حتى كنعان بن نوح أغرقه الله لأنه رفض الإيمان ورفض أن يركب السفينة، وقصته في السورة الآتية بعد سورة يونس مفصلة.

    قال تعالى: فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلائِفَ [يونس:73] أي: يخلف بعضهم بعضاً في الأرض، وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا [يونس:73]، ثم قال لرسوله ولكل مؤمن: فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ [يونس:73] الذين بعث الله فيهم رسوله يتكلم بلسانهم ويعلمهم الطريق وينذرهم عواقب الكفر والشرك فكفروا فدمرهم الله واستأصل وجودهم، بعد ذلك انظر كيف كان عاقبة المنذرين الذين أنذرتهم رسل الله.

    وبعد نوح هود وأمته وصالح وأمته وشعيب ولوط في أمم: فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ [يونس:73] الذين بلغتهم الدعوة فرفضوها، أما قبل أن تبلغهم فمعفو عنهم.

    اسمعوا الآيات مرة ثانية: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ * فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ [يونس:71-73].

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    وإليكم شرح الآيات من الكتاب.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم وسائر المؤمنين:

    [ معنى الآيات:

    ما زال السياق الكريم في طلب هداية المشركين بالرد على دعاواهم وبيان الحق لهم، وفي هذه الآيات يأمر الله تعالى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقرأ عليهم طرفاً من قصة نوح مع قومه المشركين الذين كانت حالهم كحال مشركي العرب سواءً بسواء، وفي قراءة هذا القصص فائدتان:

    الأولى: تسلية الرسول وحمله على الصبر.

    والثانية: تنبيه المشركين إلى خطئهم، وتحذيرهم من الاستمرار على الشرك والعصيان فيحل بهم من العذاب ما حل بغيرهم، قال تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ [يونس:71] أي: خبره العظيم الشأن، وهو قوله لهم: يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي [يونس:71] أي: عظم وشق عليكم وجودي بينكم أدعوكم إلى الله، وتذكيري إياكم بآيات الله، فإني توكلت على الله، فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ [يونس:71] أي: اعزموا عزماً أكيداً، وادعوا أيضاً شركاءكم للاستعانة بهم، ثم أحذركم أن يكون أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً [يونس:71] أي: خفياً ملتبساً عليكم فيجعلكم تترددون في إنفاذ ما عزمتم عليه، ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ [يونس:71] ما تريدون من قتلي أو نفيي، وَلا تُنْظِرُونِ [يونس:71] أي: لا تؤخروني أي تأخير.

    وقوله: فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ [يونس:72] أي: أعرضتم عن دعوتي وتذكيري ولم تقبلوا ما أدعوكم إليه من عبادة الله تعالى وحده، فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ [يونس:72] أي: ثواب؛ حتى تتولوا، إن أجري إلا على ربي الذي أرسلني وكلفني، وقد أمرني أن أكون من المسلمين له قلوبهم ووجوههم وكل أعمالهم، فأنا كذلك كل عملي له فلا أطلب أجراً من غيره تعالى.

    وقوله: فَكَذَّبُوهُ [يونس:73] أي: دعاهم واستمر في دعائهم إلى الله زمناً غير قصير، وكانت النهاية أن كذبوه، ودعانا لنصرته فنجيناه ومن معه من المؤمنين في السفينة، وجعلناهم خلائف لبعضهم بعضاً، أي: يخلف الآخر الأول، وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا التي أرسلنا بها عبدنا نوحاً، فانظر يا رسولنا كيف كان عاقبة المنذرين الذين لم يقبلوا النصح ولم يستجيبوا للحق، إنها عاقبة وخيمة؛ إذ كانت إغراقاً في طوفان وناراً في جهنم وخسراناً، قال تعالى في سورة نوح: مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا [نوح:25] ]، فالظاهر أنهم أغرقوا في الماء وأدخلوا على الفور في النار، [ مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ [نوح:25] أي: بسبب خطيئتهم [ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا [نوح:25] ].

    هداية الآيات

    إليكم بيان هداية الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: تسلية الدعاة بمثل موقف نوح العظيم ]، يا دعاة الحق، يا دعاة التوحيد، يا دعاة السلفية، يا دعاة الهداية! ائتسوا بنبي الله نوح بالصبر والثبات وعدم طلب الأجر.

    قال: [ تسلية الدعاة بمثل موقف نوح العظيم؛ إذ قال لقومه: أجمعوا أمركم ونفذوا ما تريدون، إني توكلت على الله ]، ومعنى هذا أن الداعي إذا هدد أو خوف لا يترك دعوة الله، نوح توكل على الله وثبت ونحن مأمورون بالاقتداء به.

    [ ثانياً: ثمرة التوكل شجاعة واطمئنان نفس وصبر وتحمل مع مضاء العزيمة ]، نتيجة التوكل على الله: الشجاعة واطمئنان النفس والصبر والتحمل مع مضاء العزيمة.

    [ ثالثاً: دعوة الله لا ينبغي أن يأخذ الداعي عليها أجراً إلا للضرورة ]، كأن لم يجد ما يأكل ولا يشرب.

    [ رابعاً: بيان سوء عاقبة المكذبين بعد إنذارهم وتحذيرهم ] من عاقبة تكذيبهم وشركهم وكفرهم.

    والله تعالى أسأل أن ينفعنا بما ندرس ونسمع، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.