إسلام ويب

تفسير سورة يونس (18)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بعث الله عز وجل رسله بدعوة التوحيد، وكلفهم بتبليغها إلى العبيد، وتكفل سبحانه بهداية المؤمنين، وتوعد بعزته وقدرته الضالين المكذبين، بالعذاب والرجز الأليم في الدنيا جزاء تكذيبهم، ثم يوم القيامة يدخلهم النار لهم فيها عذاب مقيم، فهو سبحانه العلي العظيم، الذي لا يعجزه شيء في السماوات أو في الأرض العزيز الكريم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً إلا ما شاء الله ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والتي بعدها ندرس كتاب الله عز وجل، رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه ألفاً وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة يونس بن متى، ومع هذه الآيات الخمس، فهيا بنا لنصغي إلى تلاوتها مجودة مرتلة، ثم نتدارسها إن شاء الله تعالى.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ * أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ * ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ * وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [يونس:49-53].

    تضمن الآية الكريمة جواب المشركين في استعجال العذاب

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! أعيد إلى أذهانكم أن السورة مكية، وأنها تعالج العقيدة لتصححها لأهلها، وأعظم أركانها التوحيد والنبوة والبعث الآخر، وقد تقدم السياق في الصراع بين رسول الله وبين المشركين المكذبين بالبعث والدار الآخرة، وهنا يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ [يونس:49]، هذا لأنه تقدم قولهم: مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [يونس:48]، يقولون لرسول الله والمؤمنين: مَتَى هَذَا الْوَعْدُ [يونس:48] بالعذاب الذي تعدوننا به إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [يونس:38].

    فعلم الله رسوله صلى الله عليه وسلم الجواب قال له: قل لهم: لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ [يونس:49].

    دلالة الآية الكريمة على بطلان الاستغاثة بالرسول صلى الله عليه وسلم

    وهنا وقفة: الرسول يأمره ربه عز وجل أن يقول في وضوح وفي صراحة: لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا [يونس:49] فكيف يطلب منه دفع الضر أو جلب المنفعة؟ والجهال يقولون: يا رسول الله، يا رسول الله، يا كذا، وما وقفوا عند رسول الله، بل تجاوزوه إلى غيره: يا فاطمة ، يا حسين ، يا علي ، يا مبروك ، يا فلان، يا فلان! كأنهم ما بلغهم كتاب الله.

    قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا [يونس:49]، لا أملك ضراً أدفعه عنها ولا نفعاً أنتفع به، ولا أملك ضراً أسلطه على عدوي، ولا نفعاً أسلبه منه، هذا كله لا أملكه، ومن سورة الأعراف: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ [الأعراف:188]، ومعنى هذا أنه لا يحل لمؤمن ولا مؤمنة أن يعلق رجاءه بمخلوق من المخلوقات لا ليدفع عنه الضر ولا ليجلب له النفع، فإنه لا يقدر على ذلك إلا أن يشاء الله.

    فهنا يقول تعالى: قل يا رسولنا لهؤلاء الذين يقولون لك: مَتَى هَذَا الْوَعْدُ يونس:48]، قل لهم: لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [يونس:49]، فانتظروا فإن لكم أجلاً سوف يتم لكم، أما أنا فلا أملك أبداً جلب الضر وإسقاطه عليكم، ولا أملك دفع النفع عنكم وإبعاده عن ساحتكم، ما أنا إلا رسول مبلغ عن الله، أدعو إلى ربي ليعبد عبادة تسعد أهلها، وأحذر من الشرك به والكفر به؛ لأن الشرك والكفر يشقيان صاحبهما.

    معنى قوله تعالى: (لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)

    لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ [يونس:49] محدود معدود ووقت معين، إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [يونس:49] أخرى، ما يتأخر العذاب ساعة، لو قال قائل وقالت الدنيا كلها: أخره ساعة فقط فلن يؤخر، لو أرادت الدنيا كلها أن تستعجله بساعة، حيث العذاب في الساعة العاشرة، فأرادته في الساعة التاسعة فوالله! ما يقدرون على هذا.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قل أرأيتم إن أتاكم عذابه بياتاً أو نهاراً ماذا يستعجل منه المجرمون)

    ثم قال له: قل يا رسولنا: أَرَأَيْتُمْ [يونس:59] أخبروني، قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا [يونس:50]، البيات بمعنى الليل، وأنتم بائتون، والنهار وأنتم تعملون، بَيَاتًا [يونس:50]بالليل وأنتم نائمون بائتون، أَوْ نَهَارًا [يونس:50] وأنتم في مزارعكم ومتاجركم، مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ [يونس:50]، أي شيء يستعجله المجرمون إذا حصل ووقع؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أثم إذا ما وقع آمنتم به آلآن وقد كنتم به تستعجلون)

    أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ [يونس:51]، أئذا وقع آمنتم به؟ وهل ينفع الإيمان بعد مشاهدة العذاب ومعاينته، هل تنفع التوبة عندما يغرغر وتتحشرج النفس في الصدر، فإذا لاحت علامة العذاب هل تنفع التوبة؟!

    أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ [يونس:51]؟ والتوبيخ: آلآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ [يونس:51]، والآن من يدفع عنكم، من يقوى على دفعه؟ وكنتم تستعجلونه وتطالبون به: فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [الأعراف:70]، فإذا وقع ولاحت أعلامه وبرزت فهل بقي من يدفعه أو يصرفه؟

    أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلآنَ [يونس:51] تؤمنون به وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ [يونس:51]، وتطالبون به، والآن تريدون أن يرفع عنكم ويدفع عنكم العذاب؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون)

    ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ [يونس:52]، من القائل؟ الزبانية، ففي دار البوار والشقاء والنار يقولون للظالمين: ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ [يونس:52] ، كلمة استهزاء وسخرية بهم؛ لأن التذوق في الحلال والطيب اللذيذ، لا في المرارة والعذاب، هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ [يونس:52]، أي: ما تجزون -والله- إلا بما كنتم تكسبون في دنياكم من أعمالكم التي هي الشرك والكفر وحرب الرسول والمؤمنين.

    الشرك أعظم الظلم

    (( ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ))[يونس:52] من هم هؤلاء؟ الذين أشركوا بربهم سواه في عبادته، لماذا؟ لأن الشرك أفظع أنواع الظلم، والله! لا ظلم أقبح من الشرك، وعرفتم وجه ذلك واضحاً: أيخلقك ويرزقك ويكلؤك ويحفظك ثم تغمض عينيك عنه وتلتفت إلى مخلوق غيره وتعبده؟ أي ظلم أفظع من هذا الظلم؟ الذي خلقك ورزقك وخلق الكون كله من أجلك تعرض عنه إعراضاًكاملاً وتلتفت إلى مخلوق تناديه وتدعوه وتستغيث به وتطلب خيره ودفع شره؟ لا ظلم أفظع من الشرك، وشاهده من قول الله تعالى عن لقمان الحكيم

    إذ قال: (( يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ))[لقمان:13]. ربنا ينادينا، يمد يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويمد يده في النهار ليتوب مسيء الليل، ويقول: (( ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ))[غافر:60] ونغمض أعيينا ونقول: يا سيدي فلان، يا رسول الله، يا فلان، يا فلان! إنه شيء يغضب الجبار.

    أثر انصراف المسلمين عن مدارسة القرآن الكريم

    وقد عاشت هذه الأمة قروناً من القرن الرابع أو الخامس وهذه المتاهات لا حد لها، علماء يفتون بالجواز، يذكر الشيخ رشيد رضا أن مجلة للأزهر تسمى الأنوار الإسلامية يفتون فيها بجواز دعاء فلان وفلان وفلان! ما سر ذلك؟ إنه بعدهم عن دراسة القرآن الكريم، لا يجتمعون عليه لدراسته واستخراج أنوار الهدى منه، والعمل بما فيه، ولكنهم صرفوه إلى الموتى فماتوا، والقرآن روح، أليس كذلك؟ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا [الشورى:52]، القرآن روح ونور، ثلاثة قرون والأمة الإسلامية حية بالقرآن تتدارسه وتعمل به، وتستنير في الحياة كلها بأنواره، فسمت وعلت، وسادت وارتفعت، فمكر بها العدو الثالوث، وصرفوها عن القرآن، عن الروح، عن النور، فماتت وعميت، وتخبطت في الحياة، وحسبنا أن استعمرها الشرق والغرب.

    فهل القرآن يقرأ على الموتى يا عباد الله؟! أسألكم بالله: حين تقرأ القرآن على ميت هل يبكي؟! هل يخشع؟! هل يقوم ليؤدي الواجب؟!

    الجواب: لا. إذاً: ما معنى قراءة القرآن على الميت؟!

    السر ما علمتم وستعرفون هذا يوم القيامة: أن الثالوث الأسود المكون من المجوسية واليهودية والصليبية مكروا بأمة الإسلام، وعلموا أن حياتها وكمالها وهدايتها متوقفة على القرآن، فسلبوا منها القرآن، كيف سلبوه؟ هل محوه وأحرقوا مصاحفه، وقتلوا حافظيه؟ الجواب: ما استطاعوا ذلك وما قدروا عليه، والقرآن محفوظ في صدور النساء والرجال، فكيف يصنعون إذاً؟

    قالوا: نصرفهم عنه، أصبح لا يستطيع اثنان أن يتدارسا آية، أو يستنبطا منها هدى أو نوراً، فماذا يصنعون بالقرآن إذاً؟

    قالوا: اقرءوه على الموتى، إذا مات السيد فهناك إعلان: توفي فلان، فيأتون بعشرين أو بثلاثين من أهل القرآن، يقرءون ثلاث ليال، سبع ليال، حسب قدرتهم، ويعطونهم نقوداً في أيديهم، ويطعمونهم ويسقونهم، ويظنون أنه لهذا نزل القرآن! أما مدارسته لمعرفة ما فيه من الهدى والنور فقد قالوا تلك العبارة، ومن أراد أن يراجع هذه القضية ففي كتب الفقه المالكي على خليل ، فيها: تفسير القرآن صوابه خطأ وخطؤه كفر.

    لو مروا بنا ونحن ندرسه الآن لكفرونا، وسيغلق أحدهم أذنيه ويهرب، في العالم بأسره كانوا يقولون: تفسير القرآن صوابه خطأ، إن قلت الحق وعرفته فأنت مخطئ؛ إذ لا حق لك أن تتكلم في كلام الله، وإن أخطأت كفرت والعياذ بالله تعالى! وإلا فكيف يقرأ هذه الآيات ويقول: يا سيدي عبد القادر ، أين الأقطاب أين الأبدال، الأقطاب يديرون الملك مع الله عز وجل، سيدي فلان قطب، والأبدال ثلاثون بديلاً، وإذا مات واحد استبدلوا به الآخر!

    حكاية في متاهات الأقطاب والأبدال

    وهنا حكاية سمعناها من شيخنا تغمده الله برحمته، قال: اجتمع الأقطاب في مسجد من المساجد بعدما مات أحد الأبدال، فاجتمعوا ليسموا ويعينوا بدله، فمر بهم لص من لصوص المدينة فسمعهم يتكلمون ويتشاورون ويتبادلون الآراء، فظن أنهم تجار يبيتون في المسجد، لأنه ما هناك فنادق، فقال: والله! لأبيتنهم الليلة المقبلة.

    فجاء قبل أن يدخلوا، فصلى الناس العشاء وهو لف نفسه في حصير من حصر المسجد، ووضعها قائمة وجلس واقفاً فيها، فجاء الأقطاب والأبدال يتشاورون: أرأيتم لو تعينون فلاناً، وآخر يقول: لا، فما اتفقوا، فقال لهم أحدهم: هذا الذي في الحصير هو البدل! دخل لصاً فخرج بدلاً، دخل لصاً يريد المال، فخرج قطباً وعينوه! هكذا كانوا، الأقطاب والأبدال يدعونهم، يذبحون لهم، يستغيثون بهم، يكرهون من يكرههم، يبغضون من يبغضهم، أمة لاصقة بالأرض، فالحمد لله فها نحن ندرس كتاب الله.

    قال تعالى: ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا [يونس:52] أنفسهم بشركهم بربهم: ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ [يونس:52] في جهنم، عذاب خالد لا ينتهي، ولا يخرجون منه، هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ [يونس:52]، يقولون لهم: والله! ما تجزون إلا بكسبكم، هذا الذي كنتم كسبتموه لأنفسكم، ما ظلمكم الله، أنتم جنيتم على أنفسكم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين)

    ثم قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ [يونس:53] يستخبرونك، يسألونك: أحق ما تقول أن هناك عذاباً يوم القيامة؟ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ [يونس:53]، قطعاً للشك والوساوس والخواطر الفاسدة.

    قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [يونس:53]، ما أنتم معجزين الله لتدفعوا العذاب عن أنفسكم، ولا معجزين الملائكة والزبانية، والله! ما أنتم بمعجزين، وسوف يحل بكم العذاب الأليم.

    أرأيتم كيف يحدث الله رسوله، ويعلمه، ويبين له الطريق من أجل هذه الأمة؟ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ * أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ * ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ * وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [يونس:49-53]. هذا كلام الله.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    إليكم شرح الآيات من الكتاب.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ معنى الآيات:

    ما زال السياق الكريم في الرد على المشركين، فقد طالبوا في الآيات السابقة بالعذاب فقالوا: مَتَى هَذَا الْوَعْدُ [يونس:48]، أي: العذاب، إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [يونس:38]، فأمر الله تعالى رسوله في هذه الآيات أن يقول لهم: إني لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا [يونس:49]، أي: لا أملك دفع الضر عني، ولا جلب النفع لي إذا لم يشأ الله تعالى ذلك، فإن شاءه كان، فكيف أعلم الغيب وأعرف متى يأتيكم العذاب؟ كما لا أقدر على تعجيله إن كان الله يريد تأجيله وتأخيره، واعلموا أنه لكل أمة من الأمم أجل، أي: وقت محدد لهلاكها وموتها فيه، فلا يتأخرون عنه ساعة ولا يتقدمون عليه أخرى، فلذا لا معنى لمطالبتكم بالعذاب.

    وشيء آخر: أَرَأَيْتُمْ [يونس:50] أي: أخبروني إن أتاكم العذاب الذي تستعجلونه بَيَاتًا [يونس:50]أي: ليلاً أَوْ نَهَارًا [يونس:24]، أتطيقونه وتقدرون على تحمله؟ إذاً: فماذا تستعجلون منه أيها المجرمون؟ إنكم تستعجلون أمراً عظيماً.

    وقوله تعالى: أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ [ينس:51]، أي: أتستمرون على التكذيب والعناد، ثم إذا وقع آمنتم به، وهل ينفعكم إيمانكم يومئذ؟ فقد يقال لكم توبيخاً وتقريعاً: آلآنَ [يونس:51] تؤمنون به وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ [يونس:51]؟

    وقوله تعالى: ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ [يونس:52]، يخبر تعالى أنه إذا دخل المجرمون النار، وهم الذين ظلموا أنفسهم بالشرك والمعاصي، يقال لهم: ذُوقُوا [يونس:52] تهكماً بهم وازدراء عَذَابَ الْخُلْدِ [يونس:52] أي: العذاب الخالد الذي لا يفني ولا يبيد، إنكم ما تجزون -أي: ما تثابون- إلا بما كنتم تكسبونه من الشرك والمعاصي.

    وقوله تعالى: وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ [يونس:53]، أي: ويستخبرك المشركون المعاندون قائلين لك: أحق ما تعدنا به من العذاب يوم القيامة؟ أجبهم بقولك: قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ [يونس:53]، وما أنتم بمعجزين الله ولا فائتيه، بل لا بد أن يلجئكم إلى العذاب إلجاءً، ويذيقكموه عذاباً أليماً دائماً وأنتم صاغرون ] أذلة حقيرون.

    هداية الآيات

    والآن نستنبط هداية الآيات:

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: لا يملك أحد من الخلق لنفسه -فضلاً عن غيره- ضراً يدفعه ولا نفعاً يجلبه إلا بإذن الله تعالى ومشيئته ]، من أين أخذنا هذا؟ من أين استنبطناه؟

    إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمه ربه أن يقول في وضوح وصراحة: إني لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً؛ فكيف بغير الرسول؟! هو من باب أولى.

    فلهذا ما بقي من يقول: يا فاطمة ، يا حسين ، يا رسول الله ، يا سيدي فلان، يا بدوي ، وأظن أن الحسين ما زالت فيه مجموعة تائهة في القاهرة، لكن من مدة ما بلغنا شيء، لعلهم انتهوا، لأن علماء الأزهر كانوا يشجعون هذا الباطل، ولكن لما تجلت آية التوحيد بفضل الله تعالى ثم بـمحمد بن عبد الوهاب خمدت نار الفتنة، لا يملك أحد من الخلق لنفسه -فضلاً عن غيره- ضراً يدفعه ولا نفعاً يجلبه إلا بإذن الله تعالى ومشيئته، وخاب وخسر الذين يُعولون على الأولياء في جلب النفع لهم ودفع الشر عنهم، خابوا وخسروا.

    [ ثانياً: الآجال محدودة لا تتقدم ولا تتأخر، فلذا لا معنى للجبن من العبد ]، لا معنى للجبن من الإنسان، لم يجبن الإنسان والأجل محدود؟!

    [ ثالثاً: لا ينفع الإيمان ولا التوبة عند معاينة العذاب أو مَلَك الموت ]، من أين أخذنا هذا؟ من قوله تعالى: أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ [يونس:51].

    [ رابعاً: جواز الحلف بالله إذا أريد تأكيد الخبر ]، فالحلف بالله مشروع لتقوية الخبر وتأكيد الكلام، لا إثم فيه ولا عيب، لكن الحلف بالله مع الكذب هو المحرم، فمن أين أخذنا جواز الحلف؟ من قول الله تعالى: قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ [يونس:53].

    [ خامساً: (إي) حرف إجابة ] قُلْ إِي وَرَبِّي [يونس:53]، [ وتقترن دائماً بالقسم، نحو: إي والله، إي وربي ].

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.