إسلام ويب

تفسير سورة يونس (17)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن لقاء الله عز وجل والقدوم عليه أمر لابد منه، ومن كذب بهذا اللقاء فهو الخاسر، وفي ذلك اللقاء، يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، ثم يقضي بين رسله عليهم السلام ومن كذبهم من أقوامهم بالقسط والعدل، وعندها يعلم الظالمون جرم ما ارتكبوه، فيعضون أصابع الندم، ولات ساعة مندم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والليالي الثلاث بعدها ندرس إن شاء الله كتاب الله؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن ما زلنا مع سورة يونس بن متى المكية المباركة الميمونة، وهنا أذكر الناسين وأعلم إن شاء الله غير العالمين بأن السور المكية في كتاب الله القرآن العظيم تعالج العقيدة، لا سيما التوحيد والنبوة والبعث الآخر، وتتبعوا تلك السور فستجدونها لا تخرج عن هذه الحقيقة، تقرر معنى لا إله إلا الله، أي: أنه لا يستحق أن يعبد في العوالم كلها إلا الله، فلا يعبد معه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا عبد في الصالحين فضلاً عن تلك المخلوقات من أشجار وأحجار.

    كما تقرر النبوة المحمدية وتثبتها، وهي أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي العدناني نبأه الله واصطفاه وأنزل عليه وحيه وأرسله إلى الناس كافة.

    وأما البعث الآخر فهو العقيدة الإسلامية الإيمانية بأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله يحاسبهم ويجزيهم: مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا [الأنعام:160]، أهل الحسنات في دار السلام الجنة دار الأبرار، وأهل السيئات في دار البوار النار والعياذ بالله تعالى منها ومن أهلها.

    والآن مع هذه الآيات الأربع، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة ثم نتدارسها بعد ذلك إن شاء الله.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ * وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ * وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ * وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [يونس:45-48].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ [يونس:45] هذه قراءة حفص ، وقرأ نافع : ( ويوم نحشرهم ).

    فقوله تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ [يونس:45]، من الحاشر سوى الله؟ إذ هو الذي يحيي الموتى ويجمعهم في صعيد واحد ليسألهم ثم ليجزيهم.

    اذكر هذا يا عبد الله: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ [يونس:45] الدنيا كلها حياتهم فيها وموتهم في قبورهم إلى يوم يبعثون كأنهم ما كانوا إلا ساعة من نهار، واقرءوا لذلك قول الله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا [النازعات:42-44]، إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا * كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا [النازعات:45-46]، تلك العشية ساعة من النهار، يبعثون فيسألون: كم لبثتم؟ فيقولون: يوماً أو بعض يوم.

    وهنا الآية تحمل معنيين سليمين صحيحين، فذاك المعنى الأول، والمعنى الثاني: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ [يونس:45] تعالى كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ [يونس:45] وهم قائمون، يقفون مقدار ساعة من النهار يتعارفون بينهم، وبعد ذلك الانفصام والقطع، هؤلاء مصيرهم إلى دار السلام وهؤلاء مصيرهم إلى دار البوار والعياذ بالله تعالى.

    معنى قوله تعالى: (قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين)

    قال تعالى: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [يونس:45]، حشرهم في ساحة فصل القضاء وما هي إلا ساعة وإذا مصير هؤلاء إلى الجنة، وهؤلاء إلى النار.

    ثم قال تعالى مخبراً بمصير المكذبين بلقاء الله المكذبين بالبعث والجزاء الآخر، المشركين بالله غيره من مخلوقاته، الفاسقين والمجرمين والخارجين عن طاعته وطاعة رسوله: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ [يونس:45]، أي: بالبعث الآخر، وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [يونس:45] في دنياهم، وما كانوا في عرصات القيامة بمهتدين إلى دار السلام، فهم خاسرون هالكون في الدنيا والآخرة.

    هكذا يخبر تعالى فيقول: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ [يونس:45] في ساحة فصل القضاء بعد أن بعثهم من قبورهم أحياء، كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ [يونس:45]، جزء من النهار، يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ [يونس:45] ثم يفصل بينهم.

    ثم قال تعالى: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ [يونس:45]، والخسران معروف عندنا، وهو أن يلقى المرء في عالم الشقاء فلا يجد أباً ولا أخا ولا أماً ولا بنتاً ولا عمة ولا خالة ولا صديقاً ولا قريباً، ويخلد في عذاب ملايين السنين، عذاب لا نهاية له، والله! لا نهاية له، واقرءوا قول الله تعالى: قُلْ [الزمر:15] يا رسولنا إِنَّ الْخَاسِرِينَ [الزمر:15]، ليس الذين خسروا شاة وبعيراً، أو منصباً أو وظيفة أو عبداً أو أمة أو جارية، هذا ما هو بالخسران، قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر:15]، أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر:15] البين الواضح، أما خسران الدنيا فما هو بخسران.

    أثر التكذيب باليوم الآخر على سلوك العبد

    إذاً: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ [يونس:45]، وهنا سؤال: ألمجرد تكذيبهم بلقاء الله يهلكون ويخسرون؟ فما علة ذلك؟

    الجواب: الذين كذبوا بالبعث الآخر بالدار الآخرة وما يجري فيها وما يتم فيها من نعيم أو عذاب أليم؛ هؤلاء ما زكوا أنفسهم، ما صاموا ولا صلوا ولا تصدقوا ولا ذكروا الله ولا علموا الصالحات، بل انغمسوا في الشهوات والملاذ والذنوب والآثام فاسودت نفوسهم وخبث وتعفنت وأنتنت، فما أصبحوا أهلاً أبداً لدار السلام، ولذلك هم الخاسرون.

    قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ [يونس:45]، ومن كذب بلقاء الله هل يؤمن بالله؟ ومن لم يؤمن بالله هل يؤمن برسول الله؟ ومن لم يؤمن برسول الله هل يؤمن بالحق والخير والمعروف؟ وهكذا سلسلة حلقاتها واحدة، إلا أن الآيات في تقرير مبدأ الحياة الثانية، وهو من أعظم أركان الإيمان الستة بعد الإيمان بالله وتوحيده.

    فالذي ما يؤمن بأنه سيحيا من جديد ويسأل ويستنطق ويستجوب ويجزى بكسبه وعمله كيف يستقيم في الدنيا؟ كيف يحتاج ولا يكذب؟ كيف يحتاج ولا يسرق؟ كيف تثور شهوته ولا يفجر؟ من يمنعه؟ ما يصرفه؟

    فالكفر والتكذيب بلقاء الله صاحبه شر الخليقة لا يعول عليه بشيء ولا يقتدى به في شيء ولا يؤتسى به في شيء، آهٍ! لو عرف الناس هذا للفظوا ورفضوا الكفار المكذبين، وخاصة المكذبين بالبعث ولقاء الله، كالعلمانيين والبلاشفة والملحدين ومن إليهم، ولكن ما درسوا كتاب الله ولا عرفوه.

    وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [يونس:45]، لو كانوا مهتدين لآمنوا وصدقوا واستقاموا على منهج الله فأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، ولكن إذا ما كانوا مهتدين إلى دار السلام فمن أين لهم أن يدخلوها؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا مرجعهم ...)

    ثم قال تعالى: وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ [يونس:46]، الأصل: وإن نرينك، فزيدت الميم لتقوية الكلام، والعرب يقولون: زيادة المبنى زيادة في المعنى، أو تقوية للمعنى.

    وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ [يونس:46]، من المخاطب؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم، من مخاطبه؟ الله جل جلاله، إذاً: آمنا بالله ورسوله.

    ها هو تعالى يخاطب رسوله ويقول له: وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ [يونس:46]، يقول له تعالى: وإما نرينك بعض الذي نعدهم من عذاب في الدنيا من إهانة وذل وهون وقتل؛ إذ هم كافرون مشركون ملاحدة أنكروا البعث والجزاء، فالله يقول: وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ [يونس:46]، لا كل الذي نعدهم من العذاب في الدنيا، أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ [يونس:46] قبل ذلك، وهؤلاء الطغاة أراهم الله العذاب في الدنيا في غزوة بدر، سبعون صنديداً منهم قتلوا والعياذ بالله وألقوا في أتون الجحيم.

    وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ [يونس:46]، لا كله، أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ [يونس:46] قبل ذلك، فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ [يونس:46]، ونتولى جزاءهم، ولا تحزن يا رسول الله ولا تكرب، ولا تغتم ولا تهتم بشأنهم.

    وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ [يونس:46]، أي: هؤلاء الملاحدة الكافرين بالبعث الآخر والدار الآخرة، أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ [يونس:46] قبل أن نريهم ما توعدناهم من العذاب، فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ [يونس:46]، ويجزيهم به الحسنة بالحسنة، والسيئة بالسيئة؛ لأنه العدل الرحمن الرحيم.

    فقوله تعالى: وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ [يونس:46] إذ هذه الأمة ليست كأمة هود أو صالح أو غيرهما إذا كفرت وكذبت يدمرها الله ويستأصل وجودها، هذه الأمة ليست كذلك؛ لأن نبيها نبي الرحمة، فهو يريهم بعض الذي يعدهم، أصابتهم المجاعة سنوات حتى أكلوا الصوف، وأذلهم الله في بدر، أخزاهم في معارك أخرى، فهذا بعض الذي يعدهم.

    أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ [يونس:46] قبل أن نريك ذلك، فالأمر حينئذٍ لله، فإلى الله مرجعهم فاتركهم وشأنهم، ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ [يونس:46]، ويجزيهم بعملهم وفعلهم في الدار الآخرة.

    ففي هذه الآية تطمين لخاطر الرسول وقلبه وهو يعاني من تكذيبهم وعنادهم، فيقول له ربه يخاطبه: وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ [يونس:46] من العذاب، أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ [يونس:46] قبل ذلك، فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ [يونس:46]، فاسترح واطمئن، ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ [يونس:46]، ويجزيهم بحسب فعلهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون)

    ثم قال تعالى وقوله الحق: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ [يونس:47]، لكل أمة رسول أرسله الله إليها من نوح إلى محمد صلى الله عليه وسلم، لكل أمة من الأمم من عرب أو عجم رسول يرسله الله إليهم ليعلمهم طريق الهدى والصراط المستقيم، فمن أجاب نجا ومن تنكب خسر وهلك.

    لماذا يبعث الله الرسل؟ لهداية الخلق؛ ليبينوا لهم سر وجودهم، فعلة هذا الوجود هي أن تعبدوا الله عز وجل لتكملوا وتسعدوا في الدنيا والآخرة، فالرسل هذه مهمتهم: يرشدونهم ويهدونهم ويعلمونهم كيف يسعدون، وطريق السعادة هي تلك التعاليم الربانية من أوامر ونواه، فمن فعل الأوامر وترك النواهي نجا، ومن أعرض عن الأوامر وأكب على النواهي يأتيها خسر وهلك.

    وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ [يونس:47]، وذلك يوم القيامة في ساحة فصل القضاء، إذ كل أمة لها رسول، فإذا جاء رسولهم وهم واقفون في عرصات القيامة قضي بينهم بالقسط، الرسول يسأله الله: يا عبدنا! يا رسولنا! هل بلغت؟ فيقول: إي رب بلغت، أشهد عليهم، فيشهد أنه بلغهم، وحتى رسولنا يستشهد علينا، واقرءوا قول الله تعالى: وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [البقرة:143]، قال الخرافيون والضيع: (على) بمعنى: اللام، أي: ويكون الرسول لكم شهيداً! هذه تجدونها في تفسير الهابطين، وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ [البقرة:143]، قال: عليكم بمعنى: لكم، ويكون الرسول شهيداً لكم، انغمسوا في بحور الذنوب والآثام ولا تخافوا فالرسول يشهد لكم بأنكم أمته! فالضلال عريض طويل في العالم.

    والله تعالى يقول: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ [يونس:47]، الذي هو العدل، وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [يونس:47]، أصحاب الحسنات في دار السلام، وأصحاب السيئات في دار البوار والخسران.

    هكذا يقول تعالى معلماً لنا مخبراً إياناً: ولكل أمة رسول، فإذا جاء الرسول لهم يوم القيامة في ساحة فصل القضاء قضي بينهم بالعدل، أهل الإيمان والعمل الصالح إلى دار السلام، وأهل الشرك والذنوب والآثام إلى دار البوار والخسران، وهم لا يظلمون أبداً؛ لأن الله عدل غني غنىً مطلقاً، فصاحب الحسنة لا ينقص من حسناته حسنة، وصاحب السيئات لا يزيد على سيئاته سيئة؛ لأنه العدل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين)

    ثم قال تعالى: وَيَقُولُونَ [يونس:48]، أي: كفار مكة، الملاحدة، البلاشفة، الشيوعيون، العلمانيون إلى الآن يقولون: مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [يونس:48]، متى تقوم القيامة؟ متى يجيء الحساب والسؤال؟ أين الجنة وأين النار؟ هذه كلماتهم يرددونها على ألسنة الشياطين، وإن كانت الآية في أهل مكة.

    وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ [يونس:48] الذي تعدنا به إن كنت من الصادقين فيما تقول وتدعي؟ وترك الله الجواب وقال له: قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا [يونس:49]، وسيأتي في شرح الآيات.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    والآن اسمعوا شرح هذه الآيات في الكتاب.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ معنى الآيات:

    ما زال السياق في تقرير عقيدة البعث والجزاء ]، أي: في الدار الآخرة، [ فقال تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ [يونس:45]، أي: اذكر لهم يا رسولنا يوم نحشرهم من قبورهم بعد بعثهم أحياء، كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا [يونس:45] في الدنيا أحياء في دورهم وأمواتاً في قبورهم إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ [يونس:45]، أي: ليرى بعضهم بعضاً ساعة ثم يحول بينهم هول الموقف.

    وقوله تعالى: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [يونس:45]، يخبر تعالى أن الذين كذبوا بالبعث الآخر والحساب والجزاء الأخروي فلم يرجوا لقاء الله فيعملوا بمحابه وبترك مساخطه قد خسروا في ذلك اليوم أنفسهم وأهليهم في جهنم.

    وقوله تعالى: وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [يونس:45]، أي: في حياتهم ] الدنيوية [ حيث انتهوا إلى خسران وعذاب أليم ]، فأين الهداية؟

    [ وقوله تعالى: وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ [يونس:46]، أي: إن أريناك بعض الذي نعدهم من العذاب في الدنيا فذاك، أو نتوفينك قبل ذلك، فعلى كل حال مرجعهم إلينا جميعاً بعد موتهم، فنحاسبهم ونجازيهم بحسب سلوكهم في الدنيا الخير بالخير والشر بمثله.

    وقوله تعالى: ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ [يونس:46] تقرير وتأكيد لمجازاتهم يوم القيامة؛ لأن علم الله تعالى بأعمالهم وشهادته عليها كافٍ في وجوب تعذيبهم.

    وقوله تعالى: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ [يونس:47]، أي: ولكل أمة من الأمم رسول أرسل إليها وبلغها فأطاع من أطاع وعصى من عصى، فإذا جاء رسولها في عرصات القيامة قضي بينهم ثم حوسبوا أو جوزوا بالقسط، أي: بالعدل، وهم لا يظلمون بنقص حسنات المحسنين ولا بزيادة سيئات المسيئين.

    وقوله تعالى: وَيَقُولُونَ [يونس:48]، أي: المشركون ] يقولون [ للرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه ] المؤمنين بمكة: [ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ [يونس:48]، أي: بالعذاب يوم القيامة إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [يونس:48]، يقولون هذا استعجالاً للعذاب؛ لأنهم لا يؤمنون به، والجواب في الآية التالية ].

    فلو كانوا يؤمنون بالعذاب الحق فهل سيطالبون به؟

    هداية الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: تقرير مبدأ المعاد والدار الآخرة ]، المعاد: العودة إلى الحياة من جديد، فمن أين أخذنا هذا؟ من قوله تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ [يونس:45].

    [ ثانياً: الإعلان عن خسران منكري البعث يوم القيامة.

    ثالثاً: تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم وحمله على الصبر حتى يؤدي رسالته بإعلامه بأنه سيعذب أعداءه.

    رابعاً: بيان كيفية الحساب يوم القيامة، بأن يأتي الرسول وأمته، ثم يجري الحساب بينهم فينجي الله المؤمنين ويعذب الكافرين ] والعياذ بالله تعالى رب العالمين.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.