إسلام ويب

تفسير سورة يونس (15)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • القرآن الكريم هو كتاب رب العالمين، نزل به الروح الأمين على قلب محمد النبي الأمي، ليكون آية للعالمين، ومعجزة الله الكبرى إلى يوم الدين، ومع ذلك يأتي أهل الشرك والفساد والضلال والعناد، ليتهموا محمداً باختلاق القرآن، بينما هم لو أرادوا أن يأتوا بسورة من مثله فلا يستطيعون، وهم أهل الفصاحة الذين أخذوا بنواصي الكلام، وأبدعوا فيه شعراً ونثراً، فما لهم لا يعقلون، وبصدق ما جاءهم من ربهم لا يؤمنون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والتي بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن ما زلنا مع سورة يونس بن متى عليه السلام، والسورة مكية، والمكيات يعالجن العقيدة: التوحيد، النبوة، البعث الآخر.

    وها نحن مع هذه الآيات الثلاث، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة ثم نتدارسها إن شاء الله، ونسأل الله أن يفتح علينا ويرزقنا العلم والعمل، آمين.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ [يونس:37-39].

    امتناع كون القرآن مفترى مختلقاً

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ [يونس:37]، يخبر تعالى بأن هذا القرآن ليس من شأنه أن يفترى ويختلق من دون الله، وهذا أمر واقع، تحدى الله عز وجل الإنس والجن أن يأتوا بمثله فعجزوا، إذ قال تعالى: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:88]، فكيف تعجز البشرية والجن ثم يقول المشركون والمتهوكون والحيارى: هذا كلام مفترى مختلق؟! ليس من شأن القرآن أن يختلق ويفترى أبداً؛ لأنه حاو للعلوم والمعارف التي تعجز البشرية عن الحصول عليها من غير هذا الكتاب.

    سر تكذيب المكذبين بالقرآن مع علمهم بحقيقته

    وسر التكذيب بالقرآن هو ألا يوحدوا الله وألا يعبدوه، فالآن لو تطالب البشرية بالإيمان بالقرآن الكريم فإنه لا يؤمن واحد في الألف، ما سر ذلك؟ لماذا لا يؤمنوا؟ لأنهم إذا آمنوا عبدوا الله ومشوا في طريقه المستقيم، وهم يريدون أن يعيشوا على أهوائهم وشهواتهم، وما تمليه عليهم شياطينهم، فالتكذيب بالقرآن إلى الآن وبعد الآن ومنذ أن نزل، الملايين يكذبون بالقرآن ويقولون: هو مفترى ومختلق، وليس من كلام الله! فما سر هذا التكذيب؟ إنه كما علمتم: حتى لا يدخلوا في الإسلام ويستقيموا على منهجه فيحلوا الحلال ويحرموا الحرام، وينهضوا بالواجبات، ويقوموا بما أوجب الله من العبادات.

    ومن العجيب: أن أبا جهل -عليه لعائن الله وهو الطاغية- يقول: ما كذب محمد على البشر قط، فكيف يكذب على الله؟!

    يقول بصراحة: ما كذب محمد على إنسان، أفيكذب على الله؟! فالذي ما يكذب على الناس هل يكذب على الله؟ أيعقل هذا؟ ومع هذا يقولون: افتراه واختلقه وكذبه وليس من عند الله، فما هو السر؟ ليس السر أنهم مضطربون شاكون ما عرفوا أنه من الله، وإنما السر حتى لا يتخلوا عن مسالكهم الحيوانية من عبادة الشيطان واتباع الهوى؛ ليستمروا على عاداتهم وما ألفوه وورثوه عن آبائهم وأجدادهم، لا حيلة إلا أن يقولوا: هذا ليس بكلام الله؛ ليتخلوا عن العبادة ويتخلصوا من الدعوة المحمدية.

    معنى قوله تعالى: (ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين)

    فقال تعالى وقوله الحق في هذا الخبر: وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ [يونس:37]، فالكتب التي تقدمت وسبقته فهي بين يديه وهو وراءها أليست هي التوراة والإنجيل والزبور؟ فهل تنافى معها؟ هل تعارض معها؟ بل يصدقها فيما جاءت به؛ إذ ما فيها من الصحيح إلا أن يعبد الله وحده بما شرع لعباده من العبادات المزكية لأنفسهم المهذبة لأخلاقهم وآدابهم والمهيئة لهم لسعادة الدنيا وسعادة الآخرة.

    هذه التوراة بين أيديهم وهذا الإنجيل، فانظروا: هل يتعارض هذا الكتاب معهما؟ بل هو مصدق لهما وقد سبقاه، فكيف يقال: افتراه محمد وكذبه واختلقه؟!

    فهذا إبطال لتلك الدعاوى الباطلة وإنهاء لها؛ إذ قال تعالى: وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ [يونس:37]، أي: ما كتبه الله من الشرائع والأحكام والأخبار والقصص مفصلة في هذا القرآن، هذه الشرائع من الحلال والحرام والآداب والأخلاق والسياسة، في السلم في الحرب، والحقوق، كل متعلقات الحياة موجودة في هذا الكتاب، فكيف يختلقه مختلق ويكذبه كاذب؟!

    وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [يونس:37]، رب العالمين تقتضي ربوبيته للخلق أن ينزل عليهم كتاباً وأن يرسل فيهم رسولاً من أجل أن يعلمهم كيف يكملون ويسعدون، أليس هو ربهم؟ بلى، فهل رب العالمين يهملهم؟ أيتركهم يأكل بعضهم بعضاً، ويعبدون الهوى والشيطان فلا أدب ولا حياء ولا خلق؟ الجواب: لا والله، لا يكون هذا، إذاً: فهذا القرآن من رب العالمين، ما دام أنه تعالى رب للعالمين فلا بد أن ينزل الكتب ويرسل الرسل لهداية من سادهم وخلقهم، لا أن يهملهم ويتركهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله ...)

    ثم قال تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ [يونس:38]، وهذا الاستفهام توبيخي وتقريعي، أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ [يونس:38]، أي: اختلقه محمد وكذبه وليس من عند الله. إذاً: قل لهم يا رسولنا واقطع حجتهم واضرب على أعناقهم بهذه الحقيقة: قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ [يونس:38]، فأتوا بسورة من نفس القرآن، فسكتوا، ومن يتكلم؟ يقول لهم: إن كنتم تقولون: محمد افتراه وجاء به من عنده؛ فتفضلوا أنتم فجيئوا بسورة واحدة طويلة كالأعراف أو قصيرة كالناس، فأسكتهم وقطع ألسنتهم، ما بقي من يقول: افتراه وكذبه.

    قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ [يونس:38]، مثل القرآن، وجاء من سورة البقرة المدنية: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [البقرة:23]، أي: من رجل أمي كمحمد صلى الله عليه وسلم لم يقرأ ولم يكتب ولم يجلس بين يدي معلم أربعين سنة ثم جاء بهذه العلوم والمعارف التي طأطأ الكون رأسه لها، فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [البقرة:23]، ادعوا من تعتمدون عليهم ويقفون إلى جنبكم.

    ثم قال تعالى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ [البقرة:24]، ما دمتم عاجزين إذاً فاتقوا النار التي مادة اشتعالها واتقادها الأصنام وعابدوها.

    وهنا قال: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ [يونس:38]، وتحداهم بعشر سور كما يأتي في سورة هود عليه السلام: قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ [هود:13].

    وإلى الآن الناس شاكون لا يؤمنون بالقرآن ولا يكذبون، فما السر؟ لأنهم ما دعوا إلى أن يؤمنوا به ليعملوا به ويعيشوا عليه، لو واجههم الدعاة وطالبوهم لكذبوا وقالوا ما قالوا، هكذا يقول تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [يونس:38]، من قدرتم على دعوتهم لينصروكم على باطلكم فادعوهم حتى تأتوا بسورة مثل القرآن، وسواء كانت طويلة أو قصيرة، فسكتوا وطأطئوا رءوسهم، ومضت القرون متوالية وما استطاع أحد أن يأتي بسورة من مثل القرآن إلى الآن.

    فإن شئت فقل: لبلاغة القرآن وفصاحته وسمو مكانته، وهو كذلك، وإن شئت فقل: الله يختم على أفواههم فلن يستطيعوا أن يتكلموا أو يتحركوا لتقوم الحجة له على الخلق بأن هذا كلام الله بين أيديكم، هذا كتابه فيه هدايتكم، فلم أعرضتم عنه؟ لم كذبتم به وكفرتم؟ ليستوجبوا العذاب.

    وهكذا يقول تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ [يونس:38]، يا رسولنا، قل لهم: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ [يونس:38]، أي: مثل القرآن، وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ [يونس:38] من آلهتكم وأعوانكم وشياطينكم إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [يونس:38] في دعواكم أن هذا القرآن مفترى وأن الرسول اختلقه وكذبه، فاختلقوا أنتم سورة من السور، فإن عجزتم فقولوا: هذا كلام الله، أوحاه الله إلى رسوله؛ ليحمل الهداية للبشرية.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله ...)

    ثم قال تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ [يونس:39] ، ما عرفوا ما في القرآن، ما اتسعت له قلوبهم ولا مدارسهم ولا فهمومهم، لو عرفوا لخروا ساجدين، ولكن ما أحاطوا بعلمه، ما أحاطوا بما أعد الله لهم من عذابه وهيأه لأمثالهم.

    وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ [يونس:39]، ولما يأتهم تفسيره وما يئول الأمر إليه كما أتى قوم هود وصالح وشعيب.

    إذاً: كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [يونس:39]، كما كذب قومك يا رسول الله كذب الذين من قبلهم، كذبوا رسلهم وكذبوا بما توعدوا من العذاب وما آمنوا به حتى نزل عليهم، فأهلك الله عاداً بريح صرصر، وأهلك ثمود بالصاعقة، وأهلك مدين بالرجفة، وهكذا حين يأتي العذاب يؤمنون به، وهل ينفعهم الإيمان عند معاينة العذاب؟

    بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ [يونس:39]، وسيأتيهم، كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [يونس:39]، من الأمم السابقة. فَانْظُرْ [يونس:39] يا رسول الله كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ [يونس:39]، هل دمرهم أم لا؟ أين عاد وأين ثمود؟ أهلكهم، أين فرعون وأين قوم لوط؟ أمم أهلكها الله عز وجل، هؤلاء ينتظرون متى ينزل بهم العذاب، إلا أن يتداركهم الله بالإيمان، وقد آمنوا ولم يحل بهم العذاب.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    معاشر المستمعين! نتلو الآيات مفسرة في الكتاب؛ لنزداد بصيرة ونوراً.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ معنى الآيات:

    هذه الآيات في تقرير عقيدة الوحي وإثبات النبوة للرسول صلى الله عليه وسلم ]، وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى [يونس:37]، معناه: أنه وحي الله أنزله على رسوله، فهو تقرير للنبوة المحمدية.

    [ قال تعالى: وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ [يونس:37]، أي: لم يكن من شأن هذا القرآن العظيم أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ [يونس:37]، أي: يُختلق من غير الله تعالى من سائر خلقه، وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ [يونس:37]، أي: ولكنه كلام الله ووحيه أوحاه إلى رسوله وأنزله، تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ [يونس:37]، أي: من الكتب التي سبقت نزوله وهي التوراة والإنجيل، وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ [يونس:37] الذي كتبه الله تعالى على أمة الإسلام من الفرائض والشرائع والأحكام ] والقصص والعبر.

    [ وقوله تعالى: لا رَيْبَ فِيهِ [يونس:37]، أي: لا شك في أنه وحي الله وكلامه نزل من رب العالمين، وهو الله مربي الخلائق أجساماً وعقولاً وأخلاقاً وأرواحاً، ومن مقتضى ربوبيته إنزال كتاب فيه تبيان كل شيء يحتاج إليه العبد في تربيته وكماله البدني والروحي والعقلي والخلقي ].

    كيف برب العالمين لا ينزل كتاباً فيه الهداية؟ من يهدي خلقه؟ كيف إذاً نرد هذا ونقول: هذا ما هو كلام الله، فكلمة (رب العالمين) توجب أن يؤمنوا بهذا القرآن.

    [ وقوله تعالى في الآية الثانية: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ [يونس:38]، أي: بل يقول هؤلاء المشركون الجاحدون، وهو قول في غاية السُّخّف والقباحة، يقولون: القرآن افتراه محمد ولم يكن بوحي أُنزل عليه، قل يا رسولنا متحدياً إياهم أن يأتوا بسورة مثله، فإنهم لا يستطيعون، وبذلك تبطل دعواهم، وقل لهم: ادعوا لمعونتكم على الإتيان بسورة مثل سور القرآن من استطعتم الحصول على معونتهم إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [يونس:38] في دعواكم أن القرآن لم يكن وحياً من الله، وإنما هو اختلاق اختلقه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    وقوله تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ [يونس:39]، أي: أن القضية ليست قضية أنهم ما استطاعوا أن يدركوا أن القرآن كلام الله، وإنما القضية هي أنهم كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه من وعيد الله تعالى لهم بالعذاب، ولما يأتهم بعد ما يئول إليه الوعيد؛ إذ لو رأوا العذاب ما كذبوا، ولذا قال تعالى: كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ [يونس:39]، أي: حتى ذاقوا بأسنا كما في آية الأنعام.

    وهنا قال تعالى: فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ [يونس:39]، فقد أهلك تعالى الظلمة من قوم نوح بالغرق، ومن قوم هود بريح صرصر، ومن قوم صالح بالصيحة، ومن قوم شعيب بالرجفة، ومن أمم أخرى بما شاء من أنواع العذاب، فهؤلاء المشركون إن لم يتوبوا واستمروا في تكذيبهم فسوف يحل بهم ما حل بغيرهم، وما الله بغافل عما يعمل الظالمون ].

    هداية الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: تقرير عقيدة الوحي وإثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ]، والله إن محمداً لرسول الله، ونبي الله، ودليل نبوته هذا القرآن الكريم، فلو ما كان الرسول نبياً فكيف سيقول هذا؟

    [ ثانياً: من أدلة أن القرآن كلام الله تصديقه للكتب السالفة وعدم التناقض معها؛ إذ هما من مصدر واحد وهو الله رب العالمين ]، لو جاء القرآن بكلام ما يتفق مع التوراة والإنجيل لقالوا: ذاك كلام الله وهذا كلام رجل إنسان ما هو كلام الله، لكن جاء مصدقاً لما تقدمه من الكتب الإلهية، لا يتعارض معها في شيء أبداً.

    [ ثالثاً: من أدلة القرآن على أنه وحي الله تحدي الله العرب بالإتيان بسورة واحدة في فصاحته وبلاغته وإعجازه، وعجزهم عن ذلك ].

    من أدلة أن القرآن وحي الله وكلامه: تحدي العرب على فصاحتهم وبلاغتهم وهم أمة كاملة أن يأتوا بسورة فقط، وليستعينوا بمن شاءوا أن يستعينوا، وعجزوا، فلم يبق إلا أن تقول: والله!إن القرآن لكلام الله، ولا تحنث.

    [ رابعاً: استمرار المشركين في العناد والمجاحدة علته أنهم لم يذوقوا ما توعدهم الله به من العذاب؛ إذ لو ذاقوا لآمنوا، ولكن لا ينفعهم حينئذ الإيمان ]، لو ذاقوا العذاب ما كذبوا، ولكن قبل أن يذوقوا العذاب يكذبون ويكفرون.

    والله تعالى أسأل أن ينفعنا وإياكم بما ندرس ونسمع، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.