إسلام ويب

تفسير سورة يس (1)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أقسم الله عز وجل في مستهل هذه السورة على صدق رسالة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وسلامة منهجه ودعوته، ونعى على مخالفيه من قومه موقفهم منه ومن دعوته، وذكر حالهم وما أعد لهم من العذاب مواساة لنبيه الكريم، وتخفيفاً عليه، مبيناً أنه لو بذل معهم من الجهد فوق ما بذل فلن يفيدهم ذلك، والهداية إنما يسيرها الله لمن يخشون ربهم فيؤمنون برسوله وبما جاء به من عند ربه عز وجل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (يس)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    وها نحن الليلة مع فاتحة سورة يس المكية ذات الثلاث والثمانين آية، فهيا بنا نصغي مستمعين تلاوة هذه الآيات المباركة المجودة، والله تعالى نسأل أن ينفعنا بما ندرس وما نسمع.

    بسم الله الرحمن الرحيم: يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ * لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ * وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ * إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ * إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ [يس:1-12].

    بيان الحكمة من الأحرف المقطعة في فواتح بعض سور القرآن الكريم

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: يس [يس:1]، تقدم الكلام في فواتح السور وقلنا القول الراجح الذي لا نتجاوزه: إن هذه الحروف المقطعة لها حِكَم، فعندما كان العرب المشركون يعرضون عن سماع القرآن، ويأمرون بعدم سماعه كما قال تعالى عنهم: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت:26]، كانت فواتح السور بالأحرف المقطعة هذه تضطرهم إلى أن يصغوا؛ لأنهم ما عرفوا بها ولا سمعوا بها لا من آبائهم ولا من أجدادهم، فيضطر أحدهم إلى أن يصغي ويسمع، فإذا سمعها سمع الآيات بعدها فيدخل الإيمان في قلبه.

    وكذلك الحكمة من هذه الحروف: أن الله عز وجل تحدى العرب المشركين الذين كذبوا بهذا القرآن وقالوا إنه ليس بكلام الله، فتحداهم على أن يأتوا بمثل هذا القرآن فعجزوا، ثم تحداهم أيضاً على أن يأتوا بعشر سور من مثله، فعجزوا، ثم تحداهم مرةً أخرى على أن يأتوا بسورة واحدة من مثله فقط، ومع هذا عجزوا. فهذا الكلام الإلهي مركب من الحروف المقطعة كـ: (يس)، (طس)، (حم)، فكيف عجزوا عن الإتيان بسورة من مثله؟!

    قال تعالى: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:23-24].

    إذاً: فهذه الحروف المقطعة هذا سرها وهذه الحكمة منها، وهي -كما عرفتم- ذات الحرف الواحد كـ(ن) و(ق) و(ص)، وذات الحرفين كـ(يس) و(طه) و(طس) و(حم)، وأيضاً ذات الثلاثة الأحرف كـ(طسم) و(عسق)، وهكذا إلى خمسة أحرف، فنقول: الله أعلم بمراده من هذه الحروف، ونفوض الأمر لله تعالى وهذا هو الصواب، وهو طريق السلامة والنجاة.

    وهناك من المفسرين من يقول: (يس) هو اسم النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا خطأ.

    فـمالك في موطئه يكره للمؤمنين أن يسموا (يس)؛ بدعوى أنه اسم النبي صلى الله عليه وسلم، وروى في حديث صحيح أن للرسول صلى الله عليه وسلم خمسة أسماء وليس فيها (يس) أو (طه): محمد، أحمد، العاقب، الحاشر، الماحي.

    وبعض المفسرين يقول: (يس) بمعنى (يا إنسان، أو يا رجل) باللغة الحبشية، ولا حاجة إلى هذا أبداً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (والقرآن الحكيم)

    قال تعالى: وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ [يس:2] أقسم الله عز وجل، وله أن يقسم بما يشاء من الكائنات، لكن إقسامه بالقرآن؛ تعظيم للقرآن، ورفع لدرجته وقيمته، والقرآن هو هذا الكلام الإلهي، أوله سورة الفاتحة وآخره سورة الناس، والقرآن مشتق من (قرأ) إذا جمع، فالحروف جمعت والكلمات جمعت والآيات جمعت، وهو مقروء بمعنى: مجموع.

    وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ [يس:2] أي: ذي الحكمة، وقد عرفنا أن الحكيم هو ذاك الذي يضع كل شيء في موضعه، و(الحكيم) من أسماء الله عز وجل الذي يضع كل شيء في موضعه، والقرآن حكيم وضع كل شيء في موضعه.

    و(حكيم) بمعنى محكم، على وزن: فعيل بمعنى: مفعول، كقتيل بمعنى: مقتول، فـ(حكيم) بمعنى محكم، ليس فيه زيادة ولا نقصان، وهذا بيان فضل القرآن العظيم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنك لمن المرسلين ...)

    يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ [يس:1-2]، وأقسم الله عز وجل على قوله: إِنَّكَ [يس:3] أي: يا رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [يس:3] أي: من الأنبياء الذين أرسلناهم إلى أممهم، ففيه تقرير النبوة المحمدية، ومن كذَّب بها كفر وخرج من الإسلام، وهذا إقسام الله عز وجل على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم.

    وقد علمنا -وزادنا الله علماً- أن عدد المرسلين ثلاثمائة وأربعة عشر رسولاً، أولهم نوح عليه السلام وخاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم، وهنا تقرير النبوة المحمدية وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن كذّب بهذا كفر وخرج من الإسلام.

    قال تعالى: إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ [يس:3] أي: يا محمد عَلَى صِرَاطٍ [يس:4] أي: طريق مُسْتَقِيمٍ [يس:4] ألا وهو الإسلام دين الله الذي ما دخل فيه عبد وأسلم قلبه ووجهه لله إلا نجا من عذاب النار وفاز بدخول الجنة دار الأبرار.

    ومعنى (الصراط المستقيم): أي: الطريق الذي لا اعوجاج فيه، وهو الطريق الذي عن يمينه الواجبات وعن شماله المحرمات، فاسلك هذا الطريق فإن أنت تركت واجباً، أو فعلت محرماً اعوججت وخرجت من الطريق، فعد وعجل بالتوبة، وواصل مسيرك هذا حتى يتوفاك الله، وإن أنت ما تركت واجباً ولا فعلت محرماً فطريقك إلى الجنة لا محالة.

    ثم قال تعالى: تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ [يس:5]، وقراءة نافع والجمهور بالرفع: (تنزيلُ)، أي: هو تنزيلٌ أو هذا تنزيل الله عز وجل، وقرأ حفص فقط ومعه أهل الكوفة: (تنزيلَ) على أخص وأمدح، تنزيلَ القرآن الكريم للمدح والثناء، وهاتان قراءتان سبعيتان جائزتان.

    وقوله تعالى: تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ [يس:5]، في تقرير بأن القرآن كلام الله ووحي الله أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لتنذر قوماً ما أُنذر آباؤهم فهم غافلون ...)

    قال تعالى معللاً نزول القرآن وإرسال الرسول: لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ [يس:6]، أي: أنزلنا عليك القرآن يا محمد يا رسولنا! بعدما أرسلناك ونبأناك؛ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ [يس:6] ألا وهم العرب، فإنهم منذ عهد إسماعيل عليه السلام ما بُعِثَ فيهم رسول ولم يأتهم نبي، أي: منذ قرون عديدة حوالي ألفين سنة أو ثلاثة آلاف سنة. وقطعاً بُعث الرسول صلى الله عليه وسلم في العرب، ولم يكن بين أيديهم كتاب ولا نبوة ولا رسالة.

    لِتُنذِرَ قَوْمًا مَا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ [يس:6] بذلك غَافِلُونَ [يس:6]، فليس عندهم كتاب ولا وحي ولا نبوة، فهم قطعاً غافلون عن الله والدار الآخرة.

    ثم قال تعالى: لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [يس:7]، أي: حق القول ووجب على أكثر هؤلاء الملاحدة المتعنتين كـأبي جهل وعقبة بن أبي معيط فهم لا يؤمنون، بمعنى: وجبت لهم النار، أي: كتب الله في كتاب المقادير أنهم أهل جهنم، فلهذا لا يؤمنون مهما أنبأتهم أو خوفتهم فإنهم لن يستجيبوا؛ لما مضى في كتاب المقادير أنهم من أهل النار.

    والمراد منهم: جماعة متعصبة تحارب رسول الله والمؤمنين، وعلى رأسهم أبو جهل فقد أقسم على أن يقتل الرسول صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ [يس:7] بذلك لا يُؤْمِنُونَ [يس:7] فلا تكرب ولا تحزن، وقد قُتَلوا في بدر وهم سبعون طاغية.. سبعون متعنتاً متجاهلاً.

    (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ) أي: لقد حق القول على أكثر هؤلاء المتعصبين المتزمتين من المشركين، وعلى رأسهم أبو جهل وفلان وفلان.. فحق عليهم القول، ولهذا لا يؤمنون، فكلما دعوتهم أعرضوا، وكلما ناديتهم تصامموا ولم يسمعوا؛ لما مضى في كتاب المقادير أنهم من أهل النار.

    (فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) وفي هذا تخفيف على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتهدئة له؛ لأنه متألم من شدت كفرهم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً... )

    قال تعالى: إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ [يس:8] أي: لا يستطيعون أن يستجيبوا أو يسمعوا، فأيديهم شُدت بحبال إلى أعناقهم وإذا بهم مقمحون، لا يسمعون ولا ينظرون ولا يطأطئون رءوسهم، لا يستجيبون لك أبداً.

    فالذي تشد يديه إلى عنقه وتربطه فلن يسمع ولن يبصر، وهؤلاء هذا هو حالهم، فلهذا ما آمنوا ولا دخلوا في الإسلام، وفي السنة الثانية للهجرة جاءوا محاربين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهلكوا كلهم في بدر، وهم سبعون طاغية من طغاة قريش.

    إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ [يس:8]، ولا بأس أن تقول: هذا يجعله لهم يوم القيامة، وهذا لا شك فيه، لكن المراد هنا -حسب سنة الله تعالى- لما تجبروا وطغوا وتكبروا وأصروا على عبادة الأصنام والأحجار، وكذبوا الرسول صلى الله عليه وسلم والقرآن، إذاً أصبحوا كهذه الهيئة، لا يمكن أن يستجيبوا ولا يسمعوا ولا ينظروا ولا يفكروا.

    ثم قال تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا [يس:9]، أي: السد من بين أيديهم هو جهلهم وعبادتهم للأصنام، وأنها هي الآلهة التي تشفع لهم عند الله، وأن ما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم به ليس بحق، وهذا معنى (من بين أيديهم سداً).

    و(من خلفهم) أنهم أنكروا البعث الآخر والدار الآخرة، والجزاء يوم القيامة.

    إذاً: فكيف سيهتدون، وسدٌ أمامهم وسد خلفهم؟!

    وكيف سيجتازون هذه السدود ويدخلون في الإسلام؟! وهذا ليس ممكناً.

    قال تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ [يس:9] أي: غطيناهم فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس:9]، أي: ينظرون إلى الكواكب فلا يقولون: من خلقها، ويسمعون القرآن ولا يقولون: من أنزله. فهذا كلام الله.

    فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس:9]، وهذه حال المتعنتين المتشددين المصرين على الباطل.. على الشرك.. على الكفر.. على الفساد..، لا يرجعون، فسدود تمنعهم من ذلك؛ سد أمامهم وسد خلفهم والعياذ بالله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون...)

    ثم قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [يس:10]، أي: هم على حد سواء، أنذرتهم أم لم تنذرهم.

    فالذين شدت أيديهم إلى أعناقهم بالسلاسل والحديد، ورفعت رءوسهم مقمحون، وغشَّى الله أبصارهم وعمّاها وغطاها، كيف سيستجيبون؟

    أي: هؤلاء سواء أنذرتهم أو لا تنذرهم لن يؤمنوا، وهذا تخفيف للرسول صلى الله عليه وسلم كما بينا.

    ثم قال تعالى: إِنَّمَا تُنذِرُ [يس:11] يا رسولنا، مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ [يس:11] ألا وهو القرآن العظيم، وسماه الله (الذكر)، والله! ما تلا عبد آية إلا ذكر الله، والتالون لكتاب الله ذاكرون، وكيف لا يذكر وهو مع كلام الله؟!

    إِنَّمَا تُنذِرُ [يس:11] من الناس الذي اتَّبَعَ الذِّكْرَ [يس:11] أي القرآن، وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ [يس:11] وخافه بالغيب وهو لم يره، وخافه في الغيب أيضاً وليس معه أحد من الناس، فلا يعصي الله عز وجل.

    وهنا لطيفة: يخشى ربه بالغيب، يعني: لأن الله عز وجل ما أرانا وجهه الكريم ولا رأيناه، ومع هذا نخافه كأنه أمام أعيننا، ونخاف الله عندما نكون غائبين عن أعين الناس وليس عندنا أحد، ومع هذا لا نستطيع أن نعصي الله عز وجل في حال الغيب.

    قال تعالى: إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ [يس:11] أي: القرآن الكريم.

    وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ [يس:11] (خشي الرحمن) أي: عرف أنه الرحمن الرحيم، ومع هذا خافه ورهبه ولم يقو على معصيته، فالرحمن لا يخاف منه، وعادة الشخص الرحيم بين الناس لا يخاف منه؛ لأنه معروف بالرحمة، ومع هذا عرفوا أنه الرحمن وخافوه، فما ألطف هذه اللطيفة!

    وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ [يس:11] ما قال: الجبار.

    بِالْغَيْبِ [يس:11] أي: حال كونه غائباً عنه.

    فَبَشِّرْهُ [يس:11] أي: هذا الذي اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب، بشره يا رسولنا بِمَغْفِرَةٍ [يس:11] ذنوبه، وإن عبد الأصنام عشرين سنة أو خمسين سنة.

    وَأَجْرٍ كَرِيمٍ [يس:11] ألا وهو الجنة دار السلام، إذ العاملون في هذه الدنيا بالأعمال الصالحة جزاءهم الجنة، وهي الأجرة التي سيأخذونها مقابل أعمالهم الصالحة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا ...)

    قال تعالى: إِنَّا [يس:12] أي: رب العزة والجلال والكمال، نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى [يس:12] أي: نحن وحدنا -ليس معنا أحد- نحيي الموتى.

    والكافر ميت، والفاسق والعابث ميت، فيحييه الله إن شاء بأن يهديه، وفي هذا تقرير البعث الآخر آيضاً، قال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ [يس:12] أي: نكتب ما قدموه من أعمالهم الصالحة والطالحة، وآثارهم التي تركوها بعدهم؛ أخذاً بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( من سن سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن سن سنة سيئة، فعليه وزرها ووزر من عمل بها، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً ).

    وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ [يس:12] أي: ونكتب ما قدموا ونكتب آثارهم، وما منا إلا وله أثر، بنيت مسجداً.. بنيت مدرسة.. علَّمَتَ، فآثارك هذه بعد موتك تسجل وتكتب لك، وهذا من فضل الله تعالى علينا.

    إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى [يس:12] أي: يوم القيامة، يوم تفنى هذه الحياة بتلك الصاعقة أو ذلك الزلزال والنسف الكامل، وتصبح الأرض كأنها صحيفة يحيي الله عز وجل الموتى من جديد كما ماتوا.

    وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا [يس:12] من أعمال صالحة أو طالحة، وَآثَارَهُمْ [يس:12] كذلك بعدهم وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ [يس:12] أي: في اللوح المحفوظ وهو الكتاب المبين، فأول ما خلق الله القلم قال: (اكتب. قال: ماذا أكتب؟ قال: اكتب كل ما هو كائن إلى يوم الدين) إذ علم بالأشياء قبل أن يوجدها، وهذا معروف عندنا، فالصانع يعرف الشيء قبل أن يصنعه، حتى طبخ الشاي قبل ما تطبخ تعرف أولاً ثم تطبخ.

    فالله عز وجل علِم الأشياء كلها قبل أن يوجدها، ومن ثم كتب أهل الجنة للجنة وأهل النار للنار، وأعمال هؤلاء وأعمال هؤلاء، وهذه عظمة الله، وهذا علم الله، وهذه قدرة الله، فلا إله إلا الله محمد رسول الله.

    إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ [يس:12]، فللميت آثار.. فمن سن سنة حسنة يثاب عليها بعد موته، ومن سن سنة سيئة يجزى بها بعد موته.

    وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ [يس:12] كلمة: (كل شيء) أي: ما تخرج من ذرة في الكون أو كلمة إلا وتكون مكتوبة.

    وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ [يس:12] ألا وهو اللوح المحفوظ، وسمي بالإمام؛ لأنه أمامنا وقبلنا ونمشي وراءه، وكل أعمالنا مكتوبة فيه.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    ومع هداية الآيات، فهي ذات أثر بالتأمل.

    قال: [أولاً: تقرير النبوة المحمدية وتأكيد رسالته صلى الله عليه وسلم].

    أي: تقرير أن محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، بهذه الأدلة والبراهين القاطعة، فلولا أنه رسول كيف ينزل عليه هذا القرآن؟ فالله يحلف بالقرآن على أن محمداً رسول الله، وهذا تقرير النبوة المحمدية.

    [ثانياً: بيان الحكمة من إرسال الرسول وإنزال الكتاب الكريم].

    الحكمة من إرسال الرسل وإنزال الكتب هي هداية الخلق وإصلاحهم، فمن آمن واستجاب صلح واهتدى، ومن تكبر وأعرض وآثر الدنيا هلك وخسر.

    [ثالثاً: بيان أن الرسول محمداً صلى الله عليه وسلم بُعث على فترة من الرسل].

    أي: فترة ليس فيها رسول، فعيسى عليه السلام رفع منذ خمسمائة وبضع وسبعين سنة، وموسى عليه السلام قبل ذلك، بعث في فترة ليس فيها رسول، لا في الشرق ولا في الغرب، لا في العرب ولا في العجم.

    [رابعاً: بيان أن حب الدنيا والإقبال عليها والإعراض عن الآخرة، وعدم الالتفات إليها يضعان الإنسان بين حاجزين لا يستطيع تجاوزهما والتخلص منهما].

    أي: بين السدين، من بين أيديهم سداً ومن خلفهم سداً.

    [ خامساً: بيان أن الذنوب تقيد صاحبها وتحول بينه وبين فعل الخير أو قبول الحق].

    الذنوب تقيد صاحبها وتمنعه من فعل الخير، وتدفعه إلى الشر؛ لأنها جعلت نفسه وقلبه هابطاً، لا يستجيب ولا يعرف، فلهذا يجب أن نطهر قلوبنا من الذنوب، فإن أذنبت ذنباً يا عبد الله! قل: أستغفر الله وأتوب إليه ثلاث مرات يزول ذلك الأثر، فلا ترضى بأن يبقى الذنب ليلة كاملة في قلبك، فكيف إذا توالت هذه الذنوب! وإن قلت باطلاً وفعلت محرماً، تب إلى الله على الفور يزول ذلك الأثر، أما إذا لم يتب العبد وتتوالى الذنوب، والله! ليغطى قلبه ويصبح أعمى لا يرى ولا يبصر كما في الآية.

    [سادساً: بيان أن من سن سنة حسنة أو سيئة يُعمل بها بعده يجزى بها كما يجزى على عمله الذي باشره بيده].

    دل على هذا قوله تعالى: وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ [يس:12]، وهكذا من سن سنة حسنة في هذه الدنيا يثاب عليها بعد موته، ومن سن سنة سيئة وعُمِل بها بعد موته يجزى عليها بعد موته أيضاً بالعذاب الأليم، ومعنى هذا إياي وإياكم أن نسن سنة سيئة، أن نبتدع بدعة، أن نحدث حدثاً يقلدنا الناس فيه ونحن -والعياذ بالله- غير صالحين، فتكتب لنا السيئات إلى يوم القيامة.

    [ سابعاً وأخيراً: تقرير عقيدة القضاء والقدر، وأن كل شيء في كتاب المقادير المعبر عنه بالإمام].

    أخيراً: تقرير عقيدة القضاء والقدر، والقضاء هو الحكم، الله قضى بهذا وحكم، والتقدير: المقدار، الكمية، الكيفية، الصفة، الزمن، المكان.. كل ذلك مكتوب كما هو، فلا يقع في هذه العوالم أي حادث إلا والله قد سبق أن كتب كما هو، في وقته المحدد وعلى هيئته وكيفيته، ولولا هذا النظام لخرب العالم في القرن الأول، وما بقي إلى اليوم أبداً، لكن هذا النظام الدقيق أبقى الحياة قرناً بعد قرن إلى اليوم.