إسلام ويب

تفسير سورة هود (9)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما جاء نوح قومه برسالة الإيمان ودعوة التوحيد، أنكروا عليه أن يكون مرسلاً من ربه، متعللين بأن أتباعه إنما هم سفلة القوم والضعفة، ثم طلبوا إليه ليقبلوا دعوته أن يطرد الضعفاء من حوله، ليفسحوا لهم المجال وينفردوا به دونهم، فبين لهم أن هؤلاء الضعفاء الله أعلم بهم حيث هيأهم لقبول الحق دون علية القوم وأكابر الناس، وأنه ليس له أن يطردهم وإلا لكان من الظالمين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة واللتين بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة هود عليه السلام، تلكم السورة المكية المباركة الميمونة، وقد عرفتم ماذا تعالج، إنها تعالج أهم القضايا وأسماها، إنها قضية التوحيد، والنبوة، والبعث الآخر.

    وها نحن مع هذه الآيات الأربع، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة، ثم نتدارسها إن شاء الله، والله نسأل أن يفتح علينا وعليكم بالعلم والعمل.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ * وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ * وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ * وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ [هود:28-31].

    رد نبي الله نوح على قومه فيما اعترضوا به على نبوته

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هذه ردود نبي الله ورسوله نوح على قومه، وقد علمتم ما قالوا له بالأمس، إذ قال تعالى عنهم مخبراً بما قالوا: فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا [هود:27] أولاً، وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا [هود:27] ثانياً، بَادِيَ الرَّأْيِ [هود:27] ثالثاً، وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ [هود:27].

    وها هو ذا نوح عليه السلام يبطل تلك المزاعم الباطلة، فقال عليه السلام: يَا قَوْمِ [هود:28] ناداهم بعنوان القومية ترغيباً لهم في الدعوة، وإدناء منهم إلى سماعها وقبولها، ما قال: يا كفرة، أو يا ظلمة، قال: يَا قَوْمِ [هود:28] والأصل: (يا قومي)، فحذفت الياء في القراءة تخفيفاً فقط، يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي [هود:28]، أخبروني إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي [هود:28] وهو النبوة، وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ [هود:28]، إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي [هود:28] أي: على علم يقيني بوجود ربي، أو بوجوب عبادته وبوجوب توحيده وألوهيته.

    وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ [هود:28] بأن أوجدني ورزقني ووهبني سمعي وبصري، وأوحى إلي وأرسلني إليكم نبياً ورسولاً، وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ [هود:28] من فضله وإحسانه، فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ [هود:28] فأصبحتم لا تبصرونها ولا تشاهدونها، وحقاً إنه على رحمة من ربه، وعلى بينة مما جاء به، ولكن القوم لجهلهم عميت عليهم، فقال: فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ [هود:28] ما أستطيع، ما عندي قدرة على أن ألزمكم في الدخول في الإسلام، وقبول التوحيد وعبادة الله وحده، والإيمان به وبلقائه، لا أملك هذا.

    أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ [هود:28]؟ لو كنتم ترغبون وتحبون وتريدون وتطمعون فسيسهل علي أن أبلغكم، لكن ما دمتم كارهين لها ما تريدونها، وتحاربونها؛ فماذا أستطيع أن أفعل؟ كيف ألزمكموها وأنتم لها كارهون؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويا قوم لا أسألكم عليه مالاً إن أجري إلا على الله ...)

    ثم قال لهم: وَيَا قَوْمِ [هود:29] مرة ثانية ناداهم بعنوان القومية جذباً لقلوبهم حتى يصغوا ويسمعوا، يقول: يا قوم! لا أريد لكم إلا الخير، لا أريد لكم إلا النجاح والسيادة والفوز؛ لأنكم قومي لستم بأعدائي.

    وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ [هود:29] ما جئتكم به من هذا الهدى وهذا الدين وهذا الإسلام الذي تحمله هذه الآيات البينات؛ ما سألتكم عليه مقابلاً وثواباً وجزاء، بل أجري في ذلك على الله.

    وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ [هود:29] أي: على هذا الدين الذي جئتكم به، وهذا العلم، وهذا البيان، لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا [هود:29]، ثم قال: إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ [هود:29] أي: ما أطلبه إلا من الله عز وجل.

    معنى قوله تعالى: (وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقو ربهم ولكني أراكم قوماً تجهلون)

    ثم قال لهم: وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا [هود:29]؛ إذ قالوا: وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا [هود:27]، اطردهم من حولك، وكان المشركون في مكة يطالبون رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يطرد بلالاً وعماراً والفقراء من حوله، قالها أبو جهل مرات.

    وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ [هود:29] وهو الذي يجزيهم، وهو الذي يثيبهم، وهو الذي يعطيهم، كيف أطردهم من حولي وهم مؤمنون يعبدون الله، ويريدون أن يرفع الله شأنهم، وأن يعلي مكانهم ودرجتهم، فكيف أطردهم؟!

    وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ [هود:29] هذه الحقيقة، ما عرفتم الإيمان ولا ثماره ولا نتائجه ولا أهله ولا ما أعد الله لهم، ولا حقيقة الإيمان، الجهل هو الذي جعلكم تقفون هذا الموقف، تطالبونني بأن أطرد المؤمنين من حولي، وأنا لا أقدر على ذلك ولا أملكه، كيف وهم مؤمنون عرفوا ربهم، وأنابوا إليه، ويعبدونه؟ كيف أطردهم؟ هذا ناتج عن جهلكم لأنكم ما عرفتم، وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ [هود:29].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون)

    وناداهم ثالثاً: وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ [هود:30] ؟ هل أنتم تنصرونني؟ إذا عصيت ربي وطردت عباده الصالحين المؤمنين من حولي وتعرضت لغضبه وعذابه فمن ينصرني؟ من يقوى على أن يمد يده ويد الله فوق كل يد؟! مَنْ يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [هود:30] أفلا تتذكرون أن هذا الموقف لا ينبغي أن نقفه أبداً، كيف أطرد من حولي المؤمنين من أجل إيمانهم؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ...)

    ثم قال: وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ [هود:31] ولا أقول لكم: عندي خزائن الله من أموال وفضل وخير، هذا لا أملكه وليس عندي، هو من عند الله عز وجل، يهب ما يشاء لمن يشاء، أما أنا فلا أملك من ذلك شيئاً.

    وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا [هود:31] هنا أربع مسائل في هذه الآية:

    أولاً: وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ [هود:31].

    ثانياً: وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ [هود:31].

    ثالثاً: وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ [هود:31] من الملائكة.

    رابعاً: وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ [هود:31] وتحتقرونهم لفقرهم وضعفهم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ [هود:31] من إيمان وصلاح وصدق.

    إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ [هود:31] لو وقفت هذا الموقف الذي تطالبون به لكنت من الظالمين.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    هيا نسمع حجاج نوح عليه السلام مع قومه مرة أخرى.

    قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ [هود:28] أخبروني: إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي [هود:28] وهو حقاً -والله- على بينة، يعرف الله كما نعرف أنفسنا، بل وأعظم، يعرف الله كما يعرف الكون أمامه، بل أعظم.

    وآتاه رحمة منه فاصطفاه ونبأه وأرسله، يقول: أرأيتم إن كنت على هذا الخير فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ [هود:28] أنتم هذه النعم: نعمة الإيمان والإسلام والتوحيد، أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ [هود:28]؟ ما هو من شأني هذا، ولا في قدرتي واستطاعتي.

    ومعنى هذا: أنه لا يكره أحداً على الدخول في الإسلام، لا إلزام أبداً، عرف المسلمون هذا وما أكرهوا أحداً أبداً على الدخول في الإسلام، وعمي عن هذه المسيحيون، فكم ألزموا أقواماً وعائلات وأسراً بالدخول في المسيحية! وهذا نوح أول من قال: وما أريد أن ألزمكموها أبداً وأنتم لها كارهون.

    ثم قال لهم: وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا [هود:29] ما سألتكم مالاً على أن تدخلوا في الإسلام، فلم أقل: من أراد أن يعبد الله وحده دون سواه فليدفع كذا من المال، فتقولون: ألزمنا بمال فلا نستطيع!

    إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ [هود:29] ثوابي وجزائي على إبلاغي ونشر دعوتي لكم وهدايتكم أتلقاه من الله عز وجل.

    وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا [هود:29]، حيث طالبوه بطرد الفقراء من حوله فقال: وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا [هود:29]، لماذا؟ إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ [هود:29] ويجزيهم على إيمانهم وصدقهم، فكيف أطردهم من حولي وهم مؤمنون؟!

    وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ [هود:29]، وهذه العلة هي دائماً علة كل بلاء وشر وظلم وفساد وخبث، أي: الجهل، فالذي ما عرف الله كيف يحبه؟ الذي ما عرف الله كيف يخافه؟ الذي ما عرف الله كيف يعبده؟ الذي ما عرف الله كيف يسارع إلى طاعته وعبادته؟ الجهل هو الذي يحمل الناس على الكفر والشرك والعياذ بالله.

    ثم ناداهم ثالثاً فقال: وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ [هود:30]، إن طردت عباد الله المؤمنين الصالحين الصادقين من حولي لأنكم تريدون ذلك مني؛ فمن ينصرني أذا أراد الله أن ينتقم لأوليائه مني؟ مَنْ يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ [هود:30]، ما لكم؟ أَفَلا تَذَكَّرُونَ [هود:30]؟ أما هناك من يفكر ويفهم أبداً؟!

    رابعاً: وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ [هود:31] أبداً، لا أملك إلا ما ملكني الله وما أعطاني فقط، أما أنا فلست أملك خزائن الله أفتح أبواب المال على فلان وفلان، أو على الفقراء والمساكين، هذا لا أملكه، فخزائن المال والخير والفضل كلها بيد الله.

    وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ [هود:31]، ولا أقول أيضاً: أَعْلَمُ الْغَيْبَ [هود:31] لا أعلم الغيب أبداً، الغيب لله، إلا من شاء أن يعلمه الله شيئاً، أما أن هناك من يعلم الغيب غير الله فلا أحد، أنا لا أدعي هذا ولا أقول: إني أعلم الغيب.

    رابعاً: وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ [هود:31] أيضاً لا آكل ولا أشرب ولا أمرض، بل أنا بشر، يجري علي ما يجري على سائر البشر، أتعب وأعيا وأتألم.

    وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ [هود:31] أي: تحتقرونهم وتستهينون بهم من أولئك الفقراء المسلمين، وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا [هود:31]، لا أقول هذا، بل يؤتيهم الخير العظيم، ما دام قد هداهم إلى الإيمان فآمنوا، وإلى الطاعة فأطاعوا الله ورسوله، وهم يعبدون الله على فقرهم وعجزهم وضعفهم؛ كيف لا يؤتيهم الله خيراً؟!

    اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ [هود:31]، إن كانوا صادقين في إيمانهم ونياتهم الصالحة فسوف يجزيهم بذلك، وإن كانوا منافقين أو دجالين أو يراءون فقط؛ فهو أعلم بما في نفوسهم، إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ [هود:31]، لو قلت لهم من الآن: لا تجلسوا إلي، ومنعتهم أن يجلسوا إلي ويأخذوا عني الدين لكنت من الظالمين، وأنا أبرأ إلى الله أن أكون من الظالمين.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    واسمعوا شرح الآيات من الكتاب؛ لتزدادوا معرفة.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ معنى الآيات:

    ما زال السياق في قصة نوح مع قومه، فأخبر تعالى أن نوحاً قال لقومه: أَرَأَيْتُمْ [هود:28] أي: أخبروني إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي [هود:28] أي: على علم يقيني بربي تعالى وبصفاته، وبما أمرني به من عبادته وتوحيده والدعوة إلى ذلك.

    وقوله: وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ [هود:28] وهي الوحي والنبوة والتوفيق لعبادته، فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ [هود:28] أنتم فلم تروها؛ فماذا أصنع معكم؟ أَنُلْزِمُكُمُوهَا [هود:28] أي: أنجبركم أنا ومن آمن بي على رؤيتها والإيمان بها والعمل بهداها وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ [هود:28]؟ أي: والحال أنكم كارهون لها، والكاره للشيء لا يكاد يراه ولا يسمعه ] كما علمنا، الكاره للشيء لا يقوى على رؤيته ولا على سماعه، [ هذا ما دلت عليه الآية الأولى.

    أما الآية الثانية فإن الله تعالى يخبر أيضاً عن قيل نوح لقومه ]، ماذا قال؟ [ وَيَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا [هود:29] أي: لا أطلب منكم أجراً على إبلاغكم هذه الرحمة التي عميت عليكم فلم تروها ] لكرهكم إياها وبغضكم لها، [ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ [هود:29] أي: ما أجري إلا على الله، إذ هو الذي كلفني بالعمل بها والدعوة إليها، وواعدني بالأجر عليها.

    وقوله: وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا [هود:29] أي: وما أنا بمطيعكم في طرد المؤمنين من حولي كما اقترحتم علي، إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ [هود:29] ومحاسبهم ومجازيهم على أعمالهم، فكيف يصلح مني إبعادهم عن سماع الحق وتعلمه والأخذ به ليكملوا ويسعدوا؟ إذ العبرة بزكاة النفوس وطهارة الأرواح بواسطة الإيمان والعمل الصالح، لا بالشرف والمال والجاه كما تتصورون؛ ولذا فإني أراكم قوماً تجهلون. هذا ما دلت عليه الآية الثانية.

    ثم قال لهم في الآية الثالثة: وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ [هود:30] أي: من هو الذي يرد عني عذاب الله ويمنعني منه إن أنا عصيته فطردت -أي: أقصيت وأبعدت- عباده المؤمنين عن سماع الهدى وتعلم الخير ولا علة لذلك إلا لأنهم فقراء ضعفاء تزدريهم أعينكم المريضة التي لا تقدر على رؤية الحق وأهله والداعين إليه.

    ثم قال لهم: أَفَلا تَذَكَّرُونَ [هود:30] أي: تتفكرون فتعلمون خطأكم وجهلكم فتثوبوا إلى رشدكم وتتوبوا إلى ربكم فتؤمنوا به وبرسوله، وتعبدوه وحده لا شريك له؟

    ثم قال لهم في الآية الأخيرة: وَلا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ [هود:31] رداً على قولهم: وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ [هود:27]، وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ [هود:31] فأعرف ما تخفيه صدور الناس فأطرد هذا وأبقي هذا، وَلا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ [هود:31] حتى تقولوا: ما نراك إلا بشراً مثلنا ]، أي: ما قلت لكم: أنا ملك حتى تقولوا: ما نراك إلا بشراً مثلنا!

    وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ [هود:31]، لفقرهم وضعفهم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ [هود:31]، أي: من صدق أو نفاق، أو من حب أو بغض. كأنهم طعنوا في المؤمنين واتهموهم بأنهم ينافقون، أو لهم أغراض فاسدة أو أطماع مادية من أجلها التفوا حول نوح.

    وقوله: إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ [هود:31] أي: إني إذا قلت للمؤمنين الضعفاء: لن يؤتيكم الله خيراً كنت بعد ذلك من الظالمين الذين يعتدون على الناس بهضمهم حقوقهم وامتهان كرامتهم ].

    هداية الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: كره الشيء يجعل صاحبه لا يراه ولا يسمعه ولا يفهم ما يقال له فيه ]، هذه سنة مطردة، [ كره الشيء يجعل صاحبه ] أي: الكاره، يجعله [ لا يراه ولا يسمعه ولا يفهم ما يقال له ] عنه، فحبك الشيء يعمي ويصم، وكرهك الشيء يعمي ويصم.

    [ ثانياً: كراهية أخذ الأجرة على الدعوة والتربية والتعليم الديني ]، هذه استنبطت من الآية، حيث قال نوح عليه السلام: لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ [هود:29]، استنبط من هذه الآية كراهية أخذ الأجرة على الدعوة والتربية والتعليم الديني، أما التعليم الدنيوي فلا حرج.

    [ ثالثاً: وجوب احترام الضعفاء ووجوب إكرامهم وحرمة احتقارهم وازدرائهم ]، من أين أخذنا هذا؟ من قوله: وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ [هود:29].

    [ رابعاً: علم الغيب استأثر الله تعالى به دون سائر خلقه، إلا من علمه الله شيئاً منه فإنه يعلمه ]، من أين استنبطنا هذا من الآية؟

    من قوله: وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ [هود:31]، فعلم الغيب استأثر الله تعالى به، واختص الله تعالى به دون سائر خلقه من الملائكة والأنبياء والرسل والصالحين، إلا من علمه الله شيئاً محدوداً فإنه يعلمه.

    [ خامساً: حرمة غمط الناس وازدرائهم والسخرية منهم ]، لا يحل الازدراء بمؤمن ولا كافر، ولا احتقار فقير ولا ضعيف، أخذنا هذا من قوله: وَلا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا [هود:31].

    هذا والله تعالى أسأل أن يرزقنا العلم والعمل به إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.