إسلام ويب

تفسير سورة هود (8)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أرسل الله عز وجل نبيه نوحاً إلى قومه بعد أن استشرى فيهم الشرك، وعم فيهم الضلال والكفر، فحذرهم عليه الصلاة والسلام من عذاب الله الأليم إن هم أصروا على ما هم عليه من الكفر والطغيان، فما كان ردهم عليه إلا أن سخروا منه، كونه بشراً مثلهم فأنى له أن يتميز عليهم، وأن أتباعه إنما هم الضعفاء والمساكين، وسفهوا رأيه واتهموه بالكذب والبهتان، فيا ويحهم أين تذهب بهم عقولهم؟!

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه إني لكم نذير مبين)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والليالي الثلاث بعدها ندرس إن شاء الله كتاب الله؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه ألفاً وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن ما زلنا مع سورة هود المكية، والمكيات -كما علمتم- تعالج العقيدة، وتعالج أعظم أركان العقيدة، ألا وهي التوحيد، بألا يعبد إلا الله.

    ثانياً: النبوة المحمدية والرسالة النبوية.

    ثالثاً: البعث الآخر والحياة الآخرة، وما يتم فيها من جزاء على الكسب في هذه الدنيا.

    وها نحن مع هذه الآيات الثلاث، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوتها مرتلة مجودة، ثم نتدارسها بعد ذلك، والله نسأل أن يفتح علينا بالعلم والعمل.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ * فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ [هود:25-27].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هذه بداية قصة نوح العبد الشكور عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

    وقد أنزل الله تعالى سورة سماها بسورة نوح، ما بين المعارج والجن، وهي خلاصة لما سوف نسمعه في دراسة هذه القصة عدة ليال، ونوح هو العبد الشكور، نوح قضى بين قومه داعياً إلى ربه صابراً على أذى قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، فكانوا يسبون ويشتمون، ويدفعون ويضربون، وهو صابر لم يترك دعوة الله لا ساعة ولا يوماً ولا ليلة، حتى حكم الله بينه وبين قومه، فأغرق الكافرين، ونقلهم إلى دار الجحيم، ونجى الفئة المؤمنة من المؤمنين.

    إذاً: هذه بداية القصة، يقول تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ [هود:25]لم أرسله إلى قومه؟ من أجل أن يعرفهم بأن لهم رباً وإلهاً لا رب غيره ولا إله سواه، هو خالقهم ورازقهم ومدبر حياتهم؛ فليعبدوه، وليتركوا عبادة ما سواه من تلك الأصنام والتماثيل.

    سبب ظهور الشرك في قوم نوح عليه السلام

    وهنا أخبرنا أبو القاسم فداه أبي وأمي وصلى الله عليه وسلم؛ أخبرنا بقصة نوح، وأن سبب عبادتهم الأصنام أنه كان فيهم رجال صالحون أتقياء بررة مؤمنون موحدون، فماتوا، فلما ماتوا زين الشيطان لأولئك الأقوام بأن يبنوا على قبورهم، ويضعوا صوراً وتماثيل لهم من أجل أن تذكرهم بهم وبعبادة الله وطاعته، ففعلوا، فمات جيل وجاء جيل ثان فعبد تلك الصور والتماثيل، وقد ذكر تعالى أسماءهم في قوله من سورة نوح: وَقَالُوا [نوح:23] أي: قوم نوح لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ [نوح:23] أي: لا تتركن عبادتهم، وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا [نوح:23] خمسة رجال من الصالحين: ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، كانوا -والله­- رجالاً صالحين، فلما ماتوا رأوا أن يبنوا على قبورهم، أو يضعوا صوراً لهم من باب الذكرى والتذكير، فمات ذلك الجيل العالم وجاء جيل آخر بعد مائة سنة أو مائتين، فرأى أن عبادتهم هي المقصودة، فعبدوهم مع آلهتهم الأخرى، وقالوا: لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا [نوح:23].

    فها هو ذا نوح عليه السلام يقول لهم: إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ [هود:25] نذير من عواقب وخيمة وشديدة، عجلوا فتوبوا، استغفروا، ارجعوا إلى ربكم، وحدوه، اعبدوه وحده، إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ [هود:25] بيِّن النذارة واضحها، أنا مبعوث من قبل الرب الخالق إليكم؛ لأنذركم عواقب الكفر والشرك والعياذ بالله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ألا تعبدوا إلا الله إن أخاف عليكم عذاب يوم أليم)

    قال: إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ [هود:25-26]، نذير لكم من عواقب الشرك وعبادة غير الله، مأمور أن آمركم بألا تعبدوا إلا الله، وهنا كانوا يعبدون الله ويعبدون معه غيره؛ لأن وضعهم في تلك الأيام كوضع من أصيبوا بالجهل في هذه الأمة، وأصبحوا يعبدون الأولياء ويتقربون إليهم، هذا ينذر لهم، وهذا يذبح لهم، وهذا يحلف بهم، وهو يعتقد أنه لا إله إلا الله، ولا رب سوى الله، ومع هذا يقولون: نستشفع بهم، نستغيث بأولياء الله، نتوسل بهم إلى الله! فعبدوهم كما عبد قوم نوح آلهتهم، وذلك بالحلف بهم أولاً، ثانياً: بالنذر لهم، ثالثاً: بالذبح لهم، رابعاً: بالدعاء، خامساً: بالاستغاثة: يا سيدي فلان! يا كذا! أليست هذه الاستغاثة؟ أليست هي طلب الغوث؟ والذي هو مريض تقوله امرأته: زوجي فيه كذا! يشرحون أحوالهم أمامهم كأنهم بين يدي الله، ولا عجب ولا غرابة؛ فالديانة اليهودية تحولت إلى شركيات وأباطيل، والديانة المسيحية ظلت سبعين سنة فقط على توحيد وعبادة لله، وبعد السبعين سنة انتكسوا وعبدوا غير الله، وألهوا غير الله، فلا عجب؛ ونحن ما إن مضت ثلاثمائة سنة، وهي القرون المفضلة التي أخبر عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: ( خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم )، ما إن انتهت القرون الثلاثة حتى ظهرت أنواع الشرك والخرافة والباطل.

    إذاً: قال: إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ [هود:25-26] وحده، وبم يعبدون الله؟ بما يعلمهم أن يعبدوه به، يدعونه وحده، يرجونه وحده، يخافونه وحده، يؤملون فيه وحده، ويتركون العلاقات بغير الله عز وجل.

    نزول العذاب بالكفرة من قوم نوح في الدنيا والآخرة

    إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ [هود:26] إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم شديد الإيلام، وهذا اليوم هو يوم الطوفان في الدنيا، وما ينالهم من عذاب أبدي في دار البوار، في النار دار الخزي والذل والعار.

    فقوله: إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ [هود:26] صالح أيضاً ليوم الطوفان، وأحداث الطوفان واضحة، قال تعالى: فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ [القمر:10]، قال ذلك بعد ألف سنة إلا خمسين عاماً، فَدَعَا رَبَّهُ [القمر:10] يا رب! إني مغلوب فانتصر لي، فاستجاب الله عز وجل: فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ * فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ [القمر:10-12] العلوي والسفلي عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ [القمر:12-13] وهي السفينة وَدُسُرٍ [القمر:13] أي: مسامير، ونجاه والمؤمنين وأغرق أعداءه المشركين الظالمين.

    هكذا يقول نوح عليه السلام لقومه: يا قوم! إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ [هود:25-26]، فبم أجابه قومه؟ من كان حاضراً هناك وشاهداً لينقل إلينا الخبر؟

    فقولوا: آمنا بالله، هذا كتاب الله، هذا وحي الله إلى رسوله، ولن يستطيع أحد على الأرض أن ينكر هذا أو يرده.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشراً مثلنا ...)

    ماذا قال الملأ؟ فَقَالَ الْمَلَأُ [هود:27] لما واجههم بالدعوة الصريحة الواضحة؛ لإنقاذهم من عذاب الدنيا والآخرة ليتخلوا عن الشرك والكفر والعياذ بالله؛ أجاب الملأ بما سيأتي، ومن هم الملأ؟

    ليسوا الفقراء والمساكين، بل أهل المال وأرباب البلاد، أصحاب الشرف والجاه، الذين كلمتهم تعلو ولا يعلى عليها، الملأ الذين يملئون عينيك إذا نظرت إليهم بأبهتهم وحسنهم وجمالهم، أما الفقراء والمساكين فلا حظ لهم في هذا، وهكذا ما من دعوة لله عز وجل إلا ويقف في وجهها أرباب المال والسلطة والجاه والأطماع التي تمنعهم من قبول الدعوة.

    ذكر الأمور الأربعة التي اعترض بها قوم نوح عليه السلام

    فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ [هود:27] الذين كفروا بالله ولقائه، كفروا برسول الله نوح وما جاء به، وجحدوا ذلك كله، ماذا قالوا؟ ردوا عليه بأربعة أمور:

    أولاً: قالوا: مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا [هود:27]، ما هي الميزة التي تفوقت بها علينا وأصبحت رسولاً تأمرنا وتنهانا، وتنذرنا وتخوفنا؟ ما نراك إلا واحداً منا، فما هي الميزة التي تفوقت بها؟ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا [هود:27] تأكل وتشرب وتتغوط وتبول، فكيف تصبح نبياً لنا؟ هذه واحدة.

    الأمر الثاني: وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا [هود:27]، ما نرى أنه اتبعك ومشى معك واستجاب لدعوتك إلا الذين هم أراذلنا، جمع أرذل: الذليل المسكين الفقير العائل، فهؤلاء هم أتباعك، فكيف نتبعك؟ بماذا فضلت علينا؟

    أولاً: مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا [هود:27]، ما أنت بملك، ثانياً: ما نرى الذين اتبعوك إلا أراذلنا وفقراءنا وأخسنا؛ فما هو الداعي الذي يدعونا إلى اتباعك وقبول دعوتك؟

    ثالثاً: قالوا: بَادِيَ الرَّأْيِ [هود:27]، رأيك سطحي، ما عندك عمق في السياسة، ولا معرفة للمستقبل ولا للماضي، ولا للدنيا كيف هي، سطحي النظر لا قيمة لكلامك، ما أنت بعريق في العلم والفهم والمعرفة وأصول الحياة ومبادئها، بَادِيَ الرَّأْيِ [هود:27] سطحي الفكرة، ما أنت بأهل لهذه الدعوة.

    وهنا العلمانيون يقولون هذه القولة، يقولون لدعاة التوحيد والعبادة والطاعة، يسمونهم متخلفين ورجعيين وضائعين كما يقولون؛ دفاعاً عن مناصبهم ومقاماتهم التي هم عليها، يدعون العلم وأنه لا عالم سواهم!

    فانظر ماذا قال قوم نوح لنوح: بَادِيَ الرَّأْيِ [هود:27] رأيك سطحي ظاهر، ما عندك عمق ولا معرفة، ما تعرف الحياة كيف هي، كيف تأمرنا أن نتبعك ونمشي وراءك ولا بصيرة لك ولا علم؟

    رابعاً: وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ [هود:27]، وما نرى لكم أنت وجماعتك الفقراء من فضل أبداً ولا ميزة تتفضلون بها علينا، بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ [هود:27]، أنت وجماعتك الموحدون الذين يدعون للتوحيد نظنكم كاذبين في دعواكم! هذا قول قومه.

    وأعيد تلاوة الآيات؛ حيث يقول تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ [هود:25] فمن المخبر؟ الله. وكيف وصلنا هذا الخبر؟ عن طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحي أوحاه الله إلى رسوله، وقد تضمنه كتاب الله القرآن الكريم.

    وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ * فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ [هود:25-27]، هذا ردهم، وفي الآيات الآتيات بيانات وتفصيلات، ونسمعكم شرح هذه الآيات في الكتاب.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ معنى الآيات:

    هذه بداية قصة نوح عليه السلام، وهي بداية لخمس قصص جاءت في هذه السورة سورة هود عليه السلام، قال تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ [هود:25] أي: قال لهم: إني لكم نذير مبين، أي: بيِّن النذارة، أي: أخوفكم عاقبة كفركم بالله وبرسوله، وعاقبة شرككم في عبادة ربكم الأوثان والأصنام.

    وقوله: أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ [هود:26] أي: نذير لكم بألا تعبدوا إلا الله، وتتركوا عبادة غيره من الأصنام والأوثان.

    وقوله: إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ [هود:26] علل لهم أمرهم بالتوحيد ونهيهم عن الشرك بأنه يخاف عليهم إذا أصروا على شركهم وكفرهم عذاب يوم أليم، وهو عذاب يوم القيامة ]، وعذاب الدنيا أيضاً وهو الطوفان.

    [ فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ [هود:27] أي: فرد على نوح ملأ قومه ] أي: [ أشرافهم وأهل الحل والعقد فيهم ممن كفروا بالله ورسوله، فقالوا: مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا [هود:27] أي: لا فضل لك علينا، فكيف تكون رسولاً لنا ونحن مثلك؟ هذا أولاً.

    وثانياً: وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا [هود:27] أي: سفلتنا من أهل المهن المحتقرة، كالحياكة ] والحجامة [ والجزارة، ونحوها.

    [ وقولهم: بَادِيَ الرَّأْيِ [هود:27] أي: ظاهر الرأي، لا عمق في التفكير ولا سلامة في التصور عندك.

    وقولهم: وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ [هود:27] أي: وما نرى لكم علينا من أي فضل تستحقون به أن نصبح أتباعاً لكم، فنترك ديننا ونتبعكم على دينكم، بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ [هود:27] فيما تقولون ] وتدعون.

    هداية الآيات

    هذه الآيات فيها هدايات تستنبط منها، فهيا نتأمل.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: إن نوحاً واسمه عبد الغفار ]، ولقبه الله بالعبد الشكور: إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا [الإسراء:3]، فهو عبد الغفار، وعبد الشكور، أو عبدٌ شكور، ونوح من النياحة، فجائز أنه كان يبكي من صلابة قومه وعنادهم وباطلهم.

    قال: [ إن نوحاً -واسمه عبد الغفار- أول رسول إلى أهل الأرض ]، فما قبل نوح إلى آدم كان الناس على عبادة الله وتوحيده، فلما طرأ عليهم الشرك بما سمعتم من فتنة الشياطين بعبادة الأولياء أرسل الله إليهم نوحاً، فكان أول رسول، وأول الأنبياء آدم عليه السلام، وآخر الأنبياء والرسل محمد صلى الله عليه وسلم، وكل رسول نبي، وليس كل نبي رسولاً، كل رسول نبي؛ إذ لا يرسل حتى ينبأ ويعلم، وليس كل نبي رسولاً، فأول الرسل الذين حاربوا الشرك ودعوا إلى التوحيد نوح عليه السلام.

    قال: [ إن نوحاً -واسمه عبد الغفار- أول رسول إلى أهل الأرض بعد أن أشركوا بربهم، وعبدوا غيره من الأوثان والآلهة الباطلة.

    ثانياً: قوله: أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ [هود:26] هو معنى لا إله إلا الله ] التي جاء بها رسول الله، فقال: ( قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا )، وقال: ( أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله )، هذه كلماته صلى الله عليه وسلم: ( أمرت ) أي: أمرني ربي ( أن أقاتل الناس ) إلى متى؟ ( حتى يقولوا: لا إله إلا الله ).

    ونحن خلفاؤه صلى الله عليه وسلم، واجبنا أن نحمل راية الجهاد أيضاً، وأن نقول: أمرنا أن نقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله. وقد عرفوا هذا فذبحونا واستراحوا منا؛ استراحوا منا ليعيشوا في أخبث الظروف وأسوأ الأحوال أوالهبوط الآدمي تحت مستوى الخنازير والعياذ بالله! هذا ذنبهم، فهم الذين عطلوا دعوة الإسلام وحاربوها وصرفوا الناس عنها ليذوقوا مرارة الحياة، وفي الآخرة أشد.

    [ ثالثاً: التذكير بعذاب يوم القيامة ]، لقوله: إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ [هود:26].

    [ رابعاً: أتباع الرسل هم الفقراء والضعفاء، وخصومهم الأغنياء والأشراف والكبراء ]، هذه سنة الله عز وجل.

    [ خامساً: احتقار أهل الكبر لمن دونهم، وفي الحديث: ( الكبر بطر الحق وغمط الناس ) ]، ونعوذ بالله أن يكون في صدورنا مثقال ذرة من كبر.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.