إسلام ويب

تفسير سورة هود (7)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ضرب الله عز وجل مثلاً لأهل الإيمان وأهل الكفر والطغيان برجلين: أحدهما يسمع ويبصر، والآخر أعمى أصم لا يقدر على شيء، ثم استفهم عباده مقرعاً وموبخاً لهم عن استواء حال الرجلين، مبيناً أن الخسران المبين هو نصيب من فضل العمى على الإبصار، والصم على السماع، أما أهل الإيمان والتقوى والعمل الصالح، فإن لهم الجنة هم فيها خالدون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والليالي الثلاث بعدها ندرس إن شاء الله كتاب الله؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة هود عليه السلام المكية المباركة الميمونة، والمكيات من سور القرآن يعالجن العقيدة: التوحيد، والنبوة، والبعث الآخر، وها نحن مع هذه الآيات الثلاث، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة، ثم نتدارسها إن شاء الله.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ * لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلا تَذَكَّرُونَ [هود:21-24].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ [هود:21] هذه الإشارة إلى من؟ إلى أناس كفروا بالله، وكذبوا بلقائه، وأنكروا وحيه وتشريعه، وافتروا على الله الكذب، فنسبوا إليه الولد والشريك، هؤلاء الذين صدوا أنفسهم وصدوا غيرهم عن سبيل الله، هؤلاء هم الذين أشار تعالى إليهم بقوله: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ [هود:21] خسراناً أبدياً، إذ يلقون في أتون الجحيم، ويستمرون على تلك الحياة التي ما هي بالموت ولا الحياة ملايين السنين بلا نهاية.

    صفات الخاسرين المذكورة في الآيات السابقة

    وإليكم صفاتهم وحالهم في الآيات السابقة: قال تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [هود:18] والله! لا أحد، أيكذب على الله؟ يقول: قال الله والله ما قال؟ يقول: لله وليس لله من شريك أو ولد، يقول: أوجب الله أو أحل الله والله ما أوجب ولا أحل؟ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ [هود:18] في ساحة فصل القضاء يوم القيامة كما علمتم، وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ [هود:18]، ويقولون: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هود:18] من هم؟ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [هود:19] عن توحيده وعبادته وتقواه، وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا [هود:19] كما يشتهون ويريدون، وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ [هود:19] جاحدون مكذبون، أُوْلَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ [هود:20]، ما كانوا يقدرون على أن يسمعوا كلام الله، ولا يقدرون على أن يروا من يقرأ كلام الله، هؤلاء يقول تعالى فيهم: أُوْلَئِكَ [هود:21] البعداء الأشقياء الكافرون المكذبون الخاسرون الصادون عن سبيل الله، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ [هود:21] خسراناً أبدياً، وقد علمتم هذا الخسران: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر:15].

    يلقى أحدهم في عالم تأكله النار، وينزل به من العذاب ما لا يطاق أبداً، فأي خسران أعظم من هذا الخسران؟!

    أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [هود:21]، ذاك الذي كانوا يكذبونه ويقولونه انتهى، وهم حفاة عراة في ساحة فصل القضاء، ذهب ذاك الذي كانوا يقولون ويتبجحون ويكذبون ويفترون، ضل عنهم وما وجدوه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون)

    قال تعالى: لا جَرَمَ [هود:22] حقاً، قطعاً، لا بد، لا محالة أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ [هود:22] الأعظم خسراناً، الأكثر خسراناً؛ لأنهم صدوا أنفسهم عن دين الله فما زكت ولا طابت ولا طهرت؛ فاستوجبوا النار والخلود فيها، وصدوا عباد الله بالقوة أو بالكيد والمكر، فكفروهم وحالوا بينهم وبين تزكية أنفسهم، فالعذاب مضاعف.

    فالذين كفروا وما كفَّروا غيرهم ولا صدوا عن سبيل الله لهم عذاب في منزلة دون هذه، لكن الذين ظلموا وكفَّروا وآذوا عذابهم مضاعف.

    لا جَرَمَ [هود:22] أي: حقاً وصدقاً أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ [هود:22] الدار الآخرة، الحياة الآخرة المعبر عنها بيوم القيامة وبالساعة وبأيام الحساب والجزاء هي الآخرة.

    لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ [هود:22] لا غيرهم الأَخْسَرُونَ [هود:22] الأشد خسراناً، ما قال: هم خاسرون، ولكن خسرانهم أعظم من خسران الذين كفروا وكذبوا ولكن ما حملوا غيرهم على الكفر والتكذيب.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون)

    ثم قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [هود:23] مقابل قوله: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ [هود:18-19].

    إن الذين آمنوا بالله رباً لا رب غيره، وإلهاً لا إله سواه، وصدقوا بكل ما أخبر الله به، سواء أطقنا فهمه وإدراكه أو عجزنا عن ذلك لضعف قوتنا العلمية، أو لضعف قوتنا العقلية، إذا أخبر الله بخبر فقل: آمنت بالله، آمنا بالله، ولنذكر تلك الجلسة المحمدية في هذا المسجد، إذ كان صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه، يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وفجأة هو يحدثهم قال: ( آمنت به، آمنت به، آمنت به )، ثم أخبرهم أن رجلاً من بني إسرائيل من الأمة السابقة من أهل الإيمان والإسلام والإحسان قبل أن تفسد ملتهم ودينهم كان يركب على بقرة، والبقر لا تركب عادة وعرفاً، يسقى عليها ويسنى الماء، أما أن يحمل عليها إنسان فلا!

    هذه البقرة يقول عنها الرسول صلى الله عليه وسلم -كأنه يشاهد-: إنها رفعت رأسها إلى الراكب وقالت له: ما لهذا خلقت! فقال الرسول: ( آمنت به، آمنت به )، وأمسك بلحيته ثلاث مرات، آمن بماذا؟ بنطق البقرة، البقرة نطقت وأفصحت وقالت لراكبها: ما لهذا خلقت، لو قيل لك اليوم: إن فلاناً نطقت البقرة له فلن تصدق؛ لأن العرف والسنة ما وقعت وما جرت بهذا، لكن هذه الخارقة وقعت، فالرسول الكريم بادر إلى قوله: ( آمنت به، آمنت به، آمنت به، وآمن به أبو بكر ، وآمن عمر )، وكانا غائبين رضي الله عنهما؛ لثقته في إيمانهما وصدقهما أخبر أنهما آمنا به: ( وآمن به أبو بكر وآمن به عمر )، وآمنا به نحن والحمد لله.

    حقيقة الإيمان والعمل الصالح المنجيان

    يقول تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا [هود:23] صدقوا أولاً بوجود الله رباً لا رب غيره، وإلهاً لا معبود بحق سواه، وآمنوا بصفاته وجلاله وكماله، وآمنوا بشرائعه وأحكامه، وآمنوا بكل ما أمرنا أن نؤمن به من الملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، إذ كلمة الإيمان تشمل الإيمان بأركانه الستة، وتزيد بأن تصدق بكل ما أخبر الله به أو أخبر به رسوله.

    هؤلاء قال تعالى عنهم: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا [هود:23] أولاً، وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [هود:23]، عملوا الأعمال الصالحات والأفعال الصالحات، ما هذه الأعمال الصالحة المزكية للنفس المطهرة لها؟

    هذه الأعمال الصالحة هي كل ما أمر الله باعتقاده أو قوله أو فعله بالجوارح، كل عمل أمر الله بفعله، وأمر به رسوله صلى الله عليه وسلم فهو العمل الصالح، ولن يكون العمل صالحاً إذا لم يكن مما أمر الله تعالى به، أو أمر به رسوله صلى الله عليه وسلم.

    إذاً: العمل الصالح أوامر الله عز وجل، إبدأ بإقام الصلاة، وانته بالرباط والجهاد في سبيل الله، كل ما أمر الله بفعله أو قوله أو اعتقاده، أو أمر به رسوله صلى الله عليه وسلم اعتقاداً كان أو قولاً أو عملاً فهو عمل صالح، الأعمال تكون بالقلب واللسان وبالجوارح.

    جزاء المؤمنين

    قال: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [هود:23] ثم ماذا؟ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ [هود:23] الإخبات: الطمأنينة والخشوع والسكون، أخبت في الأرض: مشى عليها فهو مخبت، أخبتوا إلى ربهم: أذعنوا وذلوا، خشعوا، خضعوا طول حياتهم، لا كبرياء ولا علو، وإنما الذلة والسكون والخشوع لله عز وجل، وأخبتوا إلى ربهم قلوبهم ووجوههم، هؤلاء المؤمنون العاملون للصالحات المخبتون إلى ربهم: أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [هود:23] هذا هو كلام الله، ترغيب وترهيب، رهبنا بحال أهل النار والخسران، ورغبنا بحال أهل الإيمان وصالح الأعمال؛ لأنه كتاب هداية المقصود منه: أن يهتدي الناس عليه، والناس لا يهتدون إلا على أن تبين لهم المهالك ليجتنبوها، وتبين لهم المنافع ليأتوها ويفعلوها.

    هذا الخبر العظيم مقابل الخبر الأول: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ * لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآخِرَةِ هُمُ الأَخْسَرُونَ [هود:21-22]، مقابل له قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [هود:23] أبداً لا يخرجون منها، لا يهرمون ولا يموتون ولا يمرضون، أبد الآباد بلا نهاية، اللهم اجعلنا منهم، واحشرنا في زمرتهم.

    ذكر بعض نعيم الجنة

    وهل تعرفون عن الجنة شيئاً؟

    الجنة البستان العظيم، وصفها تعالى في كتابه بما لا مثيل له، فماذا تعرفون عن أنهارها؟ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى [محمد:15].

    ماذا تعرفون عن قصورها وحورها؟ وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ * كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ [الصافات:48-49].

    ماذا تعرفون عن طعامها وشرابها وما يقدم لهم؟ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ * لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنزِفُونَ * وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ * جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الواقعة:17-24] من الإيمان والعمل الصالح، وقد عرفتم سر هذا زادكم الله معرفة، وهو أن الله لا يرضى لذوي الأرواح الخبيثة أن تجاوره في دار السلام في الجنة دار النعيم المقيم، ما يقبل إلا الأطهار الطيبين، فمن طهرت نفسه وزكت وطابت روحه فهو أهل لأن يدخل دار السلام مع مواكب النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.

    ومن كانت نفسه خبيثة منتنة عفنة فهو من أهل النار، وآثار الخبث -والله- نشاهده في الكذاب، المجرم، الفاجر، ذلك كله أثر من آثار خبث نفسه.

    حال المؤمنين والكفرة عند نزع أرواحهم وبعده

    ولا ننس أنه عند نزع الروح من الإنسان -ونحن ننتظر متى تنزع أرواحنا، وكل صلاة نصلي على أناس نزعت أرواحهم- فإن كانت الروح طيبة طاهرة بسبب إيمانها وصالح أعمالها؛ حيث زكت وطابت بالإيمان والعمل الصالح، وابتعادها عن الشرك والمعاصي الملوثة للنفس المخبثة لها، هذه الروح اسمعوا قول الله تعالى عنها: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ [فصلت:30] لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ثُمَّ اسْتَقَامُوا [فصلت:30] على فعل الواجبات وترك المنهيات، ما مالوا هكذا ولا هكذا، لا تركوا واجباً، ولا فعلوا محرماً، تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ [فصلت:30] أفواجاً ومواكب فرحين بهذه الروح، تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [فصلت:30].

    والله يقول أيضاً وقوله الحق: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا [الأعراف:40] ما لهم؟ لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ * لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [الأعراف:40-41]، لا تفتح لهم أبواب السماء؛ إذ يأتي موكب ليس كالموكب الأول، من نوع آخر من الزبانية، فيعرجون بها إلى السماء الدنيا فلا يؤذن لهم، فتعود إلى الدركات السفلى في الكون إلى سجين، أما الروح الطاهرة النقية المشرقة الزكية بالإيمان وصالح الأعمال، وبعدها عن الرذائل والخبائث والمدسيات؛ هذه تفتح لها أبواب السماء وينتهى بها إلى العرش إلى عليين، واقرءوا: إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ * إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين:18-26]، فقولوا: ها نحن نتنافس والحمد لله؛ لا زنا ولا ربا ولا غيبة ولا نميمة ولا خداع ولا غش ولا كبر ولا كذب، ولكن إيمان وأعمال صالحة، صيام وصلاة وذكر لله وتلاوة كتابه، فقولوا: الحمد لله.

    قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ [هود:23] أخبتوا له ماذا؟ قلوبهم، ووجوههم، أجسامهم ذليلة بين يدي الله، لا كبرياء ولا علو، ولا ترك واجب ولا فعل محرم.

    أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [هود:23] اللهم اجعلنا منهم وسائر المؤمنين والمؤمنات.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلاً ....)

    ثم قال تعالى: مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ [هود:24] الفريق الأول الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله، وكذبوا على الله وافتروا عليه الباطل، والفريق الثاني الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وما هناك فريق ثالث، ما هناك وسط، إما من أهل دار السلام، وإما من أهل دار البوار، إما في نعيم الجنة أو في عذاب النار؛ لأنه إما مؤمن صادق الإيمان، وإما كافر أو منافق تارك الإيمان.

    مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ [هود:24] الفريق الأول: الذين هم الأخسرون، والفريق الثاني: الذين هم أصحاب الجنة هم فيها خالدون، مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ [هود:24] الأعمى فاقد حاسة البصر، ما يبصر، هل يستوي مع من يبصر؟ من يسوي بينهما؟ والأصم فاقد حاسة السمع لا يسمع، فهل يستوي مع من يسمع؟! أدنى حركة أو صوت يسمعه، وذاك أصم ما يسمع، هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا [هود:24]؟ اللهم لا أبداً.

    روح الإيمان وجريمة اليهود في نشر الإلحاد

    وهنا ضع يديك لتعرف أن الإيمان الصحيح الذي يوافق القرآن عليه ويختم لك عليه، هذا الإيمان الصحيح بمثابة الروح، صاحبه حي يسمع ويبصر، وفاقده ميت لا يسمع ولا يبصر، الإيمان بمثابة الروح، بمنزلة الروح للجسد، إذا خرجت الروح من الجسد مات الجسد، فكذلك الإنسان -أبيض أو أسود في الأولين أو الآخرين- إذا كفر ولم يؤمن الإيمان الصحيح فمثله -والله- مثل الميت، لا يسمع ولا يبصر، ومن اعترض قلنا له: قل لمنافق أو كافر: قم صل، فهل سيسمع هذا؟ يسمع النداء أن: حي على الصلاة، فهل يغسل يديه ويتوضأ ويأتي المسجد؟ ما يسمع، يشاهد آيات الله في الكون وهو أعمى عنها، هذه الآيات الكونية من الشمس إلى القمر إلى الحر إلى البرد إلى الأرض إلى السماء، إلى الجبال إلى الأنهار إلى هذه المخلوقات لا يسأل: من خلقها؟! لم لا يسأل عمن خلقها؟ يخاف إذا قيل: خلقها الله أن يؤمر بعبادته.

    ففر الملاحدة من هذه الحقيقة ووضعوا قاعدة وقالوا: لا إله والحياة مادة، يضحكون على أنفسهم وعلى غيرهم، من مد هذه المادة؟ من أوجدها؟ لا يسألون، يقولون: إذا قلنا: الله قلتم: صلوا، فما نقول إذاً إلا: لا إله والحياة مادة.

    هذا المذهب البلشفي الشيوعي الذي وضعه بنو عمنا اليهود عليهم لعائن الله، ما كانت البشرية تعرف الإلحاد قط، بمعنى: تنفي وجود الله، لم يكن جيل في الأرض ينفي وجود الله، ولو عبدوا الشمس أو القمر أو الكواكب أو النجوم أو الأشجار، يعبدونها لتستشفع لهم عند الله الذي يؤمنون به، ما كانت البشرية في أي مكان قروناً عديدة تنفي وجود الله، حتى وضع اليهود هذا المذهب البلشفي الشيوعي القائم على كلمة: لا إله والحياة مادة.

    فهل نجح اليهود في وضع هذا المذهب أو ما نجحوا؟ والله! لقد نجحوا (100%)، فالمسيحيون الصليبيون -وهم أكثر سكان العالم- ما كانوا أبداً ينكرون وجود الله، بل كانوا يتقربون إلى الله بعبادة عيسى، وبنسبته إليه كابن! كانوا يعرفون أن هناك داراً في الآخرة؛ ولهذا يحسنون إلى الفقراء والمساكين، يعالجون المرضى، يبكون أحياناً من خشية الله.

    إذاً: هذا الوضع ما أطاقه اليهود، فكيف يظهرون؟ كيف يعلون؟ والمسيحي لا يرضى أن ينظر إلى وجه اليهودي؟! فقد وضعوهم في الزيوت وأحرقوهم.

    إذاً: بهذا المذهب صار ثلاثة أرباع المسيحيين بلاشفة لا يؤمنون بالله، وبذلك خف الضغط على اليهود، وأصبحوا يسوسون ويسودون في أوروبا وأمريكا وغيرها بهذا المذهب، والآن انكشفت عورتهم، وعرفوا بمكرهم، فماذا يصنعون؟ حولوا البلشفة إلى العلمانية، وهذا المذهب البلشفي أضر بالعالم الإسلامي، وحول رجالات منه إلى اعتقاد جملة: لا إله والحياة مادة، وإن تزيوا بزي المسلمين وقالوا ما قالوا.

    فلما انفضحت عورتهم في البلشفية حولوها إلى العلمانية، أي: كل شيء للعلم فقط، لا تقل: الله، ولا تقل: رسول الله، بل العلم فقط، كل شيء مرده إلى العلم، تعلم فقط، وهذا المذهب سائد، ونعوذ بالله أن يكون بيننا رجل منهم، العلمانية صورة من البلشفية، فكل شيء مرده إلى العلم، لا تقل لي: أصلي ولا أصوم، ولا تخف من فقر ولا أذى.

    مجمل ما جاء في تفسير الآية الكريمة

    إذاً: مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ [هود:24] الكافرين الملاحدة العلمانيين المشركين عابدي غير الله المفترين الكاذبين على الله، وفريق المؤمنين العاملين الصالحات، المخبتين لربهم قلوبهم ووجوههم، مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ [هود:24] وهم الكفار، وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ [هود:24] وهم المؤمنون.

    يقول تعالى: هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا [هود:24] ؟ من يقول: يستويان؟ هل تسوي بين الأعمى والذي يبصر؟ هل تسوي بين الأطرش الأصم والذي يسمع؟ كيف تسوي بينهما؟ كذلك كيف نسوي بين كافر ومؤمن؟ أو كيف نسوي بين الكفر والإيمان؟ الإيمان حياة والكفر موت والعياذ بالله.

    هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلا تَذَكَّرُونَ [هود:24] فتتفكروا، ما لكم يا بني الناس؟! ما لكم لا تتذكرون فتتفكروا، تتذكرون أنكم مخلوقون مربوبون، مخلوقون لغاية ولعلة، وتموتون وتذهبون لغاية أعمالكم ونتائجها، لم لا تتفكرون فتسألوا عن الله فتعرفوه وتعرفوا محابه، وتتقربوا إليه وتتزلفوا بفعل ما يحب وترك ما يكره؟

    والاستفهام هنا للتقريع والأمر: ما لكم لا تتذكرون؟ لم لا تفرق بين الأعمى والبصير؟ بين السميع والأصم؟ كيف لا تفرق؟ فيا ويلهم حيث فضلوا الصم والبكم والعميان على أهل السمع والبصائر، فضلوا الكفار ومشوا وراءهم، وقلدوهم واعتقدوا معتقداتهم، وهبطوا إلى الحضيض، والله نسأل أن يعافينا من هذا البلاء.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: استحسان المقارنات بين الأشياء المتضادة للعبرة والاتعاظ ]، من أين أخذنا هذا؟ من قوله تعالى: مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا [هود:24]، إذاً: تستحسن المقارنة بين الأشياء ليظهر الحق وتعلو أنواره.

    [ ثانياً: الكافر ميت موتاً معنوياً؛ فلذا هو لا يسمع ولا يبصر، والمسلم حي فلذا هو سميع بصير.

    ثالثاً: بيان ورثة دار النعيم ]، ورثة الجنة من هم؟ هل هم بنو هاشم؟ أم بنو تميم؟ أم الباكستانيون؟ هم أهل الإيمان والعمل الصالح بيضاً كانوا أو صفراً، في الأولين أو الآخرين؛ لأن أنفسهم زكت وطابت وطهرت بالإيمان والعمل الصالح، فتأهلوا للنزول بدار السلام.

    [ بيان ورثة دار النعيم وهم أهل الإيمان والطاعة، وورثة دار الخسران وهم أهل الكفر والظلم ] والعصيان والعياذ بالله تعالى.

    والله أسأل أن يختم لنا ولكم بخاتمة السعادة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.