إسلام ويب

تفسير سورة هود (6)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الذين يفترون على الله الكذب مهما بلغ هذا الكذب من القلة في نظر العبد فإنهم يعدون عند الله من أعظم المجرمين وأخسر الخاسرين، فهم يعرضون على القوي المتين في عرصات القيامة، وتشهد عليهم الملائكة بما كانوا يكذبون، فيصدر الإعلان المبين، بأن لعنة الله على الظالمين، الذين عن دين الله كانوا يصدون، ولاعوجاج الطريق المستقيم يبغون.

    1.   

    تقرير العقيدة في السور المكية وبيان سر الحياتين

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة -ليلة الأربعاء من يوم الثلاثاء- ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلك الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة هود عليه السلام المكية المباركة الميمونة، وألفت النظر وأعلم غير العالمين وأذكر الناسين بأن السور المكية في القرآن الكريم تعالج العقيدة، عقيدة الإسلام والتي مبناها ستة أركان: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وأعظم ذلك أربعة أركان، وهي:

    التوحيد: لا إله إلا الله، هذا من أعظم أركان العقيدة، الإيمان بالله رباً لا رب غيره، وإلهاً لا إله سواه، لا يستحق العبادة إلا هو في الملكوت الأعلى والأسفل.

    ثانياً: تقرير النبوة المحمدية، وهي أن محمداً رسول الله.

    ثالثاً: وأن القرآن كلام الله كتاب الله، أوحاه إلى رسوله.

    رابعاً: عقيدة البعث الآخر.

    ومرة أخرى أقول للسامعين: اذكروا أننا لو سئلنا عن سر هذه الحياة: لماذا وجدنا فيها؟ لكان الجواب: من أجل أن نعبد الله عز وجل، فعرفنا السر والحكمة في هذه الحياة، وهي أن نعبد الله عز وجل؛ إذ خلقنا لذلك ورزقنا وكلأنا، والدار الآخرة ما سر وجودها؟ ما العلة فيها؟

    الجواب: الجزاء على العمل بالدنيا، هذه دار عمل وتلك دار جزاء، هناك يتلقى العاملون أجورهم، من كان مؤمناً تقيا تلقى أجره في الجنة بجوار رب العالمين، ومن كان مشركاً فاجراً عاصيا فمأواه ومصيره جهنم.

    وها نحن مع هذه الآيات الثلاث، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة، ثم بعد ذلك نتدارسها إن شاء الله تعالى.

    أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * أُوْلَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ [هود:18-20].

    1.   

    انصراف الأمة الإسلامية عن روح حياتها

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! أذكركم أن القرآن الكريم هو الروح التي بها الحياة، وعرف هذا خصوم الإسلام والمسلمين، ومن ثم صرفوا المسلمين عن القرآن، فما أصبحوا يجتمعون في مسجد ولا في بيت ولا في ظل ويتدارسون آية من كتاب الله، وأصبح القرآن لا يجتمع عليه ولا يقرأ إلا على ميت فقط، طيلة ثمانمائة سنة وأكثر، القرآن الكريم لا يجتمع عليه اثنان أو ثلاثة أو أربعة لا في المسجد ولا في المنزل ولا في أي مكان لتدارسه ولمعرفة ما يدعو إليه ويأمر به وينهى عنه، فماتت أمة الإسلام إذ أخذوا روحها عنها وأبعدوه عنها.

    وإن قيل: كيف تقول هذا؟ أقول: ألم تستعمرنا بريطانيا إيطاليا فرنسا أسبانيا بلجيكا؟

    العالم الإسلامي يحكمه الكافرون؟! إي والله! بعض البلاد حكموها مائة وثلاثين سنة، فكيف لو كانوا أحياء، كيف يحكمهم الأموات؟ هل الميت يحكم الحي؟

    الجواب: أماتونا فلما متنا حكمونا، أليس هذا البرهان، أليس أقوى برهان؟ وحسبنا أن يقول الله عز وجل: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا [الشورى:52] ما المراد من الروح الذي أوحاه؟ والله! إنه القرآن، سماه روحاً لم؟ لأن الروح بها الحياة، فإن خرجت الروح مات الجسم من إنسان أو حيوان.

    عرف هذا اليهود والنصارى والمجوس وفعلوا ما فعلوا، وما زلنا بعد الاستقلال والتحرر من سلطة المستعمرين نائمين، لا نقرأ القرآن إلا على الموتى، فحلقة كهذه نتدارس فيها كتاب الله لا يوجد منها عشر أو عشرون حلقة في العالم الإسلامي في هذه الليلة؛ لأنهم قالوا: تفسير القرآن صوابه خطأ وخطؤه كفر، فكمموا العالم الإسلامي وألجموه، فمن يقول: قال الله؟ فماذا نصنع بالقرآن؟

    قالوا: اقرءوه على الموتى، وإلى الآن القرآن يقرأ على الموتى، فهل يصح أن تضع بين يديك ميتاً وتقرأ عليه توبخه أو تلومه أو تعتب عليه ليقوم فيتوب ويستغفر؟ أمر ما هو بمعقول أبداً، ولكن علينا البيان فبينا.

    1.   

    طريق عودة الروح القرآنية إلى الأمة الإسلامية

    لن تعود الروح الحقيقية لهذه الأمة فتحيا إلا إذا عادت إلى القرآن الكريم، وقد تقول: كيف ذلك وهي تؤمن به وتتلوه وتعلمه في مدارسها ومساجدها؟

    فالجواب: إذا أرادوا الحياة بمعنى كاملٍ فإذا دقت الساعة السادسة مساءً وقف العمل، غلقت أبواب المتاجر والمصانع، وألقيت مساحي الفلاحين من أيديهم وتوضأ المؤمنون والمؤمنات وحملوا أطفالهم إلى بيت ربهم، ألا وهو المسجد الجامع الذي يتسع لأهل القرية بكاملها، أو لأهل الحي في المدينة بكاملهم، ويتلون آية أو آيات كما تلونها الآن، ويتدارسونها كما نتدارسها، وغداً إن شاء الله حديثاً من أحاديث الرسول الصحاح، وهكذا يوماً آية ويوماً حديثاً طول العمر، من ثم ينتهي الجهل، تصبح الأمة عالمة بنسائها ورجالها، أشرافها وضعفائها، أغنيائها وفقرائها، كلهم علماء، وإذا علموا فما الذي ينتج عن علمهم؟

    ستنتهي مظاهر الخيانة والكذب والزنا والسرقة والجبن والإسراف والفساد، كل العيوب تضمحل، والبرهنة على هذا أنه إلى الآن أعلمنا في أي مكان هو أتقانا لله، وأجهلنا أفجرنا، فهل نطلب بعد هذا برهاناً أو دليلاً؟

    فإن أرادات أمة الإسلام أن تعود لسيادتها وقيادتها وتحمل رسالتها وهي خليفة رسولها لتبين للأبيض والأسود في العالم فلتعمل هكذا، عام واحد وأهل القرية كلهم ربانيون، لا جبن ولا خوف ولا عار، وبدون هذا النظام الذي سنه رسول الله واستفاده أصحابه وأولادهم وأحفادهم؛ بدونه لا يمكن أن تجتمع كلمة المسلمين ولا أن تقوم لهم قائمة.

    فلم أهل القرية لا يجتمعون في مسجدهم؟ إذا مالت الشمس للغروب لم لا يغسلون أيديهم ويتوضئون؟ فالنساء وراء الستارة والأطفال بين أيديهم وهم بين يدي العالم المربي، فماذا يفقدون؟

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أولئك يعرضون على ربهم ...)

    والآن مع هذه الآية الكريمة: يقول تعالى: وَمَنْ أَظْلَمُ [هود:18] لا أظلم، لا أحد أشد ظلماً ولا أقبح ظلماً مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [هود:18]، الذي يكذب على الله، يقول: قال الله والله ما قال، أو أعطاه الله والله ما أعطاه، أو منع الله والله ما منع، أو وصف الله كذا وليس بوصف لله، أو هذا شريك لله وليس شريكاً لله، يفتري الكذب على الله، لا ظلم أعظم منه، فالذين نسبوا له الولد كاليهود والنصارى، اليهود قالوا: العزير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، هؤلاء كذبوا على الله وافتروا، والذين عبدوا الأصنام والقبور والأشجار وقالوا: هذه تشفع لنا عند الله كذبوا على الله، والذين يحللون ما حرم الله ويقولون: أحل الله، أو يحرمون ما أحله ويمنعون ويقولون: حرم الله؛ كذبوا على الله.

    فاحذر يا عبد الله، واحذري يا أمة الله من أن تقول كلمة لم تعلم أنها من رضا الله أو من سخطه، لا تنسب إلى الله إلا ما نسبه إلى نفسه في كتابه أو نسبه إليه رسوله، ولا تحلل ولا تحرم إلا ما حرم الله أو حلل الله ورسوله.

    وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ [هود:18] المفترون الكذابون الكاذبون على الله يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ [هود:18] يقفون للحساب ثم الجزاء، من عرب وعجم، وَيَقُولُ الأَشْهَادُ [هود:18] من الملائكة ومن النبيين ومن الصالحين ومن الدعاة والهداة، يشهدون فيقولون: هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ [هود:18] هذا نسب إليه الولد، وهذا نسب إليه الشريك، وهذا وصفه بما هو منزه عنه، وهذا قال ما لم يقل، وهذا حرم ما لم يحرم، كل هذا كذب، وَيَقُولُ الأَشْهَادُ [هود:18] وهم واقفون في عرصات القيامة: هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ [هود:18].

    وأخيراً: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هود:18] يسحقونهم سحقاً بهذه، ألا بعداً للظالمين، إلى جهنم مصيرهم، عالم الشقاء النار.

    وعندنا مثل قريب جداً للنار: فهذا الكوكب النهاري الشمس ملتهبة جمرة واحدة، وهي أكبر من الأرض بمليون ونصف مرة، كلها نار ملتهبة، هذا الكوكب جزء من كذا جزءاً من النار، ثم ينطوي هذا العالم بكامله ويعقبه عالم آخر كله جحيم.

    أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هود:18] ويدخل في هذا كل ظالم لنفسه، لربه، لعباد ربه، المتوغل في الظلم للناس ولنفسه ولربه ملعون، مبعد عن رحمة الله، ملقى في أتون الجحيم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجاً وهم بالآخرة هم كافرون)

    قال: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هود:18] ومن هم الظالمون هنا؟ قال في البيان: الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [هود:19] أنفسهم، ما ينظروا إلى الطريق الموصل إلى الله، يعرضون ويصدون غيرهم: لم تدخل في الإسلام؟ لم أنت تصلي؟ لم أنت كذا؟ البس برنيطة، افعل كذا، لم امرأتك محجبة؟ لم تحرم الربا؟ أعوذ بالله! يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [هود:19] أنفسهم وغيرهم.

    ثانياً: وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا [هود:19] يريدون الإسلام كما يحبونه، يقولون: ما نعترف بإسلام يحجب النساء ويمنع الاختلاط، والإسلام يلزم بكذا ويلزم بكذا، كما عليه العلمانيون والماديون والملاحدة في العالم الإسلامي، يَبْغُونَهَا عِوَجًا [هود:19] يريدون الإسلام أن يكون كما يريدون.

    ثالثاً: وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ [هود:19] فالذي يصد عن سبيل الله -والله- ما آمن بيوم القيامة، ولا سكنت نفسه ولا اطمأنت إليه أبداً، إذ لو آمن بأنه سيسأل وسيحاسب ويعطى ويجزى؛ فوالله! ما يصر على الظلم ولا يبغيه ولا يدوم فيه، وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ [هود:19].

    ومرة أخرى: عقيدة الإيمان بالبعث والآخرة هي المقوم للإنسان، إذا الإنسان فقد هذا المعتقد فما أصبح يؤمن بأنه سيسأل عن عمله وسيجزى به؛ فوالله! ما يستقيم، ولا يؤمن جانبه، لو احتاج إليك أكل دمك، مم يخاف؟ البوليس ما هو موجود، ما آمن بلقاء الله والحساب والجزاء، فلهذا الذين يضعف معتقدهم في هذا أو ينتهون منه لا خير فيهم ولا يؤمنون على شيء.

    والله يقول فيما يعرض على عباده: إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [النور:2]، ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ [البقرة:232]، فالإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر ركنان عجيبان عظيمان، من كفر بالله أو كفر باليوم الآخر لا يمكن أن يستقيم بحياته، ولا يوثق فيه، ولا يؤمن على شيء، فهو شر الخلق والعياذ بالله.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أولئك لم يكونوا معجزين في الأرض وما كان لهم من دون الله من أولياء ...)

    ثم قال تعالى: أُوْلَئِكَ [هود:20] البعداء لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ [هود:20] أهم غالبون الله قاهرون له؟! أما يموتون، أما يمرضون، أما يصابون، أما ينهزمون، أما ينكسرون؟

    لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ [هود:20] لله تعالى أبداً، بل هو قاهر إن شاء أوجدهم، وإن شاء أعدمهم، إن شاء أعزهم، إن شاء أذلهم، مملوكون مربوبون لا يخرجون عن قبضة الله عز وجل.

    ثانياً: وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ [هود:20] من ينصرهم؟ من يقف إلى جنبهم؟

    الجواب: لا نبي ولا ملك ولا رسول ولا مؤمن.

    معنى قوله تعالى: (يضاعف لهم العذاب ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون)

    ثم قال تعالى: يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ [هود:20] يكثر العذاب مضاعفاً، يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ [هود:20] متى؟ يوم القيامة، لا عذاب الدنيا من مرض وموت أو حرب وفناء، بل يضاعف لهم يوم القيامة فوق ما نتصور ولا ندركه.

    وأخيراً: يقول تعالى عنهم: مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ [هود:20]، كما قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ [فصلت:26] ما يطيقونه، وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [فصلت:26]، وهكذا الإنسان إذا كره شيئاً يكره النظر إليه، يكره أن يسمع صوته، هذه حقيقة ثابتة.

    الذي يكره الشيء ما يقوى على أن ينظر إليه أبداً، ولا يقدر على سماع صوته وكلامه، مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ [هود:20].

    من اللطائف التي تمر بنا أنه أيام كان العرب في بداية دعوتهم للاستقلال والتحرر كنا نسمع إذاعة صوت العرب، وإذا بنا في مسير في الليل في صحراء ليبيا نسمع صوت العرب آخر الليل قبل الفجر بساعة، يقول الفحش وينطق بالكذب الذي ما يطاق، فمن ثم -والله- ما أصبحت أستطيع أن أسمعهم، ومن ثم فهمت معنى قوله تعالى: مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ [هود:20].

    أحد الأبناء ركب السيارة في المدينة وركب إلى جنبه مؤمن، ففتح الشريط فجاء صوت الشيخ الجزائري ، فقالوا: هذا صوت من؟ قال: صوت الشيخ الجزائري . فقالوا: والله ما نسمع! لتفهموا قول الله عز وجل: مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ [هود:20] وما كانوا يقوون على النظر، لا قدرة لهم لا على السماع، سماع الحق، ولا على رؤية الملكوت ليؤمن بالله ويوحده، فعلة ذلك الكفر بالله ولقائه، فالله نسأل أن يقينا هذا المكروه.

    أسمعكم الآيات فتأملوها: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ * الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * أُوْلَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ [هود:18-20]، فلهذا ما آمنوا برسول الله ولا تلوا كتاب الله ولا دخلوا في الإسلام؛ لأنهم ما يستطيعون أن يشاهدوا رسول الله ولا مؤمناً من المؤمنين، ولا يقوون أن يسمعوا آية تتلى، ما يقدرون على ذلك.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    إليكم شرح الآيات من الكتاب، فتأملوها مرة ثانية تزدادوا علماً:

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [معنى الآيات:

    بعد أن قرر تعالى مصير المكذبين بالقرآن ومن نزل عليه وهو رسول الله وما نزل به من الشرائع؛ ذكر نوعاً من إجرام المجرمين الذين استوجبوا به النار، فقال عز وجل: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [هود:18] أي: لا أحد من الناس أعظم ظلماً من أحد افترى على الله كذباً من أنواع الكذب وإن قل.

    وقوله: أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ [هود:18] أي: أولئك الكذبة يعرضون يوم القيامة على ربهم جل جلاله في عرصات القيامة، ويقول الأشهاد من الملائكة شاهدين عليهم: هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ [هود:18]، ثم يعلن معلن قائلاً: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [هود:18] أي: ألا بعداً لهم من الجنة، وطرداً منها إلى نار جهنم.

    ثم وضح تعالى نوع جناياتهم التي استوجبوا بها النار، فقال: الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [هود:19]، أي: يصرفون أنفسهم وغيرهم عن الدين الإسلامي، وَيَبْغُونَهَا [هود:19] أي: سبيل الله عِوَجًا [هود:19] أي: معوجة كما يهوون ويشتهون، فهم يريدون الإسلام أن يبيح لهم المحرمات من الربا والزنا والسفور، ويريدون من الإسلام أن يأذن لهم في عبادة القبور والأشجار والأحجار إلى غير ذلك، ويضاف إلى هذا ذنب أعظم وهو كفرهم بالدار الآخرة.

    قال تعالى: أُوْلَئِكَ [هود:20] أي: المكذبون لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ [هود:20] أي: لم يكن لهم من شأنهم ومهما رأوا أنفسهم أقوياء أن يعجزوا الله تعالى في الأرض، فإنه مدركهم مهما حاولوا الهرب، ومنزل بهم عذابه متى أراد ذلك لهم، وليس لهم من دون الله من أولياء، أي: أنصار يمنعونهم من العذاب متى أنزله بهم.

    وقوله تعالى: يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ [هود:20] إخبار منه بأن هؤلاء الظالمين يضاعف لهم العذاب يوم القيامة؛ لأنهم صدوا غيرهم عن سبيل الله، فيعذبون بصدهم أنفسهم عن الإسلام، وبصدهم غيرهم عنه، وهذا هو العدل.

    وقوله تعالى فيهم: مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ [هود:20] إخبار بحالهم في الدنيا أنهم كانوا لشدة كراهيتهم للحق ولأهله من الداعين إليه لا يستطيعون سماعه ولا رؤيته، ولا رؤية أهله القائمين عليه والداعين إليه ].

    هداية الآيات

    إليكم هداية الآيات:

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: عظم ذنب من يكذب على الله تعالى بنسبة الولد أو الشريك إليه، أو بالقول عليه بدون ما علم ] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا [هود:18].

    [ ثانياً: عظم جرم من يصد عن الإسلام بلسانه أو بحاله أو بسلطانه.

    ثالثاً: عظم ذنب من يريد إخضاع الشريعة الإسلامية لهواه وشهواته بالتأويلات الباطلة والفتاوى غير المسئولة ممن باعوا آخرتهم بدنياهم.

    رابعاً: بيان أن من كره قولاً أو شخصاً لا يستطيع رؤيته ولا سماعه ]، سنة الله في الخلق.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.