إسلام ويب

تفسير سورة هود (5)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لما أقام الله الحجة على المكذبين بعجزهم عن الإتيان بعشر سور من مثل القرآن مفتريات، لم يبق بعد ذلك إلا أن يخير العباد بين أحد طريقين: إما طريق الدنيا، والعمل لها، وإهدار العمر في ملذاتها، ثم المصير بعد ذلك إلى النار، وإما طريق الآخرة، والعمل لها، وابتغاء ما عند الله من الأجر والثواب، وما يئول إليه هذا الطريق بسالكه من النعيم المقيم، إلى جوار رب العالمين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والتي بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نفوز بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه ألفاً وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة هودة المكية، والمكيات يعالجن العقيدة، وأعظم أركان العقيدة التوحيد، وإثبات النبوة المحمدية، والبعث الآخر، وكل الآيات تقرر هذه الحقيقة، وسنجد ذلك في تلاوة الآيات وتدارسها، فهيا بنا لنصغي مستمعين إلى هذه الآيات مرتلة مجودة وبعدها نتدارسها إن شاء الله تعالى.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ [هود:15-17].

    عظيم عناية الآية الكريمة بالنية في العمل

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هذه الآية الكريمة وهي قوله ربنا جل ذكره: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ [هود:15]؛ هذه كان يفزع لها رجالات السلف الصالح؛ لأنها ذات شأن خطير، من كان من العرب أو العجم، الأغنياء أو الفقراء، الكفار أو المؤمنين، من كان من بني الناس يريد الحياة الدنيا، لا هم له إلا الحياة الدنيا، يستيقظ من قبل الفجر ولا ينام إلا نصف الليل وهمه كله الحياة الدنيا، يعمل ويحصد ويحرث ويصنع وينتج ويسافر ويغزو ولا هم له إلا أن يسعد في هذه الدار بألوان الطعام والشراب واللباس والفرش والمساكن والمراكز.

    توفية الكافر أجر عمله الدنيوي

    اسمعوا هذا الخبر: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا [هود:15] من مال وولد وحسن ثياب وحسن فراش ومركب ومسكن، هؤلاء نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا [هود:15]، فكونهم مرائين وكونهم كافرين لا يمنع هذا أن يوفي لهم أعمالهم في هذه الحياة الدنيا، فما دام يريد الدنيا وعمل لها بما وضع الله من أسباب للحصول عليها كالتجارة والصناعة والفلاحة إلى غير ذلك، وكونه ما أراد بذلك وجه الله ولا الدار الآخرة؛ لا يمنع ذلك أن يعطيه الله تعالى ما طلبه من متاع الدنيا.

    مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا [هود:15] فكونهم مشركين ضلالاً كافرين مرائين لا يمنع من أن يوفيهم الله أجرهم، أجر كسبهم، الفلاح يكسب فلاحته، والتاجر ينجح في تجارته، والصانع في صناعته وهكذا، هذا في الدنيا، نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا [هود:15] أي: في الحياة الدنيا، وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ [هود:15] لا ينقص من أعمالهم شيء.

    فلا تقل: هذا فاسق هذا فاجر هذا كافر، كيف يبارك الله له في ماله في تجارته في صناعته؟ لا تقل هذا أبداً، واقرأ هذه الآية، فهذا أراد الدنيا وزينتها وما فيها وقصدها وطلبها وأعرض عن الله والدار الآخرة، فسنة الله فيه أن يوفيه عمله، ما ينقصه شيئاً، فلا تقل: كيف بكافر يحصد ونحن ما حصدنا، وفاسق فاجر يبارك في ماله ويكثر ونحن تقل أموالنا؟ انتزعها من ذهنك واقرأ هذه الآية وتأملها: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [هود:15] من الناس وَزِينَتَهَا [هود:15] كما علمتم من اللباس والمساكن والمراكب والطعام اللذيذ؛ نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ [هود:15] بقدر أعمالهم، أما كافر ما يصنع ولا يتجر ولا يفلح الأرض فمن أين يكثر ماله؟ والمراءون الذين يعملون لغير الله كالكافرين الذين يعملون ولا يؤمنون بالله يوفي الله إليهم أعمالهم في الدنيا، الزارع يحصد والتاجر يربح والصانع ينجح وهكذا، لا يمنع كفرهم أن يؤتوا هذا المال، هذا الذي يريده الله تعالى في هذه الآية الكريمة: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ [هود:15] بقدر جهدهم وكسبهم وعملهم؛ لأنها سنة الله عز وجل، من حرث حصد، ولكن وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ [هود:15] لا ينقصهم الله من أعمالهم الدنيوية شيئاً.

    أقول: كافر مزرعته عجيبة، مصنعه عجيب، فلا تقل: هذا كافر فكيف الله يبارك له في زراعته في صناعته؟ لا تقل هذا الكلام، هذه الآية تبطله، يعطيه الله على قدر جهده وما بذله: نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ [هود:15] إن كانت بالأسباب القوية المنتجة أنتجت لهم وحصلوا على المقصود، وإن كانت أعمالهم ضعيفة مخالفة لسنن الله فهم فقراء خاسرون، وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ [هود:15].

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها ...)

    اسمع: أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ [هود:16] أولئك البعداء الذين ابتبعدوا عن الله ونوره وهدايته، ووقعوا في حب الدنيا وزخارفها، وبذلوا الجهد الليل والنهار للحصول عليها، هؤلاء ليس لهم في الآخرة إلا النار فقط، هذا جزاؤهم، لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:16] أعمالهم تلك التي كانت في الدنيا من مصانع ومتاجر كلها تبطل، المراءون والمنافقون صلاتهم وصيامهم وجهادهم الذي ما أرادوا به وجه الله كل ذلك يبطل ولا يستفيدون منه شيئاً.

    أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ [هود:16] فقط، وأعمالهم الدنيوية تلك حبطت كلها: وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:16].

    1.   

    مجمل ما جاء في معنى الآيتين الكريمتين

    خلاصة القول للمؤمنين والمؤمنات:

    أولاً: يجب أن لا تكون الدنيا همنا وهدفنا في هذه الحياة، لا صاحب المطاعم ولا المشارب ولا الملابس ولا المساكن، بل كما كان يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( اللهم اجعل قوت آل محمد كفافاً )، يزرع ويحصد، ويصنع والقصد أن يستر حاله وأن يكف يده عن سؤال الناس، لا من أجل الدنيا وزخارفها وما فيها، فالذين يريدون الدنيا لا الآخرة مصيرهم النار والخلود فيها، وليس معنى هذا أننا ما نصنع ولا ننتج، لا، ولكن لا نجعل همنا وهدفنا هو المال وزخرف الحياة الدنيا.

    أما المؤمن الصادق الإيمان المسلم الحسن الإسلام إذا كثر ماله أولاً فوالله! ما يسرف فيه، ولا يبذخ أبداً، وإنما يقتصد ويعتدل وينفق في سبيل الله، لا يجعل الدنيا همه ووجه إرادته، إنما يريد الله الدار الآخرة.

    ثانياً: إذا رأينا المعرضين عن الله من أهل الكفر والفساد أغنياء أثرياء يتمتعون بالنعيم الدنيوي فلا نعجب من ذلك؛ لأن الله أخبر أنه يوفيهم أعمالهم فيها، فكونه كافراً فاسقاً لا يمنعه الله من أن تنتج أرضه الزراعية، أو صناعته، مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ [هود:15] لا ينقصون من أعمالهم شيئاً، فلا ينقصهم من تجارتهم أو صناعتهم شيئاً لأنهم كافرون أو فاسقون، أبداً، لا يبخسون، ولكن أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ [هود:16] لا رضوان الله ولا دار السلام ولا مواكبة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا [هود:16] ما صنعوا في الدنيا بطل في الآخرة، ما أثيبوا عليه أبداً، بل كان مصيرهم النار والعياذ بالله تعالى.

    هذه الآية الأولى والثانية أعيد تلاوتهما فتأملوا: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ [هود:15] لو أن يهودياً أو نصرانياً صعلوكاً من الصعاليك من مقهى إلى مقهى لا يحمل مسحاة ولا آلة حرفة فلا بد أن يبقى ذليلاً مهانا، لكن إذا جد وعمل فلا تقل: لأنه كافر بارك الله في ماله، انزع هذه من ذهنك؛ لأنه قال: نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ [هود:15] على قدر طاقتهم وجهودهم، مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا [هود:15] من المال والولد والفراش والمركب والمسكن، نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ [هود:15] أي: لا يبخسهم الله ولا ينقصهم من أعمالهم، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا [هود:16] وحبط وبطل ما صنعوا في الدنيا، وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:16] فلا يثابون، لو تصدق الكافر بمليارات فلا يعطى حسنة يوم القيامة.

    وهنا لطيفة نذكرها: إذا الكافر أو الفاسق أو الفاجر من أهل الدنيا يرحم الفقراء ويبني مستشفى ويعطي للمساكين يثاب على هذا في الدنيا لا في الآخرة، يبارك الله له في ماله الذي يعمل مقابل أنه أحسن إلى الفقراء والمساكين، أما في الآخرة فوالله! لا حسنة، وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:16]، مسيحي أو يهودي يبني مستشفى للفقراء والمساكين يثاب عليه في الدنيا ففط، فتح دكاناً يوزع فيه كذا، كذلك يثاب عليه في الدنيا؛ لأن الله لا يضيع أجر المحسنين، أحسن فيوفيه أجره في الدنيا، أما الآخرة فلا، لأنه كافر مظلم النفس خبيثها، ليس له حق في دار السلام.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماماً ورحمة ...)

    ثم قال تعالى: أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً [هود:17] هل ذلك كالذين من الضلال والكفار والفجار لا دليل ولا برهان، هل يستويان؟ وهذه الصورة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتصدق على كل مؤمن صادق الإيمان، أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ [هود:17] وعلم وبرهان ساطع من عقل ونقل في إيمانه وإسلامه وإحسانه.

    ثانياً: وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ [هود:17] من نفسه شاهد على صحة إيمانه ودينه وإسلامه، وذلك لكمال أخلاقه ولصالح أعماله ولأنواره التي تشرق في وجهه، وقد دخل أعرابي على المسلمين في مجلس، يريد أن يرى محمداً صلى الله عليه وسلم، فلما نظر إليه قال: والله! ما هذا بوجه كذاب! والمؤمن فضلاً عن الرسول صلى الله عليه وسلم له شاهد من نفسه في تقواه وصلاحه وكماله وعلمه وبصيرته، وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ [هود:17].

    ثالثاً: وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً [هود:17] كتاب موسى شهد لهذه الأمة بالإسلام ولمحمد بالنبوة والرسالة، وذكر صفات النبي وصفات أمته في التوراة، فهل هذا يقاس بالكافرين والمشركين من اليهود والنصارى؟

    أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ [هود:17] أولاً، وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ [هود:17] من نفسه، وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ [هود:17].

    معنى قوله تعالى: (أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده)

    أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ [هود:17] أي: بهذه العلوم والمعارف ذات الثلاث الخطوات الأولى: مؤمن على بينة من إيمانه وإسلامه وإحسانه، رسول الله الوحي ينزل عليه والقرآن بيده، هذه بينة، ويتلوه شاهد منه في أخلاقه وكمالاته الدالة على إيمانه وإسلامه، ومن قبل شهادة كتاب موسى لرسول الله ولأمته.

    إذاً: أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ [هود:17] أي: بالإسلام وبالإحسان وبالنبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم وبلقاء ربهم، وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ [هود:17] أي: بالقرآن، أي: بالإسلام، أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم من الأحزاب: المشركين واليهود والنصارى والمجوس والبوذيين والصابئة؛ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ [هود:17] وسوف يوافيها ويلقاها ويدخلها.

    معنى قوله تعالى: (فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون)

    إذاً: يا رسولنا! ويا عبدنا المؤمن البصير! فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ [هود:17] إذاً، لا تقع في شك أو اضطراب من صحة الإسلام وكتابه ورسوله صلى الله عليه وسلم ووعيد الله تعالى ووعده، إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ [هود:17] بسنة الله عز وجل، أكثر الناس في كل زمان ومكان لا يؤمنون؛ لأن الله قضى بأن يملأ النار وخلق لها أهلها الذين يعمرونها ويسكنونها، لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود:119] فلهذا أكثر الناس لا يؤمنون.

    وهناك عوامل لعدم الإيمان عرفناها:

    أولاً: الشياطين، ما تريد أن يؤمن إنسان أبداً، الشياطين ما تسمح لإنسان أن يدخل في الإسلام؛ لأنهم إذا أسلموا ابتعدوا عنهم ودخلوا الجنة وهم يدخلون النار.

    ثانياً: الدنيا ومؤثراتها تتغلب على نفس الإنسان وعلى إرادته ويسلكها ويمشي وراءها، وكذلك الهوى، والنفس إذا لم تستقم وتطهر وتصف كذلك تدعو إلى الباطل، فهذه العوامل كلها.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    وإليكم معنى الآيات في الكتاب لتزدادوا بصيرة وعلماً إن شاء الله تعالى.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [معنى الآيات:

    لما أقام الله تعالى الحجة على المكذبين بعجزهم عن الإتيان بعشر سور من مثل القرآن مفتريات؛ حيث ادعوا أن القرآن مفترى، وأن محمداً صلى الله عليه وسلم قد افتراه، ولم يبق إلا أن يختار المرء أحد الطريقين: إما طريق الدنيا أو طريق الآخرة، إما الجنة أو النار، فقال تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا [هود:15] من مال وولد وجاه وسلطان وفاخر اللباس والرياش، نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا [هود:15] نعطهم نتاج عملهم فيها وافياً غير منقوص، فعلى قدر جهدهم وكسبهم فيها يعطون، ولا يبخسهم عملهم لكفرهم وشركهم، ثم هم بعد ذلك إن لم يتوبوا إلى ربهم هلكوا كافرين ليس لهم إلا النار، وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا [هود:16] أي: في هذه الدار من أعمال، وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:16].

    هذا ما دلت عليه الآية الأولى والثانية، وهو قوله تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:15-16].

    وقوله تعالى في الآية الثالثة: أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ [هود:17] بما أوحي إليه من القرآن وما حواه من الأدلة والبراهين على توحيد الله ونبوة رسوله، وعلى المعاد الآخر.

    وقوله: وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ [هود:17] أي: ويتبع ذلك الدليل دليل آخر وهو لسان الصدق الذي ينطق به، وكمالاته الخلقية والروحية؛ حيث نظر إليه أعرابي فقال: والله! ما هو بوجه كذاب.

    ودليل ثالث في قوله: وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً [هود:17] شاهد له؛ حيث حمل الكتاب نعوت الرسول وصفاته، ونعوت أمته وصفاتها في غير موضع منه ]، أي: من التوراة، [ أفمن هو على هذه البينات والدلائل والبراهين من صحة دينه كمن لا دليل له ولا برهان إلا التقليد للضلال والمشركين؟

    وقوله: أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ [هود:17] أي: أولئك الذين ثبتت لديهم تلك البينات والحجج والبراهين يُؤْمِنُونَ بِهِ [هود:17] أي: بالقرآن الحق والنبي الحق والدين الحق] الذي هو الإسلام.

    [ وقوله تعالى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ [هود:17] أي: بالقرآن ونبيه ودينه، مِنَ الأَحْزَابِ [هود:17] أي: من سائر الطوائف والأمم والشعوب، فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ [هود:17] وحسبه جهنم وبئس المصير.

    وقوله تعالى: فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ [هود:17] أي: فلا تك في شك منه، أي: في أن موعد من يكفر به من الأحزاب النار ]، فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ [هود:17] أي: في أن موعد من يكفر بالقرآن والنبي والإسلام من الأحزاب -المشركين واليهود والنصارى- موعده النار.

    [ وقوله تعالى: إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ [هود:17] أي: القرآن الذي كذب به المكذبون وما تضمنه من الوعد والوعيد والدين الحق؛ كل ذلك هو الحق الثابت من ربك، إلا أن أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ [هود:17]، وإن ظهرت الأدلة ولاحت الأعلام وقويت البراهين ]؛ لما علمتم أن الله قضى بأن يملأ جهنم من الجنة والناس أجمعين.

    هداية الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: بيان حقيقة، وهي أن الكفر غير مانع من أن ينتج الكافر بحسب جهده من كسب يده، فيحصد إذا زرع ويربح إذا اتجر وينتج إذا صنع.

    ثانياً: بيان أن الكافر لا ينتفع من عمله في الدنيا ولو كان صالحاً، وأن الخسران لازم له]، وذكرت لكم ما ذكر أهل العلم، وهو أنه إذا كان أنفق على الفقراء والمساكين فإنه يثاب في الدنيا، يبارك الله له في ماله ويزيده، أما الآخرة فلا يثاب على ذلك بشيء.

    [ثالثاً: المسلمون على بينة من دينهم، وسائر أهل الأديان الأخرى لا بينة لهم، وهم في ظلام التقليد وضلال الكفر والجهل]، فأيما مؤمن ببصيرة لا يقاس به الكفار والضلال واليهود والنصارى وإن طاروا في السماء وغاصوا في الماء، المؤمن الحق عليه نور وبصيرة وهداية ولا يقاس بغيره.

    [خامساً: بيان سنة الله في الناس، وهي أن أكثرهم لا يؤمنون]، سنة من سنن الله لا تتخلف، أكثر الناس لا يؤمنون.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.