إسلام ويب

تفسير سورة هود (4)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن الكافرين المكذبين المعرضين بالغوا في اشتراطاتهم على نبي الله صلى الله عليه وسلم، وحملهم عنادهم على أن طلبوا منه أن يحول لهم جبال مكة ذهباً، أو يأتي معه ملك يؤازره ويؤيد رسالته، عندها خاطبهم الله عز وجل طالباً منهم أن يأتوا بعشر سور مفتريات من مثل هذا القرآن الذي يزعمون أن محمداً قد افتراه، لكن هيهات هيهات أن يقدروا على ذلك، ولو استعانوا بالإنس والجن قاطبة، فإنما هو كتاب رب العالمين الذي نزل به الروح الأمين على قلب محمد الصادق خاتم المرسلين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والتي بعدها ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلك الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة هود عليه السلام المكية المباركة الميمونة، وقد علمنا أن المكيات من سور القرآن الكريم يعالجن العقيدة، تعالج عقيدة التوحيد وتقرر أنه لا إله إلا الله، تعالج عقيدة النبوة المحمدية فهي تقرر أن محمداً رسول الله، تعالج عقيدة الدار الآخرة وما يجري فيها من حساب وما يتم من جزاء، فهذه أمهات العقيدة: التوحيد والنبوة والبعث الآخر.

    تضرب الأمثال، وتذكر القصص، ببيانات عجب، كل هذا من أجل أن يستقر في ذهن الإنسان أنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأن البعث الآخر حق، ولازم ذلك أن يعبد المرء الله وحده وألا يعترف بعبادة غيره، وأن يحب رسول الله ويمشي وراءه، فيطيعه فيما يأمر به وينهى، وأن يتزود للدار الآخرة بالعمل الصالح ويتجنب ما يضر هناك ويسيء إليه من الشرك والذنوب والمعاصي.

    وها نحن مع هذه الآيات الثلاث، فهيا بنا لنصغي إلى تلاوتها مرتلة مجودة، ثم بعد ذلك نتدارسها إن شاء الله تعالى.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ * أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [هود:12-14].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ [هود:12] هذا الخطاب، فمن المخاطِب ومن المخاطَب؟

    الله هو الموجه للخطاب لرسوله صلى الله عليه وسلم، فيقول له: فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ [هود:12] لأنه في حال الضعف وحالة عجز، يهددونه ويخوفونه، طلبوا منه ألا يذكر آلهتهم بسوء، والرسول صلى الله عليه وسلم بشر وهو سيد البشر، قد يرد في نفسه خاطر من هذه الخواطر، وحاشاه أن يفعل، ولكن الله يثبته ويشد أزره؛ لأنه واقف موقفاً لن يقفه غيره، البشرية كلها ضده، فكيف بالمشركين في دار العرب؟

    فيقول له ناهياً: فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ [هود:12]، و(لعل) هنا تكون للنهي، لَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ [هود:12]، ولا تنطق به ولا تأمر به ولا تنهى عنه، خوفاً منهم ومن تهديدهم ووعيدهم، وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ [هود:12]، ما استطعت أن تتحمل لضعفك وبشريتك، لماذا؟ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ [هود:12]، وقد قالوا: مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الأَسْوَاقِ لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا [الفرقات:7-8]، وقالوا أكثر من هذا، فكيف لا يشعر الرسول صلى الله عليه وسلم بالضيق في نفسه؟ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [الشعراء:3] فلا يعرف هذه الآلام النفسية إلا من ذاق مثلها.

    أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ [هود:12] من ذهب وفضة، لماذا يتعرض للأسواق ويبيع ويشتري؟ لماذا يحتاج إلى الناس وهو رسول الله؟ لماذا لا يكون معه ملك يدعو بدعوته ويأمر بأمره وينهى بنهيه؟ لو كان رسول الله حقاً ما تركه هكذا فقيراً وحيداً، ولكان يدعمه بالمال ويدعمه بالملائكة! وهذا الكلام يقوله غلاة المشركين الذين يحافظون على مراكزهم ومناصبهم بين العرب، ويقوله أيضاً اليهود لإطفاء نور الله.

    معنى قوله تعالى: (إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل)

    هكذا يقول تعالى له: لا تحمل نفسك هم هذا، إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ [هود:12]، مهمتك أن تنذر المفسدين المبطلين أهل الشرك والبغي قبل أن تنزل المصائب ويحل بهم العذاب في الدنيا والآخرة، هذه وظيفتك فلا تكرب ولا تحزن ولا تهتم لما يقولون ولا تفكر فيه، إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [هود:12] وهو الرقيب والحفيظ.

    أما أنت فما أسند إليك هداية الناس فتقول: ما استطعت، لم يهتدوا، ما أسند إليك إيجاد الإيمان في قلوبهم وتعجز عن ذلك، كل ما في الأمر أن تنذر المبطلين، تخوفهم عواقب كفرهم وشركهم وما سيحل بهم من عذاب وخزي في الدنيا والآخرة، ولهذا لا تكرب ولا تحزن، فاصبر وتحمل.

    هكذا يشد الله من أزر رسوله صلى الله عليه وسلم، وإلا فكيف يطيق ذاك الموقف العظيم في عشر سنوات، ولا ننس أنه لما مات أبو طالب عمه خرج إلى الطائف ليجد منهم من يساعده فرموه بالحجارة وجرحوا رجليه بالحجارة، أمر عظيم، فتأملوا قول الله له: فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ [هود:12] من أجل ماذا؟ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [هود:12] ففوض الأمر لله عز وجل وامض في نشر دعوتك ولا تخف أعجمياً ولا عربياً.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (أم يقولون افتراه قل فائتوا بعشر سور مثله مفتريات ...)

    ثم قال تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ [هود:13]، أي: بل يقولون: افترى هذا القرآن واختلقه من نفسه، ما أوحي إليه ولا نزل عليه أبداً، افتراه افتراءً فقط واختلقه! فقل لهم: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ [هود:13]، حاجهم وجادلهم، قالوا: افترى القرآن فهو من عنده، فقل لهم: تفضلوا أنتم فهاتوا عشر سور مفتريات من عندكم! وهل استطاعوا؟ تحداهم في السور المدنية في البقرة بسورة واحدة: وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ [البقرة:23-24].

    فلم أعرضت البشرية عن الإسلام؟ لم ما يدرسونه ويعرفونه؟ هذا القرآن على من نزل؟ من يستطيع أن يقول: أنزل علي بآيه وأحكامه وشرائعه وقصصه وأخباره؟ هل استطاعت البشرية أن تأتي بسورة فقط؟ فلم لا يسلمون إذاً؟

    أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ [هود:13] من شركائكم وآلهتكم وأنصاركم من الإنس والجن، فليعينوكم وتعانوا معهم على أن يأتوا بعشر سورة مثله مفتريات، وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [هود:13] في دعواكم وما تقولون.

    دعواهم هي أنهم قالوا: هذا القرآن افتراه محمد فقط، ما أوحي إليه ولا نزل عليه، فقيل لهم: إذاً: فهاتوا عشر سور افتروها أنتم واختلقوها كما زعمتم إن كنتم صادقين في دعواكم، ووالله! إنهم لكاذبون.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فإن لم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو ...)

    ثم قال تعالى: فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ [هود:14] أي: آلهتكم ومن تدعونهم وتستعينون بهم ما استطاعوا أن يجيبوا طلبكم فيأتوكم بعشر سور مثله مفتريات؛ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ [هود:14]، اعلموا موقنين أن هذا القرآن غير مفترى ولا مختلق، وإنما أنزله الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.

    والآية تحمل وجهاً آخر أيضاً: فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ [هود:14] يا رسولنا ويا معشر المؤمنين، إذا ما استجابوا لكم ولا آمنوا بالإسلام ولا دخلوا فيه فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [هود:14]، والقرآن حمال الوجوه، ولكن الوجه الأول أولى من الوجه الثاني، وهو أن المعنى: فإن لم يستجب لكم من دعوتموهم من الآلهة وأعوانكم على أن تأتوا بعشر سور مثله مفتريات؛ إذاً: فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ [هود:14] ما بقي هراء ولا كلام، إذا ما استطعتم أن تأتوا بعشر سور وعجزتم ولم يستجب لكم من دعوتموهم من دون الله تعالى؛ إذاً: فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ [هود:14] ما هو بمفترى ولا مختلق ولا قاله محمد صلى الله عليه وسلم من رأيه ومن رأسه.

    فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [هود:14] وأنه لا إله إلا الله، والله! إنه لا إله إلا الله، ومن يرفع يده ليثبت وجود إله غير الله؟ فعيسى مخلوق مربوب، مريم العذراء مخلوقة مربوبة، العزير عبد الله مخلوق مربوب، الأصنام والأحجار والكواكب هذه كلها مخلوقات، أين الإله؟ والله! لا إله إلا الله؛ لأنه هو لا غيره الخالق للأكوان كلها، والمدبر للأكوان كلها، هو الذي يحيي ويميت، ويعطي ويمنع ويعز ويذل، هو الذي أنزل الكتاب وأرسل الرسل، أما غيره فكيف يؤلهون؟ بم يستحقون أن يعبدوا فتذبح لهم الذبائح ويركع لهم ويسجد، ويطاف بقبورهم؟ كيف يتم هذا؟

    فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ [هود:14] من دعوتموهم فَاعْلَمُوا [هود:14] علم يقين أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [هود:14] أي: أسلموا لتنتهي المشكلة.

    وليقل هذا الآن للبشر كلهم، هذا القرآن هاتوا سورة من مثله، إذاً: كتاب الله نزل من الله على رسوله، إذاً: آمنوا به، ادخلوا في رحمة الله، قولوا: أسلمنا قلوبنا ووجوهنا لله، اشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ثم أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسول الله لتكملوا وتسعدوا في الدنيا وفي الآخرة، أما الإصرار والعناد والمكابرة والغفلة وإدخال الرءوس في التراب وتجاهل الواقع فعاقبته الخسران الأبدي.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    إليكم الشرح من الكتاب:

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ معنى الآيات:

    بعد أن كثرت مطالبة المشركين الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يحول لهم جبال مكة ذهباً في اقتراحات، منها: لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا * أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا [الفرقان:7-8] ] يعني: بستان، [ قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ [هود:12] أي: لا تتلوه ] لا تقرؤه على المشركين [ ولا تبلغهم إياه لتهاونهم به وإعراضهم عنه، وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ [هود:12] أي: بالقرآن، كراهة أن تواجههم به فيقولوا: لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ [هود:12] أي: مال كثير يعيش عليه فيدل ذلك على إرسال الله له، أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ [هود:12] يدعو بدعوته ويصدقه فيها ويشهد له بها، فلا ينبغي أن يكون ذلك منك، أي: فبلغ ولا يضق صدرك، إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ [هود:12] أي: محذر عواقب الشرك والكفر والمعاصي، وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [هود:12] أي: الرقيب والحفيظ، أما أنت فليس عليك من ذلك شيء.

    وقوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ [هود:13] أي: بل يقولون افتراه، أي: افترى القرآن وقاله من نفسه بدون ما أوحي إليه، قل في الرد عليهم: فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ [هود:13] دعوتهم لإعانتكم إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ [هود:13] في دعواكم أني افتريته، فإن لم تستطيعوا ولن تستطيعوا فتوبوا إلى ربكم وأسلموا له قلوبكم ووجوهكم.

    وقوله تعالى: فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ [هود:14] أي: قل لهم يا رسولنا: فإن لم يستجب لنصرتكم من دعوتموهم وعجزتم فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ [هود:14]، أي: أنزل القرآن متلبساً بعلم الله، وذلك أقوى برهان على أنه وحيه وتنزيله، وَأَنْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [هود:14] أي: وأنه لا إله إلا الله ولا معبود بحق سواه.

    وأخيراً: فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [هود:14] أي: أسلموا ]، الاستفهام للأمر، [ أي: أسلموا بعد قيام الحجة عليكم بعجزكم، وذلك خير لكم ].

    وروى مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( والذي نفس محمد بيده! لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ولا يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار ) والعياذ بالله تعالى.

    فأين البشرية؟ كم من البشر تنتظمهم الويلات والمصائب والحروب وهم في الكروب والهول، وما بحثوا أبداً عن سبيل النجاة وطريقها، ولا سألوا عن القرآن على من نزل وما هو القرآن؟

    هداية الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: بيان ولاية الله لرسوله وتسديد وتأييده.

    ثانياً: بيان ما كان عليه المشركون من عناد في الحق ومكابرة.

    ثالثاً: بيان أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكلف هداية الناس، وإنما كلف إنذارهم عاقبة كفرهم وعصيانهم، وعلى الله تعالى بعد ذلك مجازاتهم.

    رابعاً: تحدى الله تعالى منكري النبوة والتوحيد بالإتيان بعشر سور من مثل القرآن فعجزوا، وقامت عليهم الحجة، وثبت أن القرآن كلام الله ووحيه، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن الله لا إله إلا هو ].

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.