إسلام ويب

تفسير سورة هود (32)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إن القصص القرآني بما فيه من أنباء الأمم السابقة، وأخبار الرسل الماضين من مقاصده تثبيت فؤاد النبي الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم، والموعظة والذكرى لعباد الله المؤمنين، وإخبار للمكذبين المعرضين عن مصيرهم المحتوم.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون، ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة والتي بعدها ندرس كتاب الله عز وجل، رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع خاتمة سورة هود عليه السلام المكية، ومع هذه الآيات الأربع، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة، ثم بعد ذلك نتدارسها، والله نسأل أن ينفعنا بما ندرس وما نعلم ونتعلم.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ * وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ * وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [هود:120-123].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ [هود:120] من القائل: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ [هود:120]؟

    إنه الله جل جلاله منزل الكتاب ومرسل الرسول، والمخاطب هنا هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

    والله عز وجل يقص الأخبار، وهي أحداث جسام؛ من أجل أن يثبت قلب رسوله على دعوته؛ حتى لا يتخلى عنها ولا يضعف دون إبلاغها، مع ما يواجه من شدائد وصعاب فوق ما نتصور أو ندرك، كانوا يهددونه بالقتل، يهددونه بالتعذيب والضرب، يقفون في وجه دعوته، يؤلبون عليه، إذاً: فهو في حاجة إلى ما يثبت قلبه حتى يبلغ دعوة الله عز وجل يوم يأذن الله بذلك.

    فيخبر تعالى ويقول له: وَكُلًّا [هود:120] أي: وكل هذه الأحداث والقصص نَقُصُّ عَلَيْكَ [هود:120]، والقصص أصله تتبع الآثار، قص الخبر واقتص الأثر: تتبعه، فلهذا قص عليه قصة هود من أولها إلى آخرها، قصة صالح، قصة شعيب، ما حدث مع إبراهيم ولوط، وبين موسى وفرعون، تلك القصص لماذا؟ علتها: لنثبت به فؤادك حتى تستمر على دعوتك ثابتاً لا تتأخر عنها ولا تفشل ولا تتخلى عنها بحال من الأحوال، هذا معنى قوله تعالى: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ [هود:120]، والأنباء: الأخبار ذات القيمة، الخبر خبر، لكن النبأ أعظم من الخبر، الذي يحمل ما وراءه.

    معنى قوله تعالى: (وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين)

    مَا نُثَبِّتُ [هود:120] أي: الذي نثبت بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [هود:120]، وجاءك في هذه السورة -سورة هود المكية- ما يلي:

    أولاً: الحق.

    ثانياً: موعظة.

    ثالثاً: ذكرى للمؤمنين.

    كما يحتمل اللفظ أيضاً معنى: وجاءك في هذا القصص الحق مبيناً مفصلاً؛ إذ بين له كيف يعبد الله عز وجل وكيف يترك الشرك به، وكيف يترك الفسوق والخروج عن طاعته مفصلاً في هذه القصص.

    لكن تفسير ابن عباس : وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ [هود:120] أي: في هذه السورة، الحق: هو كيف يعبد الله؟ وبم يعبد الله؟ ولماذا يعبد الله؟

    الحق ببيان الشرك والفسق والفجور والانحراف والظلم والعدل عن الحق، هذا كله حق مبين، وَمَوْعِظَةٌ [هود:120]، والموعظة من شأنها أن تحمل صاحبها على أن يطيع الله عز وجل ولا يعصيه، الموعظة: الكلمة التي تأمر أو تنهى، تأمر بمعروف وتنهى عن منكر، وتحمل صاحبها على فعل المأمور، وعلى ترك المنهي.

    وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [هود:120] إلى يوم القيامة، أيما مؤمن يستمع إلى هذه السورة ويتأمل ما جاء فيها من الهدى إلا وجد فيها ذكرى وحيي قلبه ونما إيمانه وازدادت بصيرته إلى يوم الدين، هذه عطية الله عز وجل وهذا فضله، والحمد لله.

    وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ [هود:120] السورة الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [هود:120] وصدق الله العظيم، الكل -كما قال تعالى- موعظة وحق وذكرى للمؤمنين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون ...)

    ثم قال تعالى له: وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ [هود:121] من أهل الشرك والكفر في مكة وخارجها، قل لهم: اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ [هود:121] على ما أنتم متمكنون منه من مراكز وقوى، ونحن عاملون، وسوف نرى من الذي ينتصر ومن الذي ينكسر وينهزم، وهذا من باب تثبيت قلب الرسول صلى الله عليه وسلم، مرهم، قل لهم: أيها المشركون، أيها المحاربون الحق، أيها المعرضون عن ذكر الله وعبادته وحده! اعملوا ما أنتم متمكنون عليه، إِنَّا عَامِلُونَ [هود:121] وواصل دعوتك ولا تبال بهم، ومن المنتصر؟ ينتصر الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنون.

    وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ [هود:121] بك رسولاً ولا بي إلهاً حقاً، قل لهؤلاء الذين لا يؤمنون: اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ [هود:121] وسوف تنزل بكم نقمة الله وعقوبته، ويحل بكم عذابه في الدنيا والآخرة، هكذا يقول الله لرسوله: وَقُلْ [هود:121] يا رسولنا والمبلغ عنا، قل لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ [هود:121] بأنه لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأن البعث لحق، قل لهم: اعملوا على مركزكم وما أنتم عليه من قوة، إنا عاملون، وسوف ينصر الله أولياءه ويذل أعداءه، وسوف تنزل بهم النقم والبلايا والرزايا، وينجو رسول الله والمؤمنون من ذلك.

    ثم قال له: قل لهم أيضاً: وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ [هود:122]، لا تستعجلوا، اعملوا وواصلوا عملكم الشر والباطل والفساد، ونحن عملنا الحق والخير، وانتظروا متى تدق الساعة وينزل العذاب، نحن منتظرون، أنتم منتظرون العذاب ونحن منتظرون الرحمة، أنتم منتظرون الهزيمة والانكسار ونحن منتظرون النصر والفوز بإذن الله؛ لأن من كان مع الله نصره ومن كان ضد الله خذله، وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ [هود:122].

    هذه المواقف ما نعرف قيمتها إلا أيام الشدة والبلاء، حين يقول تعالى لرسوله: قل لهم: اعملوا على مكانتكم وانتظروا إنا منتظرون، كانت أياماً صعبة جداً، وبهذا يثبت الله قلب رسوله صلى الله عليه وسلم ويشجعه على أن يبقى على دعوته لا يتخلى عنها بحال من الأحوال.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولله غيب السموات والأرض وإليه يرجع الأمر كله ...)

    ثم قال تعالى مخبراً عن واقع يجب أن يعلم: وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [هود:123] الغيب: ما غاب عن الأسماع والأبصار والعقول والقلوب أيضاً، من غيوب السماوات والأرض، إذاً: فهو الذي يعرف متى تدق ساعة نصر أوليائه وهزيمة أعدائه، هو الذي يعلم متى يفتح الله أبواب النصر ومتى يغلق أبواب النصر على المشركين والكافرين، ففي هذا تسليم الأمر لله وعدم الاستعجال وترك الأمر لله عز وجل، هو الذي يعلم غيب السماوات والأرض أولاً، وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ [هود:123] أيضاً، ومعنى هذا التسليم لله والانقياد لله، الطاعة لله، لا وسواس، لا خواطر، فوض الأمر لله، اعبد الله، توكل على الله حتى يفتح الله عليك وينصرك.

    وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [هود:123] وهنا يجب أن نعلم أن كل من يدعي الغيب فهو الخارج عن هذا النظام القرآني، القرآن يقول: فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ [يونس:20]، لا يعلم الغيب إلا الله، وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [هود:123]، فمن ادعى من الناس أنه يعلم ما يجيء به الغد، أو ما يحدث بعد كذا فقد حارب الله عز وجل فيما اختص به ونازعه في علم الغيب ويا ويله.

    وَلِلَّهِ [هود:123] خاصة دون غيره غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [هود:123] ، لو تجتمع البشرية كلها فلن تستطيع أن تقول: غداً يحدث كذا وكذا، إلا ما كتب الله وكان، وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ [الأنعام:59] سبحانه لا إله إلا هو.

    (وإليه يَرجعُ الأمر كله) في قراءة سبعية، وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ [هود:123] الخير والشر والنصر والهزيمة، السعادة والشقاء، الانتصار والانكسار، كله يرجع إلى الله هو الذي يدبره وهو الذي يوقعه، أما غير الله فلا يملك شيئاً، وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ [هود:123].

    معنى قوله تعالى: (فاعبده وتوكل عليه)

    وبناءً على هذا فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود:123]، هذه الفلسفة والخلاصة، بناء على هذا فاعبده.

    والعبادة -معاشر المستمعين والمستمعات- منشؤها حب المعبود وطاعته والرغبة فيما عنده، فتلك الطاعة التي بفعل الأمر وترك النهي الناجمة عن العلم والمحبة والخوف، تلك هي العبادة، وطاعة وأنت لا تحب المطاع ليست بعبادة، وطاعة وأنت تكره المطاع ليست بعبادة، وطاعة وأنت لا تخاف المطاع ليست بعبادة، لا بد أن تكون ناشئة عن حب وخوف في القلب.

    فَاعْبُدْهُ [هود:123] ذل له وانكسر بفعل ما يأمرك وترك ما ينهاك عنه، وقلبك مملوء بحبه والخوف منه، والرغبة والرهبة، فاعبده يا رسولنا، وأمته تابعة له، كل مؤمن تابع، فَاعْبُدْهُ [هود:123] أولاً، وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود:123] ثانياً، فوض أمرك إليه، عليك أن تعبده ولا تبال بما يحدث، لا تقل: عبدته فما انتصرت، تركت كذا فما انتفعت، فعلت كذا فما حصلت، انزع هذا من ذهنك، فوض أمرك إليه واعبده وحده دون سواه بحبه والرغبة فيما عنده، وبطاعته، وفوض الأمر إليه، متى شاء أن ينصرك فسينصرك، متى شاء أن يهزم عدوك فسيهزمه، عليك فقط أن تعبده متوكلاً عليه لا على غيره.

    والتوكل على الله لا يتنافى مع إعداد العدد، لا بد للمتوكل أن يعد عدته أيضاً لقتال أعدائه بالسلاح والآلات وما إلى ذلك، لا بد من الأخذ بالأسباب التي وضعها الله، ما هو بمتوكل ويترك يديه هكذا، لا بد أن يعمل حسب سنة الله عز وجل، أما التوكل بمعنى ترك العمل بالمرة فهذا باطل.. باطل.. باطل، لا بد أن يعد العدة اللازمة وأن يعمل العمل الواجب لتحقيق هدفه في نصرته وانتصار دينه، فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود:123] لا على غيره.

    معنى قوله تعالى: (وما ربك بغافل عما تعملون)

    وأخيراً: (وما ربك بغافل عما يعملون) كما في قراءة سبعية، و عَمَّا تَعْمَلُونَ [هود:123] كذلك، أي أنت يا رسول الله وأمتك والبشرية كلها ما ربك بغافل عما يعمل أعداؤك وخصومك من المشركين والظالمين، وسيجزيهم بحسب عملهم، ما دام أنه على علم بما يعملون وليس بغافل أبداً فسوف يجزيهم، وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [هود:123].

    من لطائف هذه الآية: أن كعب الأحبار يقول: هذه الآية بها ختمت التوراة، هذه الآية: فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [هود:123] هي نهاية كتاب التوراة المنزل على موسى عليه السلام.

    وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ [هود:123] إذاً فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [هود:123] ومعنى هذا: أنه يجزي العاملين الخير بالخير وعاملي الشر بالشر، هذه سنة الله وهذا عدله ورحمته.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    إليكم شرح الآيات من الكتاب:

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ معنى الآيات:

    لما قص تعالى على رسوله في هذه السورة الشريفة ما قصه من أنباء الرسل مع أممهم مبيناً ما لاقت الرسل من أفراد أممهم من تكذيب وعناد ومجاحدة، وكيف صبرت الرسل حتى جاءها النصر، أخبر تعالى رسوله بقوله: وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ [هود:120] أي: ونقص عليك كل ما تحتاج إليه في تدعيم موقفك وقوة عزيمتك من أنباء الرسل، أي: من أخبارها مع أممها الشيء الذي يثبت به قلبك حتى تواصل دعوتك وتبلغ رسالتك.

    وقوله تعالى: وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ [هود:120] أي: هذه السورة سورة هود الْحَقُّ [هود:120] من الأخبار كما جاءك في غيرها، وَمَوْعِظَةٌ [هود:120] لك تعظ بها غيرك، وَذِكْرَى [هود:120] يتذكر بها المؤمنون فيثبتون على الحق ويصبرون على الطاعة والبلاء، فلا يجزعوا ولا يملوا.

    وقوله تعالى: وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ * وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ [هود:121-122] أي: وقل يا رسولنا للذين لا يؤمنون من قومك ممن هم مصرون على التكذيب والشرك والعصيان، قل لهم: اعملوا على حالكم وما أنتم متمكنون منه، إنا عاملون على حالنا كذلك، وننتظر ما يحدث، وانتظروا أينا ينتصر في النهاية أو ينكسر.

    وقوله: وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [هود:123] فهو وحده يعلم متى يجيء النصر ومتى تحق الهزيمة، وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ [هود:123] أمر الانتصار والانكسار كأمر الهداية والإضلال، والإسعاد والإشقاء.. الكل إليه ويرجع إليه وعليه، فَاعْبُدْهُ [هود:123] يا رسولنا وحده دون سواه وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ [هود:123] وحده، فإنه كافيك كل ما يهمك من الدنيا والآخرة، وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [هود:123] أيها الناس، وسيجزي كلاً بما عمل من خير أو غيره، وهو على كل شيء قدير ].

    هداية الآيات

    معاشر المستمعين والمستمعات! من هداية الآيات ما يلي فتأملوا.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ أولاً: بيان فائدة القصص القرآني وهو أمور، منها:

    أولاً: تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم.

    ثانياً: إيجاد مواعظ وعبر للمؤمنين.

    ثالثاً: تقرير نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم وتأكيدها ]، لو ما كان رسولاً فكيف يقص قصة هود أو صالح؟ كونه يقص أخبار من مضى يدل يقيناً على أنه رسول أرسل وينبأ.

    إذاً: من هداية الآيات أولاً: بيان فائدة قصص القرآن، سواء في سورة هود أو يوسف أو إبراهيم أو النمل أو الشعراء أو القصص، حيث هو في القرآن الكريم، فائدته: تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم، والمؤمنين أيضاً الداعين القائمين بدعوة الله، يجدون في ذلك ما يثبت قلوبهم على الحق.

    ومن ذلك: إيجاد مواعظ وعبر، أيما مؤمن أو مؤمنة يقرأ القرآن ويمر بقصة من القصص إلا ويجد فيها العبرة والموعظة مما ينتفع به.

    ثالثاً: تقرير نبوة الرسول صلى الله عليه وسلم، هذا أمر مقطوع به، لولا أنه رسول ما أوحي إليه ولا قص عليه خبر الأولين.

    [ ثانياً: علم الغيب لله وحده لا يعلمه غيره ]، من أين استنبطنا هذا؟ من قوله تعالى: وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ [هود:123] فمن يدعي علم الغيب فقد أخطأ وزلت قدمه، وقد يكفر والعياذ بالله؛ إذ يكذب على الله، وسر عدم إطلاع الخليقة على الغيب لتنتظم الحياة في طريقها إلى نهايتها، لو كانوا يعلمون ما يحدث في العالم الفلاني فستقف الحياة، فهو عز وجل ساتر هذا لأجل فائدة البشر، فلهذا من العيب أن الله يستر الشيء وأنت تكشفه، فهذه اللطيفة قلناها، لو أنك تستر شيئاً فهل ترضى بمن يطلع عليك؟ تغضب عليه غضباً شديداً، فالله عز وجل ستر الأشياء لتمضي الحياة على ما هي، فيجيء الشخص ويكشف للناس فيقول: يقع كذا ويقع كذا، كالذي اعتدى على الله عز وجل وكشف ما يستره، فادعاء علم الغيب عيب كبير ونقص فظيع مع أنه من الشرك والكفر.

    [ ثالثاً: مرد الأمور كلها بداية وعودة ونهاية إلى الله تعالى ]، من أين أخذنا هذا؟ من قوله تعالى: وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ [هود:123] بداية ونهاية.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.