إسلام ويب

تفسير سورة هود (30)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يرشد الله سبحانه وتعالى نبيه الكريم، ومن معه من عباد الله المؤمنين إلى ما فيه صلاحهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة، ومن ذلك إقامة الصلاة، وحفظ أوقاتها، وأدائها على الوجه الأكمل الذي أمر الله به، لينتج عن أدائها تحصيل الحسنات، كما أرشد سبحانه إلى الصبر في سبيله، مبيناً أن ذلك من الإحسان الذي لا يضيع الله أجره وثوابه.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة -ليلة الأحد من يوم السبت- ندرس كتاب الله عز وجل القرآن الكريم؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود؛ إذ قال صلى الله عليه وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن ما زلنا مع سورة هود عليه السلام، وهي مكية، والمكيات من سور القرآن تعالج العقيدة بأعظم أركانها: التوحيد والنبوة والبعث الآخر، أي: تحقيق معنى لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وأن الآخرة حق؛ لأنها دار الجزاء على الكسب والعمل في هذه الدار.

    وهذه حقيقة يجب ألا تغيب عن ذهن مؤمن، وهي: أن هذه الحياة الدنيا هي حياة عمل خيراً كان أو شراً، وأن الدار الآخرة هي دار الجزاء إما بالنعيم المقيم أو بالعذاب الأليم، وليس سوى ذلك، فاعملوا وسيرى الله عملكم، فعلى عملنا نجزى خيراً كان أو شراً، هذه سنة الله، وسنن الله لا تتبدل.

    وها نحن مع هاتين الآيتين الكريمتين، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوتهما مجودة مرتلة، ثم نتدارسهما إن شاء الله.

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [هود:114-115].

    اشتمال الآية الكريمة على بيان أوقات الصلوات الخمس

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! هذه الآية إحدى ثلاث آيات نزلت في أوقات الصلوات الخمس، مع العلم أنها مجملة وأن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أمر ببيان المجمل وتفصيله، وفوق ذلك مما نعلم أن جبريل عليه السلام نزل من السماء بعد المعراج بساعات وصلى بالنبي صلى الله عليه وسلم حول الكعبة الصلوات الخمس، كل صلاة في وقتها، الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم جاء في اليوم الثاني، فاليوم الأول بدأ فيه الأوقات في أولها، والثاني في آخرها، ثم قال: ما بين هذين وقت، ما بين أمس من صلاة الصبح مع طلوع الفجر مباشرة واليوم قبل الإسفار، والظهر مع الزوال وفي اليوم الثاني بعد مصير ظل الشيء مثله، وهكذا، ما بين هذين وقت.

    وهذه الآية الكريمة يقول تعالى فيها: وَأَقِمِ الصَّلاةَ [هود:114]، والأمر للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته تابعة له، وإقامة الصلاة ليس أداء الصلاة، بل أداؤها على الوجه الكامل الذي ما فيه نقص ولا زيادة ولا اعوجاج ولا انحراف، كما تقيم الشيء، لا ميل ولا حيف، وذلك بأن تؤدى في أول أوقاتها مع الخشوع فيها، والإقبال على الله الصادق، مع طهارة الجسم وطهارة الثوب وطهارة المكان، مع استقبال البيت العتيق، تؤدى بهذه الصورة فتكون قد أقيمت على وجهها: وَأَقِمِ الصَّلاةَ [هود:114].

    والمراد من الصلاة هنا: الصلوات الخمس كما علمتم: الصبح، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء.

    وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ [هود:114]، فسر أكثر أهل العلم والصحابة طرفي النهار: بالصبح والظهر والعصر، الصبح أول النهار، النهار يبتدئ بطلوع الفجر، النهار مبدؤه طلوع الفجر، هذا الطرف الأول، والطرف الأخير: الظهر والعصر.

    وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ [هود:114]، الزلف: جمع زلفى، كغرفة وغرف، الساعة التي تلي الأخرى، إذاً: فأول ساعة ساعة المغرب، بعدما تغرب الشمس تدخل ساعة المغرب، بعدها بساعة تدخل صلاة العشاء، وهكذا: وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ [هود:114]، أي: وساعات من الليل، فالآية -إذاً- نص في بيان أوقات الصلوات الخمس.

    ذكر آيتي الإسراء والروم المشتملتين على بيان أوقات الصلوات الخمس

    وهناك آية من سورة الإسراء: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً [الإسراء:78-79].

    فقوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [الإسراء:78]، قال مالك : لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [الإسراء:78]: لميلانها من بعد وقوفها في كبد السماء، فيدخل الظهر، أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [الإسراء:78]، إلى متى؟ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ [الإسراء:78]، الظهر والعصر من دلوك الشمس، وغسق الليل وظلمته: المغرب والعشاء.

    وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78]، صلاة الصبح، هذه الآية دليل مالك في أوقات الصلوات الخمس.

    قال تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ [الإسراء:78] يا رسولنا لِدُلُوكِ الشَّمْسِ [الإسراء:78]، إلى متى؟ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ [الإسراء:78]، ما المراد من غسق الليل؟ ظلمته، أي: المغرب والعشاء.

    ثم قال: وَقُرْآنَ الْفَجْرِ [الإسراء:78]، الزمه، إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا [الإسراء:78].

    وقوله: وَمِنْ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ [الإسراء:79] النافلة: قيام الليل.

    وأخذ الإمام الشافعي رحمه الله بآية سورة الروم: فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ [الروم:17-18]، فهذه الأوقات الخمسة: فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ [الروم:17]، المغرب والعشاء، وسبحان الله وَحِينَ تُصْبِحُونَ [الروم:17]، صلاة الصبح، وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ [الروم:18]، العصر والظهر.

    وقد قلت لكم: الآيات مجملة تحتاج إلى بيان، فمن المسئول عن بيانها؟ النبي صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل:44]، والرسول محتاج إلى جبريل، وجبريل يرسله رب العالمين ويبين له، أو يلقي الله في روع النبي ويفهمه.

    معنى قوله تعالى: (إن الحسنات يذهبن السيئات)

    فهنا يقول تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ [هود:114]، وقوله تعالى: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114]، هذا خبر صدق، فمن المخبر؟ الله. وهل يتطرق إلى إخبار الله الكذب؟ مستحيل.

    إِنَّ الْحَسَنَاتِ [هود:114]، جمع حسنة، يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114]، يزلنها ولا يبقين لها أثراً، هذه سنة الله، فإذا كانت نجاسة في ثوبك فائت بالماء والصابون واغسلها فإنها تزول، فالماء والصابون الحسنة، والبول السيئة، فالحسنة هي التي تذهب السيئات: إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114]، ما من مؤمن ولا مؤمنة يرتكب سوءاً ثم يعقب عليه بحسنة إلا محاه الله عز وجل.

    والآية تحمل معنى آخر، وهي: أن الحسنات يمنعن من وقوع السيئات، فالملازم للحسنات ما يقارب السيئات؛ لأنه يمشي على نور من ربه، ما يرتكب أيضاً السيئات أبداً؛ لأنه يمشي على نور وهداية.

    سبب نزول الآية الكريمة

    وهنا ورد في سبب نزول هذه الآية أخبار، من أشهرها: أن رجلاً من رجالات المدينة كانت تماراً يبيع التمر، وكانت امرأة مؤمنة زوجها خرج إلى الجهاد في سرية من السرايا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاضطرت إلى أن تخرج هذه المرأة إلى السوق لتشتري تمراً لأطفالها الصغار، فذهبت، فلما مدت يدها لتعطيه النقود أعماه الشيطان فأكب على يدها يقبلها، فقالت: أما تخاف الله رب العالمين؟ فمن ثم فزع فزعاً شديداً، أخذ يحثو التراب على رأسه ويمشي في غير شعور إلى أحد، ثم عاد فدخل المسجد فسأل عمر ، فهدأه وسكنه فما سكن، فسأل أبا بكر ، ثم سأل الرسول صلى الله عليه وسلم بعد صلاة المغرب، فقال: ( هل صليت معنا؟ قال: نعم، قال: (( إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ))[هود:114]، وقرأ عليه هذه الآية، قال: ألي هذا يا رسول الله خاصة أم للناس عامة؟ فضرب عمر صدره وقال: لا، ولا نعمة عين، بل للناس عامة! فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: صدق عمر)، هذه الآية لكل مسلم ومسلمة، ما من مؤمن ولا مؤمنة يرتكب سوءاً ويعقب عليه بالصلاة إلا محاه الله عز وجل.

    ما تكفره الصلوات من الذنوب وبيان أنواع المكفرات

    وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ [هود:114]، لماذا؟ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114]، وهنا هل الكبائر تدخل في هذا أو لا تدخل؟

    ورد وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: ( ما لم تغش الكبائر )، ما لم تفعل الكبائر، فالصغائر من الذنوب تمحى بالصلوات الخمس، ما يقع بين الظهر والعصر يمحى، ما وقع بين العصر والمغرب يمحى، ما وقع ما بين المغرب والعشاء يمحى، ما وقع بين العشاء والصبح يمحى، إن كان من السيئات الصغيرة صغائر الذنوب؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ( ما لم تغش )، أي: ترتكب وتفعل ( الكبائر )، والكبائر: جمع كبيرة، وهي معروفة عند أهل العلم والمؤمنين، فالزنا كبيرة، الربا كبيرة، الغيبة كبيرة، النميمة كبيرة، السرقة كبيرة، الغش كبيرة، الخداع، كبائر الذنوب معروفة، ذات الأثر السيئ، هذه تحتاج إلى التوبة فقط، لا يمحو أثرها إلا أن يقول: أستغفر الله وأتوب إليه، وكله عزم وتأكيد ألا يعود لذلك الذنب أبداً، وإن عاد أيضاً فعليه ذلك، التوبة النصوح هي المكفرة لذنبه مهما عظم وعلا شأنه.

    وهناك ذنوب تكفر بما وضع الله لها من تكفيرات أو مكفرات، منها: الحلف، من حلف بالله كاذباً أو حلف بالله ولم يستثن وحنث فإنه يلحقه ذنب، فهذا الذنب بم يزول؟ لا بالتوبة ولا بالصلوات، ولكن بالكفارة التي وضعها الله: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، فإن عجز صام ثلاثة أيام.

    مثلاً: الطلاق بالتحريم: أنت علي حرام، هذا الفعل حرام، ولكن ما يكفره؟ أن يصوم ثلاثة أيام أو يطعم عشرة مساكين، وإن ظاهر من امرأته فقال: أنت علي كظهر أمي، هذا الذنب بم يكفر؟ لا بالتوبة، يكفر بالكفارة التي وضعها الله: صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكيناً.

    أما التوبة التي ما وضع لها حدوداً وكفارات فهي الاستغفار والندم والعزم، وجملتها فيما يلي:

    أولاً: أن يقول: أستغفر الله، ولو قالها بأعلى صوته وهو يجري.

    ثانياً: العزم على أن لا يعود لذلك الذنب أبداً.

    ثالثاً: الندم على ما فعله، هذا الندم يحمله على مواصلة الاستغفار والدعاء حتى يطهره الله عز وجل.

    هذا معنى قوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ [هود:114].

    معنى قوله تعالى: (ذلك ذكرى للذاكرين)

    ثم قال تعالى: ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود:114]، هذا ذكرى لمن؟ وموعظة لمن؟ للذاكرين، أما الناسين أما الغافلين أما اللاهين أما المعرضين فهل يجدون نفعاً في هذا الذكرى؟ قلوبهم مشغولة، أرواحهم منوطة بأشياء أخرى ومربوطة، لكن الذاكرين الله كثيراً والذاكرات هم الذين يجدون الموعظة بهذه.

    معنى هذا: أن الآية تحثنا على أن نكون من الذاكرين، والله! ما نغفل ساعة عن ذكر الله أبداً، ولا حتى نصف ساعة، ولا عشر دقائق ما استطعنا، فذكر الله بالقلب واللسان هو سبيل النجاة والطريق المحيي للقلب والنفس، فهذا المذكور من إقام الصلاة وتكفير السيئات بها ذكرى للذاكرين.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين)

    ثم قال تعالى لرسوله وأمته معه: وَاصْبِرْ [هود:115]، واصبر على ماذا؟ تقدم أن قررنا للأبناء والمؤمنات أن الصبر له ثلاثة مواطن:

    الموطن الأول: الصبر على طاعة الله ورسوله، بفعل أوامرهما وترك نواهيهما، وإن كان في ذلك مشقة أو تألم، لا بد من الصبر، فلا نفرط في فريضة ولا واجب أبداً، ولا ما أوجب الله أو ما استحب فعله وانتدبنا إليه.

    فالموطن الأول هو حبس النفس على الطاعة.

    ثانياً: حبس النفس دون المكاره والمحرمات، نربطها ونحبسها بالحبال الواثقة حتى ما تقدم على كلمة سوء أو نظرة محرمة أو فعل سيء أو جريمة من الجرائم ترتكبها، نحبسها حبساً شديداً.

    الموطن الثالث: حبسها على ما تبتلى به، إذ الله عز وجل يبتلي عباده المؤمنين والكافرين، الصالحين والفاسدين، المؤمنون يبتليهم؛ ليقوي إيمانهم ويعلي درجاتهم، ويصل بهم إلى مستويات ما كانوا يصلون إليها إلا بالابتلاء، إما بالجوع والفقر، إما بالآلام والمرض، ليمتحنهم بذلك.

    فالصبر: حبس النفس على ما تكره، حبس النفس على المكاره ذلك هو الصبر، وأمر الله به رسوله والمؤمنين: وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [هود:115]، فمن هم المحسنون؟ ضد المسيئين، من هم المسيئون؟ الذين يرتكبون السيئات، والمحسنون الذين يرتكبون الحسنات، فالحسنات مزكيات للنفس مطهرات، والسيئات مخبثات للنفس ملوثات، وعلينا أن نعرف الحسنة والسيئة؛ لنفعل الحسنة ونترك السيئة، وهذا يتطلب منا العلم، المعرفة من كتاب الله وهدي رسوله صلى الله عليه وسلم، فالعلم بالتعلم، والفقيه من فقهه الله في دينه، فلا بد من طلب العلم.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    معنى الآيات

    إليكم شرح الآيتين من الكتاب؛ لتزدادوا بصيرة ومعرفة.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ معنى الآيتين:

    ما زال السياق الكريم في توجيه الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وهدايتهم إلى ما فيه كمالهم وسعادتهم ]، توجيه الرسول والمؤمنين إلى كمالهم وما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة؛ لأنه وليهم ولا ولي لهم سواه، فلهذا لا يتركهم، [ فقال تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفِيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ [هود:114]، أي: أقمها في هذه الأوقات الخمسة، وهي الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء، ومعنى إقامتها: أداؤها على الوجه الأكمل لأدائها، فيكون ذلك الأداء حسنات يمحو الله تعالى بها السيئات.

    وقوله تعالى: ذَلِكَ [هود:114]، أي: المأمور به، وما يترتب عليه ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ [هود:114]، أي: عظة للذاكرين، أي: المتعظين.

    وقوله: وَاصْبِرْ [هود:115]، أي: على الطاعات فعلاً وتركاً، وعلى أذى المشركين ولا تجزع؛ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [هود:115]، أي: جزاؤهم يوم القيامة لا يضيعه، والمحسنون هم الذين يخلصون أفعالهم لله، ويؤدونها على الوجه الأكمل في أدائها فتنتج لهم الحسنات التي يذهب الله بها السيئات ].

    هداية الآيات

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيتين:

    من هداية الآيتين:

    أولاً: بيان أوقات الصلوات الخمس؛ إذ (طرفي النهار): هما الصبح وفيها صلاة الصبح، والعشي وفيها صلاة الظهر والعصر، كما أن (زلفاً من الليل): هي ساعاته، فيها صلاة المغرب وصلاة العشاء.

    ثانياً: بيان سنة الله تعالى في أن الحسنة تمحو السيئة، وفي الحديث: ( الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما ما لم تغش الكبائر ) ]، والكبائر إذا غشيناها نكفرها ونمحوها بالتوبة الصادقة النصوح، ومعنى تغشى: ترتكب ويدخل فيها.

    [ ثالثاً: وجوب الصبر والإحسان وأنهما من أفضل الأعمال ]، عرفنا الصبر أنه يكون في ثلاثة مواطن: على الطاعة، وعن ترك المحرمات، وعلى الأذى الذي يصيب المؤمن في بدنه أو في ماله، يصبر ويحتسب، والإحسان: الإخلاص للعمل وأداؤه على الوجه المطلوب كما شرعه الله وبينه، سواء كان ذلك صلاة أو صياماً.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.