إسلام ويب

تفسير سورة هود (29)للشيخ : أبوبكر الجزائري

  •  التفريغ النصي الكامل
  • كتب الله الاختلاف على عباده، وبين سبحانه أنه لولا كلمة سبقت من تأجيل العذاب وقيام الساعة لقضي بينهم، وأخبر تعالى أن كل فريق من تلك الفرق سيوفيهم جزاء أعمالهم يوم القيامة، ثم أمر نبيه والمؤمنين معه بالاستقامة على أمر الله وعدم الركون إلى الذين كفروا وظلموا أنفسهم من قبل.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم ...)

    الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

    وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فلا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئاً.

    أما بعد:

    فإن أصدق الحديث كتاب الله تعالى، وخير الهدي هدي سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.

    ثم أما بعد:

    أيها الأبناء والإخوة المستمعون! ويا أيتها المؤمنات المستمعات! إننا على سالف عهدنا في مثل هذه الليلة -ليلة الأربعاء من يوم الثلاثاء- ندرس كتاب الله عز وجل؛ رجاء أن نظفر بذلكم الموعود على لسان سيد كل مولود، إذ قال فداه أبي وأمي وصلى الله عليه ألف ألف وسلم: ( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ).

    وها نحن مع سورة نبي الله هود عليه السلام وهي مكية، والمكيات يعالجن العقيدة؛ لتقريرها وتأكيدها وتصحيحها، وهي عقيدة لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأن هذه الدار دار عمل، وأن الدار الآخرة دار الجزاء.

    ومعنا هذه الأربع الآيات، فهيا بنا لنصغي مستمعين تلاوتها مجودة مرتلة، ثم بعد ذلك نتدارسها، والله نسأل ألا يحرمنا العلم والعمل، إنه قريب مجيب.

    أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم. وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ * وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ [هود:110-113].

    معاشر المستمعين والمستمعات من المؤمنين والمؤمنات! قول ربنا جل ذكره: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ [هود:110]، لقد قص على رسولنا وأمته قصصاً عجيبة وأحداثاً جساماً عظيمة تمت على سطح هذه الأرض، أولها إغراق قوم نوح الذين كفروا بالتوحيد وكذبوا بالرسالة وأنكروا البعث الآخر، ثم قوم هود عليه السلام، ثم قوم صالح، ثم قوم لوط، ثم قوم شعيب، ثم فرعون وملؤه.

    والآن يقول لرسوله والمؤمنين مخبراً: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ [هود:110]، موسى هذا كليم الله، هذا ابن عمران، هذا أحد أنبياء بني إسرائيل، وقد تحدثنا عن تاريخه فيما مضى.

    والمراد من الكتاب هنا التوراة، والتوراة مأخوذة من النور والإنارة، أنور الزند: إذا أشعل النار فيه.

    فَاخْتُلِفَ فِيهِ [هود:110]، أي: فاختلف اليهود فيما بينهم، فمنهم من آمن ومنهم من كذب، منهم من عدل ومنهم من ظلم، منهم من بر ومنهم من فجر، ما طبقوه وما استقاموا على نوره وهدايته، اختلفوا فيه.

    وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ [هود:110]، بأن لا يبيدهم، وألا يقضي على وجودهم كما فعل مع قوم هود وصالح وثمود؛ لكان أنهى وجودهم، لماذا؟ لأن جريمتهم تستوجب ذلك، أينزل الله كتابه يحمل الشرائع والهداية الإلهية لتربية الناس وإصلاحهم فيختلفون فيه، هذا يكذب وهذا يؤمن، هذا يقول كذا، وهذا يؤول وهذا يحرف؟

    وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ [هود:110]، وهي أنه قضى بالجزاء يوم القيامة ليس في الدنيا، فيوم القيامة يوم الجزاء، فلذا ما عذبهم في الدنيا، ما مسخهم، ما سلط عليهم كذا؛ لأن الجزاء في الدار الآخرة، وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ [هود:110]؛ لأن الجريمة توجب ذلك، أي جريمة أعظم من أن يختلف الناس في كتاب ربهم، هذا يؤمن وهذا يكذب، هذا يعمل وهذا يفجر، هذا يصدق وهذا لا؟ هذا الخلاف يستوجب العذاب بدون شك، ولكن تدبير الله وقضاؤه أنه أخرهم إلى يوم القيامة، وهذا يعنينا نحن كذلك.

    معنى قوله تعالى: (وإنهم لفي شك منه مريب)

    فقوله تعالى: وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ [هود:110]، يذهب ابن جرير إلى أن قوله: وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ [هود:110] في هذه الأمة، في كفار قريش، والآية حمالة الوجوه، وإنما الواقع أن المسلمين اختلفوا في القرآن فمنهم من آمن ومنهم من كذب، فمنهم من أول وحرف ومنهم من استقام على منهجه وسار في طريق الله، وهذا ظاهر الآن.

    وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ [هود:110]، موقعهم في الريب والاضطراب والقلق النفسي، ما آمنوا الإيمان الصادق الصحيح، فمجرد اضطراب نفسي يسبب ريبة كبيرة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (وإن كلاً لما ليوفينهم ربك أعمالهم إنه بما يعملون خبير)

    ثم قال تعالى مخبراً عن الجزاء بعدما بين العمل: وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ [هود:111]، وإن كل أمة كل فرد كل قبيلة كل مكذب كل مصدق كل بر كل فاجر؛ الكل ليوفينهم -وعزته وجلاله- جزاء أعمالهم ولا ينقص منها شيئاً، تلك عدالة الله، وذلك لعلمه؛ إذ قال تعالى: إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [هود:111]، هذه الآية كأنها نظارة على رءوس البشر.

    فهذا كتاب الله آمنوا به واعملوا واتحدوا، فقالوا: نكذب، قالوا: نختلف، قالوا: نترك، قالوا: ما فيه جزاء إبادة واستئصال كما فعل تعالى مع قوم نوح وعاد وثمود، لكن يصيبهم في الدنيا نكبات وذل وعار وفقر وشنار، ولكن ما هو الجزاء؟ الجزاء في الدار الآخرة، ويتم الجزاء على أكمل الوجوه؛ لأنه تعالى عليم بما يعملون، خبير ذو الخبرة الكاملة.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا إنه بما تعملون بصير)

    تلك الآية موجهة إلينا، فهيا لنستقيم على منهج الله، فقد قال تعالى لرسوله: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ [هود:112]، هذه الجملة لما نزلت على الرسول صلى الله عليه وسلم تألم لها وتحير، وقال: ( شيبتني هود وأخواتها )؛ لأجل هذه الآية: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ [هود:112]، والاستقامة ضد الاعوجاج والانحراف، وبيناها كثيراً، هذا هو الطريق الموصل إلى رضا الله ودار السلام، وعن يمينه أوامر الله، وعن يساره نواهيه، وأنت استقم، لا تعوج، فانهض بالتكاليف بالأوامر افعلها بجد وصدق وإخلاص، وتجنب المنهيات والمحرمات في جد وصدق وإخلاص، وواصل مشيتك إلى باب السلام، هذا معنى الاستقامة، وجاء هذا في غير ما آية: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا [فصلت:30]، ما اعوجوا ولا مالوا ولا انحرفوا، ومظاهر الميلان والاعوجاج والانحراف في أمتنا كالشمس والقمر، أين الاستقامة على أن يحل ما أحل الله، ويحرم ما حرم الله في الأكل والشرب والقول والعمل والاعتقاد، أين النهوض بتلك التكاليف والواجبات؟ أين البعد عن تلك المنهيات المحرمات؟ هل هي ظاهرة متجلية فينا إلا ما شاء الله؟

    فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ [هود:112]، من عرب وعجم من هذه الأمة، الكل مأمور بأن يستقيم كما أمر الله، لا كما تميل النفوس وكما تهوى الشهوات والأباطيل.

    فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ [هود:112]، ليس هناك أبداً قياس ولا تصرف بأي نوع من التصرف، أوامر الله واضحة صريحة ونواهيه كذلك، لا بد من استقامة على ذلك، ومع التأويل والانحراف والتقديم والتأخير تأتي فتنة الهبوط، وَمَنْ تَابَ مَعَكَ [هود:112].

    ثانياً: وَلا تَطْغَوْا [هود:112]، أنت وأمتك، والطغيان ما هو؟ الترفع والتكبر مجاوزة الحد، الكبر الذي يمنع من أن يقول كلمة الحق، الكبر الذي يمنع من أن نمشي مشية المؤمنين، الكبر الذي يمنع من أن نركع ونسجد بين يدي رب العالمين.

    إذاً: وَلا تَطْغَوْا [هود:112]، أي: لا تتجاوزوا الحد فتستبيحوا ما حرم الله، أو تحرموا ما أحل الله، أو تتركوا ما أوجب الله وتفعلوا ما نهى الله عنه، هذا كله طغيان ومجاوزة للحد.

    وقال في التهديد والوعيد: إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [هود:112]، لا يخفى عليه من أمرنا شيء، حركة يدي هذه معلومة عند الله، وسجلت قبل أن توجد الأرض والسماوات.

    إذاً: إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [هود:112]، مطلع خبير، وسوف يجزينا بكسبنا بعملنا، إذ هو من صفاته العدل والرحمة وعدم الظلم، إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [هود:112].

    عظيم خطر الآية الكريمة ولازمها في حق الأمة

    أقول مرة ثانية: قيل للرسول صلى الله عليه وسلم: شبت، فقال: ( شيبتني هود وأخواتها )، الواقعة والحاقة والقارعة وما إلى ذلك.

    فنحن مأمورون بأن نستقيم كما أمرنا الله ورسوله، لا بد من معرفة أوامر الله وأوامر رسوله، وكيف تؤدى تلك الأوامر، وما هي أوقاتها وأزمنتها وظروفها وهيئاتها وصفاتها، لا بد من معرفة ما نهى الله ورسوله عنه لنبتعد عنه ونتركه، والذين لا يعلمون -والله- لا يستطيعون أبداً أن يستقيموا، فالذي ما يعرف كيف يستقيم؟ الذي ما يعرف الطريق يتخبط يميناً وشمالاً، فلا بد من العلم اليقيني بكل ما شرع الله من فرائض وما نهى وحرم من محرمات، وإلا فكيف نستقيم ونحن ما نعرف، فطلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، فما العلم هذا؟

    العلم هذا أن نعرف الله معرفة يقينية في نفوسنا بأسمائه وصفاته، فتملأ تلك الأسماء والصفات قلوبنا حباً في الله ورغبة ورهبة، ثم نعرف ما يحب ربنا من القول والعمل والاعتقاد؛ لنعمل المحبوب، ولنترك المكروه، وهذا لن يتم إلا بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ [هود:112]، من هو هذا؟ رسول الله، مع أن الله يعلم أن الرسول هو معصوم لا ينحرف لا يعوج لا يتأخر أبداً عن منهج الله، ولكن من باب: إياك أعني واسمعي يا جارة، نحن المقصودون بذلك، إذا كان قائدنا ورسولنا وإمامنا يوجه إليه هذا الخطاب: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ [هود:112] فنحن من باب أولى.

    فهيا لنستقيم، ولكن كيف نستقيم؟ على أي شيء نستقيم، ما هي الواجبات؟ ما هي الفرائض؟ كيف تؤدى؟ ما أوقاتها؟ ما أزمنتها؟ كيف نؤديها؟ ما هي المنهيات في الطعام في النكاح في الشراب؟ هيا نبتعد عنها، لا بد من هذا، وهذا متوقف أولاً على الدخول في الإسلام، بأن نقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، وبعد ذلك نقبل على أن نطيع الله ورسوله، وبذلك تتم الاستقامة.

    فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ [هود:112] ورجع إلى الإيمان بعد الكفر، والتوحيد بعد الشرك، والعدل بعد الظلم من البشرية كلها أبيضها وأسودها، إذ كل الأمم الموجودة رسول الله رسولها ونبيها.

    1.   

    تفسير قوله تعالى: (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون)

    ثم قال تعالى: وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ [هود:113]، هذا نهي صريح، لا يصح ولا يجوز لمؤمن أن يميل إلى فاسق إلى فاجر إلى كافر إلى ظالم وينصره ويقف إلى جنبه ويكون له كالركن، وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا [هود:113]، أولاً: المشركون الظالمون والكافرون، ثم كل ذي ظلم وشر وفساد ما نركن إليه ولا نقوي جانبه ولا نجالسه ولا نجتمع معه، هذه هداية الله: وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ [هود:113]، ومن مسته النار أحرقته، ومعنى هذا أنه سيدخل جهنم ويعذب بها، وهذا معروف، إذا ركنا إلى الظالمين الكافرين والمشركين شيئاً فشيئاً فسنلبس برانيطهم.

    الآن البرانيط على رءوسهم فيها الصليب أيضاً، فالركون إلى الفساق يحملك على الفسق، اركن إلى أهل الظلم واللصوص فستصبح لصاً معهم، اركن إلى المبتدعة والضلال فستصبح -والله- واحداً منهم، والله يوجه رسوله وأمته: وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنصَرُونَ [هود:113].

    ولما ركنت الأمة إلى الظلم والشر والفساد والكفر تمزقت وتشتت وذلت وهانت واستعمرت واستغلت، وهي إلى الآن تجري وراء الشرق والغرب لا رأس لها ولا عقل، وهذا نتيجة أنهم ركنوا إلى الذين ظلموا، ما استقاموا على الحق.

    ثُمَّ لا تُنصَرُونَ [هود:113]، وإذا أخذ الله عبداً فمن ينصره؟ لا أحد.

    1.   

    ملخص لما جاء في تفسير الآيات

    اسمعوا الآيات مرة ثانية: وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ [هود:110] اختلف فيه أهله، وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ [هود:110]، يا رسولنا، لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ [هود:110]، أي: المختلفين، واختلف النصارى في الإنجيل، واختلف المسلمون في القرآن، ولولا أنه أجل العذاب وأخره إلى يومه وساعته لكان ينزل العذاب، وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ [هود:110]، فاليهود كالنصارى كبعض العرب والمسلمين يوجد بينهم هذا النوع.

    وَإِنَّ كُلًّا [هود:111] من هذه الفرق كلها لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ [هود:111]، ماذا؟ أَعْمَالَهُمْ [هود:111]، أي: جزاء أعمالهم وافية، الخير بالخير، والشر بالشر، الحسنة بالحسنة، والسيئة بالسيئة، إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [هود:111]، فخبرته الواسعة وعلمه الكامل يستوجب أن يجزي كل واحد بعمله، ما هناك غلط ولا خطأ.

    فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ [هود:112]، إذاً: فاستقم يا رسول الله كما أمرت وليستقم من تاب معك عن الشرك والكفر ودخلوا في الإسلام.

    وَلا تَطْغَوْا [هود:112]، لا تتجاوزوا الحد فيما حدد لكم ووضع، لا في الأكل ولا الشرب ولا في الكلام ولا في النظر، إذ وضع الله شريعته قانوناً يسود القائمين عليه، ويهديهم إلى صراط مستقيم، فقط ينبغي أن نجلس هذه المجالس كل ليلة وطول العام لندرس كتاب الله وسنة رسوله، ونتعلم أحكام الشرع وما طلب الله منا فعله أو تركه.

    فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا [هود:112]، الطغيان: مجاوزة الحد، الخروج عن النظام هو الطغيان.

    إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [هود:112]، ويجزي الذين طغوا بطغيانهم، ويجزي الذين عدلوا بعدلهم.

    وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا [هود:113]، سواء كانوا حكومات أو أفراداً أو جماعات أو أحزاباً، الركون إليهم وتأييدهم، والوقوف إلى جنبهم حرمه الله عز وجل وتوعد عليه، وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ [هود:113] والله لا تُنصَرُونَ [هود:113]، وقد تم هذا وشاهدناه في أمتنا لما اختلفت في كتاب الله وتمزقت.

    1.   

    قراءة في كتاب أيسر التفاسير

    هداية الآيات

    إليكم هداية الآيات.

    قال المؤلف غفر الله له ولكم ورحمه وإياكم والمؤمنين:

    [ هداية الآيات:

    من هداية الآيات:

    أولاً: تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم، والتخفيف عنه مما يجده من جحود الكافرين ]، تسلية الرسول والتخفيف عنه مما يعاني ويقاسي من سب المشركين ولعنهم وكفرهم وشركهم، لولا أن الله يسليه ويثبته فإنه ما يقدر، ما يثبت.

    [ ثانياً: بيان سبب تأخير العذاب في الدنيا ]، ما هو السبب؟ الآن الفجار والسراق والكذبة والملاحدة ملئوا الدنيا، فأين العذاب؟ ما هو وقته؟ متى؟

    موعده الآخرة، يوم القيامة، للقاعدة التي علمتم، وهي: أن هذه الدار دار عمل خير وشر، والدار الآخرة دار جزاء على هذا العمل في هذه الدنيا، وما نشاهد من عذاب في الدنيا ما هو إلا من شؤم السيئات، وما نشاهد من خير ما هو إلا من بركة الحسنات، أما الجزاء فوالله! لفي الدار الآخرة، لم أوجد الله تلك الدار؟ لأجل أن يجزي فيها الناس بما عملوا، لماذا أوجد الآن العمل خيراً وشراً؟ لأن هناك عالم الشقاء النار، وعالم السعادة الجنة.

    [ بيان سبب تأخير العذاب في الدنيا، وهو أن الجزاء في الآخرة لا في الدنيا.

    ثالثاً: الجزاء الأخروي حتمي لا مناص منه ]، لا يتخلف أبداً؛ [ إذ به حكم الحق عز وجل ]، الجزاء الأخروي حتمي لا يتخلف أبداً؛ إذ به حكم الحق جل جلاله وعظم سلطانه، من أين أخذنا هذا؟ من قوله تعالى: وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [هود:111]، الصالح والفاسد، والبار والفاجر.

    [ رابعاً: وجوب الاستقامة على دين الله تعالى عقيدة ] صافية خالية من الخرافات والترهات والأباطيل والتحريفات والتأويلات، [ وعبادة ] تؤدى كما أداها رسول الله صلى الله عليه، [ وحكماً ] كما حكم، [ وأدباً ]، هكذا تكون الاستقامة، فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ [هود:112]، نستقيم على ماذا؟ على منهج الحق نسلك الطريق إلى الجنة، الواجبات عن يميننا، والمحرمات عن شمالنا، فلا تترك واجباً ولا تمل إلى محرم، وامش إلى أن تنتهي ساعتك وينتهي أجلك. فمن أين أخذنا هذا؟

    من قوله تعالى: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [هود:112].

    [ خامساً: حرمة الغلو وتجاوز ما حد الله تعالى في شرعه ]، وَلا تَطْغَوْا [هود:112]، الطغيان: مجاوزة الحد، إذاً: حرمة الغلو، وتجاوز ما حد الله تعالى في شرعه كذلك محرم، حرمة الغلو حتى في الصلاة والعبادات، وتجاوز ما حد الله لعباده في تربيتهم وآدابهم في شرعه.

    [ سادساً: حرمة مداهنة المشركين، أو الرضا بهم أو بعملهم؛ لأن الرضا بالكفر كفر ].

    [ حرمة مداهنة المشركين، أو الرضا بهم ] راض بشركهم وبهم، أو راض بعملهم؛ [ لأن الرضا بالكفر كفر ].

    وهنا لطيفة علمية مفقودة: ما الفرق بين المدارة والمداهنة؟ هناك فرق بين المدارة والمداهنة:

    المدارة: أن تتنازل عن شيء من دنياك؛ لتحفظ شيئاً من دينك، تتنازل عن نعلك أو عن شاتك أو عن كذا؛ من أجل أن تحفظ دينك، هذه هي المدارة، دارهم ما دمت في دارهم، تريد أن يتحقق على يد هذه الحاكم أو هذا المسئول خير لأمتك فافتح له باب السيارة، أصلح نعله ولا حرج؛ لأنك تفعل ذلك من أجل أن تحفظ شيئاً من دينك.

    والمداهنة -والعياذ بالله- كما قال تعالى: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ [القلم:9]: أن تتنازل عن شيء من دينك لتحفظ شيئاً من دنياك، وهذا هو العام عند أكثر الناس، المداهنة -والعياذ بالله-: تتنازل عن شيء من دينك؛ لتحفظ شيئاً من دنياك، والعكس هو المدارة: تتنازل عن شيء من دنياك من مالك من جسمك من وقتك؛ لتحفظ شيئاً من دينك، هذه المدارة المحمودة، أما المداهنة: فتتنازل عن شيءٍ من دينك ليضيع من أجل أن تحفظ شيئاً من دنياك حتى لا يضيع.

    قال: [حرمة مداهنة المشركين أو الرضا بهم، أو بعملهم ]، لماذا؟ [ لأن الرضا بالكفر كفر ]، الرضا بالزنا زنا، الرضا بالربا ربا، الرضا بالكذب كذب وهكذا، قاعدة عامة: ما دمت رضيت بهذا فأنت كفاعله، ومن مظاهر الربا أن نودهم ونجلس إليهم، ونضاحكهم ونعمل معهم.

    وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.